يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله
1,255 paragraphs · vol. 15, p. 5
Page 12 of 32
- vol. 15, p. 190
وأما قولُه ذلك يومَ بدرٍ وأُحُدٍ، فأكثرُ ما يُوجَدُ ذلك من روايةِ أهل المغازي، وقد رُوِيَ من حديثِ أهل السِّيرِ وغيرهم أن سَعْدَ بنَ أبي وَقّاص قتَل يومَ بدرٍ سعيدَ بنَ العاص وأخَذ سيفَه، فنفَّله رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إيّاه حتى نزلَت سورة "الأنفال" (٣) .
- vol. 15, p. 191
وأن الزُّبيرَ بنَ العوّام بارزَ يومئذٍ رجُلًا فقَتَله، فنفَّلَه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سلَبَه (١) .
-
وأن ابنَ مسعودٍ نفَّله رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذٍ سيفَ أبي جهل (٢) .
- vol. 15, p. 192
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا حَمّادٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذٍ، يعني يومَ حُنين: "مَن قتَل كافرًا فله سلَبُه" . فقتَل أبو طلحةَ يومئذٍ عشرين رجلًا وأخَذ أسلابَهم، ولقيَ أبو طلحةَ أمَّ سُليم ومعها خَنْجَرٌ، فقال: يا أُمَّ سُليم، ما هذا معك؟ قالت: أردتُ والله إن دنا منّي بعضُهم أن أبعَجَ به (٣) بطنَه. فأخبَر بذلك أبو طَلْحةَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٤) : حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ الماجِشون، قال: حدَّثني صالحُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوف، عن أبيه، عن جدِّه عبدِ الرحمن بنِ عوف: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قضَى أن السلَبَ للقاتل.
قال أبو عُمر: حديثُ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ هذا أصلُه يومَ بدر.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ عبدِ الله الأُوَيْسيُّ، قال: حدَّثني يوسفُ بنُ الماجِشون، عن صالح بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوف، عن أبيه،
vol. 15, p. 193عن عبدِ الرحمن بنِ عوف، قال: إني لواقفٌ يومَ بدر، فنظَرتُ عن يَميني وشمالي، فإذا أنا بينَ فَتيَين من الأنصار حديثةٌ أسنانُهما، فتمنَّيتُ أن أكونَ بين أضْلَعَ منهما (١) ، فعرَفني أحدُهما فقال: يا عمِّ، أتعرِفُ أبا جَهْل؟ قال: قلت: نعم، فما حاجتُكَ إليه يا ابنَ أخي؟ قال: أُخبِرتُ أنه يسُبُّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، والذي نفسي بيَدِه، لئن رأيتُه لا يُفارقُ سوادي سوادَه حتى يموتَ الأعجلُ منّا. قال: فتعجَّبتُ من ذلك. قال: وغمَزني الآخَرُ فقال مثلَها، فلم أنشَبْ (٢) أن رأيتُ أبا جَهْل يَجولُ في الناس، فقلت لهما: ألا تريان؟ هذا هو صاحبُكما الذي تسألاني عنه. فابتَدَراهُ فضرَباهُ بسيفَيْهما حتى قتلاهُ، ثم انصرَفا إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبَراه، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيكما قتَله؟ " . قال كلُّ واحدٍ منهما: أنا قتلتُه. قال: "فهل مَسَحْتُما سيفَيْكما؟ " . قالا: لا. فنظَر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى سيفَيْهما، فقال: "كِلاكُما قتَلَه" . وقضَى بسلَبِه لمُعاذِ بنِ عَمْرِو بنِ الجَمُوح. والآخرُ معاذُ بنُ عفراء (٣) .
-
وحدَّثنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، حدَّثنا يوِسفُ بنُ يعقوبَ الماجشون، قال: حدَّثني صالحُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوف، عن أبيه، عن جدِّه قال: بينما أنا واقفٌ في الصفِّ يومَ بدر. فذكَر مثلَه سواءً إلى آخرِه (٤) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارث (٥) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا موسى بنُ مُعاوية، حدَّثنا وَكيعٌ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ وأبي، عن أبي إسحاق،
vol. 15, p. 194عن أبي عُبيدة قال: قال عبدُ الله: انتهَيْتُ إلى أبي جَهْل يومَ بدرٍ وقد ضُرِبتْ رجلُه وهو صريعٌ، وهو يذُبُّ الناسَ عنه بسيفِه. فذكر قصةً، قال: فأخذتُ سيفَه فضرَبتُه حتى برَد. وزاد فيه أبي، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة، عن عبدِ الله: فنفَّلني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سيفَه (١) .
-
واحتجَّ بهذه الآثار مَن قال: إن السلَبَ للقاتل على كلِّ حال، نادَى به الإمامُ أم لم يُنادِ. ولا حُجَّةَ في ذلك؛ لأنَّ ذلك كان فيما ذكَروا قبل نُزول: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الآية [الأنفال: ٤١] .
-
واحتجَّ مَن جعَل ذلك إلى الإمام، وأنه أمرٌ ليس بلازم إلّا أن يَجتهِدَ في ذلك الإمامُ ويُناديَ به على حسبِ ما يراه، وأن له منعَ القاتل منَ السلَب، وله إعطاؤُه على حسَبِ ما يؤدِّيه إليه اجتهادُه - بما حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمّد (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٤) :
vol. 15, p. 195حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم،. قال: حدَّثني صفوانُ بنُ عَمْرو، عن عبدِ الرحمن بنِ جُبيرِ بنِ نُفير، عن أبيه، عن عوفِ بنِ مالكٍ الأشجعيِّ قال: خرجتُ مع زيدِ بنِ حارثةَ في غزو مؤتة، ورافَقَني مدَدِيٌّ (١) من أهل اليمنِ ليس معه غيرُ سيفه، فنحَر رجلٌ من المسلمين جَزُورًا، فسأله المدَدِيُّ طائفةً من جلدِه، فأعطاه إيّاه، فاتَّخذه كهيئةِ الدَّرَقَة (٢) ، ومضَينا فلقِينا جموعَ الروم، وفيهم رجلٌ على فرسٍ أشقرَ عليه سرْجٌ مُذهَبٌ، وسلاحٌ مُذهَبٌ، فجعَل الروميُّ يُغري بالمسلمين، وقعَد له المدَدِيُّ خلفَ صخرة، ومرَّ به الروميُّ فعرْقَب فرسَه (٣) فخرَّ، وعلاه فقتَله، وحاز فرسَه وسلاحَه، فلمّا فتَح اللهُ على المُسلمينَ، بعَث إليه خالدُ بنُ الوليد فأخَذ منه السلَبَ.
قال عوفٌ: فأتيتُه، فقلت: يا خالدُ، أما علِمتَ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قضَى بالسلَبِ للقاتل؟ قال: بلى، ولكنِّي استكثَرْتُه. فقلت: لترُدَّنه إليه أو لأُعَرِّفَنَّكَ عندَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. فأبى أن يَرُدَّ عليه.
قال عوفٌ: فاجتمَعنا عندَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فاقتصَصْتُ عليه قصةَ المدَدِيِّ وما فعَل خالدٌ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا خالدُ، ما حملكَ على ما صنَعْتَ؟ " . فقال: يا رسولَ الله، استكثَرتُه له. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا خالدُ، رُدَّ عليه ما أخَذْتَ منه" . فقال عوفٌ: دُونَك يا خالدُ، ألمْ أفِ لك؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:
vol. 15, p. 196"وما ذاك؟ " . فأخبرتُه، فغضِبَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "يا خالدُ، لا ترُدَّه عليه، هل أنتم تارِكونَ (١) لي أُمرائي؟ لكم صَفوةُ أمرِهم وعليهم كدَرُه" .
قال (٢) : وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٣) : حدَّثنا الوليدُ، قال: سألتُ ثورًا عن هذا الحديث، فحدَّثني عن خالدِ بنِ مَعْدان، عن جُبيرِ بنِ نُفير، عن عوفِ بنِ مالك الأشجعيِّ نحوَه.
-
وذكَر هذا الحديثَ أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن صفوانَ بنِ عَمْرٍو بإسنادِه ومعناه.
قال الفَزاريُّ: وأخبرني غيرُ صفوان، عن خالدِ بنِ مَعْدانَ بنحوِ حديثِ صفوان.
-
وهذا الحديثُ يدُلُّ على ما ذكَرنا، أن السلَبَ إنما يكونُ للقاتل إذا أمضَى ذلك الإمامُ ورآه، وأدّاه اجتهادُه إليه، وهذا كلُّه يدُلُّ على صحةِ ما ذهب إليه مالكٌ في هذا الباب، واللهُ أعلم.
-
وذكر عبدُ الرزاق (٤) ، عن الثوريِّ، عن الأسودِ بنِ قيس، عن شَبْرِ (٥) بنِ علقمةَ العبديِّ، قال: كنّا بالقادسية، فخرَج رجلٌ منهم عليه مِنَ السلاح والهيئة،
vol. 15, p. 197فقال: مَرْدْ ومَرْدْ. يقول: رجلٌ إلى رجل. فعَرضتُ على أصحابي أن يبارِزوه فأبوا، وكنتُ رجلًا قصيرًا. قال: فتقدَّمتُ إليه، فصاح صوتًا وهدَر، وصِحْتُ وكبَّرتُ، وحمَل عليَّ فاحتمَلني فضرَب بي. قال: وتميلُ به فرسُه، فأخذْتُ خَنجَرَه، فوثَبتُ على صدرِه فذبَحتُه. قال: وأخَذتُ منطقةً له، وسيفًا، ودِرْعًا، وسِوارَين، فقُوِّم باثنَي عشرَ ألفًا، فأتيتُ به سَعْدَ بنَ مالك، فقال: رُحْ إليَّ، ورُحْ بالسلَب. قال: فرُحْتُ إليه، فقام على المنبر، فقال: هذا سلَبُ شَبْرِ بنِ علقمة، خُذْه هنيئًا مريئًا. فنفَّلَنِيه كلَّه.
-
وهذا يدُلُّ على أن أمرَ السلَبِ إلى الأمير، واللهُ أعلم.
-
وذكَر ابنُ أبي شيبة (١) ، عن وَكيع، عن سُفيانَ، عن الأسودِ بنِ قيسٍ مثلَه سواءً بمعناه في قصةِ شَبْرِ بنِ علقمةَ يومَ القادسية.
قال (٢) : وأخبَرنا أبو الأحوص، عن الأسودِ بنِ قيس، عن شَبْرِ بنِ علقمةَ، قال: بارَزْتُ رجلًا يومَ القادسيةِ فقتَلتُه، وأخذتُ سلَبَه، فأتيتُ سَعْدًا، فخطَب سَعْدٌ أصحابَه، ثم قال: هذا سلَبُ شَبْرِ بنِ علقمة، لهو خيرٌ من اثنيْ عشرَ ألفَ درهم، وإنّا قد نفَّلناه إيّاه.
قال أبو عُمر: لو كان السلَبُ للقاتل قضاءً من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ما احتاج الأمراءُ إلى أن يُضيفوا ذلك إلى أنفُسِهم باجتهادِهم، ولأخَذه القاتلُ دونَ أمرِهم، واللهُ أعلم.
-
واختلَف الفقهاءُ في الرجل يدَّعي أنه قتَل رجلًا بعينِه وادَّعى سلَبَه؛ فقالت طائفةٌ منهم: يُكلَّفُ على ذلك البينة، فإن جاء بشاهدين أخَذه، وإن جاء بشاهدٍ واحدٍ حلَف معه وكان له سلَبُه. واحتجّوا بحديثِ أبي قتادة، وبأنه حقٌّ يُستحقُّ مثلُه
vol. 15, p. 198بشاهدٍ ويمين. وممّن قال ذلك؛ الشافعيُّ، والليثُ بنُ سعْد، وجماعةٌ من أصحابِ الحديث. وقال الأوزاعيُّ: إذا قال إنه قتَله، أُعطِي سلَبَه، ولم يُسألْ عن ذلك بينة (١) .
-
واختلَفوا في النفَرِ يضرِبون الرجلَ الكافرَ ضرَباتٍ مختلفةً؛ فكان الشافعيُّ يقول (٢) : إذا قطَع يديه ورجليه ثم قتَله آخرُ، فالسلَبُ لقاطع اليدين والرِّجلَين، فإن ضرَبه وأثبَته، وبقيَ معه ما يَمتَنعُ به، ثم قتَله آخرُ، كان السلَبُ للآخر، وإنما يكونُ السلَبُ لمن صيَّره بحالٍ لا يَمتنِعُ فيها.
-
واختلَف الشافعيُّ والأوزاعيُّ في مُبارِزٍ عانقَ رجلًا وحمل عليه آخرُ فقتَله؛ فقال الأوزاعيُّ: السلَبُ للمعانق. وقال الشافعيُّ: السلَبُ للقاتل (٣) .
-
وفي هذا الباب مسائلُ كثيرةٌ، لها فروعٌ لو ذكَرناها خرَجنا عن تأليفِنا، وفيما أورَدْنا من أصول هذا الباب ما فيه كفايةٌ، وبالله التوفيق.
-
وأما قوله: "فاشتريتُ به مَخرَفًا في بني سلمة" فقال ابنُ وَهْب: هي الجُنَيْنَةُ الصغيرة. وقال غيرُه: هو ما يُخرَفُ ويُختَرفُ؛ أي: يُحفَظُ ويُجتَنَى، وهو الحائطُ الذي فيه ثمرٌ قد طاب وبَدا صلاحُه. قالوا: والحائط يقالُ له بالحجاز: الخارِفُ. والخارِفُ بلُغةِ أهل اليمن: الذي يَجتني لهم الرُّطَبَ.
وقال أبو عُبيد (٤) : يقال النخل بعينِه: مَخرَفٌ. قال: ومنه قولُ أبي طلحة: إن لي مَخرَفًا (٥) . قال: وقال الأصمعيُّ في حديثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "عائدُ المريض في
vol. 15, p. 199مَخارفِ الجنة " (١) . قال: واحدُها مَخرَفٌ، وهو جَنَى النخل، وإنما سُمِّيَ مَخرَفًا لأنه يُخرَفُ منه، أي: يُجتنَى منه.
وقال الأخفشُ: المِخرَفُ بكسرِ الميم القطعةُ من النخلِ التي يُختَرفُ منها الثمرُ، والمَخرَفُ بفتح الميم النخلُ أيضًا.
-
وأما قوله: "فإنه لأولُ مالٍ تأثَّلتُه في الإسلام" فإنه أراد أوّلَ أصلٍ باقٍ من المالِ اقتَناه وجمَعه، ومَن اكتسَب ما يَبقَى ويُحمدُ فقد تأثَّل. قال امرؤُ القيس (٢) :
ولكنَّما أسعَى لمجدٍ مؤثَّلٍ ... وقد يُدرِكُ المجدَ المؤثَّلَ أمثالي
وقال لبيدٌ (٣) :
لله نافِلَةُ الأجَلِّ الأفضلِ ... وله العُلَى وأُثِيثُ كلِّ مؤثَّلِ
ومن هذا حديثُ عُمرَ في وَقْفِه أرضَه، قال: ولمَن وَليَها أن يأكلَ منها أو يُؤكِلَ صديقًا غيرَ متأثِّلٍ مالًا (٤) .
- vol. 15, p. 200
حديثٌ تاسعٌ وعشرونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن واقدِ بنِ سَعْدِ بنِ معاذ، عن نافع بنِ جُبير بنِ مُطعِم، عن مسعودِ بنِ الحكم، عن عليِّ بنِ أبي طالب، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقومُ في الجنائز، ثم جلَس بعدُ.
-
هكذا قال يحيى عن مالك: واقدُ بنُ سَعْدِ بنِ معاذ (٢) . وسائرُ الرواةِ عن مالك يقولون: عن واقدِ بنِ عَمْرِو بنِ سَعْدِ بنِ معاذ (٣) ، وهو الصوابُ إن شاء الله، وكذلك قال ابنُ عُيينةَ وزهيرُ بنُ مُعاوية (٤) .
-
وهو واقدُ بنُ عَمْرِو بنِ سَعْدِ بنِ معاذِ بنِ النُّعمانِ بنِ امرئ القيس الأشهليُّ الأنصاريُّ، يكنَى أبا عبدِ الله، مدنيٌ ثقةٌ، كناه خليفةُ بنُ خيّاط (٥) ، وذكَره الحسنُ بنُ عثمانَ في بني عبدِ الأشهل وقال: كانت وفاتُه سنةَ عشرين ومئةٍ.
- vol. 15, p. 201
وكان محمدُ بنُ عَمْرِو بنِ علقمةَ يقول فيه: واقدُ بنُ عُمرَ بنِ سَعْدِ بنِ معاذ. يَهِمُ فيه.
-
روَى يزيدُ بنُ هارون، عن محمدِ بنِ عَمْرو، عن واقدِ بنِ عُمرَ بنِ سَعْدِ بنِ معاذٍ قال: دخلتُ على أنسِ بنِ مالك - وكان واقدٌ من أعظم الناس وأطوَلهم - فقال لي: مَن أنتَ؟ فقلت: واقدُ بنُ عُمرَ بنِ سَعْدِ بنِ معاذ. قال: إنك بسعدٍ لشَبيةٌ. ثم بكى فأكثرَ البكاءَ وقال: يرحَمُ اللهُ سعدًا، كان من أعظم الناس وأطولِهم (١) .
-
وقد مضَى ذِكْرُ نافع بنِ جُبيرِ بنِ مُطعِم في بابِ ابنِ شهاب.
-
وأمّا مسعودُ بنُ الحكم، فرجلٌ من بني زُرَيق من الأنصار، كبيرٌ جليلٌ، وُلِدَ على عهدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو مسعودُ بنُ الحكم بنِ الربيع بنِ عامرِ بنِ خالدِ بنِ عامرِ بنِ زُرَيق، وكان له بالمدينةِ قَدرٌ وجلالةٌ وهيئةٌ، وقد ذكَرناه في كتاب "الصحابة" (٢) .
قال أبو عُمر: حديثُ مالكٍ في هذا الباب يدلُّ على أنّ القيامَ للجنائزِ إذا مرَّت بالإنسان وقيامَه إذا شيَّعها وشَهِدها حتى تُدفَن، مَنْسوخ (٣) ؛ وذلك أن الأمرَ أولًا كان ألّا يجلسَ مشيع الجِنازةِ حتى تُوضَعَ في اللَّحْدِ أو في الأرض، وإنْ مرَّت به جِنازةٌ قام، ثم نُسِخَ ذلك بالتخفيف، والحمدُ لله.
- vol. 15, p. 202
وروَى ابنُ عُيينةَ ومَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، عن عامرِ بنِ ربيعةَ قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا رأيتُم الجِنازةَ فقوموا حتى تُخلِّفَكم أو تُوضَعَ" ؛ حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١) : حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، عن سالم، عن أبيه، عن عامرِ بنِ ربيعة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فذكَره. قال الحميديُّ: وهذا منسوخٌ.
-
وذكر عبدُ الرزاق (٢) ، عن مَعْمَرٍ بإسنادِه مثلَه.
-
وروى أيوبُ (٣) ، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن عامرِ بنِ ربيعة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه.
-
وروَى يحيى بنُ أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا رأيتُم الجِنازةَ فقوموا، فمَن تَبِعَها فلا يَقعُدْ حتى تُوضَعَ" (٤) .
-
وروَى ربيعةُ بنُ سيف، عن أبي عبدِ الرحمن الحُبُليِّ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو بنِ العاص قال: سأل رجلٌ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ الله، تمرُّ بنا
vol. 15, p. 203جنازةُ الكافر، أفنقوم (١) لها؟ قال: "نعم، قوموا لها، فإنّكم إنما تقومونَ إعظامًا للذي يقبضُ النُّفوس" (٢) .
-
وروَى في القيام للجنائزِ أبو موسى (٣) ، وجابرٌ، ويزيدُ (٤) وزيدٌ ابنا ثابت، وقيسُ بنُ سَعْد، وسَهْلُ بنُ حُنَيف (٥) ، كلُّهم عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
- vol. 15, p. 204
روَى الأوزاعيُّ، [عن يحيى بن أبي كثير] (١) ، عن عُبيدِ الله بنِ مِقْسَم، قال: حدَّثني جابرُ بنُ عبدِ الله، قال: كنا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذ مرَّت جِنازةٌ فقام لها، فلمّا ذهَبت فإذا بها جِنازةُ يهوديٍّ، فقلنا: يا رسولَ الله، إنها جِنازةُ يهوديٍّ. فقال: "إن الموتَ فَزَعٌ، فإذا رأيتُم الجِنازةَ فقوموا" (٢) .
-
وروى الثوريُّ، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا شيّعتُم (٣) جِنازةً فلا تَجلِسوا حتى تُوضَعَ في الأرض" (٤) .
-
ورواه أبو مُعاوية، عن سُهيل بإسنادِه مثلَه، إلا أنه قال: "حتى تُوضَعَ في اللَّحد" (٥) .
-
ورواه زُهيرُ بنُ مُعاوية، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ (٦)
-
وقولُ الثوريِّ أشبَهُ وأولى إن شاء الله (٧) .
- vol. 15, p. 205
فهذه الآثار، وهي صِحاحٌ ثابتة، تُوجِبُ القيامَ للجِنازةِ على ما ذكَرنا، وقد جاءت آثارٌ ناسخةٌ لذلك.