يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله

1,255 paragraphs · vol. 15, p. 5

Page 10 of 32

  1. والقولُ الآخر: كقولِ أبي حنيفة، أنَّ القَسامةَ تُوجبُ الديةَ دونَ القَوَدِ في العمدِ والخطأ جميعًا، إلا أنها في العمدِ في أموالِ الجناة، وفي الخطأ على العاقلة (١) .

    vol. 15, p. 157
  2. والحُجّةُ من جهةِ الأثرِ في إسقاطِ القَوَدِ في القَسامةِ حديثُ أبي ليلى، عن سَهْل، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قوله: "إمّا أن يَدُوا صاحبَكم، وإمّا أن يُؤْذَنُوا بحَرْب" (٢) .

  3. وتأوّل مَن ذهَب إلى هذا في قوله: "دمَ صاحبِكم" : ديةَ صاحبكم (٣) ؛ لأنَّ مَن استحقَّ ديةَ صاحبِه فقد استحقَّ دمَه؛ لأنَّ الدَّيةَ قد تؤخَذُ في العمْد، فيكونُ ذلك استحقاقًا للدم.

    قال أبو عُمر: الظاهرُ في ذكرِ الدَّم القَوَد، واللّهُ أعلم. وسيأتي ذكرُ حديثِ أبي ليلى في موضعِه من هذا الكتاب إن شاء الله، ويأتي القولُ في هذا المعنى فيه هناك بعونِ الله.

    vol. 15, p. 158قال أبو عُمر: كلُّ مَن أوجَبَ الحُكمَ بالقَسامةِ من علماءِ الحجازِ والعراق، فهم في ذلك على معنَيين وقولَين؛ فقومٌ أوجَبوا الدَّيةَ والقَسامةَ بوُجوبِ القتيلِ فقط، ولم يُراعُوا معنًى آخر، وقومٌ اعتبروا اللَّوْثَ، فهم يطلُبون ما يغلِبُ على الظنِّ وما يكونُ شُبهةً يُتطرَّقُ بها إلى حراسةِ الدِّماء، ولم يطلُبوا في القَسامةِ الشهادةَ القاطعةَ ولا العلمَ البتَّ، وإنما طلَبوا شُبهةً وسمَّوهُ لَوْثًا، لأنه يَلطَخُ المُدَّعَى عليه، ويُوجبُ الشُّبهةَ، ويتطرّقُ به إلي حراسةِ الأنفُسِ وحقْنِ الدِّماء، إذ في القِصاصِ حياةٌ، والخيرُ كلُّه في ردْع السُّفهاءِ والجُناة. وقد قدَّمنا عن مالك وغيرِه هذا المعنى، فلذلك وردَت القَسامة، واللّهُ أعلم، ولا أصلَ لهم في القَسامةِ غيرُ قصّةِ عبدِ الله بنِ سَهْل الحارثيِّ الأنصاريِّ المقتولِ بخيبر، على ما قد ذكَرنا من الرواياتِ بذلك على اختلافِها مُوعَبةً واضحةً في هذا الباب. والحمدُ للّه.

  4. وفي ردِّ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - الأيمانَ في القَسامةِ دليلٌ على ردِّ اليمينِ على المدَّعي إذا نكَل المُدَّعَى عليه عنها في سائرِ الحقوق، وإلى هذا ذهَب مالكٌ والشافعيُّ في ردِّ اليمين، وهذا أصلُهم في ذلك.

  5. وأما أبو حنيفةَ وأهلُ العراق فهم يَقضُون بالنُّكول، ولا يرَونَ ردَّ يمينٍ في شيءٍ من الحقوقِ والدعاوى. والقولُ بردِّ اليمين أوْلى وأصحُّ؛ لما رُوِيَ من الأثرِ في ذلك، وأما النُّكول، فلا أثرَ فيه ولا أصلَ يعضُدُه، ولم نرَ في الأصولِ حقًّا ثبَت على منكرٍ بسببِ واحد، والنُّكولُ سببٌ واحدٌ، فلم يكنْ بدٌّ من ضَمِّ شيءٍ غيرِه إليه، كما ضُمَّ الشَّاهدُ إلى شاهدٍ مثلِه، أو يمينِ الطالب، واللّهُ الموفقُ للصواب (١) .

  6. يحيى عن عَدِيّ بن ثابتٍ حديثان حديثٌ ثانٍ وعشرونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ (١)

    vol. 15, p. 159
  7. مالكٌ (٢) ، عن يحيى بن سعيد، عن عَدِيِّ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ، عن البَرَاءِ بنِ عازب، أنَّهُ قال: صَلَّيتُ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - العشاءَ، فقرأ فيها بـ: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} .

  8. لم يُخْتَلَفْ على مالكٍ في هذا الحديث (٣) ، وكذلك رواه جماعةٌ عن يحيى بنِ سعيد، إلا أنَّ مِسعَرًا (٤) رواه فزاد فيه: وما سمِعتُ أحسنَ صوتًا منه - صلى الله عليه وسلم - (٥) . وقد ذكَرنا هذا الخبرَ في باب تحسينِ الصوتِ بالقرآنِ من كتاب "البيان عن تلاوة القرآن" ، والحمدُ لله، فلا معنَى لذِكْرِه هاهنا.

  9. وهذا الحديثُ عندَنا محمَلُه على أنه قد قرأ بـ: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} مع أمِّ القرآن، بدليلِ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاةَ لمَن لم يقرأ فيها بـ: " فاتحة الكتاب "، وكلُّ صلاةٍ لم يُقرَأ فيها بـ: " أمِّ القرآن " فهي خِداج" (٦) . وقد ذكَرنا مذاهبَ الفقهاءِ في هذا الباب

    vol. 15, p. 160في باب العلاءِ من هذا الكتاب، وليس في هذا الحديث بعدَ هذا معنًى يُشكِل، وما قرأ به المصلِّي في الرَّكْعتَين الأولَيِين، من الظُّهر والعصرِ والمغربِ والعشاء، مع "أمِّ القرآن" ، فحسَنٌ، وكذلك صلاةُ الصُّبح.

  10. وفي قول رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاةَ إلا بـ: " فاتحة الكتاب "، وكلُّ صلاةٍ لم يُقرَأ فيها بـ: " أمِّ القرآن " فهي خِداج" دليلٌ على أنَّ مَن قرأ "فاتحة الكتاب" في كلِّ رَكْعةٍ من صلاتِه ولم يزِدْ - فقد صلَّى صلاةً كاملةً وتامة غيرَ ناقصة، وحسبُكَ بهذا، وقد قدَّمنا ذكرَ الدلائل على أنَّ ذكرَ الصلاةِ في هذين الحديثَين أُريد به الرَّكْعةُ في غيرِ موضع من كتابنا هذا، فلا وجهَ لتكرير ذلك هاهنا.

  11. وقد كان بعضُ أصحاب مالكٍ يرى الإعادةَ على من تعمَّد تركَ السُّور مع "أمِّ القرآن" ، وهو قولٌ ضعيفٌ لا أصلَ له في نظَرٍ ولا أثر. وجمهورُ أصحابِ مالكٍ على أنه قد أساءَ وصلاتُه مُجزئةٌ عنه، وكذلك قولُ سائر العلماء، والحمدُ لله.

  12. وللفقهاء استحباباتٌ فيما يُقرَأ به مع "أمِّ القرآن" في الصلوات، ومراتبُ وتحديداتٌ، كلُّ ذلك استحسانٌ وليس بواجب، وبالله التوفيق.

  13. حديث ثالثٌ وعشرون ليَحيى بن سعيدٍ

    مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَدِيِّ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ، أنَّ عبدَ الله بنَ يزيدَ الخَطْميَّ أخبَره، أنَّ أبا أيوبَ الأنصاريَّ أخبَره، أنه صلَّى مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في حِجّةِ الوداع المغربَ والعشاءَ بالمُزدَلِفة جميعًا.

    vol. 15, p. 161
  14. عَدِيُّ بنُ ثابتٍ هذا هو عَدِيُّ بنُ ثابتِ بنِ عُبيدِ بنِ عازب أخي البراءِ بنِ عازب، ولجَدِّه صُحْبةٌ، وقد رَوَى عن أبيه، عن جدِّه أحاديث، وجدُّه لأمِّه عبدُ الله بنُ يزيدَ الخَطْميُّ هذا فيما ذكَر غيرُ واحد.

    وقال الطحاويُّ: عَدِيُّ بنُ ثابتٍ الأنصاريُّ كوفيٌّ، وجدُّه قيسُ بنُ الخَطيم الشاعر.

  15. وأمّا عبدُ الله بنُ يزيدَ هذا فله صُحبةٌ وروايةٌ، وقد ذكَرناه في كتاب "الصحابة" (٢) بما يُغْني عن ذِكْرِه هاهنا. وكان عبدُ الله بنُ يزيدَ هذا أميرًا على الكوفةِ لعبدِ الله بنِ الزُّبير، ذكَر ذلك الليثُ بنُ سعْد، عن يحيى بن سعيد، عن عَدِيِّ بنِ ثابت. وقد ذكَرْنا ما في هذا الحديثِ مع المعاني، ومضى القولُ في ذلك في باب ابنِ شهاب، عن سالم (٣) من هذا الكتاب، والحمد لله.

  16. يحيى عن الأعرج حديثٌ واحدٌ حديثٌ رابعٌ وعشرون ليَحيى بنِ سعيدٍ

    مالك (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن الأعرج عبدِ الرحمنِ بنِ هُرمُز، عن عبدِ الله بنِ بُحَيْنة، أنه قال: صلَّى لنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر، فقام في اثنتَين ولم يجلسْ فيهما، فلمّا قضَى صلَاته سجدَ سجدتين ثم سَلَّم بعدَ ذلك.

    vol. 15, p. 162
  17. قد مضَى القولُ في هذا الحديثِ مجوَّدًا ممهَّدًا في باب ابن شهاب، عن الأعرج، من هذا الكتاب (٢) .

  18. يحيى عن أبي صالح حديثٌ خامسٌ وعشرون ليحيى بنِ سعيدٍ

    مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن أبي صالح السَّمّان، عن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لولا أن أشُقَّ على أمَّتي لأحْبَبْتُ ألّا أتخلَّفَ عن سِريّةِ تخرُجُ في سبيل الله، ولكنِّي لا أجدُ ما أحمِلُهم عليه، ولا يِجدُون ما يتحمَّلون عليه فيخرُجُون، ويشُقُّ عليهم أن يتخَلَّفُوا بَعدي، فودِدْتُ أني أقاتلُ في سبيل الله فأُقْتَلُ، ثم أُحْيا فأُقْتَلُ، ثم أُحْيا فأُقْتَلُ" .

    vol. 15, p. 163
  19. في هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الجهادَ ليس بفرضٍ مُعيَّن على كلِّ أحدٍ في خاصَّته، ولو كان فَرْضًا معيَّنا ما تخلَّفَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ولو شقَّ على أمَّتِه، والجهادُ عندَنا بالغزواتِ والسَّرايا إلى أرضِ العدوِّ فرضٌ على الكِفاية، فإذا قامَ بذلك مَن فيه كفايةٌ ونِكَايةٌ للعدوِّ سقَط عن المتخلِّفين، فإذا أظلَّ العدوُّ بلدةً مقاتلًا لها تعيَّنَ الفَرضُ على كلِّ أحدٍ حينئذٍ في خاصَّته على قَدْرِ طاقتِه خفيفًا وثقيلًا، شابًّا وشيخًا، حتى يكونَ فيمن يُكابدُ العدوَّ كفايةٌ بهم.

  20. ومن أوضَح شيء في أنَّ الجهادَ إلى أرض العدوِّ ليس بفرضٍ على الجميع قولُ الله عزَّ وجلَّ: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [النساء: ٩٥] . وفي هذا إباحةُ القُعودِ والتخلُّف، وتفضيلُ المجاهدِ على القاعد، فصار الجهادُ فضيلةً لمن سبق إليه وقام به، لا فريضةً على الجميع.

  21. يحيى عن عبّادِ بن تميم حديثٌ واحدٌ حديثٌ سادسٌ وعشرونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ

    مالك (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عبّادِ بنِ تَميم، أنَّ عُويمِرَ بنَ أشقرَ ذبَح أُضحيَّتَه قبلَ أن يغْدُو إلى المصلَّى، فذكر ذلك لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمَره أن يعودَ بضَحيّةٍ أخرى.

    vol. 15, p. 164
  22. لم يُختلَف عن مالك في هذا الحديث (٢) ، ورواه حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن يحيى بنِ سعيد، عن عبّادِ بنِ تميم، عن عُويمر بنِ أشقَر، أنه ذبَح قبلَ أن يُصلِّي فأمَره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُعيدَ (٣) .

    قال أبو عُمر: ذكَر أحمدُ بنُ زهير (٤) ، عن يحيى بنِ معين، أنَّ حديثَ عبّادِ بنِ تمَيم هذا عن عُوَيْمرِ بنِ أشقَرَ مرسلٌ.

  23. وأظُنُّ يحيى بنَ معين إنّما قال ذلك من أجل روايةِ مالك هذه، عن يحيى، عن عبّادِ بنِ تميم، أنَّ عُوَيْمرَ بنَ أشْقرَ ذبَح أضحيتَه. وظاهرُ هذا اللفظِ الانقطاعُ؛ لأنَّ عبّادَ بنَ تميم لا يجوزُ أنْ يَظُنَّ به أحدٌ من أهل العلم أنه أدرَك ذلك الوقت،

    vol. 15, p. 165ولكنّه ممكنٌ أن يُدرِكَ عُوَيْمرَ بنَ أشقر، فقد روَى هذا الحديثَ عبدُ العزيز الدَّراورديُّ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عبّادِ بنِ تميم، أنَّ عُوَيْمرَ بنَ أشقرَ أخبَره، أنه ذبَح قبلَ الصلاة، وذكَر ذلك لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بعدَما صلَّى، فأمَره أن يُعيدَ ضَحِيَّتَهُ (١) . وهذه الروايةُ مع روايةِ حَمّادِ بنِ سَلَمةَ تدُلُّ على غَلَطِ يحيى بن معين، وقولُه في ذلك ظنٌّ لم يُصِبْ فيه (٢) ، واللهُ أعلم.

  24. ولا خلافَ بينَ العلماءِ أنَّ مَن ذبَح أُضحيتَه قبل أنْ يَغدُو إلى المصلَّى ممن عليه صلاةُ العيد، فهو غيرُ مُضَحٍّ، وأنه ذبَح قبلَ وقتِ الذَّبْح، وكذلك مَن ذبَح قبلَ الصلاة، وإنما اختلَفوا فيمَن ذبَح بعدَ الصلاةِ وقبلَ ذبح الإمام، وقد ذكَرنا ذلك فيما تقدَّم من هذا الكتاب في باب يحيى، عن بُشَيرِ بنِ يسار (٣) ، والحمدُ لله.

  25. يحيى بنُ سعيدٍ عن سعيدِ بنِ أبي سعيد حديثٌ سابعٌ وعشرونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ

    مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المقبُريِّ، عن عبدِ الله بن أبي قتادة، عن أبيه، أنه قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ الله، إنْ قُتِلْتُ في سبيل الله صابرًا مُحتَسِبًا، مُقبلًا غيرَ مُدْبِر، أيُكفِّرُ اللهُ عنِّي خطاياي؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "نعم" . فلمّا أدبَر الرجلُ ناداه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، أو أَمَر به فنُودي له، فقال رسولُ الله " - صلى الله عليه وسلم -: " كيف قلتَ؟ ". فأعادَ عليه قوله، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: " نعم، إلا الدَّينَ، كذلك قال لي جبريلُ ".

    vol. 15, p. 166
  26. هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد، وتابَعه على ذلك جمهورُ الرواة لـ "الموطأ" عن مالك، وممّن تابعَه: ابنُ وَهْب (٢) ، وابنُ القاسم (٣) ، ومُطرِّفٌ، وابنُ بُكير (٤) ، وأبو المُصعب (٥) ، وغيرُهم (٦) .

  27. ورواه مَعْنُ بنُ عيسى (١) ، والقَعْنَبيُّ (٢) ، جميعًا عن مالك، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد. لم يذكُرا يحيى بنَ سعيد، فاللهُ أعلم. وفي الممكنِ أن يكونَ مالكٌ قد سمِعه من يحيى، عن سعيد، ثم سمِعه من سعيد.

    vol. 15, p. 167
  28. وقد رواه الليثُ بنُ سَعْدٍ وابنُ أبي ذِئْب، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد.

  29. حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الله (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمّار، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذئب والليثُ بنُ سَعْد، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المَقبُريِّ، عن عبدِ الله بنِ أبي قتادة، عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن قُتِل في سبيل الله صابرًا محُتسِبًا، مُقبِلًا غيرَ مُدْبر، كان ذلك تكفيرًا لخطاياه، إلا الدَّين، فإنه مأخوذٌ كما زعَم جبريل" (٤) .

  30. في هذا الحديث أنَّ الخطايا تُكَفَّرُ بالأعمال الصالحةِ مع الاحتسابِ والنِّيةِ في العمل، وقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "قَتلُ الصَّبرِ كفَّارَةٌ" (١) . مُجمَلًا، وهذا عندي إنّما يكونُ لمن احتسَب كما جاء في هذا الحديث، أو يكونُ مظلومًا؛ فمَن قُتِل مظلومًا كُفِّرت خطاياه على كلِّ حال.

    vol. 15, p. 168
  31. وفيه دليلٌ على أنَّ أعمالَ البرِّ المُتَقبَّلاتِ لا تُكَفِّرُ من الذُّنوب إلا ما بينَ العبدِ وبينَ ربِّه، فأما تَبِعاتُ بني آدم، فلا بدَّ فيها من القِصاص، وقد ذكَرنا وجوهَ الذُّنوبِ المُكَفَّراتِ بالأعمالِ الصالحةِ في غير موضع من كتابنا هذا، والحمدُ لله.

  32. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال (٢) : حدَّثنا هُدْبةُ ويزيدُ بنُ هارون، قالا: حدَّثنا همامٌ، قال: حدَّثنا

    vol. 15, p. 169القاسمُ بنُ عبدِ الواحد، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ محمدٍ يُحدِّثُ عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: بلَغني حديثٌ عن رجلٍ من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فابتَعتُ بعيرًا فقذَفْتُ عليه رَحْلي، ثم سِرتُ إليه، فسِرتُ إليه شهرًا حتى قدِمتُ الشام، فإذا عبدُ الله بنُ أُنيس الأنصاريُّ، فأتيتُ منزلَه، فأرسَلتُ إليه أنَّ جابرًا على الباب، فرجَع إليَّ الرسول، فقال: جابرُ بنُ عبدِ الله؟ فقلتُ: نعم. فرجَع إليه فخرَج فاعتنَقتُه واعتنَقني. قال: فقلتُ: حديثٌ بلَغني أنك سمِعتَه من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في المظالم لم أسمَعْه. قال: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "يَحشُرُ اللهُ العبادَ" - أو قال: الناسَ. شكَّ همّامٌ - وأوْمأ بيدَيه إلى الشام "عُراةً غُرْلًا بُهْمًا" . قلنا: ما بُهْمًا؟ قال: "ليس معهم شيءٌ؛ فيُناديهم بصوتٍ يَسمَعُه مَن بَعُدَ ومَن قَرُبَ: أنا الملِكُ، أنا الدَّيّانُ، لا ينبغي لأحدٍ من أهلِ الجنةِ أنْ يَدخُلَ الجنةَ وأحدٌ من أهل النارِ يَطلُبُه بمَظْلِمة، ولا يَنبغي لأحدٍ من أهلِ النارِ أن يدخُلَ النارَ وأحدٌ من أهلِ الجنةِ يطلُبُه بمَظلِمة حتى اللَّطْمة" . قال: قلنا: كيف، وإنّما نأتي اللهَ عُراةً حُفاةً غُرْلًا؟ قال: "بالحسَناتِ والسيِّئاتِ" .

  33. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو طالبٍ محمدُ بنُ زكريا بنِ يحيى المقدِسيُّ ببيتِ المقدس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ النعمانِ بنِ بشير، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُويس، قال: حدَّثني مالكٌ، عن سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَن كانت عندَه مَظلِمةٌ لأحدٍ فليَتَحلَّلْه، فإنّه ليس ثمَّ دينار

    vol. 15, p. 170ولا دِرهمٌ، من قبل أنْ يُؤخَذَ لأخيه من حسَناته، فإن لم تكنْ له حسناتٌ، أُخِذَ من سيِّئاتِه فطُرِحَتْ عليه " (١) .

  34. وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ زيد. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمرَ بنِ إسحاق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجّاج، قالا: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ يحيى المدَنيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المَقبُريِّ، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن كانت عندَه مَظلِمَةٌ لأخيه "، فذكَر الحديث.

  35. وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمرَ بنِ إسحاق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجّاج، قال: حدَّثنا هانئُ بنُ متوكِّل من كتابِه سنةَ ثمانٍ وعشرينَ ومئتَين، قال: حدَّثني خالدُ بنُ حُميد، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هُريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن كانت عندَه مَظلِمةٌ لأخيه من مالٍ أو عِرْض، فليَأتِه فليتَحَلَّلْه قبلَ أن يُؤخَذَ منه، وليس ثمَّ دينار ولا دِرهَمٌ، فإنْ كانت عندَه حسنات، وإلا أُخِذ من سيئاتِ صاحبِه فطُرِحت عليه" (٢) .

  36. وذكَر ابنُ الجارود، قال: حدَّثنا أزهرُ بنُ زُفَرَ بنِ صَدَقةَ مولى خيرِ بنِ نعيم، قال: حدَّثني هانئ بنُ المتوكِّل، قال: حدَّثني خالدُ بنُ حُميد، عن مالكِ بنِ أنس،

    vol. 15, p. 171عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن كانت عندَه مَظلِمةٌ لأخيه في مالٍ أو عِرْض" . فذكَر معناه.

    قال ابنُ الجارود: وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ الحسين (١) ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبيه، أنه سمِع أبا هُريرة يقول: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "هل تَدرُون مَن المُقِلُّون؟ " . قالوا: يا رسولَ الله، المُقِلُّون فينا مَن لا درهمَ له ولا متاعَ له. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن المقلِّين مَن يأتي يومَ القيامةِ بصيامٍ وصلاةٍ وزكاة، ويأتي قد شتَم عِرْضَ هذا، وأكَل مالَ هذا، وقذَف هذا، وضرَب هذا، فيَقعُدُ يومَ القيامة، فيُقتَصُّ هذا كلُّه من حسناتِه، فإن ذهَبتْ قبلَ أن يُقتَصَّ منه الذي عليه من الخطايا، أُخِذ من خطاياهم فتُطرَحُ عليه" (٢) . ليس هذان الحديثان في "الموطأ" وهما من حديثِ مالك.

  37. حدَّثنا أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا أبو الفضل جعفرُ بنُ محمدِ بنِ يزيدَ الجوهَريُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ (٣) سلّام البغداديُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَر، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْد، عن أبيه، عن عُمرَ بنِ أبي سَلَمة، عن أبيه، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "نفسُ المؤمنِ معلَّقةٌ بدَيْنِه حتى يُقْضى عنه" (٤) .

  38. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (١) : حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْد، عن أبيه، عن عُمرَ بنِ أبي سَلَمة، عن أبيه، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "نفسُ المؤمنِ معلَّقةٌ بدَيْنِه حتى يُقضَى عنه" .

    vol. 15, p. 172
  39. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ دُكَين، قال: حدَّثنا سُفيانُ. قال أحمدُ بنُ زهير: وحدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، عن سُفيان، عن سَعْدِ بنِ إبراهيم، عن عُمرَ بنِ أبي سلَمة، عن أبيه، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "نفسُ المؤمنِ معلَّقةٌ ما كان عليه دَينٌ" (٢) .

    قال أحمدُ بنُ زهير (٣) : سُئِل يحيى بنُ معين عن هذا الحديث، فقال: هو

    vol. 15, p. 173صحيح. وسُئِل عن عُمرَ بنِ أبي سَلَمة، فقال: ضعيفُ الحديث (١) . وقال عليُّ بنُ المدينيِّ عن يحيى القطان: كان شُعبةُ يُضَعِّفُ عُمرَ بنَ أبي سَلَمة (٢) .

    قال أبو عُمر: هذه الأحاديثُ تُفسِّرُ حديثَ هذا الباب.

  40. حدَّثنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو، حدَّثنا ابنُ سَنجَرَ، قال: حدَّثنا حجّاجُ بنُ منهال، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، أخبرني عبدُ الملكِ أبو جعفر، عن أبي نَضْرة، عن سَعْدِ بنِ الأطول، قال: إنّ أخاهُ مات وترَك ثلاثَ مئةِ درهم، وترَك عِيالًا، قال: فأردتُ أنْ أُنفِقَها عليهم، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ أخاكَ محبوسٌ بدَيْنِه، فاقْضِ عنه" . قال: فقضَيتُ عنه، ثم جئتُ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: قد قضَيتُ عنه، ولم تبْقَ إلا امرأةٌ تدَّعي بدينارَيْن وليس لها بيِّنةٌ. فقال: "أعْطِها فإنها صادقةٌ" (٣) .