يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله
1,255 paragraphs · vol. 15, p. 5
Page 7 of 32
- vol. 15, p. 106
ورُويَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: "ما أحْسَن عبدٌ الصدقةَ إلا أحْسَن اللهُ الخلافةَ على بَنيه، وكان في ظلِّ الله يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه، وحُفِظ في يوم صدقتِه من كلِّ عاهةٍ وآفةٍ" (١) .
-
وفي فضل الصدقاتِ آثارٌ كثيرة، ومَن طلَب العلمَ للعمل، وأراد به الله، فالقليلُ يكْفيه إن شاء الله.
-
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الطاهر محمدُ بنُ أحمدَ بنِ بُجَير القاضي، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِرْيابي، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا الحكمُ بنُ يَعْلى، قال: حدَّثنا عَمْرُو بنُ الحارث، عن يزيدَ بنِ أبي حَبيب، عن أبي الخَيْر، عن عُقبةَ بنِ عامر، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ الصَّدقةَ لتُطفئُ عن أهلِها حرَّ القبور" (٢) .
- vol. 15, p. 107
أخبرنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ الأعناقيُّ، قال: حدَّثنا أبو البِشْرِ عبدُ الرحمن بنُ الجارود، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني حَرملةُ بنُ عِمْران، عن ابنِ أبي حبيب، عن أبي الخَيْر، قال: سمِعتُ عُقبةَ بنَ عامر يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -: "كلُّ امرئ في ظلِّ صدقتِه حتى يُفصَلَ بينَ الناس" . أو قال: "يُحكَمَ بينَ الناس" . قال يزيد: وكان أبو الخير لا يُخطِئُه يومٌ إلا تصَدَّق فيه بكعكةٍ أو بصلةٍ أو شيء (١) .
-
وحدَّثنا خَلَفٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف، قال: حدَّثنا سعيد بن عثمان، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حسّان، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ زيد بن أسْلَم، عن أبيه، عن عليِّ بنِ حُسينٍ قال: دعوةُ المُتصدَّقِ عليه للمُتصَدِّق لا تُرَدُّ.
- vol. 15, p. 108
يحيى عن بُشيرِ بنِ يسارٍ أربعةُ أحاديث حديثٌ تاسع عشرَ ليَحيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بن سعيد، عن بُشيرِ بنِ يسارٍ مولى بني حارثة، عن سُويدِ بنِ النُّعمان، أنَّه أخبَره أنَّه خرجَ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - عامَ خيبرَ حتى إذا كانوا بالصَّهباء - وهي من أدنى خَيْبر - نزلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلَّم - فصلَّى العصرَ، ثم دعا بالأزواد، فلم يُؤتَ إلّا بالسَّويق، فأمَر به فثُرِّيَ، فأكَل رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - وأكَلْنا، ثم قام إلى المغرب، فمَضْمَض ومَضمَضْنا، ثم صلَّى ولم يتوضَّأْ.
-
وبُشيرُ بنُ يسارٍ هذا: هو بُشيرُ بنُ أبي كَيْسانَ (٢) مولى بني حارثةَ من الأنصار، مَدَنيٌّ تابعيٌّ ثقةٌ.
-
وهذا حديثٌ صحيحٌ إسنادُه ثابتٌ (٣) ، أدخَله مالكٌ في باب تَرْكِ الوضوءِ مما مسَّتِ النار، وهذا يدُلُّك على أن السَّويقَ من الطعام الذي قد مسَّتْهُ النار، وأنه لا وُضوءَ فيه، وقد أوضَحنا هذا المعنى وجوَّدناه من جهةِ الأثرِ والنظر، ومهَّدناه وبسَطناه، وجلَبنا فيه الاختلافَ ووُجوهَ الاعتلالِ في باب زيدِ بنِ أسلمَ من هذا الكتاب (٤) ، والحمدُ لله.
-
وأما قوله: "فثُرِّيَ" ؛ يعني: بُلَّ بالماء، ومنه قيل للتراب النَّديِّ: الثَّرَى.
- vol. 15, p. 109
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أن الصالحين والفُضلاءَ لا يستَغنون عن الزادِ في سفرِهم، وهو يُبطلُ مذهبَ الصُّوفيةِ الذين لا يدَّخِرونَ لغد.
-
وفيه دليلٌ على أن جمعَ الأزوادِ واجتماعَ الأيدي عليها أعظمُ بركة، ولذلك قال بعضُ العلماء: جمعُ الأزوادِ في السفر سُنّة.
-
وقد أجاز لنا أبو ذرٍّ عبدُ بنُ أحمدَ الهَرويُّ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ عبْدانَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ محمدِ بنِ صاعد، قال: حدَّثنا أبو هشام الرِّفاعيُّ محمدُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غِياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، قال: شكَوْنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجوعَ، فقال: "اجْمَعُوا أزوادَكُم" . قال: فجعَل الرجلُ يجيءُ بالحَفْنةِ من التَّمْرِ والحَفْنةِ من السَّويق، وطرَحُوا الأنطاعَ - أو قال: الأَكْسِيَة - فوضَع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يدَه عليها، ثم قال: "كُلُوا" . فأكَلنا وشبِعْنا، وأخَذْنا في مَزاودِنا، ثم قال: "أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وأنّي رسولُ الله، مَن قالها غيرَ شاكٍّ فقد دخَل الجنة" (١) .
-
وقد استدَلّ بعضُ الفقهاءِ بهذا الحديث؛ لما فيه من أمرِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإخراج أزوادِهم للمُساواةِ فيها، على أنه جائزٌ للإمام عندَ قلةِ الطعام وارتفاع السِّعرِ وغلاءِ الأقواتِ أن يأمُرَ مَن عندَه طعامٌ فوقَ قُوتِه فيخراجِه للبيع، ويُجبرَه على ذلك؛ لما فيه من تَرميقِ مُهجِ الناسِ وإحيائِهم والإبقاءِ عليهم.
-
وقد رَوينا من طريقٍ مُنقطع عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مِن السُّنّةِ أن يُخرِجَ
vol. 15, p. 110القومُ إذا خرَجوا في سفَرٍ نفقتَهم جميعًا؟ فإن ذلك أطيبُ لأنفُسِهم وأحسنُ لأخلاقِهم" (١) .
-
وروينا عن ابنِ عُمرَ من وجوهٍ أنه قال: مِن كرَم الرجلِ طيبُ زادِه في سفرِه (٢) .
-
وروينا أن محمدَ بنَ إسحاقَ لمّا أراد الخروجَ إلى العراق، قال له رجلٌ من أصحابه: إني أحسَبُ السُّفرةَ عندَك خَسيسةً يا أبا عبدِ الله. وكان ابنُ إسحاقَ ذلك الوقتَ قد رقَّت حالتُه، فقال: إن كانت السفرةُ خَسيسةً، فما أخلاقُنا بخَسيسة، ولرُبَّما قصَّر الدّهرُ باعَ الكريم.
-
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيلَ الضَّرَّابُ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ جعفرٍ الفِريابيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله الأقطعُ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سُويدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا أبو فِراسٍ عبدُ الرَّحيم بنُ عُبيد، قال: سمِعتُ ربيعةَ بنَ أبي عبدِ الرحمن يقول: للسَّفر مُروءةٌ، وللحَضَرِ مُروءةٌ، فأما المُروءةُ في السفر: فبذْلُ الزاد، وقلّةُ الخلاف على الأصحاب، وكثرةُ المزاح في غير مَساخطِ الله، وأمّا المُروءةُ في الحضَر: فالإدمانُ إلى المساجد، وتلاوةُ القرآن، وكثرةُ الإخوانِ في الله عزَّ وجلَّ (٣) .
- vol. 15, p. 111
وأتى رَجُلان إلى ابنِ عَوْنٍ يُودِّعانه ويسألانه أن يُوصِيَهما، فقال لهما: عليكما بكَظْم الغَيْظ، وبَذْلِ الزاد. فرأى أحدُهما في المنام أن ابنَ عونٍ أهدَى إليهما حُلَّتين.
- ولبعض بني أسَد، وقيل: إنها لحاتم الطائيّ:
-
إذا ما رَفيقي لم يكن خلفَ ناقتي ... له مُركبٌ فضلًا فلا حمَلَت رحلي (١)
ولم يكُ مِن زادي له شَطرُ مِزودِي ... فلا كنتُ ذا زادٍ ولا كنتُ ذا فَضلِ
شريكانِ فيما نحنُ فيه وقد أرَى ... عليَّ له فضلًا بما نالَ مِن فضلي (٢)
وقال آخر:
وإني لأستحيِي رفيقيَ أن يَرى ... مكانَ يدي من جانبِ الزادِ أقرَعا
أبِيتُ هضيمَ (٣) الكَشحِ مُضْطَمِرَ (٤) الحشا ... من الجُوعِ أخشَى الذَّمَّ أن أتضلَّعا
وإنَّك إن أعطيتَ بطنَك سُؤلَه ... وفَرجَك نالا مُنتَهى الذمِّ أجمَعا (٥)
- vol. 15, p. 112
حديث مُوفى عشرينَ ليَحيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يَسار، أنَّ أبا بُرْدةَ بنَ نِيارٍ ذبحَ أُضْحِيَّته قبل أن يَذبحَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومَ الأضحَى، فزعَم أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمَره أن يعودَ لضحيةٍ أخرى، فقال أبو بُرْدة: لا أجِدُ إلا جَذَعًا. قال: "وإن لم تَجدْ إلا جذَعًا (٢) فاذْبَحْ" .
-
أبو بُرْدةَ بنُ نِيارٍ اسمُه هانئ بنُ نِيار، وقد ذكَرْناه في كتاب "الصحابة" (٣) بما يُغني عن ذكرِه هاهنا، ويقال: إن بُشَيرَ بنَ يَسار لم يَسْمَعْ من أبي بُرْدة.
-
وقد رواه مَعْنُ بنُ عيسى، عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يَسار، عن أبي بُرْدةَ بنِ نِيار، أنه ذبَح قبلَ أن يَذبَحَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فذكَر الحديث. هكذا ذكَره إسماعيلُ بنُ إسحاق (٤) ، عن عليِّ بنِ المَدينيِّ عن مَعْن.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّد، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن يحيى (٥) ، عن بُشَيرِ بنِ يَسار، عن أبي بُرْدةَ بنِ نِيار، أنه ذبَح. فذكَر الحديثَ مثلَه (٦) .
- vol. 15, p. 113
وقصةُ أبي بُرْدة هذه محفوظةٌ من حديثِ البراءِ بنِ عازب:
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّد، قال: حدَّثنا أبو الأحوص، قال: حدَّثنا المنصورُ بنُ المُعتَمِر، عن الشعبيِّ، عن البراءِ بنِ عازب، قال: خطَبَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومَ النَّحرِ بعدَ الصلاة فقال: "مَن صلَّى صلاتَنا ونسَك نُسُكَنا فقد أصاب النُّسُكَ، ومن نسَك قبلَ الصلاةِ فتلك شاةُ لحم" . فقام أبو بُرْدةَ بنُ نِيارٍ فقال: واللّه يا رسولَ الله، لقد نسَكْتُ قبلَ أن أخرُجَ إلى الصلاة، وعرَفْتُ أن اليومَ يومُ أكْلٍ وشُرْب، فعَجِلْتُ وأكَلْتُ، ثم أطعَمْتُ أهلي وجيراني. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تلك شاةُ لَحْم" . قال: فإنّ عندي عَناقًا جَذَعةً هي خيرٌ من شاتَيْ لحم، فهل تجزِئُ عنِّي؟ قال: "نعم، ولن تُجزئَ عن أحدٍ بعدَك" (١) .
-
ورواه داودُ بنُ أبي هِنْد (٢) ، ومُطَرِّفُ بنُ طَريف (٣) ، وعاصمٌ (٤) الأحولُ (٥) ،
vol. 15, p. 114وسَيّار (١) ، عن الشعبيِّ، عن البراءِ مثلَه بمعناه. ومَن رواه عن الشعبيِّ، عن جابرٍ فقد أخطأ.
-
وفي حديثِ مالكٍ من الفقه: أن الذّبْحَ لا يجوزُ قبلَ ذبْح الإمام؛ لأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمَر الذي ذبَح قبلَ أن يَذبحَ بالإعادة، وقد أمرَنا الله بالتأسِّي به (٢) ، وحذَّرَنا من مُخالفَةِ أمرِه، ولم يُخبرْنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك خصوصٌ له، فالواجبُ في ذلك استعمالُ عُمومِه، وقد أجمع العلماءُ على أن الأضحى مُؤقَّتٌ بوَقْتٍ لا يتقدَّمُ، إلا أنهم اختلَفوا في تعيينِ ذلك الوقتِ على ما نُورِدُه عنهم في هذا الباب، إن شاء الله.
-
وأجمَعوا على أن الذبحَ لأهل الحَضر لا يجوزُ قبلَ الصلاة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومَن ذبَح قبلَ الصَّلاةِ فتلك شاةُ لحم" .
-
وأما الذَّبحُ بعدَ الصَّلاةِ وقبلَ ذبح الإمام، فموضعٌ اختلَف فيه العلماءُ لاختلافِ الآثارِ في ذلك؛ فذهبَ مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابهما، والأوزاعيُّ (٣) : إلى أنه لا يجوزُ لأحدٍ أن يَذبحَ أضحيتَه قبلَ ذبح الإمام، وحجَّتُهم حديثُ مالكٍ هذا، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يَسار، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمَر أبا بُرْدة بنَ نِيارٍ لما ذبَح ضَحِيّته قبلَ ذبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُعيدَ بضَحيّة أخرى.
-
وروَى ابنُ جُرَيج، عن أبي الزبير، عن جابر، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - (٤) صلَّى يومَ النحر بالمدينة، فتقدَّم رجالٌ فنحَروا، وظنُّوا أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نحَر، فأمَر
vol. 15, p. 115مَن كان نحَر قبلَه أن يُعيدَ بذبح آخرَ، ولا يَنحرَ حتى يَنحرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. ذكرَه سُنَيدٌ، عن حجّاج، عن ابن جُرَيج (١) .
-
ففي هذين الحديثين أن النحرَ لا يجوزُ قبلَ نحرِ الإمام.
وقال مَعْمَر، عن الحَسَن في قول الله عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: ١] . نزلَت في قوم ذبَحوا قبلَ أن يَنحرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، أو قبلَ أن يُصلِّي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فأمرَهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُعيدوا (٢) .
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ، والليثُ بنُ سَعْد (٣) : لا يجوزُ ذبحُ الأضحيةِ قبلَ الصَّلاة، ويجوزُ بعدَ الصَّلاةِ قبلَ أن يَذبحَ الإمام، وحجَّتُهم حديثُ الشَّعبيِّ، عن البَرَاء، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن نَسَكَ قبلَ الصَّلاةِ فإنما هي شاةُ لحم" . وقد ذكَرْنا هذا الحديثَ فيما تقدَّم من هذا الباب.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زياد أبو جعفرٍ البَزّازُ ببغداد، قال: حدَّثنا زكريا بنُ عَديٍّ، قال: حدَّثنا حفصٌ، عن داودَ وعاصم، عن الشعبيِّ، عن البَرَاءِ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خُطبتِه يومَ النحر: "مَن ذبَح قبلَ الصَّلاةِ فلْيُعِدْ" (٤) .
- vol. 15, p. 116
وحدَّثنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو. وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ وعُبيدُ بنُ محمد، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرور، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مِسكين، قالا: حدَّثنا ابنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عبدِ الملك، قال: حدَّثنا شُعبة، عن زُبَيد، عن الشعبيِّ، عن البراءِ بنِ عازب، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أولُ ما نبدأُ به في يومِنا هذا أنْ نُصلِّي ثم نَنْحَر، فمَن فعَل ذلك فقد أصاب سنَّتَنا، ومَن تعجَّل فإنما هو لحمٌ قدَّمه لأهلِه" . وكان أبو بُردةَ بنُ نِيارٍ ذبَح قبلَ الصلاةِ فقال: يا رسولَ الله، إنَّ عندي جذَعةً خيرًا من مُسِنّة. فقال: "اجعَلْها مكانَه، ولنْ تُجزئَ أو تُوفيَ عن أحدٍ بعدَك" (١) .
-
وذكر الطَّحاويُّ (٢) حديثَ ابنِ جُرَيج عن أبي الزبير، عن جابر، المذكورَ في هذا الباب، وقال: لا حجةَ فيه؛ لأنه قد خالَفه حَمّادُ بنُ سَلَمة، فرواه عن أبي الزبير، عن جابر، أنَّ رجلًا ذبحَ قبل أنْ يُصلِّي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَتُودًا جَذَعًا، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُجزئُ عن أحدٍ بعدَك" . ونهى أن يَذبَحُوا قبلَ أنْ يُصلِّي. فجعَل ذبحَ أبي بُردةَ كان قبلَ الصلاةِ لا قبلَ ذبح الإمام بعدَ الصلاةِ محما قال ابنُ جُرَيج.
-
ومن حجَّتِهم أيضًا ما حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن أيوب، عن محمدِ بنِ سيرين، عن أنس بنِ مالك - وقفَه مرةً ورفعَه أخرى - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى ثم خطَب فقال: "مَن ذبَح قبلَ الصلاةِ أعاد ذبْحًا" . فقام رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسولَ الله، إنَّ جيراني؟ إمّا قال: بهم حاجةٌ. أو قال: فاقةٌ، فذبَحتُ قبلَ الصلاة، وعندي
vol. 15, p. 117عَناقُ لَبَنٍ لهي أحبُّ إليَّ من شاتي لحم. قال: فرخَّص له. فإن كانت رخصتُه عدَت ذلك الرجل، فلا علمَ لي، ثم انكَفأ إلى كَبْشَيْن أمْلَحَيْن فذبَحهما، وتفرَّق الناسُ إلى غُنيمةٍ فتجزَّعوها (١) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارث (٢) ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحسنِ الحربيُّ، قال: حدَّثنا موسى بنُ داود، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثوريُّ، عن الأسودِ بنِ قيس، عن جُنْدُب، قال: خرجْنا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يومَ أضْحى، فرأى قومًا قد ذبَحوا، وقومًا لم يَذبَحوا، فقال: "مَن كان ذبَح قبلَ صلاتِنا فلْيُعِدْ، ومَن لم يَذبحْ فليَذبَحْ باسم الله" (٣) .
-
وذكره الشافعيُّ (٤) ، قال: أخبرنا سُفيانُ بنُ عُيينة، قال: حدَّثنا الأسودُ بنُ قيس، قال: سمِعتُ جندُبَ بنَ عبدِ الله البَجَليَّ، قال شهِدتُ العيدَ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وإنَّ ناسًا ذبَحُوا قبلَ الصلاة فقال: "مَن كان منكم ذبَح قبلَ الصلاةِ فليُعِدْ ذَبيحتَه، ومَن لم يكنْ ذَبَحَ فليذْبَحْ على اسم الله" .
قالوا: فهذه الآثارُ كلُّها تدلُّ على اعتبارِ الصلاةِ ومُراعاتها دونَ ما سواها.
-
وأما قوله في حديث مالك: "لا أجِدُ إلا جَذَعًا" فإنَّ الجَذَعَ الذي أراد أبو بُرْدةَ كان عَناقًا أو عَتُودًا، وقد بان ذلك في الأحاديثِ التي ذكَرنا من غير
vol. 15, p. 118روايةِ مالك، وهو أمرٌ مجتمعٌ عليه عندَ أهل العلم؛ أنَّ الجذَعَ المذكورَ في حديثِ أبي بُرْدةَ هذا كان عَناقًا أو عَتُودًا على ما جاء في حديثِ البراء، وحديثِ جابر، وأنسِ بنِ مالك، والعَناقُ والعَتُودُ والجَفْرةُ لا تكونُ إلا من ولدِ المعْزِ خاصّة، ولا تكونُ من ولدِ الضّأن؛ وهذا ما لا خلافَ فيه بينَ أهل اللغة، وفيها قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بُرْدة: "لا تُجزئُ عن أحدٍ بعدَك" . وهو أمرٌ مجتمعٌ عليه عندَ العلماءِ أنَّ الجَذَعَ من المعزِ لا تُجزئُ اليومَ عن أحد؛ لأنَّ أبا بُرْدةَ خُصَّ بذلك.
قال أهل اللغة: الجَفْرُ والجَفْرَةُ والعَريضُ والعَتُودُ، هذه كلُّها لا يكونَ إلا في أولادِ المعزِ خاصّة، وهي كلُّها أسماءٌ تقعَ على الجَدْي، والجَدْيُ الذكَرُ، والأنثى عَناقٌ من أولادِ المعزِ خاصة، والجَفْرَةُ منها: ما كان يَرْضَعُ ويَنالُ من الكَلأ فيَجتمعُ فيه الرَّعيُ واللبَن.
-
واختُلِف في سنِّ الجَذَع من الضَّأْن؛ فقيل: ابنُ سَبعةِ أشهرٍ أو ثمانية. وقيل: ابنُ عشرة. وقيل: ما بينَ الستةِ أشهرٍ إلى العشرةِ أشهر. وقيل: ما بينَ ثمانيةِ أشهرٍ إلى سنة. وأولُ سنٍّ تقعُ من البهائم فهو جَذَعٌ، والسنُّ الثانيةُ إذا وقَعتْ فهو ثنيٌّ، والسنُّ الثالثةُ إذا وقَعتْ فهو رَباعٌ، فإذا استوَتْ أسنانُه فهو قارحٌ من ذواتِ الحافر، ومن الإبل بازِلٌ، ومن الغنم ضالعٌ.
قالوا: وأمّا أولادُ الضأن فهي الخَروفُ، والبَذَجُ (١) ، والحَمَلُ، ويقال: رَخِلٌ. فإذا أتى عليه الحولُ، فالذكرُ كبشٌ، والأنثى نعجةٌ وضائنةٌ، وإذا أتى على ولدِ المعزِ الحوْلُ، فالذَّكَرُ تيسٌ، والأنثى عَنزٌ، والسَّخْلَةُ والبَهْمَةُ يقالُ في أولادِهما جميعًا.
- vol. 15, p. 119
أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مسعودٍ الزَّنْبريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ (١) الحكم. وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله (٢) بنِ محمد، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ الحُسينيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سلامةَ الطَّحاويُّ، قاله (٣) : حدَّثنا إسماعيلُ بنُ يحيى المُزَنيُّ (٤) ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ، قال: أخبرَنا عبدُ الوهابِ بنُ عبدِ المجيد، عن داودَ بنِ أبي هند، عن عامرٍ الشعبيِّ، عن البراءِ بنِ عازب، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام يومَ النحرِ خطيبًا، فحمِد اللهَ وأثنَى عليه، ثم قال: "لا يَذْبَحَنَّ أحدٌ حتى نُصَلِّي" . قال: فقام خالي فقال: يا رسولَ الله، هذا يومٌ اللحمُ فيه مَعْدُومٌ (٥) ، وإني ذبَحتُ نسيكَتي فأطعَمتُ أهلي وجيراني. فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "متى فعَلتَ؟ " . قال: قبلَ الصلاة. قال: "فأعِدْ ذبحًا آخرَ" . فقال: عندي عَناقُ لبنٍ هي خيرٌ من شاتَي لحم. فقال: "هي خيرُ نَسيكَتَيْك، ولن تُجزئَ جَذَعَةٌ عن أحدٍ بعدَك" . قال عبد الوهاب: أظُنُّ أنها ماعزٌ. قال الشافعيُّ: هي ماعزةٌ، كما قال عبدُ الوهّاب، إنما يُقالُ للضّائنة: رَخِلٌ.
vol. 15, p. 120قال الشافعيُّ: وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: "هي خيرُ نَسيكَتَيْك" . لأَنَّكَ ذَبحتَهما تَنوي نسيكَتَيْن، فلمّا ذبَحتَ الأولى قبلَ وقتِ الذبح، كانت الأخرى هي النَّسيكة، والأول غيرَ نسيكة، وإن نويتَ بها النسيكة.