عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق يكنى أبا محمد، رضي الله عنهم
357 paragraphs · vol. 12, p. 225
Page 3 of 9
- vol. 12, p. 246
وأمّا الحجُّ في اللُّغةِ: فالقَصْدُ. قال الشّاعِرُ (١) :
وأشهدُ من عوفٍ حُلُولًا كثِيرةً ... يحُجُّون سِبَّ الزِّبرِقانِ المُزعفرا (٢)
-
والسِّبُّ: الثَّوبُ أوِ العِمامةُ.
وقال جرِيرٌ (٣) :
قومٌ إذا حاولُوا حجًّا (٤) لبَيعتِهِم ... صرُّوا الفُلُوسَ وحجُّوا غيرَ أبرارِ
vol. 12, p. 247حديثٌ ثالثٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم
مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: قَدِمتُ مَكَّةَ وأنا حائضٌ، فلم أطُف بالبيتِ، ولا بينَ الصَّفا والمروةِ، فشَكَوتُ ذلك إلى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "افْعَلي ما يفعلُ الحاجُّ، غيرَ أن لا تَطُوفي بالبيتِ، ولا بينَ الصَّفا والمروةِ، حتَّى تَطْهُرِي" .
-
هكذا قال يحيى عن مالكٍ في هذا الحديثِ: "غير أن لا تَطُوفي بالبيتِ، ولا بينَ الصَّفا والمروةِ، حتَّى تَطْهُرِي" . وقال غيرُهُ من رُواةِ "المُوطَّأ" : "غير أن لا تطُوفي بالبيتِ حتَّى تَطْهُرِي" . لم يذكُرُوا: "ولا بين الصَّفا والمروةِ" . ولا ذكرَ أحدٌ من رُواةِ "المُوطَّأ" في هذا الحديثِ: "ولا بين الصَّفا والمروةِ" ، غير يحيى فيما علِمتُ، وهُو عِندِي وهمٌ منهُ، والله أعلمُ (٢) .
-
والمعرُوفُ من مذهبِ مالكٍ: أنَّ الحائضَ لا بأسَ أن تَسْعَى بين الصَّفا والمروةِ، إذا كانت قد طافَتْ بالبيتِ قبلَ أن تحِيضَ.
-
ذكر مالكٌ في "مُوطَّئهِ" (٣) ، قال: والمرأةُ الحائضُ إذا كانَتْ قد طافَتْ بالبيتِ قبلَ أن تحِيضَ، فإنَّها تَسْعَى بين الصَّفا والمروةِ، وتَقِفُ بعرَفةَ، والمُزْدلِفةِ، وتَرْمِي الجِمار، غيرَ أن لا تَطُوفَ بالبيتِ حتَّى تَطْهُرَ من حيضتِها.
قال أبو عُمر: رِوايةُ يحيى هذه، إن صحَّتْ، فتُشبِهُ مذهبَ ابنِ عُمرَ.
-
ذكر مالكٌ في "المُوطَّأ" (٤) عن نافِع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّهُ كان يقولُ
vol. 12, p. 248في المرأةِ الحائضِ التي تُهِلُّ بحَجٍّ أو عُمرةٍ: إنَّها تُهِلُّ بحجِّها أو بعُمرتِها إذا أرادَتْ، ولكِن لا تَطُوفُ بالبيتِ، ولا بينَ الصَّفا والمروةِ (١) ، ولا تَقْربُ المسجدَ حتَّى تَطْهُرَ، وهي لا تحِلُّ حتَّى تطُوفَ بالبيتِ، وبين الصَّفا والمروةِ.
-
فقولُ ابنِ عُمرَ هذا على نحوِ رِوايةِ يحيى، إلّا أنَّ ذلك غيرُ محفُوظٍ في حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم هذا، عن أبيهِ، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
وفُقهاءُ الأمصارِ بالحِجازِ، والعِراقِ، والشّام، لا يرونَ بأسًا بالسَّعيِ بين الصَّفا والمروةِ على غَيرِ طَهارةٍ (٢) . وما جازَ عِندهُم لغيرِ الطّاهِرِ أن يَفْعلهُ، جازَ للحائضِ أن تَفعلهُ. وهذا مذهبُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وأبي حَنِيفةَ وأصحابِهِم. وهُو قولُ عَطاءٍ. وبه قال أحمدُ، وأبو ثَوْرٍ، وغيرُهُم.
-
وحُجَّتُهُم قولُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لعائشَةَ في هذا الحديثِ: "افْعَلي ما يفعلُ الحاجُّ، غيرَ أن لا تَطُوفي بالبيتِ" .
-
وكان الحسنُ البصرِيُّ يقولُ: من سعَى بين الصَّفا والمروةِ، على غيرِ طَهارةٍ، فإن ذكرَ قبلَ أن يحِلَّ فليُعِد، وإن ذكرَ بعدَما حلَّ، فلا شيءَ عليه (٣) .
-
وأجمعُوا أنَّهُ لا يجُوزُ لأحدٍ الطَّوافُ بالبيتِ إلّا على طَهارةٍ.
-
واختَلفُوا فيمَنْ فَعلهُ على غيرِ طَهارةٍ، ثُمَّ رجَعَ (٤) إلى بَلدِهِ قبلَ أن يعلمَ به.
فقال مالكٌ والشّافِعيُّ (٥) : حُكمُهُ حُكمَ من لم يَطُف أصلًا. وقال أبو حَنِيفةَ: يَبْعثُ بدَم، ويُجزِئُهُ (٦) .
- vol. 12, p. 249
حديث رابعٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم
مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: خَرَجنا معَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - - صلي الله عليه وسلَّم - عامَ حجَّةِ الوَداع، فأهْلَلْنا بعُمرةٍ، ثُمَّ قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - - صلي الله عليه وسلَّم -: "من كان مَعهُ هديٌ، فلْيُهلَّ بالحجِّ مع العُمرةِ، ثُمَّ لا يحِلَّ حتَّى يحِلَّ منهُما جميعًا" . قالت: فقدِمتُ مكَّةَ وأنا حائضٌ، فلم أطُف بالبيتِ، ولا بينَ الصَّفا والمروةِ، فشَكَوتُ ذلك إلى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - - صلي الله عليه وسلَّم -، فقال: "انقُضِي رأسَكِ، وامْتَشِطِي، وأهِلِّي بالحجِّ، ودَعيِ العُمرةَ" . قالت: ففَعلتُ، فلّما قَضَيتُ الحجَّ، أرْسَلني رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مع عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ إلى التَّنعِيم فاعْتَمرتُ، فقال: هذه مَكانُ عُمرتِكِ، فطافَ الذين أهلُّوا بالعُمرةِ (٢) بالبَيتِ، وبين الصَّفا والمَرْوةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طافُوا طَوافًا آخرَ بعدَ أن رَجعُوا من مِنًى لحجِّهِم، وأمّا الذين كانُوا أهلُّوا بالحجِّ، أو جمعُوا الحجَّ والعُمرةَ، فإنَّما طافُوا طوافًا واحِدًا.
-
هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالكٍ، بهذا الإسنادِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، ولم يُتابِعهُ عليهِ أحدٌ فيما عَلِمتُ من رُواةِ "المُوطَّأ" وإنَّما هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عِندَ جماعةِ الرُّواةِ عن مالكٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ. هكذا بهذا الإسنادِ وحدَهُ (٣) ، وهُو عِند يحيى بهذا الإسنادِ كذلك أيضًا (٤) . وبإسنادٍ آخرَ عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ (٥) .
- vol. 12, p. 250
فانفردَ يحيى لهذا الحديثِ بهذا الإسنادِ، وحصَلَ (١) عِندهُ هذا الحديث بهذينِ الإسنادينِ عن مالكٍ في "المُوطَّأ" ، وليسَ ذلك عِند أحدٍ غير في "المُوطَّأ" والله أعلمُ.
-
وقد تقدَّم ذِكرُنا لذلك في بابِ ابنِ شِهابٍ، وقد يجُوزُ ويحتَمِلُ أن يكون عِندَ مالكٍ في هذا الحديثِ إسنادانِ، فيدخِلُ الحديثَ في "مُوطَّئهِ" بإسنادٍ واحِدٍ منهُما، ثُمَّ رأى أن يُردِفَ الإسناد الآخر إذ ذكرهُ، أو نشِطَ إليه، فأفادَ بذلك يحيى، وكان يحيى من آخِرِ من عَرَضَ عليه "المُوطَّأ" ، ولكِنْ أهلُ العِلم بالحديثِ (٢) يجعلُونَ إسناد عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم في هذا الحديثِ خطأً، لانفِرادِ واحِدٍ به عن الجماعةِ، ولأنّ فيه (٣) : "انقُضِي رأسكِ وامتشِطِي" ، وهذا لم يَقُلهُ أحدٌ عن عائشةَ غير عُروةَ، لا القاسمُ ولا غيرُهُ.
-
وقد أوضَحْنا ذلك كلَّهُ في بابِ ابنِ شِهابٍ عن عُروةَ من هذا الكِتابِ.
-
وأمّا معاني هذا الحديثِ، فقد مضى القولُ فيها في بابِ ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ من هذا الكِتابِ، والحمدُ لله كثِيرًا، فلا معنى لإعادَةِ ذلك هاهنا (٤) .
- vol. 12, p. 251
حديثٌ خامِسٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم
مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، أنَّها (٢) قالت: خَرَجْنا معَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في بَعضِ أسفارِهِ، حتَّى إذا كُنّا بالبَيْداءِ، أو بذاتِ الجَيْشِ، انقطَعَ عِقدٌ لي، فأقامَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على الْتِماسِهِ، وأقامَ النّاسُ مَعهُ، وليسُوا على ماءٍ، وليسَ مَعهُم ماءٌ، فأتَى النّاسُ إلى أبي بكرٍ، فقالوا: ألا ترَى ما صنَعَتْ عائشَةُ؟ أقامَتْ برسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وبالنّاسِ، وليسُوا على ماءٍ، وليسَ مَعهُم ماءٌ. قالت: فجاءَ أبو بكرٍ، ورسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - واضِعٌ رأسهُ على فَخِذي قد نامَ، فقال: حَبَستِ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - والنّاس، ولَيْسُوا على ماءٍ، وليسَ مَعهُم ماءٌ. فعاتَبني أبو بكرٍ (٣) ، وقال ما شاءَ الله أن يقولَ، وجعلَ يَطْعنُ بيدِهِ في خاصِرتي، فما يَمْنعُني من التَّحرُّكِ، إلّا مكانُ رأسِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - على فَخِذِي، فنامَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حتَّى أصبَحَ على غيرِ ماءٍ، فأنزلَ الله آيةَ التَّيمُّم، فقال أُسَيدُ بن حُضَيرٍ: ما هي بأوَّلِ بَرَكتِكُم يا آلَ أبي بكرٍ. قالت: فبَعَثْنا البَعِيرَ الذي كنتُ عليهِ، فوَجَدْنا العِقْدَ تَحْتهُ.
-
هذا أصحُّ حَدِيثٍ رُوِي في هذا البابِ، وفيه من الفِقهِ:
خُرُوجُ النِّساءِ مع الرِّجالِ في الأسْفارِ، وخُرُوجُهُنَّ مع الرِّجالِ في الغَزَواتِ وغيرِ الغَزَواتِ مُباحٌ، إذا كان العَسْكرُ كبِيرًا، يُؤمَنُ عليه الغَلَبةُ.
-
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا عبدُ السَّلام بن مُطهَّرٍ، قال: حدَّثنا جَعفرُ بن سُليمانَ، عن ثابتٍ
vol. 12, p. 252البُنانِيِّ، عن أنسٍ، قال: كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَغْزُو بأُمِّ سُلَيم ونِسْوةٍ من الأنصارِ، يَسْقِينَ الماءَ، ويُداوِينَ الجَرْحَى.
-
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (١) : حدَّثنا سُرَيجُ (٢) بن النُّعمانِ. قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زِيادٍ، عن خالدِ بن ذكوانَ، قال: قُلتُ للرُّبيِّع بنتِ مُعوَّذٍ: هل كُنتُنَّ تَغزُونَ معَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قالت: نعم، كُنّا نغزُو معَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، نَحمِلُ الجَرْحَى، نَسْقِيهِم أو نُداوِيهِم.
قال أبو عُمر: وخُرُوجُ الرَّجُلِ في السَّفرِ مع أهلِهِ مباحٌ (٣) ، فإذا كانَ لهُ نِساءٌ حَرائرُ، لم يجُز لهُ أن يُسافِرَ بواحِدةٍ منهُنَّ، حتَّى يُقرعَ بينهُنَّ، فإذا أقرَعَ بينهُنَّ، ووقَعْتِ القُرعةُ على من وقعَتْ منهُنَّ، خرجَتْ معهُ (٤) ، واسْتَأثرتْ به في سَفَرِها، فإذا رجَعَ من سَفرِهِ، استأنَفَ القِسْمةَ بينهُنَّ، ولم يُحاسِبِ التي خرجَتْ معهُ بأيام سَفرِهِ معَها، وكانت مَشقَّتُها في سَفرِها ونَصَبُها فيه، بإزءِ نَصِيبِها منهُ، وكونِها معهُ.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بن سَلْمانَ (٥)
- vol. 12, p. 253
النجّادُ (١) الفقِيهُ ببغداد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضِي، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيسٍ (٢) ، عن أبيهِ، عن هشام بن عُرْوةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا أرادَ سَفَرًا أقْرَع بينَ نِسائهِ، فأيَّتُهُنَّ خرَجَ سَهْمُها، خرَجَ بها (٣) .
-
وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سَلْمانَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثني الحَسَنُ بن زيدِ بن حسنِ (٤) بن عليِّ بن أبي طالِبٍ، عن عبدِ الله بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم الأنصارِيِّ النَّجّارِيِّ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ مِثلهُ (٥) .
-
والسَّفرُ المذكُورُ في هذا الحديثِ، يُقال: إنَّهُ كان في غَزاةِ بَني المُصْطَلِقِ، فاللهُ أعلمُ.
-
وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: حتَّى إذا كُنّا بالبَيْداءِ، أو بذاتِ الجيشِ. فهكذا في حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم.
- vol. 12, p. 254
وروى هشامُ بن عُروةَ هذا الحديث، فاختُلِفَ عنهُ في اسم الموضِع الذي انقطَعَ فيه العِقدُ.
-
حدَّثني يُونُسُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جَعفرُ بن محمدٍ الفِرْيابِيُّ، قال: حدَّثنا مِنْجاب (١) بن الحارثِ، عن عليِّ بن مُسْهِرٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّها اسْتَعارَتْ من أسماءَ قِلادةً لها، وهي في سَفَرٍ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فانسلَّتْ منها، وكان ذلك المكانُ يُقال لهُ: الصُّلصُلُ، فذَكَرْتُ ذلك للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فطَلَبُوها حتَّى وَجَدُوها، وحَضَرتِ الصَّلاةُ، فلم يَكُن مَعهُم ماءٌ، فصلَّوا بغيرِ وُضُوءٍ، فأنزَلَ الله آيةَ التَّيمُّم، فقال لها أُسَيدُ بن الحُضيرِ: جَزاكِ الله خيرًا، فوالله ما نزَلَ بكِ أمر تَكْرهِينهُ، إلّا جعَلَ الله لكِ فيه وللمُسلِمِينَ خيرًا (٢) .
-
هكذا في هذا الحديثِ: أنَّ القِلادَةَ كانَتْ لأسماءَ، وأنَّ عائشَةَ اسْتَعارتها منها، وقال: قِلادةً. ولم يَقُل: عِقدًا.
وقال في المكانِ: يُقال لهُ: الصُّلصُلُ.
-
وروى ابنُ عُيينةَ هذا الحديث عن هشام بن عُروةَ، فقال فيهِ: سَقَطَتْ قِلادتُها ليلةَ الأبْواءِ. فأضاف القِلادةَ إليها، وقال في الموضِع: الأبواءُ.
-
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (٣) : حدَّثنا سُفيانُ. قال: حدَّثنا هشامُ بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّها سقطت قِلادتُها
vol. 12, p. 255ليلةَ الأبواءِ، فأرسلَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - رجُلينِ من المُسلِمِين في طلبِها، فحضرتِ الصَّلاةُ وليس معهُما ماءٌ، فلم يدرِيا كيف يصنعانِ؟ قال: فنزلت آيةُ التَّيمُّم. قال أُسيدُ بن حُضيرٍ: جزاكِ الله خيرًا، فما نزلَ بكِ أمرٌ تكرهِينهُ إلّا جعلَ الله لكِ منهُ مخرجًا، وجعلَ للمُسلِمِينَ فيه خيرًا.
قال أبو عُمر: الرَّجُلانِ اللَّذانِ بَعَثهُما رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في طَلَبِ القِلادةِ، كان أحدُهُما أُسَيد بن حُضَيرٍ.
-
أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ النُّفيليُّ، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ. قال أبو داود: وحدَّثنا عُثمانُ بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عبدةُ، جميعًا عن هشام بن عُروةَ، المعنى واحِدٌ، عن أبيهِ، عن عائشةَ قالت: بعَثَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أُسَيْدَ بن حُضيرٍ وأُناسًا مَعهُ في طلبِ قِلادةٍ أضلَّتها عائشَةُ، فحَضرتِ الصَّلاةُ، فصَلَّوا بغيرِ وُضُوءٍ، فأتوا رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرُوا ذلك، فنزلَتْ آيةُ التَّيمُّم. زاد ابنُ نُفيل: فقال لها أُسيدٌ: رَحِمكِ الله، ما نزَلَ بكِ أمرٌ تَكْرهِينهُ، إلّا جعَلَ الله للمُسلِمِينَ فيه فَرَجًا.
قال أبو عُمر: ليسَ اختِلافُ النَّقَلةِ في العِقْدِ والقِلادةِ، ولا في المَوْضِع الذي سقَطَ ذلك فيه لعائشةَ، ولا في قولِ القاسم عن عائشةَ: عِقْدٌ لي، وقولِ هشام: إنَّ القِلادةَ اسْتَعارتها عائشةُ من أسماءَة ما يَقْدحُ في الحديثِ، ولا يُوهِنُ شيئًا منهُ؛ لأنَّ المعنى المُراد من الحديثِ، والمقصُودِ إليه، هُو نُزُولُ آيةِ التَّيمُّم، ولم يَختلِفُوا في ذلك.
-
وفي هذا الحديثِ من رِوايةِ هشام بن عُروةَ حُكْمٌ كبِيرٌ، قدِ اختلَفَ فيه
vol. 12, p. 256العُلماءُ وتَنازعُوهُ، وهُو الصَّلاةُ بغيرِ طَهُورٍ بماءٍ ولا تَيمُّم، لمن عُدِمَ الماءَ، ولم يَقْدِر على التَّيمُّم، لعِلَلٍ مَنَعتهُ من ذلك، وسَنذكُرُ هذا الحُكم، وما للعُلماءِ فيه في هذا البابِ إن شاءَ الله.
-
حدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن المُسْتَفاضِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن الحجّاج السّاميُّ (١) ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن هشام بن عُرْوةَ، عن أبيهِ: أنَّ عائشَةَ كانت في سَفرٍ معَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان في عُنُقِها قِلادةٌ لأسماءَ ابنةِ أبي بكرٍ، فعرَّسُوا، فانسلَّتِ القِلادةُ من عُنُقِها، فلمّا ارْتَحلُوا قالت: يا رسُولَ الله، انسلَّتْ قِلادةُ أسماءَ من عُنُقِي، فأرسَلَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - رَجُلينِ إلى المُعَرَّسِ يَلْتمِسانِ القِلادةَ، فوَجَداها، فحَضَرتِ الصَّلاةُ، فصلَّوا بغيرِ طهُورٍ، فأنزَلَ الله آيةَ التَّيمُّم: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: ٤٣] ،. فقال أُسيدُ بن حُضَيرٍ: يَرْحمُكِ الله يا عائشةُ، ما نزَلَ بكِ أمرٌ تَكْرهِينَهُ، إلّا جعَلَ الله فيه للمُسلِمِين فرجًا (٢) .
قال أبو عُمر: فهذا ما في حَدِيثِ عائشةَ في بُدُوِّ التَّيمُّم، والسَّببِ فيهِ.
-
وقد رواهُ عمّارُ بن ياسِرٍ بأتمِّ مَعنًى.
-
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بن حَمْدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدَّثنا أبي، قال (٣) : حدَّثنا
vol. 12, p. 257يَعقُوبُ بن إبراهيمَ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن صالح بن كَيْسانَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: حدَّثني عُبيدُ الله بن عبدِ الله، عن ابنِ عبّاسٍ، عن عمّارِ بن ياسِرٍ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عرَّسَ بأُولاتِ (١) الجَيْشِ، ومَعهُ عائشةُ زوجتُهُ، فانقطَعَ عِقا لها من جَزْع ظَفارٍ (٢) ، فحَبَسَ النّاسَ ابتِغاءُ عِقْدِها ذلك، حتَّى أضاءَ الفجرُ (٣) ، وليسَ مع النّاسِ ماءٌ، فأنزلَ الله تبارك وتعالى على رسُولِهِ رُخصةَ التَّطهُّرِ بالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فقامَ المُسلِمُون معَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فضَرَبُوا بأيدِيهِمُ (٤) الأرضَ، ثُمَّ رَفعُوا أيدِيهُم، ولم يَقبِضُوا من التُّرابِ شيئًا، فمَسحُوا بها وُجُوههُم وأيدِيَهُم إلى المناكِبِ، ومن بُطُونِ أيدِيهِم إلى الآباطِ.
قال أبو عُمر: ليس في "المُوطَّأ" في ذِكرِ التَّيمُّم حديثٌ مرفُوعٌ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، غير حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم هذا، وهُو أصلُ التَّيمُّم، إلّا أنَّهُ ليسَ فيه رُتبةُ التَّيمُّم، ولا كيفِيَّتُهُ.
-
وقد نُقِلت آثار في التَّيمُّم عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُختلِفةٌ في كيفِيَّتِهِ، وعلى قَدْرِ ذلك من اختِلافِها، اختلَفَ فُقهاءُ الأمصارِ في القولِ بها، ونحنُ نَذكُرُ أقاوِيلهُم والآثارَ التي منها نَزعُوا في هذا البابِ إن شاءَ الله.
-
وأجمعَ عُلماءُ الأمصارِ بالحِجازِ، والعِراقِ، والشّام، والمشرِقِ، والمغرِبِ، فيما علِمتُ، أنَّ التَّيمُّم بالصَّعِيدِ عِندَ عَدم الماءِ طهُورُ كلِّ مُسلم (٥) ، مرِيضٍ أو مُسافِرٍ،
vol. 12, p. 258وسواءٌ كان جُنُبًا أو على غيرِ وُضُوءٍ (١) ، لا يختلِفُونَ في ذلك، وقد كان عُمرُ بن الخطّابِ، وعبدُ الله بن مسعُودٍ (٢) يقولانِ: الجُنُبُ لا يُطهِّرُهُ إلّا الماءُ، ولا يَسْتبِيحُ بالتَّيمُّم صلاةً، لقولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: ٦] . ولقولِهِ: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: ٤٣] وذهبا إلى أنَّ الجُنُب لم يَدْخُل في المعنى المُرادِ بقولِهِ: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: ٤٣] . وكانا يَذْهبانِ إلى أنَّ المُلامَسَةَ: ما دُونَ الجِماع.
-
وقد ذكَرْنا اختِلافَ العُلماءِ في المُلامسةِ (٣) ، في بابِ أبي النَّضرِ، والحمدُ لله.