مالك، عن نافع مولى ابن عمر
3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333
Page 7 of 79
- vol. 8, p. 401
ولا يجُوزُ عِند الشّافِعيِّ بَيْعُ شيءٍ مُغيَّب في الأرْضِ، حتَّى يُقلَعَ ويُنظَرَ إليه.
-
وجائزٌ عندَ أبي حنيفةَ بَيْعُ الفُجْل، والجَزرِ، والبَصل، ونحوِهِ، مُغيَّبًا في الأرضِ، ولهُ الخِيارُ إذا قَلَعهُ ورآهُ.
-
هذا إذا قَلَعهُ البائعُ، فإن خَلَّى بينهُ وبين المُشْتري فقَلَعهُ المُشتري، فلم يَرْضَهُ، فإن كان القَلْعُ لم يَنْقُصهُ، فلهُ الخيارُ، وإن كان نَقَصهُ القَلْعُ بطَلَ خيارُ الرُّؤيةِ.
-
ولا خِلافَ بين العُلماءِ في بَيْع الثِّمارِ والبُقُولِ والزَّرع على القَطْع (٥) ، وإن لم يَبْدُ صَلاحُهُ، إذا نُظِرَ إلى المبيع منهُ، وعُرِفَ قَدْرُهُ.
- vol. 8, p. 402
حديثٌ سادِسٌ لنافِع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافِع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزابَنَةِ. والمُزابَنَةُ: بَيْعُ الثَّمرِ بالتَّمرِ كَيْلًا، وبَيْعُ الكَرْم بالزَّبيبِ كَيْلًا.
قال أبو عُمر (٢) : هكذا روى يحيى، وجُمهُورُ رُواةِ "المُوطَّأ" هذا الحديث عن مالكٍ (٣) ، إلّا ابن بُكَيرٍ، فإنَّهُ قال فيه: عن مالكٍ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزابَنَةِ والمُحاقَلَة (٤) .
-
فزادَ ذِكر المُحاقلةِ في هذا الحديثِ بهذا الإسنادِ، ثُمَّ ذكَرَ تفسير المُزابَنةِ وحدَها، كما ذكَرَ يحيى وغيرهُ، إلّا أنَّهُ قال: والمُزابنةُ: بَيْعُ الرَّطبِ بالتَّمرِ كيلًا. والمعنى واحِدٌ، لأنَّ الثَّمَرَ هُو ما دامَ رُطبًا في رُؤُوسِ النَّخل (٥) ، فإذا يَبِسَ وجُدَّ، فهُو تمرٌ.
-
ورَوَى هذا الحديثَ (٦) أيُّوبُ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ نَهَى عن المُزابَنَةِ. ولم يذكُرِ المُحاقَلَةَ، قال: المُزابَنَةُ: أن يَبِيع الرَّجُلُ ثَمَرتهُ بكَيْل، إن زادَ فلي، وإنَّ نقَصَ فعليَّ (٧) .
- vol. 8, p. 403
وهذا تفسيرٌ جمَعَ (١) معْنَى المُزابَنَةِ كُلَّهُ، وقد مَضَى تفسيرُهُ (٢) في بابِ داود.
-
وروى عُبيد الله (٣) بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيْع الثَّمرِ بالتَّمرِ كَيْلًا (٤) ، وعن بَيْع العِنَبِ بالزَّبيبِ كيلًا، وعن بَيْع الزَّرع بالحِنْطَةِ كَيْلًا.
-
هكذا رواهُ (٥) أبو داودَ (٦) ، عن أبيي بكر بن أبي شيْبةَ، عن ابن أبي زائدةَ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ.
-
ورواهُ يحيى القطّانُ، عن عُبيدِ الله، قال: أخبرني نافِعٌ، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزابنةِ. والمُزابَنَةُ: اشْتِراءُ التَّمرِ بالثَّمرِ كيلًا، واشْتِراءُ الحِنْطةِ بالزَّرع كَيْلًا؛ حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، فذكَرهُ (٧) .
-
ولا خِلافَ بين العُلماء: أنَّ المُزابَنَةَ ما ذُكِرَ في هذه الأحاديثِ تَفْسيرُهُ عن ابن عُمرَ من قولهِ، أو مرفُوعًا، وأقلُّ ذلكَ أن يكونَ من قولهِ، وهُو راوي الحديثِ، فيُسلَّمُ لهُ، فكيفَ ولا مُخالفَ (٨) في ذلك.
- vol. 8, p. 404
وكذلك كلُّ ما كان في معْنَى ما جَرَى ذِكرُهُ في هذه الأحاديثِ من الجُزافِ بالكيلِ في الجِنْسِ الواحِدِ المطعُوم، أوِ الرَّطْبِ باليابِسِ من جِنْسِهِ.
-
وكلُّ ما لا يجُوزُ فيه التَّفاضُلُ، لم يجُز بيعُ بعضهِ ببعضٍ جُزافًا بكيل، ولا جُزافًا بجُزافٍ، لعدَم المُماثلةِ المأمُورِ بها في ذلكَ، ولمُواقَعةِ القِمارِ، وهُو الزَّبنُ، على ما تَقدَّم شرحُهُ في بابِ داود بن الحُصَينِ، ألا ترى أنَّ كل ما وردَ الشَّرعُ بأن لا يُباعَ إلّا مِثلًا بمِثْل، إذا بِيعَ منهُ مجهُولٌ بمَجْهُول، أو معلُومٌ بمَجْهُول، أو رَطْبٌ بيابِسٍ، فقد دخَلَ في ذلك التَّفاضُلُ وجَهْلُ المُماثلةُ، وما جُهِلَتْ حَقِيقةُ المُماثلةِ فيه لم يُؤمَنْ فيه التَّفاضُلُ، فدخلَ في ذلك الرِّبا، لأنَّ الحديث وردَ في مِثلِ ذلكَ: "أنَّ من زادَ، أو ازدادَ، فقد أرْبَى" (١) . وفي ذلك قِمارٌ وخَطَرٌ أيضًا.
-
وهذا كلُّهُ يَقْتضيهِ معْنَى المُزابَنَةِ، فإن وقَعَ البيعُ في شيءٍ من المُزابَنَةِ، فُسِخ إن أُدرِك قبلَ القَبْضِ وبعدهُ، فإن قُبِضَ وفاتَ، رجَعَ صاحِبُ التَّمر بمكيلةِ تمرِهِ (٢) على صاحِبِ الرُّطبِ، ورجَعَ صاحِبُ الرُّطبِ بقيمةِ رُطَبِهِ على صاحِبِ التَّمرِ يومَ قَبَضَه بالغًا ما بلغَ، وما فاتَ (٣) منهُ قبلَ قَبْضِهِ فمُصيبتُهُ من صاحِبِهِ.
-
وأمّا قولُهُ: "الثَّمَرُ بالتَّمرِ" . فإنَّ الرِّوايةَ فيه الكلمةُ الأولى بالثّاءِ المنقُوطةِ بثلاثٍ، مع تحريكِ الميم، وهُو ما في رُؤُوسِ النَّخل رُطبًا، فإذا جُدَّ (٤) ويبِسَ، قيل لهُ: تمرٌ، بالتّاءِ المنقُوطةِ باثنتينِ، مع تسكينِ الميم.
- vol. 8, p. 405
ويدخُلُ في هذا المعْنَى بيعُ الرَّطبِ باليابِسِ من جِنسِهِ، وبيعُ الجُزافِ بالكيل، وبيعُ ما جُهِلَ من المأكول (١) بمعلُوم أو مجهُول، فقِفْ على هذه الأُصُول، وسيأتي تمهيدُ معْنَى بَيْع الرُّطبِ بالتَّمرِ، وما للعُلماءِ في ذلك من المذاهِبِ في بابِ عبدِ الله بن يزيدَ، عندَ قولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أينقُصُ الرَّطبُ إذا يبِسَ؟ " (٢) إن شاءَ الله.
-
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بن فُضَيل (٤) ، عن أبيهِ، عن أبي حازِم، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الحِنطةُ بالحِنْطَةِ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلْحُ بالمِلح، يدٌ بيَدٍ، كيلٌ بكَيْل، وزنٌ بوَزنٍ، فمن زادَ شيئًا أوِ اسْتَزادَ، فقد أرْبَى، إلّا ما اختَلَفتْ ألْوانُه (٥) " .
قال أبو عُمر: هذا أصلُ هذا البابِ، وهُو يَقْتضي المُماثلةَ في الجِنْسِ الواحدِ، ويحرُمُ الازْدِيادُ فيهِ.
-
وأمّا النَّسيئةُ في بيع الطَّعام بالطَّعام جُمْلةً، فذلكَ غيرُ جائزٍ عندَ جُمهُورِ العُلماءِ، لقولهِ عليه السَّلامُ: "البُرُّ بالبُرِّ رِبًا، إلّا هاء وهاء" (٦) . فالجِنسُ الواحِدُ
vol. 8, p. 406من المأكُولاتِ يدخُلُهُ الرِّبا من وَجْهين: الزِّيادةُ والنَّسيئةُ، والجِنْسانِ يَدْخُلُهُما الرِّبا من وَجْه (١) واحِدٍ، وهُو النَّسيئةُ.
-
وقد أوْضَحنا هذا الأصل في مَواضِعَ من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.
-
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْب، قال: أخبرني يونُسُ بن يزيدَ، عن ابن شِهاب، قال: حدَّثني ابنُ المُسيِّبِ، وأبو سَلَمةَ: أنَّ أبا هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تَبايَعُوا الثَّمَرَ (٢) بالتَّمرِ" . قال ابنُ شِهاب: وحدَّثني سالمٌ، عن ابن عُمرَ، عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مِثلهُ (٣) .
-
ورَوَى ابنُ وَهْبٍ أيضًا في "مُوطَّئهِ" قال: أخبرني ابنُ جُرَيج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابر: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعْ الصُّبرةِ من التَّمرِ، لا يُعلَمُ كَيْلُها، بالكَيْلِ المُسمَّى من التَّمر (٤) .
-
ورَوَى سعدُ بن أبي وقّاصٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ نَهَى عن بيع التَّمرِ بالرُّطبِ نَسيئةً، ويدًا بيَد (٥) .
-
وهذه الأحاديثُ كلُّها تُفسِّر المُزابَنَةِ ومعناها (٦) ، وهي أصْل وسُنَّةٌ مُجتمَعٌ عليها، والحمدُ لله (٧) .
- vol. 8, p. 407
حديثٌ سابعٌ لنافِع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيْع حَبَلِ الحَبَلة. وكان بيعًا يتبايَعُهُ أهلُ الجاهِليَّةِ، كان الرَّجُلُ يبتاعُ الجزُورَ، إلى أن تُنْتَج النّاقَةُ، ثُمَّ تُنتَجَ التي في بَطْنِها.
-
قد جاءَ تفسيرُ هذا الحديثِ كما تَرى في سياقِهِ، وإن لم يكُن تَفسيرُهُ مرفُوعًا، فهُو من قِبَلِ ابن عُمرَ، وحَسْبُكَ.
-
وبهذا التَّأويل قال مالكٌ والشّافِعيُّ وأصحابُهُما، وهُو الأجَلُ المجهُولُ، ولا خِلافَ بين العُلماء: أنَّ البيعَ إلى مِثلِ هذا من الأجَلِ لا يجُوزُ، وقد جعلَ الله الأهِلَّةَ مَواقيتَ للنّاسِ، ونَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن البَيْع إلى مِثلِ هذا من الأجَل، وأجمَعَ المُسلمُونَ على ذلكَ، وكَفَى بهذا عِلمًا.
وقال آخرُونَ في تأويل هذا الحديث: معناهُ بَيْعُ ولَدِ الجَنينِ الذي في بَطْنِ النّاقَةِ. هذا قولُ أبي عُبيدٍ. قال أبو عُبيد (٢) ، عن ابن عُليَّةَ: هُو نِتاجُ النِّتاج، وبهذا التَّأويل قال أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بنُ راهُوْيَة.
-
وقد فسَّر بعضُ أصحابِ مالكٍ هذا الحديث بمِثلِ ذلك أيضًا.
-
وهُو بَيْعٌ أيضًا مُجتمَعٌ على أنَّهُ لا يجُوزُ ولا يحِلُّ، لأنَّهُ بيعُ غَررٍ ومجهُولٌ، وبيعُ ما لم يُخلَقْ، وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ ذلك لا يجُوزُ في بُيُوع المُسلمينَ.
-
وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ نهى عن المَجْر (٣) . وهُو بيعُ ما في بُطُونِ الإناثِ.
- vol. 8, p. 408
ونَهَى عن المضامِينِ والمَلاقِيح (١) . وأجمعُوا أنَّهُ بيعٌ لا يجُوزُ.
قال أبو عُبيد (٢) : المضامينُ: ما في البُطُونِ، وهي الأجِنَّةُ، والمَلاقيحُ: ما في أصْلابِ الفُحُول. وهذا تفسيرُ ابن المُسيِّبِ وابنِ شِهابٍ؛ ذكَرَ مالكٌ في "مُوطَّئهِ" (٣) عن ابن شِهاب، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، أنَّهُ كان يقولُ: لا رِبا في الحيوانِ، وإنَّما نُهِيَ من الحَيوانِ عن ثلاث: عن المَضامِينِ، والمَلاقِيح، وحَبَلِ الحَبَلةِ، والمضامِينُ: ما في بُطُونِ الإناثِ، والمَلاقيحُ: ما في ظُهُورِ الجِمال.
وقال غيرُهُ: المَضامِينُ: ما في أصْلابِ الفُحُول، والمَلاقِيحُ: ما في بُطُونِ الإناثِ. وكذلك قال أبو عُبيدٍ، واحتجَّ بقول الشّاعِر:
ملقُوحةٌ في بَطْنِ نابٍ حائل (٤)
-
وذكَرَ المُزنيُّ، عن ابن هشام (٥) شاهِدًا، بأنَّ الملاقِيح، ما في البُطُونِ، لبعضِ الأعراب (٦) :
منَّيتني مَلاقِحًا في الأبْطُنِ
تُنتِجُ ما تَلْقَح (٧) بعدَ أزْمُنِ
vol. 8, p. 409وكيفَ كان، فإنَّ بيعَ هذا كلِّهِ باطِلٌ لا يجُوزُ عندَ جماعةِ عُلماءِ المُسلمينَ، وقد نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المُلامَسَةِ والمُنابذة (١) . فكيفَ بمِثلِ هذا من بيع ما لم يُخلَقْ؟
-
وهذا كلُّهُ يدخُلُهُ المجهُولُ والغَررُ، وأكلُ المال بالباطِل، وفي حُكم الله ورسُولهِ تحريمُ هذا كلِّهِ، فإن وقَعَ شيءٌ من هذا البيع، فُسِخَ إن أُدرِكَ، فإن قبِضَ وفاتَ، رُدَّ إلى قيمتِهِ يومَ قُبِضَ، لا يوم تبايَعا، بالغًا ما بلَغَ، كانتِ القِيمةُ أكثر من الثَّمنِ أو أقلَّ، وإن أُصيبَ قبلَ القَبْضِ، فمُصيبتُهُ من البائع أبدًا.
-
وقد مَضَى تفسيرُ المُلامَسةِ وغيرِها، فيما سَلَف من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.
- vol. 8, p. 410
حديثٌ ثامِنٌ لنافِع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ أنَّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَبِعْ بعضُكُم على بَيْع بعضٍ" .
-
هكذا روى يحيى هذا الحديث دُونَ زيادةِ شَيءٍ. وتابَعَهُ ابنُ بُكَيرٍ، وابنُ القاسم، وجماعةٌ.
-
ورواهُ قومٌ عن مالكٍ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَبِعْ بعضُكُم على بَيْع بعضٍ، ولا تلَقَّوُا السِّلعَ حتَّى يُهبَطَ بها الأسْواقُ" . وهذه الزِّيادةُ صحيحةٌ لابنِ وَهْب (٢) ، والقعنبيِّ (٣) ، وعبدِ الله بن يُوسُف (٤) ، وسُليمان بن بُردٍ، عن مالكٍ، وليست لغيرِهِم (٥) ، وهي صحيحةٌ، وأمّا سائرُ أصحابِ مالكٍ فإنَّما (٦) هذا المعنى، وهذه الزِّيادةُ عندَهُم في حديثِ أبي الزِّناد (٧) ، وهي صَحِيحةٌ محفُوظةٌ من حديثِ مالكٍ وغيرِهِ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، في النَّهْي عن تلقِّي السِّلَع، حتَّى يُهبَطَ بها الأسْواقُ.
vol. 8, p. 411قال أبو عُمر: معْنَى قولهِ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ على بَيْع بعضٍ ". و" لا يَبِع أحدُكم (١) على بيع أخيهِ، ولا يَسُمْ على سَوْمِهِ " (٢) . عندَ مالكٍ وأصحابِهِ معنًى واحِدٌ كلُّهُ، وهُو أن يَسْتحسِن المُشتري السِّلعةَ ويهواها، ويركَنُ إلى البائع ويميلُ إليه ويتذاكَرانِ الثَّمنَ، ولم يبق إلّا العَقْدُ والرِّضى الذي يتمُّ به البيعُ، فإذا كان البائعُ والمُشْتري على مِثل (٣) هذه الحال، لم يَجُزْ لأحدٍ أن يَعْتَرِضهُ، فيَعْرِض على أحدِهِما ما (٤) يُفسِدُ به ما هُما عليه من التَّبايُع، فإن فعَلَ أحدٌ ذلكَ، فقد أساءَ، وبِئسَما فعَلَ، فإن كان عالمًا بالنَّهي عن ذلكَ، فهُو عاصٍ للّه.
-
ولا أقُولُ: إنَّ من فعَلَ هذا، حرُمَ بيعُهُ الثّاني، ولا أعلمُ أحدًا من أهل العِلم قالهُ، إلّا رِوايةً جاءَت عن مالكٍ بذلكَ. قال: لا يبِع الرَّجُلُ على بَيْع أخيهِ، ولا يخطُبُ على خِطْبةِ أخيهِ، ومن فعلَ ذلكَ فُسِخَ البيعُ ما لم يَفُت، وفُسِخَ النِّكاحُ قبلَ الدُّخُول.
-
وقد أنكَرَ بعضُ (٥) أصْحابِ مالكٍ هذه الرِّوايةَ عن مالكٍ في البيع دُونَ الخِطْبةِ، وقالوا: هُو مكرُوهٌ لا يَنْبغي.
-
وقال الثَّوريُّ، في قول رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَبِعْ بعضُكُم على بيع بعضٍ".