مالك، عن نافع مولى ابن عمر
3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333
Page 8 of 79
- vol. 8, p. 411
أن يقول: عِندِي ما هُو خيرٌ منهُ.
- vol. 8, p. 412
وأمّا الشّافِعيُّ، فقولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَبِعْ بعضُكُم على بَيع بعضٍ" . معناهُ عندَهُ أن يبتاع الرَّجُلُ السِّلْعةَ فيَقْبِضُها ولم يَفْترِقا، وهُو مُغْتبِطٌ بها غيرُ نادِم عليها، فيأتيهِ قبلَ الافْتِراقِ من يَعْرِضُ عليه مِثل سلْعتِهِ، أو خيرًا منها، بأقلَّ من ذلك الثَّمنِ، فيَفْسَخَ بيعَ صاحِبِهِ، لأنَّ الخِيارَ قبل التَّفرُّقِ، فيكونُ هذا فسادًا (١) .
قال أبو عُمر: وأمّا قولُهُ - صلى الله عليه وسلم - "لا يَسُمِ (٢) الرَّجُلُ على سَوم أخيهِ" (٣) . فيُشبِهُ أن يكونَ مذهبُ الشّافِعيِّ في تأويلِ هذا اللَّفظِ، كمذهبِ مالكٍ وأصحابِهِ، في قولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَبِعْ أحدُكُم على بَيع أخيهِ، ولا يَسِم على سَوْمِهِ" ، واللّه أعلمُ.
-
ولا خِلافَ عن الشّافِعيِّ وأبي حَنِيفةَ، في أنَّ هذا العقدَ صحيحٌ، وإن كُرِهَ لهُ ما فعلَ. وعليه جُمهُورُ العُلماءِ.
-
ولا خِلاف بينهم في كراهيةِ بَيْع الرَّجُل على بيع أخيهِ المُسلم، وسَوْمِهِ على سَوْم أخيهِ المُسلم. ولم أعلم أحدًا منهُم فسَخَ بيع من فعلَ ذلكَ، إلّا ما ذكرتُ لك عن بعضِ أصحابِ مالكِ بن أنسٍ ورواهُ أيضًا عن مالكٍ، وأمّا غيرُهُ، فلا يُفسَخُ البيعُ عندَهُ، لأنَّهُ أمرٌ لم يتِمَّ أوَّلًا، وقد كان لصاحِبِهِ أن لا يُتمَّهُ إن شاءَ.
-
وكذلكَ لا أعلمُ خِلافًا في أنَّ الذِّمِّيَّ لا يجُوزُ لأحَدٍ أن يبيعَ على بيعِهِ، ولا يسُومَ على سَوْمِهِ، وأنَّهُ والمُسلمُ في ذلك سَواءٌ، إلّا الأوزاعيَّ، فإنَّهُ قال:
vol. 8, p. 413لا بأسَ بدُخُول المُسلم على الذِّمِّيِّ في سَوْمِهِ، لأنَّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - إنَّما خاطَبَ المُسلمين في أن لا يبيع بعضُهُم على بيع بعضٍ، وخاطَبَ المُسلم أن لا يبيع على بيع أخيهِ المُسلم، فليس الذِّمِّيُّ كذلك (١) .
وقال سائرُ العُلماء: لا يجُوزُ ذلك، والحُجَّةُ لهم: أنَّهُ كما دخلَ الذِّمِّيُّ في النَّهي عن النَّجْشِ، وفي رِبح ما لم يُضمَنْ ونحوِهِ، كذلك يدخُلُ في هذا. وقد يُقالُ: هذا طريقُ المُسلمينَ، ولا يُمنَعُ ذلك أن يدخُلَ فيه ويسلُكهُ أهلُ الذِّمَّةِ.
-
وقد أجمعُوا على كَراهيةِ سوم الذِّمِّيِّ على الذِّمِّيِّ، فدلَّ على أنَّهُم مُرادُونَ، واللّه أعلمُ (٢) .
-
وأمّا تلقِّي السِّلع (٣) ، فإنَّ مالكًا قال (٤) : أكَرهُ أن يَشْترِيَ أحدٌ من الجَلَبِ في نُواحي المِصْرِ حتَّى يُهبَطَ بها الأسواقَ. فقيلَ لهُ: فإن كان على سِتَّةِ أمْيال، فقال: لا بأسَ به (٥) . ذكرهُ ابنُ القاسم عن مالكٍ.
وقال ابنُ وَهْب: سَمِعتُ مالكًا، وسُئلَ عن الرَّجُلِ يخرُجُ في الأضْحَى إلى مِثْلِ الإصْطَبل، وهُو نحوٌ من مِيل، يَشْتَرِي ضحايا، وهُو مَوْضِعٌ فيه الغَنَمُ، والنّاسُ يخرُجُونَ إليهم يَشْترُونَ منهُم هُناكَ. فقال مالك: لا يُعجِبُني ذلك، وقد نُهِيَ عن تَلقِّي السِّلع، فلا أرى أن يُشْتَرى شيءٌ منها، حتَّى يُهبَطَ بها إلى الأسواقِ. قال مالكٌ: والضَّحايا أفْضلُ ما احْتِيط فيه، لأنَّهُ نُسُكٌ يُتقرَّبُ به إلى الله تعالَى، فلا أرى ذلك.
vol. 8, p. 414قال: وسمِعتُهُ، وسُئلَ عن الذي يتَلقَّى السِّلعةَ فيَشْتريها، فتُوجَدُ معهُ، أتُرَى أن تُؤخَذ منهُ فتُباعَ للنّاسِ؟ فقال مالكٌ: أرَى أن يُنْهَى عن ذلك، فإن نُهِيَ عن ذلك، ثُمَّ وُجِدَ قد عادَ نُكِّل.
قال أبو عُمر: لم نَرَ في هذه الرِّوايةِ لأهلِ الأسْواقِ شيئًا في السِّلْعةِ المُتَلقّاةِ، وتحصيلُ المَذْهبِ عندَ أصحابِه: أنَّهُ لا يجُوزُ تَلقِّي السِّلَع والرُّكبانِ، ومن تَلقّاهُم منهُم سِلْعةً، شَرِكهُ فيها أهلُ سُوقِها إن شاؤُوا وكان فيها (١) واحِدًا منهُم، وسواءٌ كانتِ السِّلعةُ طعامًا، أو بزًّا، أو غيرهُ (٢) .
-
وقد رَوَى ابنُ وَهْب أيضًا (٣) ، عن مالك: أنَّهُ سُئلَ عن الرَّجُلِ يأتيهِ الطَّعامُ، والبَزُّ، والغَنَمُ، وغيرُ ذلك من السِّلع، فإذا كان مَسِيرةَ اليوم واليومينِ، جاءَهُ خبرُ ذلك وصِفتُهُ، فيُخبِرُ بذلكَ فيقولُ لهُ رجُلٌ: بِعْني ما جاءَكَ، أفتَرَى ذلك جائزًا؟ قال: لا أراهُ جائزًا، وأرَىَ هذا من التَّلقِّي. قيلَ (٤) لهُ: والبَزُّ من هذا؟ قال: نَعَم، البزُّ مِثلُ الطَّعام، ولا يَنْبغي أن يُعملَ في أمرٍ واحِدٍ بأمرينِ مُختلفينِ، وأكرهُ ذلك وأراهُ من تلقِّي السِّلَع.
وقال الشّافِعيُّ: يُكرَهُ تلقِّي سِلَع أهل الباديةِ، فمن تَلَقّاهُ (٥) فقد أساءَ، وصاحِبُ السِّلعةِ بالخيارِ إذ قدِمَ بها السُّوق في إنْفاذِ البيع أو رَدِّهِ، وذلكَ أنَّهُم يَتلقَّونهُم فيُخبِرُونهُم بانكِسارِ سِلْعتِهِم وكَسادِ سُوقِها، وهُم أهلُ غِرَّةٍ، فيَبيعُونهُم على ذلك، وهذا ضَرْبٌ من الخديعة (٦) .
- vol. 8, p. 415
حُكي هذا عن الشّافِعيِّ، والزَّعفرانيُّ، والرَّبيعُ، والمُزَنيُّ، وغيرُهُم.
-
وتفسيرُ قول الشّافِعيِّ عندَ أصحابِه: أن يخرُجَ أهلُ الأسْواقِ فيَخْدعُونَ أهل القافِلةِ، ويَشْترُونَ منهُم شِراءً رَخِيصًا، فلهمُ الخيارُ، لأنَّهُم غَرُّوهُم.
وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: إذا كان التَّلقِّي في أرْضٍ لا يضُرُّ بأهلها، فلا بأسَ به، وإن (١) كان يَضُرُّ بأهْلِها، فهُو مكرُوهٌ.
وقال الأوزاعيُّ: إذا كان النّاسُ من ذلكَ شِباعًا فلا بأسَ به، وإن كانوا مُحتاجينَ فلا يقرَبُونهُ حتَّى يُهبَطَ بها إلى السُّوق (٢) .
-
ولم يَجْعل الأوزاعيُّ القاعِدَ على بابِهِ فتمُرُّ به سِلْعةٌ، لم يَقْصِد إليها فيشتريها مُتلقِّيًا، والمُتلقِّي عندَهُ: التّاجِرُ القاصِدُ إلى ذلكَ الخارج إليه.
وقال الحَسَنُ بن حيّ: لا يجُوزُ تلقِّي السِّلع، ولا شِراؤُها في الطَّريقِ، حتَّى يُهبَطَ بها إلى السُّوق (٣) .
وقالت طائفةٌ من المُتأخِّرينَ من أهل الفِقهِ والحديث: لا بأسَ بتَلقِّي السِّلع في أوَّلِ الأسواقِ، ولا يجُوزُ ذلكَ خارِج السُّوقِ، على ظاهِرِ هذا الحديثِ.
وقال اللَّيثُ بن سَعْد: أكرَهُ تلقِّي السِّلع في الطَّريقِ، وعلى بابِكَ إذا قَصدتَ إلى ذلك، وأمّا من قَعدَ على بابِهِ، وفي طريقِهِ، فمرَّت به، يُريدُ صاحِبُها السُّوقَ، فاشْتَراها، فليسَ هذا بالتَّلقِّي، وإنَّما التَّلقِّي أن يعمَدَ لذلك (٤) قال: ومن تَعمَّد ذلك وتلقَّى سِلْعَةً فاشْتَراها، ثُمَّ عُلِمَ به، فإن كان بائعُها لم يَذْهب، رُدَّت إليه،
vol. 8, p. 416حتَّى تُباع في السُّوقِ، وإن كان قد فاتَ ارتُجِعت من المُشتري، وبيعَتْ في السُّوقِ، ودُفِعَ إليه ثَمنُها.
وقال ابنُ خُوَيْزمَنْداد (١) : البيعُ في تلقِّي السِّلع صحيحٌ عندَ الجميع، وإنَّما الخِلافُ في أنَّ المُشْتري لا يفُوزُ بالسِّلْعةِ وشَرِكَهُ فيها أهلُ السُّوقِ ولا خيارَ للبائع، أو في أنَّ البائع بالخيارِ إذا هبطَ السُّوق.
قال أبو عُمر: أولَى ما قيلَ به في هذا الباب: أنَّ صاحِبَ السِّلعةِ بالخيارِ، لثُبُوتِهِ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن رَوْح المدائنيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: حدَّثنا هشامُ بن حسّانَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ قال: "لا تَلقَّوُا الجَلَبَ، فمن تلقَّى منهُ شيئًا فاشْتَراهُ، فصاحِبُهُ بالخيارِ إذا أتَى السُّوقَ" (٢) .
-
وذكرهُ أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ (٣) ، عن هشام بن حسّان، بإسناده، مِثلهُ سواءٌ (٤) .
- vol. 8, p. 417
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا أبو تَوْبةَ الرَّبيعُ بن نافِع، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عَمرو (٢) الرَّقِّيُّ، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، عن أبي هُريرةَ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهَى عن تلقِّي الجَلَبِ، فإن تَلقّاهُ مُتلقٍّ فاشْتَراهُ، فصاحِبُ السِّلعةِ بالخيارِ إذا وَرَدتِ السُّوق.
- vol. 8, p. 418
حديثٌ تاسِعٌ لنافِع، عن ابن عُمرَ
مالك (١) ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقال: "لا يخطُبُ أحدُكم على خِطْبةِ أخيهِ" .
-
هكذا هُو في "المُوطَّأ" عندَ جميع الرُّواةِ (٢) .
-
ورواهُ أيُّوبُ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَبِعْ أحدُكُم على بَيعْ أخيهِ، ولا يخطُبُ على خِطْبةِ أخيهِ، إلّا أن يأذنَ (٣) لهُ" (٤) .
-
ورَوَى صَخْرُ بن جُوَيريةَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - "لا يَخْطُبُ أحدُكُم على خِطْبةِ أخيهِ، إلّا أن يَتْرُكَ، أو يأذَنَ لهُ" (٥) .
-
وقد مَضَى القولُ في معْنَى هذا الحديثِ، بما يجِبُ في ذلك مُجوَّدًا، في بابِ محمدِ بن يحيى بن حَبّان، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.
-
وخِطْبةُ النِّكاح، بالكسرِ، والخُطبةُ في الجُمُعة وما كان مثلها (٦) ، بالضَّمِّ.
- vol. 8, p. 419
حديثٌ عاشِرٌ لنافِع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافِع، عن عبدِ الله بن (٢) عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنِ ابْتاعَ طعامًا، فلا يبِعهُ حتَّى يَسْتوفيَهُ" .
-
هذا حديث صحيحُ الإسنادِ، مُجتمَع على القولِ بجُملتِهِ، إلّا أنَّهُمُ اختلفُوا في بعضِ مَعانيهِ، ونحنُ نذكُرُ ما اجتُمِعَ عليه من ذلك، وما اختُلِفَ فيه هاهُنا إن شاءَ الله تعالى.
-
وقد رُوِيَ عن ابن عُمر هذا الحديثُ من وُجُوهٍ، فأمّا عبدُ الله بنُ دينارٍ، فلفظُهُ عنهُ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - منِ ابتاعَ طعامًا، فلا يبِعهُ "حتَّى يَقْبِضَهُ" (٣) . وكذلك لفظُ حديثِ ابن عبّاس (٤) ، وحَكِيم بن حِزام: "حتَّى يقبِضهُ " عندَ أكثرِ الرُّواةِ.
-
والقَبْضُ والاسْتيفاءُ سَواءٌ، ولا يكونُ ما بيعَ من الطَّعام على الكيلِ والوَزْنِ مقبُوضًا، إلّا كيلًا أو وَزْنًا، وهذا ما لا خِلافَ بين جماعةِ العُلماءِ فيه، فإن وقَعَ البَيْعُ في الطَّعام على الجُزافِ، فقدِ اختُلِفَ في بَيْعِهِ قبلَ قبضِهِ وانتِقالهِ، على ما نذكُره ونُوضِّحُهُ في البابِ الذي يلي هذا الباب، إن شاءَ الله.
-
وظاهِرُ هذا الحديثِ يحظُرُ بَيْعَ (٥) ما وقعَ عليه اسمُ طعام، إذا اشْتُرِيَ حتَّى يُسْتَوفى، واسْتِيفاؤهُ قَبْضُهُ، على حَسَب ما جَرتِ به العادةُ فيه من كَيْل، أو وَزْنٍ، قال الله عزَّ وجلَّ: {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ} [الشعراء: ١٨١] وقال: {فَأَوفِ لَنَا الكَيلَ وَتَصَدَّقْ عَليْنَا} [يوسف: ٨٨] . وقال: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين: ٣] .
- vol. 8, p. 420
وأمّا اختِلافُ العُلماءِ في معْنَى هذا الحديثِ (١) ، فإنَّ مالكًا قال: منِ ابْتاعَ طعامًا، أو شيئًا من جميع المأكُولِ والمشرُوب (٢) مِمّا يُدَّخَرُ، ومِمّا لا يُدَّخرُ، ما كان منهُ أصلُ مَعاشٍ، أو لم يكُن، حاشَى الماءَ وحدَهُ، فلا يجُوزُ بَيْعُهُ قبلَ القَبْضِ، لا من البائع ولا من غيره، سواءٌ كان بعَينِهِ أو بغيرِ عينِهِ، إلّا أن يكونَ الطَّعامُ ابتاعهُ جُزافًا صُبْرةً، أو ما أشْبَه ذلك فلا بأسَ ببيعِهِ قبلَ القَبْضِ، لأنَّهُ إذا ابْتِيعَ جُزافًا كان كالعُرُوضِ التي يجُوزُ بيعُها قبلَ القَبْضِ. هذا هُو المشهُورُ من مذهبِ مالكٍ، وبه قال الأوزاعيُّ.
-
والمِلحُ، والكُزْبَرُ، والشُّونيزُ، والتَّوابِلُ، وزرِّيعةُ (٣) الفُجْلِ التي يُؤكَلُ زيتُها، وكلُّ ما يُؤكَلُ، ويُشرَبُ، ويُؤتدَمُ به، فلا يجُوزُ بيعُهُ، ولا بيعُ شيءٍ منهُ قبلَ القَبْضِ، إذا ابتيعَ على الكَيْلِ أوِ الوَزْنِ، ولم يُبْتع (٤) جُزافًا.
-
هذه جُملةُ مذهبِ مالكٍ المشهُورِ عنهُ في هذا البابِ.
قال: وأمّا زرِّيعةُ السَّلقِ، وزَرِّيعةُ الجَزرِ، والكُرّاثِ، والجِرجيرِ، والفُجْل (٥) ، والبَصَل، وما أشْبَهَ ذلكَ، فلا بأسَ أن يبيعهُ الذي اشْتَراهُ قبلَ أن يَسْتوفيهُ، لأنَّ هذا ليسَ بطعام، ويجُوزُ فيه التَّفاضُلُ، وليسَ كزرِّيعةِ الفُجْل الذي منهُ الزَّيتُ، لأنَّ هذا طعام (٦) .
- vol. 8, p. 421
وما لا يجُوزُ أن يُباعَ قبلَ القَبْضِ، عندَ مالكٍ، وأصحابِهِ، فلا يجُوزُ أن يُمهَرَ، ولا يُستأجَرَ به، ولا يُؤخَذُ عليه بدَلٌ، وهذا فيما اشْتُري من الطَّعام.
-
وأمّا من كان عندَهُ طعامٌ يَشْتره، ولكنَّهُ أقْرَضهُ، أو نحو ذلكَ، فلا بأسَ ببَيعِهِ قبلَ أن يَسْتوفيهُ، لأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقال: "منِ ابتاعَ طعامًا، فلا يبِعهُ حتَّى يَسْتوفيهُ" . ولم يقُل: من كان عندَهُ طعام، أو كان لهُ طعام، فلا يبِعهُ حتَّى يَسْتوفيهُ.
-
ولا خِلافَ عن مالك: أنَّ ما عدا المأكُولِ والمشرُوبِ: من الثِّيابِ، والعُرُوضِ، والعَقارِ، وكلُّ ما يُكالُ ويُوزَنُ، أو لا يُكالُ ولا يُوزَنُ (١) ، إذا لم يكُن مأكُولًا ولا مشرُوبًا، من جميع الأشياءِ كلِّها غَيرِ المأكُول والمشرُوبِ، أنَّهُ لا بأسَ لمنِ ابتاعهُ أن يَبِيعهُ قبلَ قبضِهِ واستِيفائهِ (٢) .
-
وحُجَّتُهُ فيما ذهَبَ إليه مِمّا وصفنا عنهُ، قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "منِ ابتاعَ طعامًا، فلا يبِعْهُ حتَّى يَقْبِضهُ، ولا يبِعْهُ حتَّى يَسْتوفيهُ" .
-
حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامَةَ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عبدِ الله بن دينارٍ، عن عبدِ الله بن عُمرَ (٣) ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - "منِ اشْتَرَى طعامًا، فلا يبِعْهُ حتَّى يَقْبِضَهُ" (٤) .
-
ففي هذا الحديثِ خُصُوصُ الطَّعام بالذِّكرِ، فوَجَبَ أن يكونَ ما عَداهُ بخِلافِهِ.
- vol. 8, p. 422
وفيه: منِ ابتاعَ طعامًا، فوجَبَ أن يكونَ المُقْرَضُ (١) ، وغيرُ المُشْتَرى بخِلافِهِ، استِدلالًا ونظرًا.
-
وحديثُ مالكٍ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِئلُهُ في قوله: "منِ ابتاعَ طعامًا، فلا يبِعهُ حتَّى يَسْتوفيهُ" .
-
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال أخبرني عَمرٌو، يعني ابن الحارِثِ، عن المُنذِرِ بن عُبيدٍ المَدَنيِّ، أنَّ القاسم بَن محمدٍ حدَّثهُ، أنَّ عبد الله بن عُمرَ حدَّئهُ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أن يبيعَ أحدٌ طعامًا اشْتَراهُ بكَيْل حتَّى يَسْتوفيهُ.
-
ففي هذا الحديث: "اشْتَراهُ بكيلٍ" على أنَّ الجُزافَ بخِلافِهِ، فهذه حُجَّةُ لمالك مع دليلِ القُرآنِ في قوله: {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْل} [يوسف: ٨٨] . {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين:٣] . أنَّ الاسْتِيفاءَ والقَبْضَ، لا يكونُ إلّا بذلكَ.
وقال آخرُونَ: كلُّ ما وقَعَ عليه اسمُ طعام، مِمّا يُؤكَلُ أو يُشرَبُ، فلا يجُوزُ أن يُباعَ حتَّى يُقبَضَ، وسَواءٌ اشْتُرِي جُزافًا، أو كيلًا، أو وزنًا، وما سِوَى
vol. 8, p. 423الطَّعام فلا بأسَ ببيعِهِ قبلَ القبضِ. ومِمَّن قال بهذا: أحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثورٍ. وحُجَّتُهُما (١) عُمُومُ قولِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (٢) "منِ ابتاعَ طعامًا" لم يَقُل: جُزافًا، ولا: كَيْلًا، بل قد ثبتَ عنهُ أنَّهُ أمَرَ (٣) : منِ ابتاعَ طعامًا جُزافًا، أن لا يبيعهُ حتَّى ينقُلهُ ويَقْبِضهُ، على ما سَنَذكُرُهُ في البابِ بعد هذا إن شاءَ الله تعالى.
-
وضعَّفُوا زيادةَ المُنذِرِ بن عُبَيدٍ، في قوله: "طعامًا بكيل" (٤) . وقد ذهَبَ (٥) هذا المذهَبَ بعضُ المالكيِّين، وحكاهُ عن مالكٍ، وهذا اختيارُ أبي بكرٍ الوَقَارِ (٦) .
وقال آخرُونَ: كلُّ ما بِيعَ على الكيلِ والوزنِ، من جميع الأشياءِ كلِّها، طعامًا كان أو غيرهُ، فلا يُباعُ شيءٌ منهُ قبلَ القَبْضِ، وما ليسَ بمَكيلٍ ولا موزُونٍ، فلا بأسَ ببيعِهِ قبلَ قَبْضِهِ، من جميع الأشياءِ كلِّها.
-
رُوي هذا القولُ عن عُثمانَ بن عفّانَ، وسعيدِ بن المُسيِّبِ، والحسنِ البصريِّ، والحَكَم بن عُتَيبةَ، وحمّادِ بن أبي سُليمانَ (٧) . وبه قال إسحاقُ بنُ راهوية، ورُوِيَ مِثلُ ذلك أيضًا عن أحمد بن حَنْبل، والأوَّلُ أصحُّ عنهُ.