عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق يكنى أبا محمد، رضي الله عنهم
357 paragraphs · vol. 12, p. 225
Page 4 of 9
- vol. 12, p. 258
ولم يتعلَّق بقولِ عُمر، وعبدِ الله في هذا المسألةِ أحد من فُقهاءِ الأمصارِ من أهلِ الرَّأيِ، وحَمَلةِ الآثارِ.
-
وذلك، واللهُ أعلمُ، لحديثِ عمّارٍ (٤) ، ولحديثِ عِمرانَ بن حُصينٍ، ولحديثِ أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في تيمُّم الجُنُبِ، أجمع العُلماءُ على القولِ بذلك، إلّا ما ذكَرْنا عن عُمرَ، وابنِ مسعُودٍ.
-
وهذا يدُلُّ على أنَّ أخبارَ الآحادِ العُدُولِ من عِلْم الخاصَّةِ، قد يَخْفَى على الجليلِ من العُلماءِ منها الشَّيءُ.
-
وحَسْبُك بما في "المُوطَّأ" ممّا غابَ عن عُمرَ مِنها، وهذا من ذلك البابِ، ولمّا لم يَصِل إليهما عِلمُ ذلك عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في تَيمُّم الجُنُبِ، أو لم يَثبُت ذلك عِندَهُما، تأوَّلا في الآيةِ المُحْكَمةِ في الوُضُوءِ، أنَّ الجُنُب مُنفرِد بحُكم التَّطهُّرِ
vol. 12, p. 259بالماءِ والاغتِسالِ به، وأنَّهُ لم يُرَد بالتَّيمُّم. وذلك جائزٌ سائغٌ من التَّأوِيلِ في الآيةِ، لولا ما بَيَّنهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في تَيمُّم الجُنُبِ.
- والحديثُ في ذلك:
-
ما حدَّثناهُ خلفُ بن القاسم وعبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قالا: حدَّثنا سَعِيدُ بن عُثمانَ بن السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُوسُفَ، قال: حدَّثنا البُخارِيُّ، قال (١) : حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: حدَّثنا الحَكَمُ، عن ذرٍّ، عن سَعِيدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبْزَى، عن أبيهِ، قال: جاءَ رجُلٌ إلى عُمر بن الخطّابِ فقال: إنِّي أجْنَبتُ، فلم أُصِبِ الماءَ. فقال عمّارٌ لعُمرَ: أما تَذكُرُ إنّا كُنّا في سَفرٍ، أنا وأنتَ (٢) ، فأمّا أنتَ فلم تُصلِّ، وأمّا أنا فتَمعَّكتُ، ثُمَّ صلَّيتُ، فذكرتُ (٣) للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "إنَّما كان يَكْفِيكَ هكذا" . فضرَبَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بكفَّيهِ الأرضَ، ونفَخَ فيهِما، ومسَحَ بهما وجههُ وكفَّيهِ.
قال البُخارِيُّ (٤) : وحدَّثني عُمرُ بن حَفْصِ بن غِياثٍ (٥) ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الأعمشُ، قال: سَمِعتُ شقِيق بن سَلَمةَ، قال: كُنتُ عِندَ عبدِ الله، وأبي موسى، فقال: أرأيتَ يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، إذا أجنبتَ فلم تجِد ماءً، كيفَ تَصْنعُ؟
vol. 12, p. 260فقال عبدُ الله: حتَّى نجِدَ الماءَ (١) . فقال أبو موسى: كيفَ تَصْنعُ بقولِ عمّارٍ، حِينَ قال لهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "كان يكفِيكَ" . يعني الصَّعِيد. قال: ألم تَرَ عُمرَ لم يَقنع بذلك؟ قال أبو موسى: فدَعْنا من قولِ عمّارٍ، كيفَ تَصْنعُ بهذه الآيةِ؟ فما دَرَى عبدُ الله ما يقولُ، فقال: لو أنّا رَخَّصنا لهم في هذه، لأوشَكَ إذا برُدَ على أحدِهِمُ الماءُ، أن يَدَعهُ ويتيمَّم (٢) . فقُلتُ لشقيقٍ: فإنَّما كَرِههُ عبدُ الله لهذا؟ قال: نعم.
قال أبو عُمر: هذا مَعرُوفٌ مَشهُورٌ عِندَ أهلِ العِلم عن ابنِ مسعُودٍ وعُمرَ، لا يجهلُهُ إلّا من لا عِنايةَ لهُ بالآثارِ، وبأقاوِيلِ السَّلفِ، وقد غلِطَ في هذا بعضُ أهلِ العِلم، فزعَمَ أنَّ ابن مَسْعُودٍ كان لا يرى الغُسل للجُنُبِ إذا تيمَّمَ، ثُمَّ وجدَ الماءَ، وهذا جهلٌ بهذا المعنى بيِّنٌ لا خفاءَ به، والله المُستعانُ.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بن كثِيرٍ العبدِيُّ، قال: أخبرنا سُفيانُ، عن سلمةَ بن كُهيل، عن أبي مالكٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبزى، قال: كُنتُ عِندَ عُمرَ فجاءَهُ رَجُلٌ فقال: إنّا نَكُونُ بالمكانِ الشَّهر والشَّهرينِ، قال عُمرُ: أمّا أنا فلم أكُن أُصلِّي حتَّى
vol. 12, p. 261أجِدَ الماءَ. قال عمّارٌ: يا أمِيرَ المُؤمِنِينَ، أما تَذكُرُ إذ كُنتُ أنا وأنتَ في الإبِلِ، فأصابتنا جَنابةٌ، فأمّا أنا فتمعَّكتُ، فأتينا النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فذكَرْنا ذلك لهُ (١) ، فقال: "إنَّما كان يكفِيكَ أن تقولَ" - وضرب بيديهِ - "هكذا" . ثُمَّ نَفخهُما، ثُمَّ مسَحَ بهما وجَههُ وَيدَيهِ إلى نِصفِ الذِّراع. قال عُمرُ: يا عمّارُ اتَّقِ الله. فقال: يا أمِيرَ المُؤمِنِين، إن شِئتَ والله لم أذكُرهُ أبدًا. قال: كلّا والله، ولكِن نُولِّيكَ من ذلك ما تولَّيتَ.
قال أبو عُمر: رَوَى ابنُ مهدِيٍّ هذا الحديث، عن الثَّورِيِّ، عن سَلَمةَ، عن (٢) أبي مالكٍ، وعبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبْزَى، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبْزَى، مِثلهُ (٣) .
-
ورُوِي حديثُ عمّارٍ عنهُ من طُرُقٍ كثِيرةٍ (٤) ، فإن قال قائلٌ: إنَّ في بَعضِ الأحادِيثِ عن عمّارٍ في هذا الخبرِ: أنَّ عُمرَ لم يَقْنع بقولِ عمّارٍ.
-
فالجوابُ: أنَّ عُمرَ كان يذهبُ إلى أنَّ الجُنُب لا يُجزِئه إلّا الغُسلُ بالماءِ، فلمّا أخبَرهُ عمّارٌ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بأنَّ التَّيمُّم يَكْفيه، سكت عنهُ، ولم (٥) يَنْههُ، فلمّا لم يَنْههُ، عَلِمنا أنَّهُ قد وقعَ بقلبِهِ تَصدِيقُ عمّارٍ؛ لأنَّ عمّارًا قال لهُ: إن شِئتَ لم أذكُرهُ.
-
ولو وقعَ في قَلبِهِ تَكذِيبُ عمّارٍ لنَهاهُ، لما كان الله قد جعل في قَلبِهِ من تَعظِيم حُرُماتِ الله، ولا شيءَ أعظم من الصَّلاةِ، وغيرُ مُتوهَّم على عُمرَ أن يسكُت على صلاةٍ تُصلَّى عِندَهُ بغيرِ طهارةٍ، وهُو الخلِيفةُ المسؤُولُ عن العامَّةِ، وكان أتْقَى النّاسِ لربِّهِ، وأنْصَحهُم لهم في دِينِهِم (٦) في ذلك الوَقتِ، رحمةُ الله عليه.
- vol. 12, p. 262
وقد رُوِي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تيمُّمُ الجُنُبِ من حديثِ عِمرانَ بن حُصينٍ (١) ، وأبي ذرٍّ. وعلى ذلك جماعةُ العُلماءِ، والحمدُ لله.
-
أخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن عُثمانَ بن السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا البُخارِيُّ، قال (٢) : حدَّثنا عَبْدانُ، قال: أخبَرنا عبدُ الله بن المُباركِ، قال: أخبَرنا عَوْفٌ، عن أبي رَجاءٍ، قال: حدَّثنا عِمرانُ بن حُصينٍ الخُزاعِيُّ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رَجُلًا مُعتزِلًا لم يُصلِّ في القَوْم، فقال: "يا فُلانُ، ما مَنَعكَ أن تُصلِّي مع القَومِ؟ " فقال: يا رسُولَ الله، أصابَتني جَنابةٌ، ولا ماءَ، فقال: "عليكَ بالصَّعِيدِ، فإنَّهُ يَكْفِيكَ" .
قال أبو عُمر: فلمّا بيَّن رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مُرادَ ربِّهِ من معنى آيةِ الوُضُوءِ، بأنَّ (٣) الجُنُبَ داخِلٌ فيمن قُصِدَ بالتَّيمُّم، عِندَ عدَم الماءِ، بقولِهِ: فلم {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: ٤٣] تعلَّق العُلماءُ بهذا المعنى، ولم يُعرِّجُوا على قَولِ عُمرَ وابنِ مسعُودٍ، وليسَ أحدٌ من خَلْقِ الله إلّا ويُؤخَذُ من قولِهِ ويُتركُ، إلّا رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فيما يصِحُّ عنهُ (٤) .
- vol. 12, p. 263
رَوَى أبو مُعاويةَ وغيرُهُ، عن الأعْمشِ، عن أبي وائل، عن ابنِ مَسعُودٍ، قال: لا يَتيمَّم الجُنُبُ، وإن لم يَجِدِ الماءَ شهرًا (١) .
-
وروى أيُّوب، عن أبي قِلابةَ، عن رَجُلٍ من بني عامرٍ، أنهُ سمِع أبا ذرٍّ قال: كُنتُ أعزُبُ عن الماءِ، ومعي أهِلي، فتُصِيبُني الجنابةُ، فسألتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "إنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّب طَهُورٌ، وإن لم تجِدِ الماءَ عشرَ سِنِينَ، فإذا وجدتَ الماءَ، فأمِسَّهُ جِلدكَ، أو بشرتَكَ" .
-
هكذا رواهُ حمّادُ بن زيدٍ وعبدُ الوارِثِ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن رَجُلٍ من بني عامرٍ، عن أبي ذَرٍّ (٢) .
-
ورواهُ خالدٌ الحذّاءُ، عن أبي قِلابةَ، عن عَمرو (٣) بن بُجْدان (٤) ، عن أبي ذرٍّ، بمعنًى واحِدٍ.
-
واختلَفَ الفُقهاءُ في الذي يَدْخُلُ عليه وقتُ الصَّلاةِ، ويخشى خُرُوجهُ، وهُو لا يجِدُ الماءَ، ولا يَسْتطِيعُ الوُصُولَ إليه، ولا إلى صَعِيدٍ يتيمَّمُ به:
فقال ابنُ القاسم، في المحبُوسِ إذا لم يجِد ماءً، ولم يَقْدِر على الصَّعِيدِ: صلَّى كما هُو، وأعادَ إذا قدَرَ على الماءِ، أو على الصَّعِيدِ (٥) .
- vol. 12, p. 264
وقال أشهبُ في المُنهدَم عليهِم، والمحبُوسِينَ، والمربُوطِ، ومن صُلِبَ في خَشَبةٍ، ولم يَمُت: لا صَلاةَ عليهم حتَّى يَقدِرُوا على الماءِ، أو على الصَّعِيدِ، فإذا قَدَرُوا صلَّوا.
وقال ابنُ خُوَيْزمَنْداد: الصَّحِيحُ من مَذهبِ مالكٍ: أنَّ كلَّ من لم يَقْدِر على الماءِ، ولا على الصَّعِيدِ، حتَّى خرجَ الوَقتُ: أنَّهُ لا يُصلِّي، ولا عليه شيءٌ. قال: رواهُ المدنِيُّون عن مالكٍ. قال: وهُو الصَّحِيحُ من المذهبِ.
قال أبو عُمر: ما أعرِفُ كيفَ أقدَمَ على أن جعَلَ هذا هُو الصَّحِيح من المذهبِ، مع خِلافِهِ جُمهُور السَّلفِ، وعامَّةَ الفُقهاءِ، وجماعةَ المالكِيِّين، وأظنُّهُ ذهَبَ إلى ظاهِرِ حديثِ مالكٍ هذا، في قولِهِ: وليسُوا على ماءٍ، فنامَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حتَّى أصبَحَ، وهُم على غيرِ ماءٍ، فأنزلَ الله آيةَ التَّيمُّم. ولم يَذكُر أنَّهُم صلَّوا.
-
وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّهُ لم يَذكُر أنَّهُم لم يُصلُّوا، وقد ذكَرَ هشامُ بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشَةَ في هذا الحديثِ: أنَّهُم صلَّوا بغَيرِ وُضُوءٍ. ولم يذكُر إعادَةً.
-
وقد ذهَبَ إلى هذا طائفةٌ من الفُقهاءِ.
قال أبو ثورٍ: وهُو القِياسُ.
وقال ابنُ القاسم: يُصلُّونَ إن قَدَرُوا، وكان عَقلُهُم معهُم، ثُمَّ يُعِيدُونَ إذا قَدرُوا على الطَّهارر بالماءِ، أو بالتَّيمُّم (١) .
-
وقد رَوَى ابنُ دِينارٍ، عن مَعْن، عن (٢) مالكٍ، فيمَن كتَّفهُ الوالِي أو حَبَسهُ، فمَنعهُ من الصَّلاةِ، حتَّى خرَجَ وقتُها: أنَّهُ لا إعادَةَ عليهِ.
- vol. 12, p. 265
وإلى هذه الرِّوايةِ - والله أعلمُ (١) - ذهَبَ ابنُ خُوَيْزمَنْداد (٢) ، وكأنَّهُ قاسَهُ على المُغمَى عليه، وليسَ هذا وجه القِياسِ، لأنَّ المُغمى عليه مَغلُوبٌ على عقلِهِ، وهذا مَعهُ عقلُهُ.
وقال ابنُ القاسم وسائرُ العُلماءِ: الصَّلاةُ عليه واجِبةٌ، إذا كان عَقلُهُ مَعهُ، فإذا (٣) زالَ المانِعُ لهُ، تَوَضَّأ، أو تيمَّمَ وصلَّى.
-
وذكَرَ عبدُ الملِك بن حبِيبٍ، قال: سألتُ مُطرِّفًا وابن الماجِشُونِ وأصبغَ بَن الفَرَج، عن الخائفِ تحضُرُهُ الصَّلاةُ، وهُو علي دابَّتِهِ على غيرِ وُضُوءٍ، ولا يجِدُ إلى النُّزُولِ للوُضُوءِ والتَّيمُّم سَبِيلًا، فقال بعضُهُم: يُصلِّي كما هُو علي دابَّتِهِ إيماءً، فإذا أمِنَ تَوَضَّأ إن وجَدَ الماءَ، أو تيمَّمَ إن لم يجِدِ الماءَ، وأعادَ الصَّلاةَ في الوَقتِ وغيرِ الوَقْتِ (٤) . وقال لي أصبَغُ بن الفَرَج: لا يُصلِّي وإن خرَجَ الوَقْتُ، حتَّى يجِدَ السَّبِيل إلى الطَّهُورِ بالوُضُوءِ أوِ التَّيمُّم. قال: ولا يجُوزُ لأحَدٍ الصَّلاةُ بغَيرِ طُهرٍ. قال عبدُ الملكِ بن حبِيبٍ: وهذا أحبُّ إليَّ.
قال: وكذلك الأسِيرُ المغلُولُ لا يجِدُ السَّبِيل إلى الوُضُوءِ بالماءِ ولا التَّيمُّم، والمرِيضُ المُثبتُ (٥) الذي لا يجِدُ من يُناوِلُهُ الماءَ، ولا يَسْتطِيعُ التَّيمُّم، هُما مِثلُ الذي وصَفْنا من الخائفِ. وكذلك قال أصبغُ بن الفَرَج في هؤُلاءِ الثَّلاثةِ. قال: وهُو أحسنُ ذلك عِندِي وأقواهُ.
- vol. 12, p. 266
وعن الشّافِعيِّ رِوايتانِ إحداهُما: لا يُصلِّي حتَّى يجِد طهارةً. والأُخْرَى يُصلِّي كما هُو ويُعِيدُ (١) . وهُو المشهُورُ عنهُ.
قال المُزنِيُّ: إذا كانَ محبُوسًا لا يَقدِرُ على تُرابٍ نظِيفٍ، صلَّى، وأعادَ إذا قدر.
وقال أبو حنِيفةَ في المحبُوسِ في المِصرِ: إذا لم يجِد ماءً، ولا تُرابًا نظِيفًا، لم يُصلِّ، وإذا وجدَ ذلك صلَّى (٢) .
وقال أبو يُوسُفَ ومحمدٌ والثَّورِيُّ والشّافِعيُّ والطَّبرِيُّ: يُصلِّي ويُعِيدُ.
وقال أبو حنِيفةَ وأبو يُوسُف ومحمدٌ والشّافِعيُّ: إن وجدَ المحبُوسُ في المِصرِ تُرابًا نظِيفًا صلَّى، في قولِهِم، وأعادَ.
وقال زُفرُ: لا يتيمَّمُ ولا يُصلِّي، وإن وجَدَ تُرابًا نظِيفًا على أصلِهِ في أنَّهُ لا يَتَيمَّمُ في الحَضَرِ.
وقال ابنُ القاسم: لو تَيمَّمَ على التُّرابِ النَّظِيفِ، أو على وَجْهِ الأرضِ، لم تكُن عليه إعادَةٌ إذا وجدَ الماءَ (٣) .
قال أبو عُمر: هاهُنا مَسْألة أُخرى في تيمُّم الذي يخشَى فَوْت (٤) الوَقتِ، وهُو في الحَضرِ (٥) ، ولا يَقدِرُ على الماءِ، وهُو قادِر على الصَّعِيدِ، سنذكُرُها، ونذكُرُ اختِلافَ العُلماءِ فيها بعدَ هذا إن شاءَ الله.
-
وقد ذكَرَ أبو ثَوْرٍ، أنَّ من أهلِ العِلم من قال: إنَّهُ يُصلِّي كما هُو ولا يُعِيدُ. ومذهبُ أبي ثورٍ في ذلك كَمذهبِ الشّافِعيِّ ومن تابَعهُ (٦) .
- vol. 12, p. 267
وزعَمَ أبو ثورٍ: أنَّ القِياسَ، أن لا إعادةَ عليه، لأنَّهُ كمن لم يجِد ثوبًا، صلَّى عُريانًا، ولا إعادَةَ عليه.
قال: وإنَّما الطَّهارةُ بالماءِ، أو بالصَّعِيدِ، كالثَّوبِ، فمن لم يَقْدِر عليها، سقطت عنهُ، والصَّلاةُ لهُ لازِمةٌ على حَسَبِ قُدرتهِ، وقد أدّاها في وَقْتِها على قَدرِ طاقتِهِ.
-
وقدِ اختلفُوا في وُجُوبِ إعادتِها، ولا حُجَّةَ لمن أوجَبَ الإعادةَ عليه.
-
وأمّا الذين قالوا: من لم يَقْدِر على الماءِ ولا على الصَّعِيدِ، صلَّى كما هُو، وأعادَ إذا قدرَ على الطَّهارةِ، فإنَّهُمُ احتاطُوا للصَّلاةِ، فذهَبُوا إلى حديثِ عائشةَ، المذكُورِ في هذا البابِ، من رِوايةِ هشام بن عُروةَ، وفيهِ: أنَّ أصحابَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الذينَ بَعَثهُم في طَلَبِ القِلادةِ، وحَضَرتهُمُ الصَّلاةُ، فصلَّوا بغيرِ وُضُوءٍ، إذ لم يَجِدُوا الماءَ. فلم يُعنِّفهُم رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نهاهُم، وكانت طهارتهمُ الماءَ، فلمّا عَدِمُوهُ، صلَّوا كما كانُوا في الوَقتِ، ثُمَّ نزلَتْ آيةُ التَّيمُّم، فكذلك إذا لم يَقدِر على الماءِ، ولا على التَّيمُّم، عندَ عدم الماء، صلَّى في الوَقتِ كما هُو، فإذا وجدَ الماءَ، أو قدرَ على التَّيمُّم، عندَ عدم الماء، أعادَ تلك الصَّلاةَ احتِياطًا، لأنَّها صَلاةٌ بغيرِ طُهُورٍ، وقالوا: لا يَقْبلُ الله صَلاةً بغيرِ طُهُورٍ، لمن قدِرَ على الطَّهُورِ، فأمّا من لم يَقدِر على الطَّهُورِ، فليس كذلك، لأنَّ الوقت فَرْضٌ، وهُو قادِرٌ عليه، فيُصلِّي كما قدرَ في الوقتِ، ثُمَّ يُعِيدُ، فيكونُ قد أخذَ بالاحتِياطِ في الوَقتِ والطَّهارةِ جميعًا.
-
وذهَبَ الذين قالوا: إنَّهُ لا يُصلِّي حتَّى يجِدَ الماءَ أوِ التَّيمُّم، إلى ظاهِرِ قولِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبلُ الله صَلاةً بغيرِ طُهُورٍ" (١) .
قالوا: ولمّا أوجَبُوا عليهِ الإعادةَ، إذا قدرَ على الماءِ أوِ التَّيمُّم، لم يكُن لأمرِهِم إيّاهُ بالصَّلاةِ معنًى، وفي حديثِ مالكٍ هذا عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم،
vol. 12, p. 268عن أبيهِ، عن عائشةَ قولهُا فيهِ: فنامَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حتَّى أصبَحَ على غيرِ ماءٍ. دليلٌ على أنَّ من عدِمَ الطَّهارةَ، لم يُصلِّ حتَّى يُمَكَّنَه (١) ، وبالله التَّوفِيقُ.
-
أخبَرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٢) : أخبَرنا قتيبةُ بن سَعِيدٍ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن قَتادةَ، عن أبي المليح (٣) ، عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَقْبلُ الله صَلاةً بغيرِ طُهُورٍ، ولا صَدَقةً من غُلُولٍ" .
-
وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا مُسلِمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن أبي المَلِيح، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تُقْبَلُ صَدَقةٌ من غُلُول، ولا صَلاةٌ بغيرِ طُهُورٍ" .
-
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن شُعبةَ، عن سِماكِ بن حَرْبٍ،
vol. 12, p. 269عن مُصعَبِ بن سَعدٍ، أنَّ ابن عُمرَ قال لابنِ عامرٍ: سمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لا يَقْبلُ الله صلاةً بغيرِ طُهُورٍ، ولا صَدَقةً من غُلُولٍ" (١) .
-
ورَوَى سَعْدُ بن سِنانٍ، عن أنسَ (٢) ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثلهُ (٣) .
-
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن همّام بن مُنبِّهٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَقْبلُ الله صلاةَ أحدِكُم إذا أحدَثَ، حتَّى يتوضَّأ" .
- vol. 12, p. 270
وفي قولِهِ في حديثِ مالكٍ: وليسُوا على ماءٍ، وليس معهُم ماءٌ. دليلٌ على أنَّ الوُضُوءَ قد كانَ لازِمًا لهُم، قبلَ نُزُولِ آيةِ الوُضُوءِ، وأنَّهُم لم يكونُوا يُصلُّونَ إلّا بوُضُوءٍ قبلَ نُزُولِ الآية، لأنَّ قولهُ: فأنزلَ الله آيةَ التَّيمُّم (١) . وهي آيةُ الوُضُوءِ المذكُورةُ في سُورة المائدةِ، أوِ الآيةُ التي في سُورةِ النِّساءِ، ليسَ التَّيمُّمُ مذكُورًا في غيرِ هاتينِ الآيتَينِ، وهُما مَدنِيَّتانِ.
-
والآيةُ ليَسْتَ بالكلِمةِ، ولا الكلِمتينِ، وإنَّما هي الكلامُ المُجتمِعُ الدّالُّ على الإعجازِ الجامِع، لمعنًى مُستفادٍ قائم بنفسِهِ.
-
ومعلُومٌ أنَّ غُسلَ الجنابةِ لم يُفتَرض قبلَ الوُضُوءِ، كما أنَّهُ معلُومٌ عِندَ جميع أهلِ السِّيرِ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مُنذُ افتُرِضَتْ عليه الصَّلاةُ بمكَّةَ، لم يُصلِّ إلّا بوُضُوءٍ مِثلَ وُضُوئنا (٢) اليومَ، وهذا ما لا يجهلُهُ عالمٌ، ولا يَدْفعُهُ إلّا مُعانِدٌ.
-
وفيما ذكَرْنا دليلٌ، على أنَّ آيةَ الوُضُوءِ إنَّما نزلَتْ ليكونَ فَرْضُها المُتقدِّمُ متلُوًّا في التَّنزِيلِ، ولها نَظائرُ كثِيرةٌ، ليسَ هذا مَوْضِعَ ذِكرِها.
-
وفي قولِهِ في حديثِ مالكٍ: فنزلَتْ آيةُ التَّيمُّم - ولم يقُل: آيةُ الوُضُوءِ - ما يُتبيَّنُ به أنَّ الذي طَرَأ إليهم من العِلم في ذلك الوَقْتِ، حُكمُ التَّيمُّم، لا حُكمُ الوُضُوءِ، والله أعلمُ.
-
ومن فضلِ الله ونِعمتِهِ، أن نصَّ على حُكم الوُضُوءِ وهيئَتِهِ بالماءِ، ثُمَّ أخبَرَ بحُكم التَّيمُّم عِندَ عَدَم الماءِ.