يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله
1,255 paragraphs · vol. 15, p. 5
Page 6 of 32
- vol. 15, p. 95
وأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرنا هشامٌ، عن عِكْرِمة، عن ابنِ عبَّاس، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - احْتَجم وهو مُحرِمٌ في رأسِه من أذًى كان به.
-
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ سُليمانَ المروزيُّ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ عَمْرو الضَّبيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمرَ بنِ حفصِ بنِ عاصم، عن حُميد، عن أنس: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - احْتَجم وهو محرمٌ من داءٍ كان برأسِه (٤) .
قال أبو عُمر: لا خلافَ بينَ العلماءِ في أنّ للمُحرم أن يحتجِمَ إذا كان به أذًى ونزل به ضُرٌّ، إلا أنَّه إن حَلَق شيئًا من الشعَرِ في موضع المحاجِم فعلَيه فِدْيةٌ إذا حلَق شيئًا له بالٌ عندَ مالك، وإن حَلَق، عندَ مالك شعَرةً أو شعَرتين فلا شيءَ عليه، ويَستحبُّ له أن يُطعِمَ قبضةً من طعام (٥) .
وقال جماعة من أهل العلم: إنَّ حُكمَ شعَرِ البدَن غيرُ شعَرِ الرأسِ للمُحرم، وليس في شعَرِ البدنِ شيءٌ، وقد ذكَرنا اختلافَ العلماءِ في حكم حِلاقِ الشعرِ وما لهم في ذلك من المذاهب فيما تقدَّم من هذا الكتاب (٦) .
- vol. 15, p. 96
يحيى عن القاسم بنِ محمدٍ حديثٌ واحدٌ حديثٌ خامسَ عشرَ ليَحيى بنِ سعيدٍ
مالك (١) ، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بنِ محمد، عن صالح بنِ خَوّاتٍ الأنصاريِّ، أنَّ سَهْلَ بنَ أبي حَثْمةَ حدَّثه أنَّ صلاةَ الخوفِ أن يقومَ الإمامُ ومعه طائفةٌ من أصحابه، وطائفةٌ مواجهةٌ العدُوَّ، فيركَعُ الإمامُ ركعةً ويسجدُ بالذين معه ثم يقوم، فإذا استوَى قائمًا ثبَت وأتمُّوا لأنفُسِهم الرَّكْعةَ الباقية، ثم يسلِّمون وينصَرِفونَ والإمامُ قائمٌ، فيكونون وُجاهَ العَدوِّ، ثم يُقبلُ الآخَرونَ الذين لم يُصلُّوا، فيُكبِّرونَ وراءَ الإِمام، فيركَعُ بهم ويسجدُ، ثم يُسلِّمُ، فيَقومونَ فيركَعونَ لأنفُسهم الركعةَ الثانية، ثم يُسلِّمون.
-
هذا الحديثُ موقوفٌ على سَهْل في "الموطأ" عندَ جماعةِ الرواة عن مالك (٢) ، ومثلُه لا يقالُ من جهة الرأي.
-
وقد رُوِيَ مرفوعًا مُسندًا بهذا الإسنادِ عن القاسم بن محمد، عن صالحِ بنِ خَوّات، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم -؛ رواه عبدُ الرحمن بنُ القاسم، عن أبيه، وعبدُ الرحمن أسنُّ من يحيى بن سعيد وأجلُّ؛ رواه شُعبةُ عن عبدِ الرحمن كذلك (٣) .
- vol. 15, p. 97
وكان مالكٌ يقولُ في صلاةِ الخوفِ بحديثه عن يزيدَ بنِ رُومان (١) ، ثم رجَع إلى حديثه هذا عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، وإنما بينَهما انتظارُ الإِمام الطائفةَ الثانيةَ حتى تُتمَّ، فيُسلِّمَ بهم، هكذا في حديثِ يزيدَ بنِ رومان.
-
وفي حديث يحيى: أنَّه يسلِّمُ إذا صلَّى بهم الرَّكْعةَ الثانية، ثم يقومون فيركَعون لأنفُسهم.
-
وقد ذكَرنا هذه المسألةَ مجوَّدةً في باب يزيدَ بنِ رومانَ من هذا الكتاب، وذكَرنا اختلافَ الآثار واختلافَ فقهاءِ الأمصارِ في صلاةِ الخوفِ ممهَّدًا مبسوطًا مجوَّدًا (٢) في باب نافع من هذا الكتاب (٣) ، فلا وجهَ لإعادة ذلك هاهنا.
-
وأما حديثُ سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة هذا، فاختُلِف فيه على خمسة أوجه؛ منها:
الوجهان اللذان عندَ مالكٍ عن يزيدَ بنِ رومان، وعن يحيى بنِ سعيد، على ما ذكَرنا من اختلافِهما في انتظارِ الإِمام الطائفةَ الثانيةَ حتى تُتمَّ ركعتَها، ثم يسلَّمَ بها.
-
والوجه الثالث: هو أنَّ الإمامَ ينتظرُ الطائفةَ الأخرى قاعدًا، فإذا كبَّروا خلفَه قام وصلَّى بهم رَكْعةً وسجْدَتَين، ثم قعد حتَّى يقضُوا رَكْعة، ثم يسلِّمُ بهم. ففي هذا الوجهِ وهذه الروايةِ أنَّ الإمامَ ينتظرُ الطائفة الأخرى قاعدًا، واتَّفق حديثُ يزيدَ بنِ رومانَ ويحيى بنِ سعيدٍ هذا على أنَّ الإمامَ إنما ينتظرُهم قائمًا.
-
والوجه الرابع: أنَّ الإمامَ يَصُفُّ الطائفتين خلفَه صفَّين، فيُحرِمُ بهم، ثم يركَعُ ويسجدُ بالذين يلونَه، ثم يقومُ قائمًا حتى يصلِّي الصفُّ الذي خلفَهم رَكْعة،
vol. 15, p. 98ثم يتقدَّمون ويتأخَّرُ الذين كانوا قُدّامَهم فيصلِّي بهم ركعة، ثم يجلسُ حتى يصلِّي الذين تخلَّفوا رَكْعة، ثم يسلِّمُ بهم.
-
والوجه الخامس: أن يُصلِّي بكلِّ طائفةٍ رَكْعة، ثم يسلِّم، فتَقضيَ كلُّ واحدةٍ من الطائفتين رَكْعةً رَكْعةً بعدَ سلامِه، بمعنَى حديثِ ابن عُمر.
-
وهذه الثلاثةُ الأوجه في حديثِ سَهْل بن أبي حَثْمةَ اختلف فيها أصحابُ شُعبة، عن شُعبة، عن عبدِ الرحمن بنِ القاسم، عن أبيه، عن صالح، عن سَهْل، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم -، ولم يَختلفوا في هذا الإسناد، ولا في رَفْع الحديثِ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم -.
-
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا عبيدُ الله بنُ معاذ العَنْبريُّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عبدِ الرحمن بنِ القاسم، عن أبيه، عن صالحِ بنِ خوّات، عن سهْل بن أبي حَثْمة: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بأصحابه في خوف، فجعَلهم خلفَه صفَّين، فصلَّى بالذين يلُونَه رَكْعةً، ثم قام، فلم يزلْ قائمًا حتى صلَّى الذين خلفَه رَكْعةً، ثم تقدَّموا وتأخَّر الذين كانوا قُدَّامَهم، فصلَّى بهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رَكْعةً، ثم قعد حتَّى صلَّى الذين خلفَه رَكْعةً، ثم سلَّم.
-
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٤) : أخبرنا عَمْرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى، عن شُعبة،
vol. 15, p. 99عن عبدِ الرحمن بنِ القاسم، عن أبيه، عن صالح بنِ خَوّات، عن سَهْل بنِ أبي حَثْمة، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - صلَّى بهم صلاةَ الخوف، فصفَّ صفًّا خلفَه، وصفًّا مصافي العدو، فصلَّى بهم رَكْعة، ثم ذهبَ هؤلاء وجاءَ أولئك، فصلَّى بهم رَكْعةً، ثم قاموا فقضوا رَكْعةً رَكْعةً.
قال أبو عُمر: هذا موافقٌ لحديثِ نافع (١) وسالم (٢) عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - وقد اختُلِف على شُعبةَ كما ترى، ولم يُختلفْ على مالكٍ في حديثه هذا، وهو أصحُّ شيءٍ عندي في هذا الباب وأوْلى بالصواب إن شاء الله؛ لِمَا فيه من مطابقةِ ظاهرِ القرآنِ لاستفتاح الإِمام ببعضِهم، وذلك قوله عزَّ وجلَّ: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} ، ثم قال: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء: ١٠٢] .
-
وفي حديثِ مالكٍ هذا أنَّ الطائفةَ الثانيةَ لا تدخلُ في الصلاةِ إلا بعدَ انصرافِ الطائفةِ الأولى، بخلافِ روايةِ معاذٍ (٣) عن شُعبة (٤) ، وفي حديثِ مالكٍ أن الثانية لا تنصرفُ عن الإِمام وعليها شيءٌ من الصلاة، وهذا أشبهُ بظاهر القرآن أيضًا؛ لِما فيه من التسويةِ بين الطائفتين في استفتاحِه (٥) بالأولى وتسليمه بالثانية.
- vol. 15, p. 100
يحيى عن أبي بكرِ بنِ حَزْم، حديثٌ واحدٌ حديثٌ سادسَ عشرَ ليَحيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْم، عن عُمرَ بنِ عبدِ العزيز، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ الحارثِ بنِ هشام، عن أبي هُريرة، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - قال: "أيُّما رجُلٍ أفلَسَ فأدرَكَ الرَّجُلُ مالَهُ بعَيْنِه، فهو أحقُّ به من غيرِه" .
-
هذا حديثٌ متفقٌ على صحّةِ إسنادِه، وقد مضى القولُ في معناه مُجوَّدًا ممهَّدًا في بابِ ابنِ شهاب، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرّحمن، من هذا الكتاب (٢) .
- vol. 15, p. 101
يحيى عن أبي الحُبابِ حديثان حديثٌ سابعَ عشرَ ليَحيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بن سعيد، قال سمِعتُ أبا الحُباب سعيدَ بنَ يسارٍ يقول: سمِعتُ أبا هُريرةَ يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -: "أُمرتُ بقريةٍ تأكلُ القُرى، يقولون: يثْرِبُ، وهي المدينة، تُنفي الناسَ كما يَنفي الكيرُ خَبَثَ الحديد" .
-
هكذا هذا الحديثُ في "الموطأ" عندَ جماعةِ الرواة (٢) . ورواه إسحاقُ بنُ عيسى الطبّاع، عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيب، عن أبي هُريرة. وهو خطأ، والصواب فيه: مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ يسار أبي الحُباب، كما في "الموطأ" ، واللهُ أعلم.
-
وأبو الحُباب هذا سعيدُ بنُ يسارٍ (٣) مولى الحَسَنِ بنِ عليّ، وقيل: مولى شُمَيسةَ؛ امرأةٍ نصرانيّةٍ أسلمت بالمدينة على يدي الحَسَنِ بنِ عليّ. وقيل: أبو الحُباب سعيدُ بنُ يسارٍ مولى شُقْرانَ مولى النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم -.
-
وكان أبو الحُباب أحدَ الثقاتِ من التابعين بالمدينة، وبها توفِّي سنةَ سبعَ عشرةَ ومئة.
- vol. 15, p. 102
وأما قوله: "تأكُلُ القُرَى" فرُوِيَ عن مالك أنَّه قال: معناه: تفتَح القُرَى، وتُفتتَحُ منها القُرَى؛ لأنَّ من المدينةِ افتُتِحَتِ المدائنُ كلُّها بالإسلام.
-
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على كراهيةِ تسميةِ المدينةِ بيثربَ على ما كانت تُسمَّى في الجاهلية، وأما القرآنُ فنزَل بذِكْر يَثْربَ على ما كانوا يعرِفون في جاهليَّتهم، ولعلَّ تسميةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - إيّاها بطَيْبةَ كان بعدَ ذلك، وهو الأغلبُ في ذلك.
-
وأما قوله: "تَنفي الناس" فإنه أراد شِرارَ الناس، ألا ترى أنَّه مَثَّلَ ذلك وشَبَّههُ بما يصنَعُ الكِيْرُ في الحديد، والكِيْرُ إنما ينفي رديءَ الحديدِ وخبَثَه، ولا يَنْفي جيِّده. وهذا عندي، واللهُ أعلم، إنما كان في حياةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -، فحينئذٍ لم يكنْ يخرجُ من المدينةِ رغبةً عن جوارِه فيها إلّا من لا خيرَ فيه، وأما بعدَ وفاتِه فقد خرَج منها الخيارُ الفُضلاءُ الأبرار.
-
وأما الكِيْرُ: فهو موضعُ نارِ الحدّادِ والصائغ، وليس الجِلْدَ الذي تُسمِّيه العامةُ كيرًا. هكذا قال أهلُ العلم باللُّغة، ومن هذا حديثُ أبي أُمامة وأبي رَيْحانة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: "الحُمَّى كيرٌ من جهنَّم، وهي نصيبُ المؤمنِ من النار" (١) .
-
حدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ مَعْبَد، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: حدَّثنا أبو غسّانَ محمدُ بنُ مُطرِّف، عن أبي الحُصَين، عن أبي صالح الأشْعَريِّ، عن أبي أُمامة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - قال: "الحُمّى كِيْرٌ من جهنّمَ، فما أصابَ المؤمنَ منها كان حظَّهُ من النار" (٢) ، والله أعلم.
- vol. 15, p. 103
حديثٌ ثامِنَ عشرَ ليَحيى بنِ سَعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن أبي الحُباب سعيدِ بنِ يَسار، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - قال: "مَن تصَدَّق بصدَقة من كسْبٍ طيِّب، ولا يَقبلُ اللهُ إلّا الطيِّب، كان إنما يَضَعُها في كفِّ الرَّحمن، يُربِّيها كما يُربِّي أحدُكُم فلُوَّه (٢) أو فَصِيلَه حتى يكونَ مثلَ الجبَل" .
-
هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ عن مالك في "الموطأ" مُرْسلًا، وتابعَه أكثرُ الرُّواة عن مالكٍ على ذلك، وممّن تابعَه: ابنُ القاسم، وابنُ وَهْب (٣) ، ومُطرِّف، وأبو المُصعَب (٤) ، وجماعة.
-
ورواه مَعْنُ بنُ عيسى، ويحيى بنُ عبدِ الله بنِ بُكَير، عن مالك، عن يحيى، عن أبي الحُباب، عن أبي هُريرة، مسندًا.
-
حدَّثناه عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الخَضِر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٥) : حدَّثنا عليُّ بنُ شُعيب، قال: حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى، عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن أبي الحُباب سعيدِ بنِ يَسار، عن أبي هُريرة، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - قال: "مَن تصدَّق بصدقة" . وذكَر الحديثَ.
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عُمرَ ويحيى بنُ أيوب، قالا: حدَّثنا ابنُ بكير، عن مالك. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان،
vol. 15, p. 104قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطرِّفُ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا ابنُ بكير، عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن أبي الحُباب سعيدِ بنِ يَسار، عن أبي هُريرة، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - قال: "مَن تصَدَّق بصدقةٍ من كسبٍ طيِّب، ولا يَقبلُ اللهُ إلا طيِّبًا، كان كأنما يَضَعُها في كفِّ الرَّحمن، فيربِّيها له كما يُربِّي أحدُكم فَصيلَه أو فَلُوَّه حتى يكونَ مثلَ الجبل" (١) .
قال أبو عُمر: "موطأُ ابنِ بكير" عندَنا بهذين الإسنادين، قرأتُه على أبي عُمرَ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ أحمد، وعلى أبي القاسم عبدِ الوارثِ بنِ سُفيان، رحِمهما الله، بالإسنادين المذكورين.
-
وأخبرناه أيضًا أبو القاسم خَلَفُ بنُ قاسمٌ رحِمه الله، قال: أخبرنا أبو محمدٍ الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ المؤدِّب، قال: حدَّثنا ابنُ بكير.
-
وهذا الحديثُ رواه سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ المَقبُريُّ، عن أبي الحُباب، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - (٢) .
-
ورُوِيَ عن أبي هُريرة، من وجوه (٣) . وروَته طائفةٌ من الصحابة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وهو حديثٌ صحيحٌ مجتمعٌ على صحَّتِه.
- vol. 15, p. 105
وفيه أن الله عزَّ وجلَّ إنما يقبلُ من الصّدقات ما طاب كَسْبُه، وأُريدَ به وجهُه، والكسبُ (١) الطيِّبُ: هو الحلالُ المحْضُ أو المتشابه؛ فإن المتشابه عندَنا في حيِّز (٢) الحلال، بدلائلَ قد ذكَرناها في غير هذا الكتاب، وللعلماءِ في المُتشابه أقاويل، أشبَهُها عندَنا من جهةِ النَّظَر ما ذكَرنا، وبالله توفيقنا.
-
ومعنى هذا الحديث يعضُدُه قولُ الله عزَّ وجلَّ: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: ٢٧٦] .
-
قيل لبعض العلماء: إن الله قال: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} . وإنّا نرى أصحابَ الرِّبا تَنمي أموالهم! فقال: إنما يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا حيث يُرْبي الصدقاتِ ويُضَعِّفُها، وذلك في القيامةِ إذا نظَر العبدُ إلى أعمالِه (٣) ، فرآها مَمْحوقةً أو مُضاعَفة. أو (٤) كما قال.
-
روَى وَكيعٌ، عن عبّادِ بنِ منصور، عن القاسم بنِ محمد، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنّ العبدَ إذا تَصَدَّق بصَدَقةٍ وضعَتْ في كفِّ الرّحمن قبلَ أن تقعَ في كَفِّ السائل" . قال: "فيُربِّيها كما يُربِّي أحدُكم فَصيلَه أو فَلُوَّه، حتى أن اللُّقمةَ لتَصيرُ مثلَ أُحُد" . ثم قرأ: " {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} " (٥) .
-
وفي قولِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اتَّقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ" (٦) ، دليلٌ على عظيم فَضْل الصَّدَقة.