يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله
1,255 paragraphs · vol. 15, p. 5
Page 11 of 32
- vol. 15, p. 173
وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله الخزاعيُّ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة. فذكَر بإسنادِه مثلَه سواء.
- vol. 15, p. 174
وفي هذا الحديث؛ حديثِ هذا الباب معانٍ من الفقه؛ منها: أن الورثةَ لا يُنفَقُ عليهم ولا لهم ميراثٌ حتى يُؤدَّى الدَّينُ.
-
وروَى إسماعيلُ بنُ جعفر (١) ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي كثيرٍ مولى محمدِ بنِ جَحْش، عن محمدِ بنِ جَحْش، قال: كنّا جلوسًا في موضع الجنائز مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، إذ رفَع رأسَه ثم نكَسَه، ثم وضَع راحتَه على جبهتِه وقال: "سُبحانَ الله، ماذا نزَل من التشديد؟ " . فسكَتْنا وفَرِقْنا، فلمّا كان من الغد، سُئل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ما هذا التشديدُ الذي نزل؟ قال: "في الدَّيْن، والذي نفسي بيدِه، لو أن رجلًا قُتِل في سبيلِ الله ثم أُحْييَ، ثم قُتِل ثم أُحْييَ، ثم أُحْيي ثم قُتِل وعليهْ دَيْنٌ، ما دخَل الجنّةَ حتى يُقضَى عنه" . هكذا ذكَره ابنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفر، قال: أخبرَنا العلاءُ بن عبدِ الرحمن. فذكَره.
-
ورواه أنسُ بنُ عياض، عن محمدِ بنِ أبي يحيى، عن أبي كثيرٍ مولى الأشجَعيِّين، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ عبدِ الله بنِ جَحْش - وكانت له صُحبةٌ -
vol. 15, p. 175يقول: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، ما لي إن قاتلتُ في سبيلِ الله حتى أُقتَلَ؟ قال: "الجنة" . فلمّا ولَّى الرجلُ قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "كِرُّوه عليَّ" . فلمّا جاءه قال: "إنَّ جبريلَ قال: إلا أن يكونَ عليه دَيْنٌ" (١) .
-
وروَى سعيدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا المباركُ بنُ فَضالة، عن كثيرٍ أبي محمد، عن البَرَاء، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "صاحبُ الدَّينِ مأسورٌ يومَ القيامةِ يَشْكُو إلى الله الوَحْدَة" (٢) .
قال أبو عُمر: كثيرٌ أبو محمد: هو كثيرُ بنُ أعينَ المراديُّ، بصْريٌّ.
-
ومنها: أنَّ المرءَ يُحبَسُ عن الجنّةِ من أجل دَيْنِه حتى يقعَ القِصاص.
-
ومنها: أنَّ القضاءَ عن الميتِ بعدَه في الدنيا ينفَعُ الميتَ في الآخرة.
-
ومنها: أنَّ الميتَ إنما يُحبَسُ عن الجنةِ بدَينِه إذا كان له وفاءٌ ولم يُوصِ به ولم يُشهِدْ عليه، والوصيةُ بالدَّيْنِ فرض عندَ الجميع إذا لم تكن عليه بينةٌ؛ فإذا لم يُوصِ به كان عاصيًا، وبعصيانِه ذلك يُحبَسُ عن الجنَّة، واللهُ أعلم.
-
وفي قوله في هذا الحديث: "أعْطِها فإنها صادقةٌ" دليلٌ على أن الحاكمَ يَقضي بعِلْمِه، وقد تكلَّمنا على هذا المعنى في غير هذا الموضع، والدَّيْنُ الذي يُحبَسُ به
vol. 15, p. 176صاحبُه عن الجنة، واللهُ أعلم، هو الذي قد ترَك له وفاءً ولم يُوصِ به، أو قدَر على الأداءِ فلم يؤدِّ، أو ادَّانَهُ في غيرِ حقٍّ أو في سَرَفٍ ومات ولم يُؤدِّه.
-
وأمّا مَن ادَّان في حقٍّ واجبٍ لفاقةٍ وعُسْرةٍ ومات ولم يترُكْ وفاءً؛ فإن اللهَ لا يَحبِسُه به عن الجنّةِ إن شاء الله؛ لأنَّ على السلطانِ فرضًا أن يُؤدِّيَ عنه دَينَه، إما من جملةِ الصدَقات، أو من سَهْم الغارِمينَ، أو من الفَيء الراجع على المسلمين من صنوف الفَيء. وقد قيل: إنَّ قولَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وتشديدَه في الدَّين، كان من قَبل أن يَفتَحَ اللهُ عليه ما يَجيءُ (١) منه الفَيءُ والصدقاتُ لأهلِها.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّد، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن بُدَيل، عن عليِّ بنِ أبي طلحة، عن راشدِ بنِ سَعْد، عن أبي عامر الهَوزَنيِّ، عن المِقْدام الكِنديِّ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنا أوْلى بكلِّ مؤمنٍ من نفسِه، مَن ترَك دَيْنًا أو ضَيعةً فإليَّ، ومَن ترَكَ مالًا فلِوَرَثتِه" ، وذكَر تمامَ الحديث (٢) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا مُطَّلبُ بنُ شُعيب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، حدَّثنا الليثُ، قال: حدَّثني عُقيلٌ، عن ابنِ شهاب، قال: أخبَرني أبو سَلَمة، عن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أنا أوْلى بالمؤمنين
vol. 15, p. 177من أنفسِهم، فمَن تُوفِّي من المسلمين فترَك دَيْنًا فعلَيَّ قضاؤُه، ومَن ترَك مالًا فلورثتِه " (١) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارث قراءةً منِّي عليه، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ إبراهيمَ دُحَيْمٌ، قال: حدَّثنا الوليدُ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرة، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دُعِيَ إلى رجلٍ من المسلمينَ ليُصَلِّي عليه، أقبَل على أصحابه فقال: "هل ترَك من دَيْن؟ ". فإن قالوا: نعم. قال: " فهل ترَك من وفاء؟ ". فإن قالوا: لا. قال: " صَلُّوا على صاحبكم ". فلمّا فتَح اللهُ على رسولِه الفتوح، قال: " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسِهم، مَن ترَك دَيْنًا أو ضَياعًا فعلى الله ورسولِه، ومَن ترَك مالًا فلورثتِه " (٢) .
-
وعند سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المقبُريِّ في هذا حديثٌ آخرُ في هذا المعنى:
أخبَرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: أخبَرنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ منصور، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجرَ، قال: حدَّثنا يعلى بنُ عُبيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عَمْرو، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المَقبُريِّ، عن عبدِ الله بنِ أبي قتادة، عن أبيه، قال: أُتي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بجنازةٍ ليُصَلِّي عليها، فقال: "أعَلَيهِ دَيْنٌ؟ "
vol. 15, p. 178قالوا: نعَمْ ديناران، فقال: "أترَكَ لهما وفاءً؟ " قالوا: لا، قال: "صَلُّوا على صاحبِكُم" قال أبو قتادة: هما عليَّ يا رسولَ الله، قال: فصلّى عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - (١) .
-
وفي قولِه عليه السلام: "كذلك قالَ لي جبريلُ" دليلٌ على أنّ منَ الوَحْيِ ما يُتْلى وما لا يُتْلى، وما هو قُرآنٌ وما ليسَ بقُرآن.
وقالت طائفةٌ من أهل العلم بالقُرآن في قوله تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: ٣٤] . قالوا: القرآنُ: آياتُ الله، والحِكْمة: سُنةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (٢) .
قال أبو عُمر: وكلٌّ منَ الله، إلّا ما قام عليه الدّليلُ، فإنّه لا ينْطِقُ عن الهوى - صلى الله عليه وسلم -، وشرَّف وكَرَّم.
- vol. 15, p. 179
يحيى عن عَمْرِو بنِ كثير حديثٌ ثامنٌ وعشرونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ كثيرِ بنِ أفلح، عن أبي محمدِ مولى أبي قتادة، عن أبي قتادةَ بنِ رِبْعيٍّ، أنه قال: خرَجنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عامَ حُنين، فلمّا التقَيْنا كانت للمسلمينَ جولةٌ. قال: فرأيتُ رجلًا منَ المشركينَ قد علا رجلًا من المسلمين. قال: فاستدَرتُ له حتى آليتُه من ورائِه، فضربتُه بالسيفِ على حبلِ عاتقِه، فأقبلَ عليَّ فضَمَّني ضمَّةً وجَدتُ منها ريحَ الموت، ثم أدرَكَه الموتُ فأرسلَني.
قال: فلقِيتُ عُمرَ بنَ الخطاب، فقلت: ما بالُ الناس؟ فقال: أمرُ الله. ثم إن الناسَ رجَعوا، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن قتَل قتيلًا له عليه بيَّنةٌ فلَهُ سَلَبُه" . قال: فقمتُ ثم قلت: مَن يَشهدُ لي؟ ثم جلَستُ، ثم قال (٢) : "مَن قتَل قتيلًا له عليه بيِّنةٌ فله سَلَبُه" . قال: فقُمتُ ثم قلت (٣) : من يَشهَدُ لي؟ ثم جلَستُ (٤) ، ثم قال ذلك الثالثة، فقمتُ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما لكَ يا أبا قتادة؟ " . فاقتصَصْتُ عليه القِصَّة، فقال رجلٌ من القوم: صدَق يا رسولَ الله، وسَلَبُ ذلك القتيلِ عندي، فأرْضِه منه يا رسولَ الله. فقال أبو بكر: لا ها الله إذن لا يَعمِدُ إلى أسدٍ من أُسْدِ الله يُقاتلُ عن الله وعن رسويه فيُعطيك سَلَبَه. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "صدَق، فأعطِه (٥) إيّاه" . فأعطانيه، فبِعْتُ الدِّرْعَ فاشترَيْتُ به مَخرَفًا في بني سَلَمة، فإنّه لأوَّلُ مالٍ تأثَّلْتُه في الإسلام.
- vol. 15, p. 180
هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الحديث: عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ كثير. وتابعَه قومٌ (١) ، وقال الأكثرُ: عُمرُ بنُ كثيرِ بنِ أفلح.
وقال الشافعيُّ (٢) : عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن ابنِ كثيرِ بنِ أفلحَ. ولم يُسَمِّه.
-
والصوابُ فيه عن مالك: عُمرُ بنُ كثير. وكذلك قال فيه كلُّ مَن رواه عن يحيى بنِ سعيد؛ منهم ابنُ عُيينة (٣) ، وحفصُ بنُ غِياث.
وقال البخاريُّ (٤) والعُقَيليُّ: عُمرُ بنُ كثيرِ بنِ أفلح، مدنيٌّ، روَى عنه ابنُ عَجْلانَ وغيرُه.
وقال عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل (٥) : سألتُ أبي عن عُمرَ بنِ كثيرِ بنِ أفلحَ، فقال: هذا مولى أبي أيوب، روَى عنه ابنُ عون.
-
وذكَر البخاريُّ (٦) والعُقيليُّ في باب عَمْرو: عَمْرُو بنُ كثيرِ بنِ أفلحَ، مدنيٌّ، روَى عنه ابنُ أبي فُدَيكٍ وعثمانُ بنُ اليمان.
قال أبو عُمر: عَمْرُو بنُ كثيرِ بنِ أفلحَ الذي روَى عنه ابنُ أبي فُديكٍ ليس هو عُمرَ الذي روَى عنه يحيى بنُ سعيد، وإنما الذي روَى عنه يحيى بنُ سعيدٍ هو الذي
vol. 15, p. 181روَى عنه ابنُ عَجلانَ وغيرُه، وهو الذي روَى عنه ابنُ عون، وهو من التابعين ممّن لقيَ ابنَ عُمرَ وأنسَ بنَ مالك، وهو كبيرٌ، أكبرُ من عَمْرِو بنِ كثير، وأظنُّهما أخوَين، ولكنَّ عُمرَ بنَ كثيرِ بنِ أفلحَ أجلُّ من عَمْرِو بنِ كثيرِ بنِ أفلحَ وأشهر، وهو الذي في "الموطأ" ، وليس لعَمْرِو بنِ كثيرٍ في "الموطأ" ذِكرٌ إلا عندَ من لم يُقِم (١) اسمَه وصحَّفه.
-
وأمّا أبو محمدٍ مولَى أبي قتادة، فمن كبارِ التابعين، واسمُه نافع (٢) ، يُعرَفُ بالأقرَع، وقد روَى عنه ابنُ شهاب، وحَسْبُك، وروَى عنه صالحُ بنُ كَيْسانَ وجماعةٌ من الجِلَّة.
-
وأمّا أبو قتادةَ الأنصاريُّ، فاسمُه الحارثُ بنُ رِبْعيٍّ (٣) ، على اختلافٍ قد ذكَرناه في كتاب "الصحابة" (٤) ، وكان يقال له: فارسُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. ولم يقل ذلك لغيرِه، كما قيل لخالدِ بنِ الوليد: سيفُ الله. وكان أبو قتادةَ من شُجعانِ فرسانِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم.
-
وروايةُ ابنِ عُيينةَ لهذا الحديثِ مختصَرَةٌ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عُمرَ بنِ كثيرِ بنِ أفلح، عن أبي محمد، عن أبي قتادة: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَفَّلَه سَلَبَ قتيلِه (٥) .
- vol. 15, p. 182
وأما مالكٌ، فساقَه سِياقةً حسَنةً، وكان حافظًا رحِمه الله.
-
وروَى هذا الحديثَ حَمّادُ بنُ سَلَمة، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال يومَ حُنين: "مَن قتَل كافرًا فلَهُ سَلَبُه" . فقتَل أبو طلحةَ عشرينَ قتيلًا، وأخَذ أسْلابَهم، وقال أبو قتادة: يا رسولَ الله، إنِّي ضرَبتُ رجلًا على حِبالِ العاتقِ وعليه دِرْعٌ، فأُعْجِلْتُ عنها أن آخُذَها، فانظُرْ مع مَن هي؟ فقام رجلٌ فقال: أنا أخَذتُها، فأرْضِه منها أو أعْطِنيها. فسكَت رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان لا يُسألُ شيئًا إلا أعطاهُ أو سكَتَ. فقال عُمرُ: لا يَنزِعُها من أسدٍ من أُسدِ الله ويُعطيكَها. فضحِكَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "صدَق عمرُ" (١) .
-
وفي حديثِ أبي قتادةَ هذا من الفقه: معرفةُ غَزاةِ حُنين، وذلك أمرٌ يُستَغْنى بشُهرتِه عن إيرادِه، ولولا كراهتُنا التطويلَ لذكَرْنا هنا خبرَ تلك الغَزاة، وقد ذكَرنا ذلك في كتاب "الدُّرَر في اختصارِ المغازي والسِّير" (٢) .
-
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أن المُسلمين هُزِموا يومَ حُنين، وأنهم كانت لهم الكَرَّةُ بعدُ والظَّفَرُ والغَلَبةُ، والحمدُ لله، وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} الآية إلى قوله: {وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة: ٢٥ - ٢٦] .
-
وفيه دليلٌ على موضع أبي قتادةَ من النَّجْدةِ والشجاعة.
-
وفيه أن السَّلَبَ للقاتل، وهذا موضعٌ اختلَف فيه السلفُ والخلفُ على وجوهٍ نذكرُها إن شاء الله، ولهذه النُّكتةِ وهذا المعنى جُلِبَ هذا الحديثُ ونُقِل؛
- vol. 15, p. 183
فجملةُ مَذْهب مالكٍ أنه لا يُنَفَّلُ إلا بعدَ إحرازِ الغنيمة، وقد ذكَرنا حكمَ النَّفَل في مذهبِه ومذهبِ غيرِه في باب نافع من هذا الكتاب (١) .
قال مالك (٢) : وإنما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَن قتَل قتيلًا وله عليه بيِّنةٌ فله سَلَبُه" . بعدَ أن برَدَ القتالُ يومَ حُنين، ولم يُحفَظْ عنه ذلك في غير يوم حُنين.
قال (٣) : ولا بلَغَني فِعْلُه عن الخليفتين، فليس السَّلَبُ للقاتل حتى يقولَ ذلك الإمام، والاجتهادُ في ذلك إلى الإمام.
وقال ابنُ أبي زيد: ظاهرُ حديثِ أبي قتادةَ هذا يدُلُّ على أن ذلك حكمٌ فيما مضَى، ولم يُرِدْ به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكونَ أمرًا لازمًا في المستقبل؛ لأنه أعطاه السَّلبَ بشهادةِ رجُلٍ واحدٍ بلا يمين، ويُخَرَّجُ ذلك على الاجتهادِ من الخُمُس إذا رأى ذلك الإمامُ مصلحة، والاجتهادُ فيه مُؤتَنَفٌ.
قال أبو عُمر: بل أعطاه إيّاه واللهُ أعلم؛ لأنه أقرَّ له به مَن كان قد حازَه لنفسِه في القتال، ثم أقرَّ أن أبا قتادةَ أحقُّ بما في يدَيه منه، فأُمِر بدَفْع ذلك إليه.
قال مالكٌ (٤) : والسلَبُ من النَّفَل، والفرسُ من النَّفَل - وكذلك قال ابنُ عباس (٥) - ولا نفَلَ في ذهبٍ ولا فضّة، ولا نفَلَ إلا من الخُمُس، ويكونُ في أولِ مَغْنَم وآخرِه على الاجتهاد. وكرِه مالكٌ أن يقولَ الإمام: مَن أصاب شيئًا فهو له.
- vol. 15, p. 184
وكرِه أن يَسْفِكَ أحدٌ دمَه على هذا، وقال: هو قتالٌ على جُعْل. وكرِه للإمام أن يقول: مَن قاتَل فله كذا، ومن بلَغ موضِعَ كذا فله كذا، ومن قتَل قتيلًا فله كذا، أو نصفُ ما غنِم. قال: وإنما نفَّل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بعدَ القتال (١) . هذا جملةُ مذهبِ مالكٍ في هذا الباب، ومذهبُ أبي حنيفةَ والثوريِّ نحوُ ذلك (٢) .
-
واتَّفق مالكٌ، والثوريُّ، وأبو حنيفة، على أن السَّلَبَ من غنيمةِ الجيشِ حكمُه كحكم سائرِ الغنيمة، إلا أن يقولَ الأمير: مَن قتَل قتيلًا فله سلَبُه. فيكونَ حينئذٍ له.
-
وقال الأوزاعيُّ، والليثُ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور، وأبو عُبيد (٣) : السلَبُ للقاتلِ على كلِّ حال، قال ذلك الأميرُ أو لم يَقُلْه. إلا أنَّ الشافعيَّ قال (٤) : إنما يكونُ السلَبُ للقاتل إذا قتَل قتيلَه مُقبِلًا عليه، وأما إذا قتَله وهو مُدبِرٌ عنه فلا سَلَب له. وقال الأوزاعيُّ ومكحولٌ (٥) : السَّلَبُ مَغْنَمٌ ويُخمَّسُ.
قال الشافعيُّ (٦) : يُخمَّسُ كلُّ شيءٍ من الغنيمةِ إلا السَّلَبَ فإنه لا يُخمَّسُ. وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبل والطبريِّ. واحتجُّوا بقولِ عُمرَ بنِ الخطاب: كنا لا نُخمِّسُ السَّلَبَ على عهدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
ذكر عبدُ الرزاق (٧) ، عن مَعْمَر، عن أيوب، عن ابنِ سيرينَ قال: بارَز
vol. 15, p. 185البراءُ بنُ مالكٍ أخو أنس بن مالك مَرْزُبانَ الزَّأرر فقتَلَه (١) ، وأخَذ سَلَبَه فبلغَ سَلَبه ثلاثين ألفًا، فبلَغ ذلك عُمرَ بنَ الخطاب، فقال لأبي طلحة: إنّا كنّا لا نُخمِّسُ السَّلَبَ، وإنّ سلَبَ البراءِ قد بلغَ مالًا كثيرًا، ولا أُرانا إلّا خامِسِيه.
-
وذكر ابنُ أبي شيبة (٢) ، عن عيسى بنِ يونس، عن ابنِ عَوْنٍ وهشام بنِ حَسّان، عن ابنِ سيرين، عن أنسِ بنِ مالك: أن البراءَ بنَ مالكٍ حمل على مَرْزُبانِ الزَّأرَة، فطعَنه طعنةً دقَّ قَرَبُوسَ سَرْجِه (٣) ، وقتَله وسلَبَه. فذكَر معنى ما تقدَّم. قال محمدُ بنُ سيرين: فحدَّثني أنسُ بنُ مالك أنه أولُ سَلَبٍ خُمِّسَ في الإسلام.
وقال إسحاق (٤) : بهذا أقولُ؛ إذا استكثَر الإمامُ السلَبَ خَمَّسه وذلك إليه.
-
وقد حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ حكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أبو خليفةَ الفضلُ بنُ الحُباب القاضي، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطيالسيُّ، قال: حدَّثنا عِكْرمةُ بنُ عمّار، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُبيدِ بنِ عُمير: أنَّ. عُمرَ بنَ
vol. 15, p. 186الخطاب بعَث أبا قتادةَ فقتَل مَلِكَ فارسَ بيَدِه، وعليه مِنطَقةٌ ثمنُها خمسةَ عشرَ ألفَ درهم، فنفَّله عُمرُ إيّاها (١) .
-
وذكَر ابنُ أبي شيبة (٢) ، عن عبدِ الرحيم بنِ سُليمان، عن حَجّاج، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ قال: قال لي عُمر: بلَغني أنك بارزْتَ دِهْقانًا (٣) وقتَلْتَه. قلت: نعم. فأعجبَه ذلك ونَفَّله سَلَبَه.
قال أبو عُمر: أحسنُ شيءٍ في هذا ممّا يُحتجُّ به مرفوعًا ما حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمد (٤) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥) : حدَّثنا سعيدُ بنُ منصور قال (٦) : أخبرنا إسماعيلُ بنُ عيّاش، عن صفوانَ بنِ عَمْرو، عن عبدِ الرحمن بنِ
vol. 15, p. 187جُبيرِ بنِ نُفير، عن أبيه، عن عوفِ بنِ مالك الأشجعيِّ وخالدِ بنِ الوليد: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قضَى بالسَّلَبِ للقاتل ولم يُخَمِّسِ السلَبَ.
وقال محمدُ بنُ جرير: مَن قتَل قتيلًا كان له سلَبُه، نادَى به الإمامُ أم لم ينادِ، مُقبِلًا قتلَه أو مُدْبرًا، هارِبًا أو مُبارِزًا، إذا كان في المعركة، وليس سبيلُ السلَبِ سبيلَ النفَل؛ لأنَّ النَّفَلَ لا يكونُ إلا بعدَ أن يتقدَّمَ للإمام به قولٌ.
قال أبو عُمر: روَى عبدُ الرزاق (١) ومحمدُ بنُ بكر (٢) ، عن ابنِ جُريج، قال: سمِعتُ نافعًا مولى ابنِ عُمرَ يقول: لم نزَلْ نسمَعُ: إذا التقَى المسلمون والكفار، فقتَل رجلٌ من المسلمين رجلًا من الكفار، فإنَّ سلَبَه له، إلا أن يكونَ في مَعْمَعَةِ القتال، فإنه لا يُدْرَى حينئذٍ مَن قتَل قتيلًا.
-
وظاهرُ هذا الحديثِ يَرُدُّ قولَ الطبريِّ، لاشتراطِه في السلَبِ القتْلَ في المعركةِ خاصة.
وقال أبو ثَوْر (٣) : السَّلَبُ لكلِّ قاتل، في معركةٍ كان أو غيرِ معركة، في الإقبالِ والإدبار، والهروب والانتهار، على كلِّ الوجوه. واحتجَّ قائلو هذه المقالةِ بعموم قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن قتَل قتيلًا فله سلَبُه" . لم يَخُصَّ حالًا من حال، واحتجُّوا أيضًا بخبرِ سَلَمةَ بنِ الأكوع.
vol. 15, p. 188قال أبو عُمر: ليس في خبرِ سَلَمةَ بنِ الأكوع حُجَّةٌ لأبي ثورٍ ولا لغيرِه على الشافعيِّ؛ لأنَّ سَلَمةَ لم يقتُلْه إلا مُلاقيًا ومُتحيِّلًا في قَتْلِه مُغافِصًا له (١) ، وقد قيل: إنه بارَزَه.
-
وأخبرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عبدِ الملك، قال: حدَّثنا عِكْرمةُ بنُ عمّار، قال: حدَّثني إياسُ بنُ سَلَمة، قال: حدَّثني أبي سَلَمةُ بنُ الأكوع قال: غزَوْنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - هوازِن. قال: فبينَما نحن قُعودٌ نتضَحَّى (٢) ، إذ جاء رجلٌ على جمل أحمر، فانتزَع طلَقًا من حَقَب البعير (٣) ، فقيَّد به بعيرَه، ثم جاء يمشي حتى قعَد معنا يتغدَّى، فنظَر في القوم، فإذا في أظهُرِهم رِقَّةٌ، وأكثرُهم مُشاة، فلمّا نظَر إلى القوم خرَج فانطلَق يَعْدُو، فأتى بعيرَه فقعَد عليه، فخرَج يُرْكِضُه، وهو طليعةٌ للكفار، فاتَّبعَه رجلٌ منّا من أسلمَ على ناقةٍ له ورقاء (٤) . قال إياسٌ: قال أبي: فاتَّبعتُه أعدُو. قال: والناقةُ عندَ وَرِكِ الجمل، فلحِقتُه فكنتُ عند وَرِكِ الناقة، ثم تقدَّمتُ حتى كنتُ عندَ وَرِكِ الجمل، ثم تقدَّمتُ حتى آخُذَ بخِطام البعير، فاخترَطتُ سيفي، فضرَبتُ رأسَه فندَر (٥) ، ثم جئتُ بناقتِه أقودُها،
vol. 15, p. 189عليها سلَبُه، فاستقبَلني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مع الناس، فقال: "مَن قتَل الرجلَ؟ " . قالوا: ابنُ الأكوع. قال: "لك سلَبُه أجمعُ" (١) .
-
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصير وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢) ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٣) : حدَّثنا وَكيعٌ، عن أبي العُمَيْس، عن إياسِ بنِ سَلَمة، عن أبيه: أنه بارَز رجلًا فقتَله، فنفَّله النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - سلَبَه.
-
واحتجَّ أصحابُ (٤) الشافعيِّ لمذهبهم في أن القاتلَ لا يستحِقُّ سلَبَ قتيلِه إلا أن يَقتُلَه مُقْبِلًا، بأشياءَ يطُولُ ذكرُها، أحسنُها عندي ما ذكَرَه أبو العباسِ بنُ سُرَيْج، قال: ليس الحديث: "مَن قتَل قتيلًا فلَه سلَبُه" . على عمومِه؛ لاجتماع العلماءِ على أن مَن قتَل أسيرًا أو امرأةً أو شيخًا أنه ليس له سلَبُ واحدٍ منهم، وكذلك مَن ذفَّف (٥) على جريح، أو قتَل مَن قد قُطِعَتْ يَداهُ ورِجْلاهُ. قال: وكذلك المنهزمُ لا يَمتنِعُ في انهزامِه، وهو كالمَكتوف، فعُلِم بذلك أن الحديثَ إنما جَعَل السَّلَبَ لمَن لقَتْلِه معنًى زائدٌ، ولمَن في قتْلِه فضيلةٌ، وهو القاتلُ في
vol. 15, p. 190الإقبال؛ لِمَا في ذلك من المؤْنَة، ولم يكنْ مخرَجُ الحديثِ إلا على مَن في قتلِه مُؤْنةٌ وله شَوْكةٌ، وأما مَن أُثخِن فلا، ولو كان كما زعَموا، كان الذي أثخَنه أوْلى بسَلَبِه وليس بقاتل، والسلَبُ إنما هو للقاتل علي المعنى الذي وصَفنا، واللهُ أعلم. هذا معنَى قولِه (١) .
وقال المُزنيُّ (٢) عن الشافعيِّ: الغنيمةُ كلُّها مقسومةٌ على ما وصَفْنا، إلا السلَبَ للقاتل في الإقبال، قال ذلك الإمامُ أو لم يَقُلْه؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نفَّل أبا قتادةَ يومَ حُنينٍ سلَبَ قتيلِه، وما نفَّله إيّاه إلا بعدَ تقَضِّي الحرب، ونفَّل محمدَ بنَ مسلمةَ سلَبَ مَرحَبٍ يومَ خيبر، ونفَّل يومَ بدرٍ عددًا أسلابًا، ويومَ أُحدٍ رجلًا أو رجلين أسلابَ قتلاهم.
قال: وما علِمتُه - صلى الله عليه وسلم - حضر مَحضَرًا فقتَل رجلٌ قتيلًا في الإقبالِ إلا نفَّله سلَبَه.
قال: ولقد فعَل ذلك بعدَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أبو بكرٍ وعمرُ.
قال أبو عُمر: أمّا قولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يومَ حُنين: "مَن قتَل قتيلًا فلَه سلَبُه" فمحفوظٌ من روايةِ الثقاتِ غيرُ مُختلَفٍ فيه.