عبد الله بن أبي بكر بن حزم

825 paragraphs · vol. 11, p. 5

Page 19 of 21

  1. ورَوَى سعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، أنَّهُ قال: تُقسَمُ الصَّدقةُ على الأسْهُم الثَّمانيةِ بالسَّويّةِ.

    vol. 11, p. 222
  2. وعن أبي جعفرٍ محمدِ بن عليٍّ مِثلُهُ (٣) . وبه قال الشّافِعيُّ وأصحابُهُ، وهُو قولُ عِكرِمةَ أيضًا (٤) .

  3. وقد قال الشّافِعيُّ (٥) في العامِلين على الصَّدقاتِ: إنَّهُم يُعطَونَ منها بقَدرِ أُجُورِ أمثالِهِم. وهُو المشهُورُ عنِ الشّافِعيِّ.

  4. ورَوَى الأخْضَرُ بن عَجْلان، عن رَجُلٍ قد سمّاهُ، قال: سألتُ عبدَ اللَّه بن عَمرٍو: ما للعامِلينَ على الصَّدَقةِ؟ قال: بقدَرِ عُمالتِهِم (٦) .

    وقال أبو حَنِيفةَ: يُعْطَى العامِلُ ما يَسَعُهُ وَيَسَعُ أعوانهُ. قال: ولا أعرِفُ الثُّمُن.

    vol. 11, p. 223وقال مالكٌ (١) : ليس للعامِلِ على الصَّدقةِ فريضةٌ مُسمّاةٌ، وإنَّما ذلك إلى الإمام يجتهِدُ في ذلك.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ ومالكٌ وأصحابُهُ: ليسَ قَسْمُ الصَّدقاتِ على أهلِ السُّهمانِ كالميراثِ، ولكِنَّ الواليَ يَقسِمُها على ما يَرى من حاجَتِهِم، ويُؤثِرُ أهل الحاجةِ والعُذرِ، حَيْثُ كانوا.

    قال مالكٌ (٢) : وعَسَى أن تَنْتقِلَ الحاجةُ إلى الصِّنفِ الآخَرِ بعدَ عام، أو عامينِ، فيُؤثِرُ أهل الحاجةِ والعُذرِ حيثُ كانوا.

    وقال محمدُ بن الحسنِ (٣) : يُعطي الإمامُ للعامِلين عُمالتهُم بما يرى.

  5. وذكر أبو عُبيدٍ: أنَّ قولَ الثَّوريِّ في هذه المسألةِ كقَولِ مالكٍ. وبه قال أبو عُبيدٍ.

    وقال الزُّهْريُّ، في قَولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {إِوَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} [التوبة: ٦٠] : هُمُ السُّعاةُ (٤) .

    وقال قَتادةُ: هُم جُباتُها الذين يَجْبُونها (٥) .

    وقال الشّافِعيُّ (٦) : هُمُ المُتولُّون لقَبْضِها.

  6. قرأتُ على أبي القاسم خَلَفِ بن القاسم، رحِمهُ اللَّه، أنَّ إبراهيمَ بن محمدٍ الدَّيبُليَّ حدَّثهُم بمكّةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عليِّ بن زيدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكّارٍ العَيْشيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَواءٍ، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن أبي عَرُوبةَ،

    vol. 11, p. 224عن قَتادةَ، عن أبي السَّوّارِ، عن عِمْران بن حُصينٍ، قال: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أشدَّ حياءً من العَذْراءِ في خِدْرِها. قال عِمرانُ: وكان إذا كرِهَ الشَّيءَ، عُرِفَ في وَجْهِهِ (١) .

  7. حدَّثنا سعيدُ بن نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قِراءةً منِّي عليهما، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا الحَوْضيُّ وسُليمانُ بن حَرْبٍ، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، عن زيدِ بن عُقبةَ الفَزاريِّ، قال: سمِعتُ سمُرةَ بن جُندُب قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "المسائلُ كُدُوحٌ يَكْدحُ بها الرَّجُلُ وَجْهَهُ" . وقال سُليمانُ: "يَكْدحُ بها الرَّجُلُ نَفْسهُ، فمن شاءَ أبْقَى على وَجهِهِ، أو نَفسِهِ، ومن شاءَ تركَ، إلّا أن يَسْألَ ذا سُلطانٍ، أو يَنْزِلَ به أمرٌ لا يَجِدُ منهُ بُدًّا" (٢) .

  8. رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٣) ، عن وكيع، عنِ الثَّوريِّ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، عن يزيدَ بن عُقبةَ، عن سمُرةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.

  9. هكذا قال: يزيدُ بن عُقبةَ. وقال شُعبةُ: زيدُ بن عُقبةَ (٤) . وصوابُهُ زيدُ بن عُقبةَ. وأخشى أن يكونَ: يزيد، صُحِّف على ابنِ أبي شيبةَ.

  10. وقد ذكَرْنا ما يجُوزُ فيه السُّؤالُ، ولمن يجُوزُ، ومن يَجُوزُ لهُ أخَذُ الصَّدقةِ من الأغْنِياءِ وغيرِهِم، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، من كِتابِنا هذا، فأغْنَى ذلك عن إعادتِهِ هاهُنا.

  11. حديثٌ ثاني عِشرينَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مقطُوعٌ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ: أنَّ أبا طَلْحةَ الأنصاريَّ كان يُصلِّي في حائطٍ لهُ، فطارَ دُبسيٌّ (٢) ، فطفِقَ يَتَردَّدُ يَلْتمِسُ مخرجًا، فأعجَبهُ ذلك، فجعلَ يُتبِعُهُ بَصرَهُ ساعةً، ثُمَّ رجَعَ إلى صَلاتِهِ، فإذا هُو لا يَدْري كم صلَّى، فقال: لقد أصابني في مالي هذا فِتْنةٌ، فجاءَ إلى رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكَرَ لهُ الذي أصابَهُ في حائطِهِ من الفِتْنةِ، وقال: يا رسُولَ اللَّه، هُو صَدَقةٌ للَّه، فضَعهُ حَيْثُ شِئتَ.

    vol. 11, p. 225
  12. هذا الحديثُ لا أعلمُهُ يُروى من غيرِ هذا الوَجْهِ، وهُو مُنْقطِعٌ.

  13. والأصلُ في هذا البابِ، أنَّ من سَها في صلاتِهِ، فلم يَدْرِ كم صلَّى، لشُغلِ بالِهِ بما يَنْظُرُ إليه، أو يُفكِّرُ فيه، فليَبْنِ على يَقينِهِ، على ما أحْكَمتهُ السُّنّةُ، في حديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، وغيرِهِ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٣) ، على حَسَبِ ما ذكَرْناهُ في مَوْضِعِهِ من كِتابِنا هذا.

  14. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ النَّظرَ إلى ما يَشْغَلُ المُصلِّي، لا يُفسِدُ الصَّلاةَ، إذا بَنَى فيها على ما يجِبُ؛ لأنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يأمُرهُ بإعادةٍ.

  15. والأصلُ في هذا البابِ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (٤) نظرَ إلى خَمِيصةٍ لها عَلَمٌ في الصَّلاةِ، فشغلهُ النَّظرُ إلى أعْلامِها، فرَماها عن نَفسِهِ، ورَدَّها إلى أبي جَهْم، ولم يذكُر إعادةً، وهذا حديثٌ ثابتٌ عن عائشةَ، من حديثِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ،

    vol. 11, p. 226عن عائشةَ. وهُو عندَ مالكٍ (١) ، عن عَلْقمةَ بن أبي عَلْقمةَ، عن أُمِّهِ، عن عائشةَ، وسيأتي في بابِهِ، إن شاءَ اللَّه.

  16. ومِن الدَّليلِ على ما ذكَرْنا وذَهَبنا إليه في هذا البابِ:

    ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن (٢) عبدِ العزيزِ، عن أنسٍ، قال: كان قِرامٌ (٣) لعائشةَ قد ستَرَتْ به جانِبَ بَيْتِها، فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أمِيطِي عنّا قِرامَكِ هذا، فإنَّهُ لا تَزالُ تَصاويرُهُ تَعرِضُ لي في صَلاتي" (٤) .

    قال أبو عُمر: ولم يذكُر إعادةً.

  17. وقد رُوي من حَديثِ عبدِ اللَّه بن سَلَام، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّهُ قال: "لا صَلاةَ لمُلْتَفِتٍ" (٥) . وهُو حديثٌ ليسَ بالقويِّ (٦) .

  18. ومِن حديثِ عائشةَ، عن رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّهُ قال: "الالْتِفاتُ في الصَّلاةِ، خِلْسةٌ يَخْتلِسُها الشَّيطانُ من صَلاةِ العَبدِ" (٧) .

  19. ومن حديثِ أنَسٍ، قال: قال لي رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا بُنيَّ، إيّاكَ والالتِفاتَ في الصَّلاةِ، فإنَّها هَلَكةٌ، فإن كان ولا بُدَّ، ففي النّافِلةِ" (١) .

    vol. 11, p. 227
  20. وهذا يدُلُّ على أنَّ الصَّلاةَ لا تَفْسُدُ به؛ لأنَّ ما فسَدَتْ به النّافِلةُ، فسَدَتْ به الفريضةُ، إذا كان اجتِنابُهُ من فرائضِ الصَّلاةِ.

  21. على أنَّ هذه الأحاديث كلَّها من أحاديثِ الشُّيُوخ، لا يُحتجُّ بمِثلِها.

  22. وأصحُّ ما في هذا البابِ: ما حدَّثناهُ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: صلَّى رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في خَمِيصةٍ لها أعلامٌ (٣) ، فقال: "شَغَلتني أعلامُ هذه، اذْهَبُوا بها (٤) إلى أبي جَهْم بن حُذَيفةَ، وائْتوِني بأنْبِجانيّةٍ" .

  23. ففي هذا الحديثِ: أنَّ أعلامَ الخميصةِ شَغَلهُ النَّظرُ إليها -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يَذْكُر إعادةً، ولا استِئنافًا لصَلاتِهِ، ولا سُجُودَ سهوٍ. ولو كان شيءٌ من ذلك واجِبًا، لقالهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولما سكَتَ عنهُ، ولو قالهُ لنُقِلَ، وكذلك لو فعلهُ لنُقِل عنهُ، كَنقلِ سائرِ السُّننِ.

  24. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا الرَّبيعُ بن نافع أبو تَوْبةَ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ، يعني ابن سَلّام، عن زيدٍ، أنَّهُ سمِعَ أبا سَلّام، قال: حدَّثني السَّلُوِليُّ (٢) ، وهُو أبو كَبْشةَ، عن سهْلِ بن الحَنْظليّةِ، قال: ثُوِّبَ بالصَّلاةِ، يعني: صلاةَ الصُّبح، فجَعلَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي وهُو يَلْتفِتُ إلى الشِّعبِ، يعني: وكان أرسلَ فارِسًا إلى الشِّعبِ من اللَّيلِ يَحْرُسُ.

    vol. 11, p. 228
  25. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣) : أخبَرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبَرنا الفضلُ بن

    vol. 11, p. 229مُوسى، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّه بن سعيدِ بن أبي هِنْدٍ، عن ثَورِ بن زيدٍ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَلْحظُ في صَلاتِهِ يمينًا وشِمالًا، ولا يَلْوي عُنُقهُ خلفَ ظَهْرِهِ.

    قال أبو عُمر: في أحاديثِ هذا البابِ كلِّها، مُسْنَدِها ومقطُوعِها، دليلٌ على أنَّ نظرَ المُصلِّي، من السُّنّةِ فيه أن يكون أمامهُ.

  26. وهُو المعرُوفُ الذي لا تَكلُّفَ فيه، ولذلك قال مالكٌ: يكونُ نَظرُ المُصلِّي أمامَ قِبلتِهِ.

    وقال الثَّوريُّ وأبو حنيفةَ والشّافِعيُّ والحسنُ بن حيٍّ: يُستَحبُّ أن يكونَ نَظرُهُ إلى مَوْضِع سُجُودِهِ (١) .

    وقال شَريكٌ القاضي: ينظُرُ في القِيام إلى موضِع السُّجُودِ، وفي الرُّكُوع إلى مَوْضِع قَدَميهِ، وفي السُّجُودِ إلى أنفِهِ، وفي قُعُودِهِ إلى حِجرِهِ.

    قال أبو عُمر: هذا كلُّهُ تحديدٌ لم يثبُت به (٢) أثرٌ، وليس بواجِبٍ في النَّظرِ.

  27. ومن نظرَ إلى موضِع سجُودِهِ، كان أسلمَ لهُ، وأبعدَ من الاشتِغالِ بغيرِ صَلاتِهِ إن شاءَ اللَّه، وباللَّه التَّوفيقُ.

  28. وأمّا قولُهُ: لقد أصابَتني في مالي فِتْنةٌ. فالفِتَنُ على وُجُوهٍ:

    فأمّا فِتنةُ الرَّجُلِ في أهلِهِ ومالِهِ، فتكفيرُها الصَّلاةُ والصَّدقةُ. كذلك قال حُذيفةُ لعُمرَ في الحديثِ الصَّحيح، وصدَّقهُ عُمرُ، وقال: لستُ عن هذه أسألُك (١) .

    وقال جماعةٌ من فُقهاءِ الحِجازِ والعِراقِ: إنَّ المعاصيَ كلَّها فِتنةٌ، تُكفِّرُها الصَّلاةُ والصَّومُ، ما لم يُواقِع الكبائرَ.

    vol. 11, p. 230
  29. دليلُ ذلك قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ} [هود: ١١٤] نزلَتْ في رجُلٍ أصابَ منِ امرأةٍ ما ليسَ بكبيرةٍ (٢) .

  30. ومنهُ قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا مَعْشرَ التُّجّارِ، إنَّ هذا البيعَ يشُوبُهُ الحَلِفُ والكَذِبُ، فشُوبُوهُ بالصَّدقةِ" (٣) .

  31. وكلُّ من فُتِنَ بشيءٍ من المعاصي والشَّهَواتِ المحظُورةِ، فهُو مَفتُونٌ، إلّا أنَّهُ إن تركَ وأنابَ واسْتَغفرَ وتابَ، غُفِرَ لهُ، مع أدائهِ لصلاتِهِ وزَكاتِهِ وصَوْمِهِ، وهذه صِفاتُ المُذنِبينَ.

    vol. 11, p. 231
  32. وقد فُتِنَ الصّالِحُون وابتُلُوا بالذُّنُوبِ، قال اللَّهُ تعالى: {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: ٢٠١] ، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} الآية [آل عمران: ١٣٥] .

  33. وقد يكونُ من هذا البابِ من الفِتْنةِ، ما هُو أشدُّ مِمّا وصفنا، وهُو الإصْرارُ على الذَّنبِ، والإقامةُ عليه منهُ، وأنَّه لم يأتِهِ، فنيَّتُهُ على تلك الحالِ، ويُحِبُّ أن تَسمَحَ نفسُهُ بتَرْكِ ما هُو عليه من قَبيح أفعالِهِ، وهُو مع ذلك لا يُقلِعُ عنها.

  34. فهذا وإن كان مُصِرًّا لم تأتِ منهُ توبةٌ، فهُو مُقِرٌّ بالذُّنُوبِ والتَّقصيرِ، يُحِبُّ أن يختِمَ اللَّهُ لهُ بخيرٍ، فيَغْفِرَ لهُ هذا برجائهِ، ولا يُقطَعَ عليه، وليسَتْ فِتنتُهُ بذلك تُخرِجُهُ عنِ الإسلام.

    وقال بعضُهُم: ولا هُو مِمَّن نُكِتَ (١) في قلبِهِ نُكتةٌ سوداءُ غلبَتْ عليه، فلا يعرِفُ معرُوفًا، ولا يُنكِرُ مُنكرًا، كما قال حُذيفةُ في ذلك الحديثِ؛ لأنَّهُ يُنكِرُ ما هُو عليه، ويَودُّ أنَّهُ تابَ منهُ. قالوا: وإنَّما ذلك في الأهواءِ المُرْديةِ، والبِدَع المُحدَثةِ التي تُتَّخذُ دينًا وإيمانًا، ويُشهَدُ بها على اللَّه تَعدِّيًا وافْتِراءً، ولا يُحِبُّ من فُتِنَ بها أن يُقَصِّرَ فيها، ولا يَنْتقِلَ عنها، ويَوَدُّ ألّا يأتيهُ الموتُ إلّا عليها، فهذا أيضًا مَفتُونٌ مغرُورٌ مُتدرِّجٌ، قد أصابَتهُ فِتنةٌ، زُيِّن لهُ فيها سُوءُ عَملِهِ، يَودُّ أن يكونَ النّاسُ كلُّهُم مِثلَهُ.

    vol. 11, p. 232قالوا: فهذه الفِتنةُ، أشدُّ من الفِتنتينِ اللَّتينِ ذكَرْنا من فِتَنِ الذُّنُوبِ.

  35. ومن الفِتَنِ أيضًا: الكُفرُ، قد سمّاهُ اللَّهُ فِتنةً، بقولِهِ: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: ١٩١] .

  36. وشرحُ هذه المعاني يطُولُ، وباللَّه العِصمةُ لا شريكَ لهُ (١) .

  37. والدُّبسيُّ: طائر يُشبِهُ اليمامةَ. وقيل: هُو اليمامةُ نفسُها.

  38. وقولُهُ: طفِقَ يتردَّدُ. كقولِهِ: جعلَ يتردَّدُ. وفيه لُغتانِ (٢) : طفِقَ وطفَقَ (٣) ، يطفَقُ ويطفِقُ.

  39. حديثٌ ثالِثُ عِشرينَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر، أنَّ في الكِتابِ الذي كتَبهُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمرِو بن حَزْم: "أن لا يَمَسَّ القُرآنَ إلّا طاهِرٌ" .

    vol. 11, p. 233
  40. قد ذكَرْنا: أنَّ كِتابَ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمرِو بن حَزْم إلى أهلِ اليَمنِ في السُّننِ والفَرائضِ والدِّياتِ، كِتابٌ مشهُورٌ عندَ أهلِ العِلم معرُوفٌ، يُستغنَى بشُهرتِهِ عنِ الإسْنادِ.