يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله

1,255 paragraphs · vol. 15, p. 5

Page 9 of 32

  1. وفيه أنَّ القومَ إذا اشترَكوا في معنًى من معاني الدَّعوَى وغيرها، كان أوْلاهم بأن يبدأ بالكلام أكبرَهُم، فإذا سُمِعَ منه تكلَّم الأصغَرُ فسُمِعَ منه أيضًا إنِ احْتيجَ إلى ذلك، وهذا أدبٌ وعلمٌ، فإن كان في الشُّركاءِ في القولِ والدَّعوَى مَن له بيانٌ، ولتَقدِمَتِه في القولِ وَجهٌ، لم يكنْ بتَقديمِه بأسٌ إن شاء الله.

    vol. 15, p. 139
  2. أخبرنا محمدُ بنُ زكريا، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا مروانُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أبو حاتم، عن العُتْبيِّ، قال: قال سُفيانُ بنُ عُيينة: قدِم وفدٌ من العراقِ على عُمرَ بنِ عبدِ العزيز، فنظَر عُمرُ إلى شابٍّ منهم يريدُ الكلامَ ويهَشُّ إليه، فقال عُمر: كَبِّروا كَبِّروا. يقول: قدِّموا الكبارَ. قال الفتى: يا أميرَ المؤمنين، إن الأمرَ ليس بالسِّنِّ، ولو كان الأمرُ كذلك، لكان في المسلمين من هو أسَنُّ منك. قال: صدَقْتَ، فتكلَّمْ، رحِمَك الله. قال: إنّا وفْدُ شُكْر، وذكَر الخبرَ (١) .

  3. وفيه أنَّ المدَّعين الدمَ يُبَدَّؤون بالأيمانِ في القَسامةِ خاصة، وهو يَخُصُّ قولَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: "البَيِّنةُ على المدَّعي، واليمينُ على المُنكر" . فكأنَّه قال بدليل هذا الحديث: إلّا في القسامة. ولا فرقَ بينَ أن يجيءَ ذلك في حديثٍ واحدٍ أو حديثَين؛ لأنَّ ذلك كلَّه بسُنَّتِه - صلى الله عليه وسلم -.

  4. وقد حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بنُ أبي مسَرَّة، قال: حدَّثنا مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ خالدٍ الزَّنْجيُّ، [عن ابن جُريج] (٢) ، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه،

    vol. 15, p. 140عن جدِّه، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "البيِّنةُ على المدَّعي، واليمينُ على مَن أنكَر، إلا في القَسامة" (١) .

  5. وهذا الحديثُ وإن كان في إسنادِه لينٌ، فإن الآثارَ المتواترةَ في حديثِ هذا الباب تَعْضُدُه، ولكنه موضعٌ اختلَف فيه العلماء؛ فقال مالكٌ رحمه الله (٢) : الأمرُ المجتمَعُ عليه عندَنا، والذي سمِعتُ ممّن أرضَى في القَسامة، والذي اجتمَعتْ عليه الأئمةُ في القديم والحديث، أن يُبدَّأ بالأيمانِ المدَّعون في القَسامة.

    قال (٣) : وتلك السُّنّةُ التي لا اختلافَ فيها عندَنا، والذي لم يزَلْ عليه عملُ الناس، أنَّ المُبدَّئينَ في القَسامةِ أهلُ الدَّم الذين يدَّعُونَه في العمْدِ والخطأ؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بدَّأ الحارِثيِّينَ في صاحبِهم الذي قُتِل بخيبر.

  6. وذهب الشافعيُّ (٤) في تَبدِئةِ المدَّعين الدَّمَ بالأيمانِ إلى ما ذهَب إليه مالكٌ في ذلك، على ظواهرِ هذه الأحاديثِ المتقدِّم ذكرُها في هذا الباب.

  7. ومن حُجةِ مالك والشافعيِّ في تَبدئةِ المدَّعينَ الدَّمَ باليمين - مع صحة الأثر بذلك - قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: ١٧٩] . وقوله

    vol. 15, p. 141عزَّ وجلَّ: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: ٨٢] . فللعداو التي كانت بينَ الأنصارِ واليهودِ بدَّأ الحارِثيِّين بالأيمان، وجعَل العداوةَ سببًا تَقوَى به دعْواهُم؛ لأنه لَطْخٌ يليقُ بهم (١) في الأغلب لعَداوتِهم، ومن سُنّتِه - صلى الله عليه وسلم - أنّ من قوِيَ سببُه في دَعواه، وجَبَت تَبدِئتُه باليمين، ولهذا جاء اليمينُ مع الشاهد، واللّهُ أعلم، مع ما في هذا من قطْع التطرُّقِ إلى سفْكِ الدِّماء، وقبْضِ أيدي الأعداءِ عن إراقةِ دم مَن عادَوْه على الدُّنيا، واللّهُ أعلم.

  8. وذهَب جمهورُ أهلِ العراقِ إلى تَبدئةِ المدَّعَى عليهم بالأيمانِ في الدِّماء، كسائرِ الحقوق. وممّن قال ذلك: أبو حنيفةَ وأصحابه، وعثمانُ البَتِّيُّ، والحسنُ بنُ صالح، وسُفيانُ الثوريُّ، وابنُ أبي ليلى، وابنُ شُبْرمة (٢) ، كلُّ هؤلاء قالوا: يُبدَّأُ المدَّعَى عليهم. على عموم قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "البينةُ على مَن ادّعى، واليمينُ على مَن أنكَر" .

  9. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد الله، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا الطحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال (٣) : أخبرنا مسلمُ بنُ خالد، عن ابنِ جُريج، عن ابنِ أبي مليكة، عن ابنِ عباس، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "البَيِّنةُ على المدَّعي، واليمينُ على المدَّعَى عليه" .

    قالوا (٤) : وهذا على عُمومِه في سائرِ الحقوقِ من الدِّماء أو غيرِها؛ لأنه قد رُوِيَ أنَّ مخرَجَ هذا الخبرِ كان في دَعْوى دم.

  10. وذكروا ما حدَّثناه عبدُ الوارث بنُ سُفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل الصائغُ بمكةَ والحارثُ بنُ أبي أسامة، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ أبي بُكير، قال: حدَّثنا نافعُ بنُ عُمرَ، عن ابنِ أبي مُلَيكة، قال: كتبتُ إلى ابنِ عباسٍ في امرأتين أخرَجت إحداهما يدَها تَشْخَبُ دمًا، فقالت: أصابَتْني هذه. وأنكَرتِ الأخرى، فكتَب إليَّ ابنُ عباس: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ اليَمينَ على المُدَّعَى عليه" . وقال: "لو أنَّ الناسَ أُعطُوا بدَعْواهُم لادَّعَى ناسٌ دِماءَ قوم وأموالَهم" . ادعُها فاقرَأ عليها: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ} [آل عمران: ٧٧] . فقرَأتُ عليها، فاعترَفت، فبلَغه فسرَّه (١) .

    vol. 15, p. 142
  11. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجَهم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّاب، قال: أخبرنا ابنُ جريج، عن عبدِ الله بنِ أبي مليكة، عن ابنِ عباس، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو يُعطَى الناسُ بدَعواهم لادَّعَى ناسٌ دماءَ قوم وأموالَهم، ولكنَّ اليمينَ على المُدَّعَى عليه" (٢) .

    قالوا: فهذا عندَنا في جميع الحقوق.

  12. وعارَضوا الآثارَ المتقدِّمةَ بما حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ

    vol. 15, p. 143بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ (٢) ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق (٣) ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ وسُليمانَ بنِ يسار، عن رجالٍ من الأنصار، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال ليهودَ وبدَأ بهم: "أيحلِفُ منكم خَمسون رجلًا؟ " . فأبوا، فقال للأنصار: "اسْتَحِقُّوا" . فقالوا: نَحلِفُ على الغيبِ يا رسولَ الله؟ فجعَلها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على يهود؛ لأنه وُجِد بينَ أظهُرِهم.

  13. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤) : حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ يحيى الحرَّانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَلَمة. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحد، قال: حدَّثني أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوب، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْد، جميعًا عن محمدِ بنِ إسحاق - واللفظُ لحديثِ عبدِ الوارث - قال: حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارث، عن عبدِ الرحمن بنِ بُجَيْدِ بنِ قَيْظيٍّ أحدِ بني حارثة - قال محمدُ بنُ إبراهيم: وايمُ الله، ما كان سَهْلٌ بأكثرَ علمًا منه، ولكنّه كان أسنَّ منه - أنه قال: واللّه ما كان الشأنُ هكذا، ولكنْ سَهْلٌ أوْهَمَ، ما قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - احْلِفُوا

    vol. 15, p. 144على ما لا عِلْمَ لكم به. ولكنه كتَب إلى يهودَ حينَ كلَّمَتْهُ الأنصار: "إنه قد وُجِد قتيلٌ بينَ أبياتِكم فدُوهُ" . فكتَبوا إليه يحلِفون باللّه ما قتلُوه، ولا يعلَمون له قاتلًا، فوداه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من عندِه.

    قال أبو عُمر: ليس قولُ عبدِ الرحمن بنِ بُجَيْدٍ هذا مما يُرَدُّ به قولُ سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة؛ لأنَّ سَهْلًا أخبَر عما رأى وعايَن وشاهَد حتى رَكَضتْهُ منها ناقةٌ واحدة، وعبدُ الرحمن بنُ بُجيدٍ لم يَلقَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ولا رآه، ولا شهِد هذه القصة، وحديثُه مرسلٌ، وليس إنكارُ مَن أنكَر شيئًا بحُجَّةٍ على مَن أثبتَهُ، ولكن قد تقدَّم عن سعيدِ بنِ المسيِّب وسُليمانَ بنِ يسار، عن رجالٍ من الأنصار، مخالَفةٌ في تَبدئةِ الأيمانِ في هذه القصة، وهو حديثٌ ثابتٌ (١) .

  14. وكذلك اختُلِف في حديثِ سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة أيضًا، ولكنّ الرِّوايةَ الصحيحةَ في ذلك إن شاء الله، روايةُ مالكٍ ومَن تابعَه، عن يحمص بن سعيدٍ وغيرِه على ما ذكَرناه في هذا الباب.

  15. ومن الاختلافِ في حديثِ سَهْل: ما حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سعيدٌ - يعني ابنَ عُبيدٍ الطائيَّ - عن بُشَيرِ بنِ يسار، أنَّ رجلًا من الأنصارِ يقال له: سَهْلُ بنُ أبي حَثْمة أخبَره، أنَّ نفَرًا من قومِه انطلَقوا إلى خَيْبرَ

    vol. 15, p. 145فتفرَّقوا فيها، فوجَدوا منهم قتيلًا، فقالوا للذين وجَدوه عندَهم: قتَلتم صاحبَنا. قالوا: ما قتَلناه ولا علِمنا له قاتلًا. قال: فانطلَقوا إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا نبيَّ الله، انطلَقنا إلى خَيْبَر، فوجَدنا أحدَنا قتيلًا. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الكُبْرَ الكُبْرَ" . فقال لهم: "تَأتونَ بالبيِّنةِ على مَن قتَل؟ " . فقالوا: ما لنا بينةٌ. قال: "فيَحلِفون لكم؟ " . قالوا: ما نَرضَى أيمانَ يهود. فكَرِه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُبطِلَ دَمَه، فوَداه بمئةٍ من إبلِ الصدَقة (١) .

    قال أبو عُمر: هذه روايةُ أهلِ العراقِ عن بُشَيرِ بنِ يسارٍ في هذا الحديث، وروايةُ أهلِ المدينةِ عنه أثبَتُ إن شاء الله، وهم به أقعَدُ، ونقلُهم أصحُّ عندَ أهلِ العلم.

  16. وقد حكَى الأثرمُ عن أحمدَ بنِ حنبل أنه ضعَّف حديثَ سعيدِ بنِ عُبيدٍ هذا، عن بُشَيرِ بنِ يسار، وقال: الصحيحُ عن بُشَيرِ بنِ يسارٍ ما رواه عنه يحيى بنُ سعيد. قال أحمد: وإليه أذهَبُ (١) .

    vol. 15, p. 146
  17. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا الحسنُ بنُ عليِّ بنِ راشد، قال: حدَّثنا هشيمٌ عن أبي حيانَ التَّيميِّ، قال: حدَّثنا عَبايةُ بنُ رفاعة، عن رافع بنِ خَديج، قال: أصبَح رجلٌ من الأنصارِ مقتولًا بخيبر، فانطلَق أولياؤُه إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فذكَروا ذلك له، فقال لهم: "شاهِدان يشْهَدانِ على قتلِ صاحبِكُم" . قالوا: يا رسولَ الله، لم يكنْ ثمَّ أحدٌ من المسلمين، وإنما هم يهود، وقد يجتَرئونَ على أعظمَ من هذا. قال: "فاختاروا منهم خمسينَ فاستَحْلِفُوهم" . فأبوا، فوَداهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من عندِه.

    قال أبو عُمر: في هذه الأحاديثِ كلِّها تَبدئةُ المدَّعَى عليهم بالأيمانِ في القَسامة، وفي الآثارِ المتقدِّمةِ عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ تَبدئةُ المدَّعِين بالأيمان، وقد روَى ابنُ شهاب هذه وهذه، وقضَى بما في حديثِ سَهْل، فدَلّ على أنّ ذلك عندَه الأثبَتُ والأوْلى على ما قال أحمدُ بنُ حنبل، وعلى ما ذهب إليه الحِجازيّون، واللّهُ أعلم.

  18. فإن قيل: قد روَى مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهاب، عن عِرَاكِ بنِ مالكٍ وسُليمانَ بنِ يسار، أنَّ عُمرَ بنَ الخطاب بدَّأ المدَّعَى عليهم بالأيمانِ في القَسامة.

    vol. 15, p. 147
  19. قيل له: المصيرُ إلى المُسندِ الثابتِ أوْلى من قولِ الصاحب من جهةِ الحُجَّة.

  20. وفي هذا الحديث، حديثِ يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يسار، نُكولُ الفريقَينِ عن الأيمان، وفي ذلك ما يدُلُّ على أن الدِّيةَ إنما جعلَها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من عندِه تبرُّعًا؛ لئلا يُطَلَّ ذلك الدم (٢) ، وذلك ليس بواجب، واللّهُ أعلم.

  21. وقد روَى ابنُ عبدِ الحكَم عن مالكٍ في قتيل ادَّعَى بعضُ وُلاتِه أنه قُتِل عمْدًا، وقال بعضُهم: لا عِلْمَ لنا بمَن قتلَه، ولا نحلِفُ، فإنّ دمَه يُطَلُّ.

  22. وللفقهاءِ في القسامةِ وفيما يُوجِبُها من الأسباب، وفيما يجبُ بها من القَوَدِ أو الدِّية، مذاهبُ نحن (٣) نذكُرُها هاهنا ليتبيَّن للناظرِ في كتابنا معنى القَسامةِ بيانًا واضحًا إن شاء الله تعالى (٤) .

    قال مالكٌ رحمه الله (٥) : القَسامةُ لا تجبُ إلّا بأحدِ أمرين؛ إمّا أن يقولَ المقتول: دمي عندَ فلان. أو يأتي وُلاةُ المقتولِ بلَوْثٍ (٦) من بيِّنةٍ وإن لم تكنْ قاطعةً على الذي يُدَّعَى عليه الدم، فهذا يُوجبُ القَسامةَ لمدَّعي الدّم على من ادَّعوهُ، فيحلِفُ من

    vol. 15, p. 148وُلاةِ القوم (١) خمسون رجلًا خمسين يمينًا، فإن قلَّ عددُهم أو نَكَل بعضُهم، رُدَّتِ الأيمانُ عليهم، إلا أن يَنكُلَ أحدٌ من وُلاةِ المقتولِ الذين يجوزُ عفوُهم، فلا يُقتلَ حينئذٍ أحدٌ، ولا سبيلَ إلى الدَّم إذا نكَل واحدٌ منهم، ولا تُردُّ الأيمانُ على مَن يُقْتلَ إذا نكَل أحدٌ ممن يجوزُ له العفوُ عن الدَّم، وإن كان واحدًا.

    قال مالك (٢) : وإنما تُردُّ الأيمانُ على مَن بقيَ إذا نكَل أحدٌ ممّن لا يجوزُ له عفو، فإن نكَل واحدٌ ممّن يجوزُ له العفو، فإنه إذا كان ذلك، رُدَّتِ الأيمانُ حينئذٍ على المدَّعَى عليهم الدَّم، فيحلِفُ منهم خمسون رجلًا خمسين يمينًا، فإن لم يبلُغوا خمسين رجلًا، رُدَّتِ الخمسون يمينًا على مَن حلَف منهم حتى تكمُلَ الخمسون يمينًا، فإن لم يُوجَدْ أحدٌ يحلِفُ إلا الذي ادُّعي عليه الدَّم، حلَف وحدَه خمسين يمينًا (٣) .

    قال مالك (٤) : لا يُقسِمُ في قتل العمدِ إلا اثنان من المدَّعِين فصاعدًا، يحلِفانِ خمسينَ يمينًا تُردَّدُ عليهما، ثم قد استحَقَّا الدَّمَ وقتلا مَن حلَفا عليه، وكذلك إن كان وليُّ الدَّم الذي ادّعاه واحدًا بُدئَ به، فحلَف وحدَه خمسين يمينًا، فإذا حلَف المدَّعون خمسين يمينًا، استحَقُّوا دمَ صاحبِهم، وقتَلوا مَن حلَفوا عليه، ولا يُقتَلُ في القسامةِ إلا واحدٌ، ولا يُقتَلُ فيها اثنان. هذا كلُّه قولُ مالك في "موطَّئه" و "موطأ" ابنِ وَهْب.

    قال أبو عُمر: إنّما جعَل مالكٌ قولَ المقتول: دَمي عندَ فلان: شُبهةً ولَطْخًا، وجَب به تَبدئةُ أوليائِه بالأيمانِ في القَسامة؛ لأنَّ المعروفَ من طِباع الناسِ عندَ حُضورِ الموتِ الإنابةُ والتوبةُ والتندُّمُ عى ما سلَف من سيِّئ العمل، ألا ترَى إلى

    vol. 15, p. 149قولِ الله عزَّ وجلَّ: {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: ١٠] . وقوله: {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} [النساء: ١٨] . فهذا معهودٌ من طباع الإنسان، وغيرُ معلوم من عادتِه أن يعدِلَ عن قاتلِه إلى غيرِه ويدَعَ قاتِلَه، وما خرَج عن هذا فنادرٌ في الناسِ لا حُكمَ له، فلهذا وشِبْهِه مما وصَفنا، ذهب مالكٌ إلى ما ذكَرنا، واللّهُ أعلم. وقد نزَع بعضُ أصحابنا في ذلك بقصةِ قتيلِ البقرة؛ لأنه قُبِل قولُه في قاتلِه. وفي هذا ضُروب من الاعتراضات، وفيما ذكَرنا كفايةٌ إن شاء الله.

  23. وذكَر ابنُ القاسم (١) عن مالك، قال: إذا شهِد رجلٌ عدلٌ على القاتل، أقسَم رجلان فصاعدًا خمسين يمينًا.

    وقال ابنُ القاسم (٢) : والشاهدُ في القسامةِ إنما هو لَوْثٌ وليست شهادة، وعندَ مالكٍ أن وُلاةَ الدم إذا كانوا جماعةً لم يُقسِمْ منهم (٣) إلا اثنان فصاعدًا. واعتلّ بعضُ أصحابه لقوله هذا بأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنما عرَضها على جماعة، والقسامةُ في قتل الخطأ كهي في العَمْد، لا تُستحَقُّ بأقلَّ من خمسين يمينًا، من أجل أنَّ الدِّيةَ إنما تجبُ عن دم، والدَّمُ لا يُستحَقّ بأقلَّ من خمسين يمينًا. فالقَسامةُ على الخطأ وإن لم يكنْ يجبُ بها قتلٌ ولا قوَدٌ، كالقَسامةِ في قتْلِ العَمْد، واليمينُ في القَسامة على مَن سمَّى أنه ضَرَبه، وأن مِن ضَرْبَته مات، فإن أقسَم وُلاةُ المقتولِ على واحد - لأنه لا يُقتلُ بالقَسامةِ أكثرُ من واحد - قُتِل المحلوفُ عليه، فإن كان معَه ممّن ادُّعي عليه الدَّمُ جماعةٌ غيرُه، ضُرِبوا مئةً مئةً، وسُجِنوا سنة، ثم خُلِّيَ عنهم.

  24. والدِّيةُ في قتل الخطأ على عاقلةِ الذي يقسِمونَ عليه أنه مات من فِعْلِه به خطأ.

    vol. 15, p. 150قال مالكٌ (١) : وإنما يحلِفُون في قَسامةِ الخطأ على قدْرِ ميراثِ كلِّ واحدٍ منهم في الدِّية، فإن وقَع في الأيمانِ كُسورٌ، أُتِمَّت اليمينُ على أكثرِهم ميراثًا. ومعنى ذلك أن يحلِفَ هذا يمينًا وهذا يمينًا، ثم يُرجَعَ إلى الأول فيحلِفَ، ثم الذي يليه، حتى تتمَّ الأيمانُ كلُّها.

    وقال مالك: إذا ادَّعَى الدمَ بَنُونَ أو أخوة، فعفَا أحدُهم عن المدَّعَى عليه، لم يكن إلى الدَّم سبيل، وكان لمن بقيَ (٢) منهم أنصباؤُهم من الدَّلة بعدَ أيمانهم.

    قال ابنُ القاسم: لا يكونُ لهم من الدلة شيءٌ إلا أن يكونوا قد أقسَموا، ثم عفا بعضُهم، فأما إذا نكَل أحدُهم عن القَسامة، لم يكُنْ لمن بقيَ شيءٌ من الدية.

  25. ولأصحاب مالكٍ في عفوِ العَصَباتِ مع البناتِ وفي نوازلِ القَسامةِ مسائلُ لا وجهَ لذِكْرِها هاهنا.

    وقال مالكٌ في "الموطأ" (٣) : إنما فُرِقَ بينَ القَسامةِ في الدَّم وبينَ الأيمانِ في الحقوق، أنَّ الرجلَ إذا دايَن الرجلَ استَثْبت عليه في حقِّه، وأن الرجلَ إذا أراد قتلَ الرجلِ (٤) لم يقتُلْه في جماعةٍ من الناس، وإنما يلتمِسُ الخَلوة.

    قال: فلو لم تكن القَسامةُ إلا فيما ثبَت بالبيِّنةِ وعُمِل فيها كما يُعمَلُ في الحقوق، هلَكتِ الدِّماءُ وبطَلَت، واجترَأ الناسُ عليها إذا عرَفوا القضاءَ فيها، ولكن إنما جُعِلَتِ القَسامةُ إلى وُلاةِ المقتول يُبَدَّؤون فيها؛ ليكفَّ الناسُ عن الدَّم، وليَحذرَ القاتلُ أن يُؤخذَ في ذلك بقولِ المقتول.

    vol. 15, p. 151وقال الشافعيُّ (١) : إذا وُجِد القتيلُ في دارِ قوم محيطةٍ أو قبيلةٍ وكانوا أعداءً للمقتول، وادَّعَى أولياؤُه قتلَه، فلهم القَسامةُ، وكذلك الزحامُ إذا لم يفتَرِقوا حتى وجَدوا بينَهم قتيلًا، أو في ناحيةٍ ليس إلى جانبِه إلا رجل واحدٌ، أو يأتي شهودٌ متفرِّقون من المسلمين من نواح لم يجتمِعوا فيها، يُثبِتُ كلُّ واحدٍ منهم على الانفرادِ على رجل أنه قتَله، فتتواطأ شهادتُهم، ولم يسمَعْ بعضُهم بشهادةِ بعض، وإن لم يكونوا ممّن يُعدَّلُ، أو شهِدَ رجل عدلى أنه قتَله؛ لأنَّ كلَّ سببٍ من هذا يغلِبُ على عقلِ الحاكم أنه كما ادَّعَى وليُّه، فلِلْوَليِّ حينئذٍ أن يُقسِمَ على الواحدِ وعلى الجماعة، وسواء كان جُرْحٌ أو غيرُه؛ لأنه قد يُقتَلُ بما لا أثرَ له.

    قال (٢) : ولا يُنظَرُ إلى دعوَى الميت.

    وقال الأوزاعيُّ (٣) : يُستحلَفُ من أهل القريةِ خمسون رجلًا خمسين يمينًا ما قتَلنا، ولا علِمنا قاتلًا. فإن حلَفوا بَرئُوا، وإن نقَصَتْ قَسامتُهم وليَها المدَّعون، فأُحلِفوا بمثلِ ذلك عن رجلٍ واحد، فإن حلَفوا استحَقُّوا، وإن نقَصتْ قَسامتُهم، أو نكَل رجلٌ منهم، لم يُعطَوا الدَّمَ، وعُقِل قتيلُهم إذا كان بحضرةِ الذين ادُّعي عليهم في ديارِهم.

    وقال الليثُ بنُ سَعْد (٤) : الذي يوجِبُ القَسامةَ أن يقولَ المقتولُ قبلَ موته: فلان قتَلني. أو يأتي من الصبيانِ أو النساءِ أو النصارى ومَن أشبَههم ممَّن لا يُقطَعُ بشهادتِه، أنهم رأوا هذا حينَ قتَل هذا، فإن القَسامةَ تكونُ مع ذلك.

    وقال أبو حنيفة (٥) : إذا وُجِد قتيلٌ في مَحِلَّةٍ وبه أثرٌ، وادَّعَى الوليُّ على أهل

    vol. 15, p. 152المحِلةِ أنهم قتَلوه، أو على واحدٍ منهم بعينِه، استُحلِف من أهل المحِلَّةِ خمسون رجلًا باللّه: ما قتَلنا، ولا علِمنا قاتلًا. يختارُهم الوليُّ، فإن لم يبلُغوا خمسين، كرَّر عليهم الأيمان، ثم يَغرَمون الدِّيةَ، وإن نكَلوا عن اليمين، حُبِسُوا حتى يُقِرُّوا أو يَحلِفوا. وهو قولُ زُفَر.

  26. وروَى الحسنُ بنُ زياد، عن أبي يوسف (١) : إذا أبوا أن يَحلِفوا ترَكهم ولم يَحبِسْهم، وجعَل الدِّيةَ على العاقلةِ في ثلاثِ سنين. وقالوا جميعًا - يعني أبا حنيفةَ وأصحابَه -: إن ادَّعَى الوليُّ على رجُلٍ من غيرِ أهلِ المحِلَّة، فقد أبرَأ أهلَ المحِلَّة، ولا شيءَ له عليهم.

  27. وقال الثوريُّ في هذا كلِّه مثلَ قول أبي حنيفة، إلا أن ابنَ المبارك روَى عن الثوريِّ (٢) : أنه إن ادَّعَى الوليُّ على رجُلٍ بعينِه من أهل المحِلَّة، فقد بَرئ أهلُ المحِلَّة، وصار دمُه هَدْرًا، إلا أن يُقيمَ البيِّنةَ على ذلك الرجل.

    وقال الحسنُ بنُ حيٍّ (٣) : يحلِفُ مَن كان حاضرًا من أهلِ المَحِلَّة من ساكنٍ أو مالكٍ خمسين يمينًا: ما قتَلتُه، ولا علِمتُ قاتلًا. فإذا حلَفوا كان عليهم الديةُ، ولا يُستحلَفُ من كان غائبًا وإن كان مالكًا، وسواءٌ كان به أثرٌ أو لم يكن.

    وقال عثمانُ البتيُّ (٤) : يُستحلَفُ منهم خمسون رجلًا: ما قتَلنا، ولا علِمنا قاتلًا. ثم لا شيءَ عليهم غيرُ ذلك، إلا أن تقومَ البيِّنةُ على رجُلٍ بعَينِه أنه قتَله.

  28. وكان مسلمُ بنُ خالد الزَّنجيُّ وأهلُ مكةَ لا يَرَون القَسامةَ. وهو قولُ

    vol. 15, p. 153عُمرَ بنِ عبدِ العزيز، وسُليمانَ بنِ يسار، وسالم بنِ عبدِ الله، وقَتادة، والحَسَن. وإليه ذهَب ابنُ عُلَيّة (١) . وقال الحسنُ البصريُّ: القتلُ بالقسامةِ جاهليةٌ (٢) .

    قال أبو عُمر: من حجةِ مالك، والشافعيِّ في أحدِ قولَيْه أنه يُوجِبُ القَودَ في القَسامة، ومَن قال بقولهما، مع الآثارِ المتقدِّم ذكرُها في هذا الباب ما حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤) : حدَّثنا محمودُ (٥) بنُ خالدٍ وكَثيرُ بنُ عُبيد، قالا: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن الأوزاعيِّ، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قتَل بالقَسامةِ رجلًا من بني نَصْرِ بنِ مالك.

  29. وقد رُوِيَ عن عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنَّه قَضَى فيها بالقَوَد، وقضَى بها عبدُ الله بنُ الزَّبير، وحَسْبُك بقولِ مالك: إنه الذي لم يزَلْ عليه علماءُ أهلِ المدينةِ قديمًا وحديثًا.

  30. واحتَجَّ بعضُ أصحابِ أبي حنيفةَ لقوله في هذا الباب بحديثِ مالك، عن أبي ليلى، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ في هذه القصة قوله: "إما أن يَدُوا صاحبَكم،

    vol. 15, p. 154وإما أن يُؤذَنوا (١) بحرب". قالوا: ومعلومٌ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يقل ذلك لهم إلّا وقد تحقَّق عندَه قبلَ ذلك وجودُ القَتيل بخيبرَ، فدَلّ ذلك على وجوبِ الدلة على اليهود، لوجودِ القتيل بينَهم، لأنه لا يجوزُ أن يُؤذَنوا بحربٍ إلا بمنْعِهم حقًّا واجبًا عليهم.

  31. واحتَجُّوا أيضًا بما رُوِيَ عن عُمرَ بنِ الخطابِ في رجُلٍ وُجِد قتيلًا بينَ قريتَين، فجعَله على أقربهما، وأحلَفهم خمسين يمينًا: ما قتَلنا، ولا علِمنا قاتلًا. ثم أغرَمهم الدِّيةَ. فقال الحارثُ بنُ الأزمع: نحلِفُ ونَغرَمُ؟ قال: نعم (٢) .

    قالوا: وحديثُ سَهْلٍ مضطربٌ. قالوا: والمصيرُ إلى حديثِ ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب وأبي سَلَمة وسُليمانَ بنِ يسار، عن رجالٍ من الأنصارِ في هذه القصةِ أولى (٣) ؛ لأنَّ نقلتَه أئمّةٌ فُقهاءُ حُفاظٌ لا يُعدَلُ بهم غيرُهم، وفيه: فجعَلَها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ديةً على اليهود، لأنه وُجِد بينَ أظهُرِهم.

  32. وأما مالكٌ، والشافعيُّ، والليثُ بنُ سَعْد (٤) ، فقالوا: إذا وُجِد قتيلٌ في محلّةِ قوم، أو في قبيلةِ قوم، لم يُستحَقَّ عليهم بوجودِه شيء، ولم تجِبْ به قَسامة. حتى تكونَ الأسبابُ التي شرَطوها، كلٌّ على أصلِه الذي قدَّمنا عنه.

    قال ابنُ القاسم عن مالك (٥) : سواءٌ وُجِد القتيلُ في محلّةِ قوم، أو دارِ قوم، أو أرضِ قوم، أو في سوق، أو مسجدِ جماعة، فلا شيءَ فيه ولا قسامة، وقد طُلّ دمُه.

    vol. 15, p. 155قال أبو عُمر: المحلَّةُ قريةُ البوادي والمجاشِرِ (١) والقَياطِن (٢) ، وكذلك القبائلُ والمياهُ والأحياء.

    وقال الشافعيُّ (٣) : إذا وُجِد في محلَّةٍ أو قبيلةٍ قتيلٌ، وهم أعداؤُه، لا يُحيطُ بهم غيرُهم، فذلك لَوْثٌ يُقسَمُ معه، وإن خالَطهم غيرُهم، فقد طُلّ دمُه، إلا أن يدَّعيَ الأولياءُ على أهل المحِلَّةِ، فيَحلِفون ويَبرؤون.

  33. وفرّق الشافعيُّ بينَ أن يكونَ أهلُ القبيلةِ والمحلَّةِ أعداءَ المقتولِ فيُجعلَ عقلُه عليهم مع القَسامة، أو لا يكونوا فلا يلزَمَهم شيءٌ، وكذلك لو وُجِد قتيلٌ في ناحيةٍ ليس بقُربِه إلا رجلُ واحدٌ، ووُجِد بقُربِه رجلٌ في يدِه سكِّينٌ ملْطوخةٌ بالدَّم، فإنه يجعَلُ ذلك لوْثًا يُقسَمُ معَه، وسواءٌ كان به أثرٌ أم لم يكن.

  34. واعتَبر أبو حنيفةَ إن كان بالقتيل أثرٌ فيجعَلُه على القبيلة، أو لا يكونُ له أثرٌ فلا يجعَلُه على أحد. وقولُ الثوريِّ، وابنِ شُبرمة، وعثمانَ البتيِّ، وابن أبي ليلى، في القَسامةِ كقول أبي حنيفة، إلا أنه سواءٌ عندَهم كان به أثرٌ أم لم يكنْ به أثرٌ (٤) .

  35. وقال الشافعيُّ، وأبو حنيفة، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، وسائرُ أهل العلم غيرَ مالكٍ والليث (٥) : لا يُعتبرُ بقولِ المقتول: دمي عندَ فلان، ولا يُستحَقُّ بهذا القولِ قَسامةٌ.

  36. واحتَجَّ جماعةٌ من المالكيين لمذهبِ مالكٍ في ذلك بقصّةِ المقتولِ من بني إسرائيل، إذ ذُبحتِ البقرةُ وضُرب ببعضِها فأحياهُ الله، فقال: فلانٌ قتَلني، فأُخِذ بقولِه.

  37. ورَدّ المخالفُ هذا بأن تلك آيةٌ لبني إسرائيلَ لا سبيلَ إليها اليوم، وبأن شريعتَنا فيها أن الدماءَ والأموالَ لا تُستحَقُّ بالدَّعاوَى دونَ البيِّنات، ولم نَتعبَّدْ بشريعةِ مَن قبلَنا؛ لقولِه عزَّ وجلَّ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: ٤٨] . وقتيلُ بني إسرائيلَ لم يُقسِمْ أحدٌ عليه مع قولِه: هذا قتلني. وهذا لا يقولُه أحدٌ من علماءِ المسلمين أن المدَّعَى عليه يُقتَلُ بقولِ المدَّعي دونَ بيِّنةٍ ولا قَسامة، فلا معنَى لذكرِ قتيلِ بني إسرائيلَ هاهنا، وقد أجمع العلماءُ على أن قولَ الذي تحضُرَه الوفاةُ لا يُصدَّقُ على غيرِه في شيءٍ من الأموال، فالدِّماءُ أحقُّ بذلك، وقد علِمنا أن من الناسِ مَن يُحبُّ الاستراحةَ من الأعداءِ للبنين والأعقاب، ونحو هذا مما يطولُ ذكرُه.

    وقال مالك (١) : إذا كان القتلُ عمدًا حلَف أولياءُ المقتولِ خمسين يمينًا على رجلٍ واحدٍ وقتَلوه. قال ابنُ القاسم (٢) : لا يُقسِمُ في العمدِ إلا اثنان فصاعدًا، كما أنه لا يُقتَلُ بأقلَّ من شاهدين.

    vol. 15, p. 156
  38. وكذلك لا يُحلَّفُ النساءُ في العمد؛ لأنَّ شهادتَهن لا تجوزُ فيه، ويُحلَّفن في الخطأ من أجل أنه مالٌ، وشهادتُهن جائزةٌ في الأموال (٣) .

  39. وعندَ الشافعيِّ: يُقسِمُ الوليُّ، واحدًا كان أو أكثر، على واحدٍ مدَّعًى عليه، وعلى جماعةٍ مدَّعًى عليهم. ومن حُجَّةِ الشافعيِّ أنه ليس في قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يُقسِمُ منكم خمسونَ على رجلٍ منهم فيُدفَعُ إليهم برُمَّتِه" . ما يدُلُّ على أنه لا يجوزُ قتلُ أكثرَ من واحد، وإنّما فيه التَّنبيهُ على تعيينِ المدَّعَى عليه الدم، واحدًا كان أو جماعة. ومن حُجَّتِه أيضًا في ذلك أن القَسامةَ بدلٌ من الشهادة، فلمّا كانت الشَّهادةُ

    vol. 15, p. 157تُقتَلُ بها الجماعة، فكذلك القَسامةُ. واللّهُ أعلم. والاحتجاجُ على هذه الأقوالِ ولها يطول. واللّهُ المستعان.

    وقال أبو حنيفة: لا يُستحَقُّ بالقَسامةِ قَوَدٌ. خلافَ قولِ مالك، وعلى كلا القولينِ جماعةٌ من السلف.

  40. وعن الشافعيِّ روايتان؛ إحداهما: أن القَسامةَ يُستحَقُّ بها القَوَدُ ويُقتَلُ بها الواحدُ والجماعةُ إذا أقسَموا عليهم في العمد؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وتَستَحِقُّونَ دمَ صاحبِكم، أو قاتلِكم" .