عبد الله بن دينار

581 paragraphs · vol. 10, p. 359

Page 8 of 15

  1. وكرِه أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ أكلَ الضَّبِّ، واحْتَجُّوا هُم ومن ذهَبَ مَذْهبَهُم في كراهيةِ أكلِهِ بأحاديثَ.

    vol. 10, p. 434
  2. منها: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٣) : حدَّثنا مُوسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حَسَنةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ أُمّةً من بني إسرائيلَ مُسِخَتْ، وأخافُ أن يكونَ منْها هذا" . يعني الضَّبَّ.

  3. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عنِ الأعْمَشِ، قال: حدَّثنا زيدُ بن

    vol. 10, p. 435وَهْبٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حَسَنةَ، قال: غَزَونا مع رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأصابَتْنا مَجاعةٌ، فنزَلْنا بأرضٍ كَثير الضِّبابِ، فأخَذْنا منْها، فطَبَخْنا في القُدُورِ، فقُلنا لرسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنَّها الضِّبابُ، فقال: "إنَّ أُمّةً فُقِدَت، ولعلَّها هذه" . فأمَرَنا فكَفأْنا القُدُورَ (١) .

  4. هكذا رَوَى هذا الحديثَ الأعمشُ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حَسَنةَ.

  5. ورواهُ حُصَينٌ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، عن ثابتِ بن وَدِيعةَ؛ حدَّثناهُ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا عَمرُو بن عونٍ، قال: أخبرنا خالدٌ، عن حُصينٍ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، عن ثابتِ بن وديعةَ، قال: كُنّا مع رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في جَيْشٍ، فأصَبْنا ضِبابًا، قال: فشَوَيتُ منها ضبًّا، فأتيتُ به رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فوَضعتُهُ بين يَدَيهِ. قال: فأخَذَ عُودًا، فعَدَّ به أصابِعَهُ، ثُمَّ قال: "إنَّ أُمّةً من بني إسرائيلَ مُسِخَتْ دوابَّ في الأرضِ، وإنِّي لا أدري أيَّ الدَّوابِّ هي؟ " قال: فلَمْ يأكُل منهُ، ولم يَنْهَ.

    vol. 10, p. 436قال أبو عُمر: احتجَّ بعضُ من كَرِههُ بهذا الخبرِ، واستدلَّ على أنَّهُ مَسْخٌ، بشَبَهِ (١) كفِّهِ بكفِّ الإنسانِ، ألا تَرى أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ عَدَّ أصابِعَهُ قال ما قال، ولم يأكُل منهُ؟

  6. وأنشَدَ بعضُهُم في صِفةَ الضَّبِّ (٢) :
  7. لهُ كفُّ إنسانٍ وخلقُ عَظاءةٍ ... وكالقِردِ والخِنْزيرِ في المَسْخِ والعَصَبْ

    وقال ذُو الرُّمّةِ (٣) :

    مناسِمُها صُمٌّ صلابٌ كأنَّها ... رُؤُوسُ الضَّبابِ اسْتَخرجَتها الظَّهائرُ

  8. وأنشَدَ الأصمعيُّ (٤) :
  9. إنّا وجَدْنا بني جِلّانَ كلَّهُمُ ... كساعِدِ الضَّبِّ لا طُولٌ ولا عِظَمُ

    وإنَّما أنشَدْتُ هذه الأبياتَ، لتقِفَ على صُورةِ الضَّبِّ وتَعرِفَهُ، فإنَّ بعضَ الجُهّالِ يُخالِفُ فيه.

  10. ورَوَى أبو حنيفةَ (٥) ، عن حمّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عائشةَ: أنَّها أُهدِيَ لها ضبٌّ، فدَخَلَ عليها رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسألَتهُ عن أكلِهِ، فنَهاها عنهُ، فجاءَ سائلٌ فقامَتْ لتَناوِلهُ إيّاهُ، فقال لها رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أتُطعِمينهُ ما لا تأكُلينَ؟ " .

  11. ورَوَى حمّادُ بن سلمةَ، عن حمّادٍ، عن إبراهيمَ، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ:

    vol. 10, p. 437أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أُهْدِي لهُ ضبٌّ، فلم يأكُلْهُ، فقامَ عليهم سائلٌ، فأرادَتْ عائشةُ أن تُعْطيَهُ، فقال لها النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أتُعطيهِ ما لا تأكُلينَ؟ " (١) .

  12. فاحتجَّ من كرِهَ أكلَ الضَّبِّ بهذه الأحاديثِ، فأمّا حديثُ زيدِ بن وَهْبٍ فمُختَلفٌ في إسنادِهِ (٢) .

  13. وقد رَوَى ابنُ مسعُودٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّ اللَّهَ لم يُهلكْ قومًا، أو لم يَمْسَخْ قومًا، فيَجْعل لهم نَسْلًا، ولا عاقِبةً.

  14. وهُو مُعارِضٌ مُدافِعٌ لحديثِ زيدِ بن وَهْبٍ هذا.

  15. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣) : حدَّثنا وكيعٌ، عن مِسْعَرٍ، عن عَلْقمةَ بن مَرْثدٍ، عن مُغيرةَ بن عبدِ اللَّه اليَشْكُريِّ، عنِ المعرُورِ بن سُوَيدٍ، عن عبدِ اللَّه، قال: قالت أُمُّ حبيبةَ زَوْجُ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: اللَّهُمَّ أمتِعني بزَوْجي رسُولِ اللَّه، وبأبي أبي سُفيانَ، وبأخي مُعاويةَ. قال: فقال النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّكِ قد سَألتِ اللَّهَ لآجالٍ مضرُوبةٍ، وأيام مَعدُودةٍ، وأرْزاقٍ مَقْسُومةٍ، ولن (٤) يُعجِّلَ شيئًا قبلَ حِلِّه، أو يُؤَخِّر شيئًا عن أجلِهِ، ولو كُنتِ سألتِ اللَّهَ أن يُعيذَكِ من عَذابِ القبرِ، أو عَذابِ النّارِ، كان خيرًا لكِ،

    vol. 10, p. 438أو أفضلَ ". قال: وذُكِرَ عندَهُ القِردةُ، قال مِسعرٌ: وأُراهُ قال: والخنازيرُ مِمّا مُسِخ، فقال النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: " إنَّ اللَّهَ لم يَجْعَلْ لمسخٍ نَسْلًا، ولا عَقِبًا، وقد كانتِ القِرَدةُ والخنازيرُ قبلَ ذلك ".

  16. وحدَّثنا سعيدُ بن نصير، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا مِسعرٌ، عن مُرّةَ، عن عَلْقمةَ بن مَرْثدٍ، عنِ المُغير اليَشْكُريِّ، عنِ المعرُورِ بن سُوَيدٍ، عن عبدِ اللَّه بن مَسْعُودٍ، قال: قالت أُمُّ حَبِيبةَ. فذكَرَ الحديثَ سَواءً. وفيه قال: وسُئلَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عنِ القِرَدةِ والخَنازيرِ: أهُم من نَسْلِ الذين مُسِخُوا، أم شيءٌ كان قبلَ ذلك؟ فقال: "إنَّ اللَّهَ لم يُهلِكْ قومًا قطُّ، فيجعلْ لهم نَسْلًا ولا عاقِبةً، ولكِنَّهُم من شيءٍ كان قبل ذلك".

  17. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا حفصُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي بِشْرٍ، عن سَعيدِ بن

    vol. 10, p. 439جُبَيرٍ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ خالَتهُ أهْدَتْ إلى رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سَمْنًا وأضُبًّا وأقِطًا، فأكَلَ من السَّمنِ والأقِطِ، وتركَ الأضُبَّ تَقذُّرًا، وأُكِلَ على مائِدَتِه، ولو كانَ حرامًا ما أُكِلَ على مائدةِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.

  18. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا كثيرُ بن هشام، قال: حدَّثنا جعفرُ بن بُرقانَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن الأصمِّ، قال: ذُكِر الضَّبُّ عندَ ابنِ عبّاسٍ، فقال بعضُ جُلَسائهِ: أُتي به رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم يُحِلَّهُ ولم يُحرِّمهُ. فقال ابنُ عبّاس: بئسَ ما تقولُونَ، إنَّما بُعِثَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مُحلِّلًا ومُحرِّمًا، جاءَت أُمُّ حُفيدٍ تَزورُ أُخْتَها ميمُونةَ بنتَ الحارِثِ ومعها طَعامٌ فيه لحمُ ضبٍّ، فجاءَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعدَما غَسَقَ، يعني أظلمَ، فقُرِّبَ إليه الطَّعامُ، فكرِهَتْ ميمُونةُ أن يأكُلَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من طَعام لا يَعْلمُ ما هُو، فقالت: يا رسُولَ اللَّه، إنَّ فيه لَحْمَ ضَبٍّ. فأمسَكَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأمسَكَتْ ميمُونةُ، وأكلَ من كان عِندهُ.

    فقال ابنُ عبّاس: فلو كان حرامًا، لنَهاهُم رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أكلِهِ (١) .

    قال أبو عُمر: قولُ ابنِ عبّاسٍ هُو فِقهُ هذا البابِ، وهُو الصَّحيحُ من مَعانيهِ، وهُو كافٍ، يُغني عن كلِّ حُجّةٍ لمن تدبَّر وفهِمَ، وباللَّه العونُ لا شريكَ لهُ.

  19. حديثٌ رابعَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصلِّي على راحِلتِهِ في السَّفرِ، حيثُ توجَّهَتْ به. قال عبدُ اللَّه بن دينارٍ: وكانَ عبدُ اللَّه بن عُمرَ يفعلُ ذلك.

    قال أبو عُمر: هكذا رواهُ جماعةُ رُواةِ "المُوطَّأ" فيما علِمتُ (٢) .

    vol. 10, p. 440
  20. ورواهُ يحيى بن مَسْلمةَ بن قَعْنبٍ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصلِّي على راحِلتِهِ حَيْثُ توجَّهت به.

  21. والصَّوابُ ما في "المُوطَّأ" : مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، واللَّه أعلمُ.

  22. وهُو حديثٌ صحيحٌ من جِهةِ الإسنادِ، رُوي عنِ ابنِ عُمرَ من وُجُوهٍ. ورُوي عن جابرٍ من وُجُوهٍ. ورُوي عن أنَسٍ أيضًا من وُجُوهٍ.

  23. وتلقّاهُ العُلماءُ (٣) من السَّلفِ والخَلَفِ بالعَملِ والقَبُولِ في جُملتِهِ، إلّا أنَّهُمُ اختَلَفُوا في بعضِ مَعانيهِ.

  24. فالذي أجمعُوا عليه منهُ: أنَّهُ جائزٌ لكلِّ من سافَرَ سفرًا تُقصَرُ فيه، أو في مِثلِهِ، الصَّلاةُ، أن يُصلِّي التَّطوُّع على دابَّتِهِ وراحِلتِهِ حَيْثُما توجَّهت به، يُومِئُ الماءً، يجعلُ السُّجُودَ أخفضَ من الرُّكُوع، وَيتَشهَّدُ ويُسلِّمُ وهُو جالِسٌ على دابَّتِهِ، وفي مَحمِلِهِ.

  25. إلّا أنَّ منهُم جماعةً يَسْتحِبُّونَ أن يَفْتتِح المُصلِّي صَلاتهُ على دابَّتِهِ في تطوُّعِهِ إلى القِبْلةِ، ويُحرِمَ بها وهُو مُستقبلٌ القِبلةَ، ثُمَّ لا يُبالي حَيْثُ توجَّهت به، ومنهُم من لم يستحِبَّ ذلك، وقال: كما يُجوزُ لهُ أن يكونَ في سائرِ صلاتِهِ إلى غيرِ القِبلةِ، فكذلك افتِتاحُهُ لها؛ لأنَّهُ لو كان في الأرضِ، لم يجُز لهُ الانحِرافُ عنِ القِبلةِ عامِدًا، وهُو بها عالِمٌ في شيءٍ من صَلاتِهِ.

    vol. 10, p. 441
  26. ومنِ اسْتَحبَّ افتِتاح النّافِلةِ على الدّابّةِ إلى القِبلةِ، فحُجَّتُهُ: ما حدَّثناهُ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا رِبعيُّ بن عبدِ اللَّه بن الجارُودِ، قال: حدَّثني عَمرُو بن أبي الحجّاج، قال: حدَّثني الجارُودُ بن أبي سَبْرةَ، قال: حدَّثني أنسُ بن مالكٍ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا سافرَ، فأرادَ أن يتطوَّعَ، استقبلَ بناقتِهِ القِبلةَ، فكبَّر، ثُمَّ صلَّى حَيْثُ وجَّههُ (٢) رِكابُهُ.

  27. حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحُسَينِ العَسْكريُّ، قال: حدَّثنا أبو إبراهيمَ إسماعيلُ بن يحيى المُزنيُّ سنةَ سبعينَ ومِئَتينِ، قال: حدَّثنا الشّافِعيُّ (٣) ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، أنَّهُ قال: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي على راحِلتِهِ في السَّفرِ حَيْثُما توجَّهت به.

    vol. 10, p. 442وقال أحمدُ بنُ حَنْبل وأبو ثَوْر: هكذا يَنْبَغي أن يَفْعَلَ من تَنَفّل على راحلتِهِ في السَّفَر.

  28. واختلَفَ أهلُ العِلم في المعنى الذي فيه نزلَتْ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: ١١٥] ، فقال ابنُ عُمرَ وطائفةٌ: نزلَتْ هذه الآيةُ في الصَّلاةِ على الرّاحِلةِ (١) .

  29. وقيل: نزلَتْ في قَولِ اليَهُودِ في القِبْلةِ.

  30. وقيلَ: نزلَتْ في قَوم كانوا في سَفَرٍ على عَهدِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في لَيْلةٍ ظَلْماءَ، فلم يَعرِفُوا القِبْلةَ، فاجتهدُوا وصَلَّوا إلى جِهاتٍ مُختلِفةٍ، ثُمَّ بانَ لهم خطؤُهُم، فسألُوا رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأنزلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مضَتْ صلاتُكُم" (٢) .

  31. وقولُ من قال: إنَّها نزلَتْ في الصَّلاةِ على الرّاحِلةِ قولٌ حسنٌ أيضًا، تَعضُدُهُ السُّنّةُ في ذلك.

    قال أبو عُمر: ليس في حديثِ مالكٍ هذا عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ تخصيصُ التَّطوُّع من غير، وهُو أمرٌ لا خِلافَ فيه، فلِذلك أهملَ مالكٌ ذِكرهُ، واللَّه أعلمُ.

  32. وكذلك رواهُ الثَّوريُّ (٣) ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، كما رواهُ مالكٌ سَواءً.

  33. وقد ذكَرَهُ (١) في هذا الحديثِ وغيرِهِ جماعةُ الرُّواةِ: أنَّ ذلك في التَّطوُّع، دُونَ المكتُوبةِ. وهُو أمرٌ مجُتَمع عليه؛ لأنَّهُ (٢) لا يجُوزُ لمُصلِّي الفَرْضِ أن يدَعَ القِبلةَ عامِدًا بوَجهٍ من الوُجُوهِ، إلّا في شِدّةِ الخَوْفِ، راجِلًا (٣) ، أو راكِبًا، فإن لم يكُن خائفًا شديدَ الخَوْفِ هارِبًا، لم يَكُن لهُ أن يُصلِّي راكِبًا.

    vol. 10, p. 443
  34. وقدِ اختُلِفَ في صلاةِ الطّالِبِ في الخَوْفِ على ما قد ذكَرْناهُ (٤) في بابِ نافع.

    وقال الأثرمُ: قيل لأحمد بن حَنْبل: يُصلِّي المريضُ المكتُوبةَ على الدّابّةِ والرّاحِلةِ؟ فقال: لا يُصلِّي أحَدٌ (٥) المكتُوبةَ على الدّابّةِ، مريضٌ ولا غيرُهُ، إلّا في الطِّينِ، والتَّطوُّع، كذلك بلَغَنا، يُصلِّي ويُومِئُ. قال: وأمّا في الخَوْفِ، فقد قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} (٦) [البقرة: ٢٣٩] .

    قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا حُكمَ الصَّلاةِ في الطِّينِ، في بابِ يزيد (٧) بن الهاد، والحمدُ للَّه.

  35. وقدِ اختلَفَ قولُ مالكٍ في المريضِ يُصلِّي على محمِلِهِ، فمرّةً قال: لا يُصلِّي على ظَهْرِ البَعيرِ فريضةً، وإنِ اشتدَّ مَرضُهُ، حتّى لا يَقدِر أن يجلِسَ لمَرضٍ إلّا

    vol. 10, p. 444بالأرضِ (١) . ومرّةً قال: إذا كان مِمَّن لا يُصلِّي بالأرضِ إلّا إيماءً، فليُصلِّ على البَعيرِ بعدَ أن يُوقَفَ لهُ، ويستقبِلَ القِبلةَ (٢) .

  36. وأجمعُوا على أنَّهُ لا يجُوزُ لأحَدٍ صَحيح ولا مَريضٍ، أن يُصلِّي إلى غيرِ القِبلةِ وهُو عالِمٌ بذلك في الفَريضةِ، إلّا في الخَوْفِ الشَّديدِ خاصّةً.

  37. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مَسرّةَ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ المجيدِ، عن ابن (٣) جُرَيج، قال: أخبرني مُوسى بن عُقبةَ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصلِّي على ناقتِهِ في السَّفرِ حيثُ توجَّهت به، في غيرِ المكتُوبةِ (٤) .

  38. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ (٥) ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجهم السِّمَّريُّ (٦) ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، قال: كان عبدُ اللَّه بن عُمرَ يُصلِّي على راحِلتِهِ حيثُ توجَّهت به تطوُّعًا. وقال: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَفْعلُهُ (٧) .

  39. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرنا يُونُسُ، عنِ ابنِ شِهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُسبِّحُ على الرّاحِلةِ، أيَّ وجهٍ توجَّه، ويُوتِرُ عليها، غيرَ أنَّهُ لا يُصلِّي عليها المكتُوبةَ.

    vol. 10, p. 445
  40. وأخبرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَوْح المدائنيُّ، قال: حدَّثنا شَبابةُ بن سوّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن العلاءِ بن زَبْر (٢) الشّاميُّ، قال: حدَّثنا القاسمُ بن محمدٍ وسالمُ بن عبدِ اللَّه ونافع، كلُّهُم عنِ ابنِ عُمرَ، قال: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي على دابَّتِهِ حيثُ تَوجَّهت به تَطَوُّعًا (٣) .