يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله

1,255 paragraphs · vol. 15, p. 5

Page 8 of 32

  1. وقوله: "لن تُجزئَ عن أحدٍ بعدَك" . أنها له خاصة. وقوله: عناقُ لبن. يعني عَناقًا تُقتَنَى للَّبن.

    vol. 15, p. 120
  2. وأخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى قال: قال أخبرنا أحمدُ بنُ بهزادَ بنِ مِهْرانَ السِّيرافيُّ، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ في كتاب "البُوَيطيِّ" عن الشافعيِّ، قال: قال الشافعيُّ: ولا يَذبَحُ أحدٌ حتى يَذبحَ الإمام، إلا أنْ يكونَ ممّن لا يَذبحُ؛ فإذا صلَّى وفرَغ من الخطبة، حلَّ الذَّبْحُ. قال: وينبغي للإمام أن يُحضِرَ ضحيَّتَه المصلَّى فيَذبحَ حينَ يَفرُغُ من الخُطبة، فإنْ لم يَفعَلْ، فليَتوَخَّ الناسُ قَدْرَ انصرافِه وذبحِه، ومَن ذبَح قبلَ الإمام فلا ضحيةَ له، وأُحِبُّ له أن يُضَحِّي بغيرِها، فإنْ لم يَفعَلْ فلا شيءَ عليه ولا ضحيةَ له.

    قال أبو عُمر: ومثلُ قول الشافعيِّ في هذا كلِّه قولُ مالك (١) .

    وقال أحمدُ بنُ حنبل: إذا انصرَف الإمامُ فاذْبَح. وهو قولُ إبراهيمَ.

    وقال إسحاقُ: إذا فرَغ الإمامُ من الخُطبةِ فاذْبَحْ (٢) . واعتبرَ الطبريُّ قَدْرَ مُضيِّ وقتِ صلاةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وخُطبتِه بعدَ ارتفاع الشمس. وحكَى المزنيُّ (٣) نحوَه عن الشافعيِّ.

    vol. 15, p. 121قال أبو عُمر: لا أعلمُ خلافًا بينَ العلماءِ أنَّ مَن ذبَح قبلَ الصلاةِ وكان من أهل المصرِ أنه غيرُ مُضَحٍّ، وكذلك لا أعلمُ خلافًا أنَّ الجَذَعَ من المَعْزِ ومن كلِّ شيءٍ يُضَحَّى به - غيرَ الضأن - لا يجوزُ، وإنما يَجوزُ من ذلكَ كلِّه الثَّنيُّ فصاعِدًا؛ ويجوزُ الجَذَعُ من الضأنِ بالسُّنَّة المسنُونة.

  3. والذي يُضَحَّى به بإجماع من المسلمينَ الأزواجُ الثمانية، وهو: الضأنُ، والمعْزُ، والإبلُ، والبقرُ، وقد اختلف الفقهاءُ في الأفضل من ذلك، وقد ذكَرْنا ذلكَ في باب سُمَيٍّ (١) من هذا الكتاب.

  4. وأما حديثُ عاصم بنِ كُليب، عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنَّ الجَذَعَ يُوفي مما يُوفي منه الثَّنيُّ" (٢) . فهذا إنَّما هو في الضأن، بدليل حديثِ البراءِ وغيرِه في قصةِ أبي بُرْدةَ بنِ نِيار، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له في العَناقِ وهي من المَعْز: "إنّها لنْ تُجزئَ عن أحدٍ بعدَك" . وأمّا الأُضحيةُ بالجَذَع من الضأنِ فمُجتمَعٌ عليها عندَ جماعةِ الفقهاء.

  5. وأخبرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١) ، قال: حدَّثنا سُحْنون، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني عَمْرُو بن الحارث، أنَّ بُكيرَ بنَ الأشجِّ حدَّثه، أنَّ معاذَ بنَ خُبَيبٍ حدَّثه عن عقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنيِّ، قال: ضحَّينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجَذَع من الضأن (٢) .

    vol. 15, p. 122
  6. وأما قوله في حديث مالك: "فأمرَه أنْ يعيدَ بضحيةٍ أُخرى" فبهذا احتجَّ مَن ذهَب إلى أنَّ الضحيةَ واجبةٌ فَرْضًا؛ لأنَّ ما لم يكُنْ واجبًا فرضًا لم يُؤمَرْ فيه بالإعادة، وهذا موضعٌ اختلَف العلماءُ فيه:

    فقال أبو حنيفة: الضحيةُ واجبةٌ. وقال أبو يوسف: ليست بواجبة. وقال محمدُ بنُ الحسن: الأضحَى واجبٌ على كلِّ مقيم في الأمصار، إذا كان مُوسِرًا. هكذا ذكَره الطحاويُّ عنهم في كتاب "الخلاف" ، وذكر عنهم في "مختصَرِه" (٣) : قال أبو حنيفة: الأضحيةُ واجبةٌ على المقيمين الواجدين من أهل الأمصار وغيرهم، ولا تجبُ على المسافرين. قال: ويجبُ على الرجل من الأضحيةِ عن ولدِه الصغيرِ مثلُ

    vol. 15, p. 123الذي يجبُ عليه عن نفسِه. قال: وخالَفه أبو يوسفَ ومحمدٌ فقالا: ليست الأضحيةُ بواجبة، ولكنَّها سنّةٌ غيرُ مرخَّصٍ لمن وجَد السبيلَ إليها في تركِها. قال: وبه نأخُذُ.

    وقال إبراهيمُ النخعيُّ: الأضْحَى واجبٌ على أهل الأمصارِ ما خَلا الحاجَّ.

  7. وحجَّةُ مَن ذهَب إلى إيجابها أمرُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بردةَ بنَ نِيارٍ بأن يُعيدَ الضحيةَ إذ أفسدَها قبلَ وقتِها. وقال له في الجَذَعةِ العَناق: "لا تُجزئُ عن أحدٍ بعدَك" . ومثلُ هذا إنَّما يُقالُ في الفرائضِ الواجبةِ لا في التطوع.

    وقال الطحاويُّ (١) : فإن قيل: لأنه كان أوجَبَها فأتلَفها، فأوجَب عليه إعادتَها. قيل له: لو أراد هذا، لتَعرَّفَ قيمةَ المُتلَفةِ ليأمرَه بمثلِها؛ فلمّا لم يَعتبرْ ذلك، دلَّ على أنه لم يَقصِدْ إلى ما ذكَرتَ.

  8. واحتجُّوا أيضًا بما حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢) ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُباب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عيّاش، قال: حدَّثني عبدُ الرحمن الأعرجُ، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن كان له سَعةٌ فلم يُضَحِّ فلا يَشهَدْ مُصَلّانا" (٣) .

  9. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بنُ أبي مسرَّة، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ يزيدَ المقرئ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عيّاشِ بنِ عباسٍ القِتْبانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ هرمزَ الأعرجُ، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فذكَر مثلَه (١) .

    قالوا: وهذه غايةٌ في تأكيدِها ووجوبها.

    قال أبو عُمر: هذا حديثٌ رواه ابنُ وَهْب، عن عبدِ الله بنِ عيّاشٍ القِتْبانيِّ هذا، عن الأعرج، عن أبي هُريرة، موقوفًا لم يرفعْه (٢) . كذا هو في "مُوطَّئه" .

    vol. 15, p. 124
  10. وكذلك رواه عبيدُ الله بنُ أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي هُريرة موقوفًا. وعبيدُ الله بنُ أبي جعفير فوقَ عبدِ الله بنِ عيّاش.

  11. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُمفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريم (٣) ، قال أخبرنا يحيى بنُ

    vol. 15, p. 125أيوب (١) ، عن عبيدِ الله بنِ أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي هُريرة. قال: وأخبرنا الليثُ بنُ سَعْدٍ وبكرُ بنُ مُضَرَ، قالا: أخبرنا عبيدُ الله بنُ أبي جعفرٍ عن ابنِ هُرْمُز، قال: سمِعتُ أبا هُريرةَ وهو في المُصَلَّى يقول: مَن قدَر على سَعةٍ فلم يُضَحِّ فلا يَقرَبَنَّ مُصَلّانا.

    قال أبو عُمر: الأغلبُ عندي في هذا الحديثِ أنَّه موقوفٌ على أبي هُريرة، واللّهُ أعلم (٢) .

    وقال مالك: على الناس كلِّهم أضحيةٌ؛ المسافرِ والمقيم، ومَن ترَكها من غيرِ عذرٍ فبئسَما صنَع (٣) .

    وقال الثوريُّ والشافعيُّ: ليست بواجبة.

    وقال الثوريُّ: لا بأسَ بتركِها (٤) .

    وقال الشافعيُّ (٥) : هي سنةٌ وتَطوُّعٌ، ولا نُحبُّ لأحدٍ قَوِيَ عليها ترْكَها.

  12. وتحصيلُ مذهبِ مالكٍ أنَّ الضحيةَ سنةٌ مؤكَّدةٌ لا ينبغي تركُها، وهي على كلِّ مقيمٍ ومسافرٍ إلا الحاجَّ بمنًى، ويُضَحَّى عندَه عن اليتيم والمولود، وعن كلِّ حرٍّ واجد.

    وقال الشافعيُّ (١) : هي سُنّةٌ على جميع الناس، وعلى الحاجِّ بمنًى أيضًا، وليست بواجبة. وقولُ أبي ثور في هذا كقولِ الشافعيِّ.

    vol. 15, p. 126
  13. وكان ربيعةُ والليثُ يقولان (٢) : لا نرى أنْ يَترُكَ المسلمُ الموسرُ المالكُ لأمرِه الضَّحيَّة.

  14. ورُوِيَ عن سعيدِ بنِ المسيِّب، وعطاء، وعلقمة، والأسود، أنهم كانوا لا يُوجِبونَها (٣) . وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبل (٤) .

  15. ورُوِيَ عن الشعبيِّ أنَّ الصدقةَ أفضلُ من الأضحية. وقد رُوِيَ عن مالكٍ مثلُه (٥) . ورُوِيَ عنه أيضًا أنَّ الضحيةَ أفضلُ. والصحيحُ عنه وعن أصحابه في مذهبِه أنَّ الضحيةَ أفضلُ من الصدقةِ إلا بمِنًى؛ فإنَّ الصدقةَ بثمنِ الأضحيةِ بمنًى أفضلُ؛ لأنه ليس بموضع أضحية. وقد رُوِيَ عنه أنَّ الصدقةَ بثمنِ الأضحيةِ بمنًى أفضلُ.

  16. وقال ربيعةُ، وأبو الزناد، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، وأحمدُ بنُ حنبل: الضحيةُ أفضلُ من الصدقة.

    وقال أبو ثور: الصدقةُ أفضلُ من الأضحية (٦) .

    vol. 15, p. 127قال أبو عُمر: الضحيةُ عندَنا أفضلُ من الصدقة؛ لأنَّ الضحيةَ سُنّةٌ وكيدةٌ كصلاةِ العيد، ومعلومٌ أنَّ صلاةَ العيد أفضلُ من سائرِ النوافل، وكذلكَ صلواتُ السننِ أفضلُ من التطوع كلَّه.

  17. وقد رُوِيَ في فضلِ الضحايا آثارٌ حِسانٌ؛ فمنها ما رواه سعيدُ بنُ داودَ بنِ أبي زَنْبَر، عن مالك، عن ثورِ بنِ زيد، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما مِن نفقةٍ بعدَ صِلَةِ الرَّحِم أعظمُ عندَ الله من إهراقِ الدم" ؛ حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عثمانَ بنِ أبي التمام، قال: حدَّثنا كثيرُ بنُ مَعْمَر الجوهريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ داودَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ داودَ بنِ أبي زَنْبَر، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، فذكَره بإسنادِه إلى آخرِه (١) . وهو غريبٌ من حديثِ مالك.

  18. وأخبرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجَهْم السِّمَّريُّ، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ راشد، عن سُليمانَ بنِ موسى، عن عطاءِ بنِ أبي رباح، عن عائشة، قالت: يا أيُّها الناسُ، ضحوُّا وطيبُوا بها أنفُسًا، فإنّي سمِعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما مِن عبدٍ توجَّه بأُضحيتِه إلى القِبْلة إلا كان دمُها وفَرْثُها وصوفُها حسناتٍ محُضَراتٍ في ميزانِه يومَ القيامة، فإنَّ الدمَ وإنْ وقَع في التراب، فإنَّما يقعُ في حِرْزِ الله حتى يُوَفِّيَه صاحبَه يومَ القيامة" . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اعملُوا يسيرًا تُجْزَوا كثيرًا" (٢) .

    vol. 15, p. 128قال أبو عُمر: احتجَّ الشافعيُّ في سقوطِ وجوبِ الضحيةِ بحديثِ أمِّ سَلَمةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا دخَل العَشْرُ، عشرُ ذي الحجة، فأراد أحدُكم أنْ يُضَحِّي، فلا يأخُذَنَّ من شعَرِه ولا من أظفارِه" . قال: في قوله: "فأراد أنْ يُضَحِّي" دليلٌ على أنها غيرُ واجبة، وهذا الحديثُ رواه شُعبة، عن مالكِ بنِ أنس، عن عُمرَ بنِ مسلم، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أمِّ سَلَمة (١) . وكان مالكٌ لا يُحدِّثُ به أصحابَه، لأنه كان لا يأخذُ بما فيه من معنى المنع من حَلْقِ الشعَرِ وقَطْع الظُّفُرِ لمَن أراد الضحية، وإنما لم يأخُذْ به لحديثِ عائشةَ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبعَثُ بهدْيِه ثم لا يَحرُمُ عليه شيءٌ مما يَحرُمُ على المُحْرِم حتى يَنحَرَ الهدي. وقد ذكَرنا هذا المعنى مُجوَّدًا في باب عبدِ الله بنِ أبي بكر (٢) . وذكَر عِمْرانُ بنُ أنس، قال: سألتُ مالكًا عن حديثِ أمِّ سَلَمةَ هذا فقال: ليس من حديثي. قال: فقلتُ لجُلسائِه: قد رواه عنه شُعبةُ وحدَّث به عنه، وهو يقول: ليس من حديثي. فقالوا: إنه إذا لم يأخُذْ بالحديث، قال فيه: ليس من حديثي. وقد رواه عن مالك جماعةٌ، ورُوِيَ من غيرِ حديثِ مالكٍ من وُجوه قد ذكَرناها في باب عبدِ الله بنِ أبي بكر (٣) ، والحمدُ للّه.

  19. وروَى الشعبيُّ، عن أبي سَريحةَ الغِفَاريِّ، قال: رأيتُ أبا بكرٍ وعُمرَ وما يُضَحِّيان (١) .

    وقال ابنُ عُمرَ في الضحية: ليست بحَتْم ولكنها سُنّةٌ ومعروفٌ (٢) .

    وقال أبو مسعود الأنصاريُّ: إني لأدَعُ الأضْحى وأنا موسِرٌ مخافةَ أنْ يَرى جيراني أنها حتْمٌ عليَّ (٣) .

    وقال عِكْرمة: كان ابنُ عباس يَبْعَثُني يومَ الأضحى بدرهَمين أشتَري له لحمًا، ويقول: مَن لقِيتَ فقل: هذه أضحيةُ ابن عباس (٤) . وهذا أيضًا مَحملُه عندَ أهل العلم؛ لئلا يُعتقدَ فيها، للمواظبةِ عليها، أنها واجبةٌ فرضًا، وكانوا أئمة يَقتَدي بهم مَن بعدَهم ممن ينظُرُ في دينِه إليهم؛ لأنهم الواسطةُ بينَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبينَ أمتِه، فساغ لهم من الاجتهادِ في ذلك ما لا يَسوغُ اليومَ لغيرهم.

    vol. 15, p. 129
  20. والأصلُ في هذا الباب أنَّ الضحيةَ سُنةٌ مؤكّدةٌ؛ لأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلَها وواظَب عليها، أو ندَب أُمَّتَه إليها؛ وحسبُكَ أنَّ من فقهاءِ المسلمين مَن يراها فَرْضًا؛ لأمرِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المُضَحِّي قبلَ وقتِها بإعادتِها، وقد بيَّنّا ما في ذلك، والحمدُ للّه.

  21. وأما وقتُ الأضْحَى، فإنَّ العلماءَ مجمِعون على أنَّ يومَ النحرِ يومُ أضحًى، وأجمَعوا على أن قوله عزَّ وجلَّ: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: ٢٨] . إنَّما قُصِدَ به أيامُ الذّبْح والنحر.

    vol. 15, p. 130
  22. واختلفوا في تعيينِها؛ فقالت طائفة: هي أيامُ العَشْر. ورُوِيَ هذا عن ابنِ عباس (١) . وإليه ذهَب الشافعيُّ، والطبريُّ، وفرقة. واحتجَّ بعضُ مَن ذهب إلى هذا بأنه جائزٌ أنْ يكونَ مرادُ الله من قوله: {فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} . بعضَ تلكَ الأيام، وهو يومُ النحر، كما قال عزَّ وجلَّ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: ١٩٧] . يريدُ بعضَ الأشهر، وأقلَّها، كما قال عزَّ وجلَّ: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} [نوح: ١٦] . وليس القمرُ في السَّبع السماوات، وإنما هو في بعضهنَّ.

    وقال الآخرون: الأيامُ المعلومات: هي أيامُ الذبح، وذلك يومُ النحرِ ويومان بعدَه. ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عُمر (٢) ، وابن عباس أيضًا (٣) . وعلى هذا القول أكثرُ الناس.

  23. وأما تمهيدُ أقوالِ العلماءِ في مدةِ أيام النَّحْر، فإنَّهم أجمَعوا على أنه لا يكونُ أضحًى قبلَ طلوع الفجر من يوم النحرِ لا لحَضَريٍّ ولا لبَدَويٍّ، واختلَفوا فيما بعدَ ذلك؛ فرُوِيَ عن ابن سيرينَ أنَّ الأضحَى يومٌ واحدٌ، يومُ النحرِ وحدَه. وعن سعيدِ بنِ جبيرٍ وجابرِ بنِ زيد، أنَّ الأضحَى في الأمصارِ يومٌ واحدٌ، وبمِنًى

    vol. 15, p. 131ثلاثةُ أيام (١) . وعن قتادة: النَّحرُ يومُ النَّحرِ وستةُ أيام بعدَه. وعن الحسن: الأضحَى إلى هلالِ المُحَرَّم (٢) .

    قال أبو عُمر: هذه أقاويلُ كلُّها شاذَّةٌ.

  24. وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما، والثوريُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وأكثرُ أهل العلم: الأضحَى يومُ النَّحْرِ ويومان بعدَه. ورُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ عُمرَ، وابنِ عباس، وأنس، مثلُه (٣) .

    وقال الشافعيُّ والأوزاعيُّ: الأضحى يومُ النحرِ وثلاثةُ أيام بعدَه. ورُوِيَ ذلك عن عليِّ بنِ أبي طالب أيضًا. وهو قولُ عطاء، ورُوِيَ أيضًا مثلُه عن ابنِ عباس والحسنِ على اختلافٍ عنهما. وهو قولُ عُمرَ بن عبد العزيز (٤) .

  25. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسن الصوفيُّ، قال: حدَّثنا الهيثمُ بنُ خارجة، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيّاش، عن عَمْرِو بنِ مهاجر، أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزيز قال: الأضحَى يومُ النحرِ وثلاثةُ أيام بعدَه (٥) .

  26. وروَى إسماعيلُ بنُ عيّاشٍ أيضًا عن سُليمانَ بنِ موسى، عن نافع بنِ جُبيرِ بنِ مُطْعِم، عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ فِجاجِ مكّة منحَرٌ، وكلُّ أيام التّشريقِ ذبْحٌ" (٦) واحتجَّ بهذا أصحابُ الشافعيِّ.

  27. وأمّا أهلُ الحديث، فإنهم يقولون: إنّه مما انفرَد بتَوْصِيله (١) إسماعيلُ بنُ عيّاش، ولم يُتابَعْ على ذلك، وإنّما هو مُرسَلٌ. وقال أحمدُ بنُ حَنبَل: الصَّحيحُ فيه مرسَل (٢) .

    قال أحمد: وقد رُوِيَ الأضْحى يومُ النَّحْر ويومانِ بعدَهُ عن غير واحدٍ من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:

    حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عُثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ صالح، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ليلى، عن أبي المِنْهال، عن زِرٍّ، عن عليٍّ رضي الله عنه قال: الأيامُ المعدوداتُ: يومُ النّحرِ ويومانِ بعدَهُ، اذبَحْ في أيِّها شئتَ، وأفضَلُها أوَّلهُا (٣) .

    وقال الطحاويُّ (٤) : مثلُه لا يكونُ رأيًا، فدلَّ أنه توقيفٌ، واللّهُ أعلم.

    vol. 15, p. 132
  28. حديثٌ حادي وعشرونَ ليحيى بنِ سعيدٍ

    مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يسار، أنه أخبَره أن عبدَ الله بنَ سَهْل الأنصاريَّ ومُحيِّصةَ بنَ مسعودٍ خرَجا إلى خَيْبرَ فتفرَّقا في حوائجِهما، فقُتِل عبدُ الله بنُ سَهْل، فقدِم مُحَيِّصةُ، فأتى هو وأخوهُ حُويِّصةُ وعبدُ الرحمنِ بنُ سَهْل إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فذهَب عبدُ الرحمن ليتكلَّمَ؛ لمكانِه من أخيه، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "كَبِّرْ كَبِّرْ" . فتكلَّم مُحَيِّصةُ وحُويِّصةُ، فذكَرا شأنَ عبدِ الله بنَ سَهْل، فقال لهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أتَحلِفُونَ خمسينَ يَمينًا وتَستَحِقُّون دمَ صاحبِكُم، أو قاتلِكُم؟ " . قالوا: يا رسولَ الله، لم نشهَدْ ولم نحضُرْ. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فتُبرِئُكم يهودُ بخمسين يمينًا؟ " . فقالوا: يا رسول الله، كيف نقبَلُ أيمانَ قوم كُفّار؟

    قال يحيى: فزعَم بُشيرُ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ودَاهُ من عنده.

    vol. 15, p. 133
  29. لم يختلفِ الرواةُ عن مالك في إرسالِ هذا الحديث (٢) .

  30. وقد رواه حَمّادُ بنُ زيد، وسُفيانُ بنُ عُيينة، والليثُ بن سَعْد (٣) ، وعبدُ الوهّاب الثَّقفيُّ (٤) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَير بنِ يَسار، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة.

  31. وبعضُهم يجعلُ مع سَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ رافعَ بنَ خَديج، جميعًا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وكلُّهم يجعَلُه عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة مسندًا.

    vol. 15, p. 134
  32. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا عبيدُ الله بنُ عُمرَ بنِ مَيْسرةَ ومحمدُ بنُ عبيدٍ المعنى، قالا: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يسار، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ ورافع بنِ خَديج، أن مُحَيِّصةَ بنَ مسعودٍ وعبدَ الله بنَ سَهْل انطلَقا قبلَ خَيْبرَ فتفرَّقا في النخل، فقُتِل عبدُ الله بنُ سَهْل، فاتَّهموا اليهود، فجاء أخوه عبدُ الرحمن بنُ سَهْلٍ وابنا عمِّه حُوَيِّصةُ ومُحَيِّصةُ، فأتوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فتكلَّم عبدُ الرحمن في أمرِ أخيه وهو أصغرُهم، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الكُبْرَ الكُبْرَ" . أو قال: "ليبدَأ الأكبرُ" . فتكلَّموا في أمرِ صاحبِهم، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يُقْسِمُ منكم خمسون على رجُلٍ فيُدْفَعُ برُمَّتِه؟ " . قالوا: أمر لم نَشهَدْه، كيف نَحلِفُ؟ قال: "فتُبْرِئُكم يهودُ بأيمانِ خمسينَ منهم" . قالوا: يا رسولَ الله، قومٌ كفارٌ! قال: فوداهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من قِبَله. قال: قال سَهْل: دخلتُ مِرْبَدَ التَّمْر لهم يومًا فركَضتني ناقةٌ من تلك الإبلِ ركضةً برِجْلِها، هذا أو نحوُه.

    قال أبو داود: رواه مالكٌ وبشرُ بنُ المُفضَّل، عن يحيى، فقالا فيه: "تَحْلِفونَ خمسين يمينًا وتستَحِقُّون دمَ صاحبِكم، أو قاتلكُم؟ " . ولم يذكُرْ بشرٌ "دَمَ" . وقال عَبْدةُ (٣) عن يحيى كما قال حَمّاد.

    vol. 15, p. 135قال أبو عُمر: في حديثِ حَمّادِ بنِ زيدٍ هذا دليلٌ واضحٌ على أنَّه لا يُقتلُ بالقسامةِ إلا واحدٌ؛ لأنه أمَرهم بتعيينِ رجلٍ يُقسِمون عليه فيُدفَعُ إليهم برُمَّتِه، وهو حُجةٌ لمالكٍ وأصحابه في ذلك، وكذلك في حديثِ الزُّهريِّ، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة: "تُسمُّون قاتلَكم، ثم تحْلِفون عليه خمسين يَمينًا، فيُسَلَّمُ إليكم؟ " (١) . ومن جهةِ النظَرِ فلأنَّ الواحدَ أقلُّ (٢) مَن يُستيقنُ أنه قتلَه، فوجَب أن يُقتصَرَ بالقسامةِ عليه.

    قال أبو داود (٣) : ورواه ابنُ عُيينة، عن يحيى، فبدَأ بقوله: "تُبْرِئُكم يهودُ بخَمسين يَمينًا يحْلِفون" . ولم يذكُر الاستحقاق. هكذا قال أبو داود، وليس عندَنا حديثُ ابنِ عُيينةَ كذلك، وهو عندَنا من روايةِ الحميديِّ - وهو أثبَتُ الناسِ في ابنِ عُيينةَ - على غيرِ ما ذكَره.

  33. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٤) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، قال أخبرني بُشَيرُ بنُ يَسار، أنه سمِع سَهْلَ بنَ أبي حَثْمةَ يقول: وُجِد عبدُ الله بنُ سَهْلٍ قتيلًا في فَقيرٍ أو قَليبٍ من قُلُبِ خَيْبر، فأتى أخوه النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -؛ عبدُ الرحمنِ بنُ سَهْلٍ وعمّاه حُوَيِّصةُ ومُحَيِّصةُ ابنا مسعود، فذهَب عبدُ الرحمن يتكلَّمُ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "الكُبْرَ الكُبْرَ" . فتكلَّم مُحَيِّصةُ، فذكَر مقتلَ عبدِ الله بنِ سَهْل، فقال: يا رسولَ الله، إنا وجَدنا عبدَ الله بنَ سَهْلٍ قتيلًا،

    vol. 15, p. 136وإن اليهودَ أهلُ كُفرٍ وغَدْر، وهم الذين قتَلوه. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "تحْلِفون خَمسين يَمينًا وتسْتَحِقُّون صاحِبَكم، أو دمَ صاحبِكم؟ " قالوا: يا رسولَ الله، كيف نَحلِفُ على ما لم نَحضُرْ ولم نَشهَدْ؟ قال: "فتُبْرئُكم يهودُ بخمسين يمينًا؟ " . قالوا: كيف نقبَلُ أيمانَ قوم مشركين؟ قال: فودَاهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من عندِه. قال سَهْلٌ: فلقد ركَضَتني بَكْرةٌ (١) منها.

  34. ورواه الشافعيُّ (٢) وغيرُه جماعة، عن ابنِ عُيينةَ كما قال أبو داود.

  35. وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ وأحمدُ بنُ محمد (٣) ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ يحيى، قال: أخبَرني أبي (٤) ، عن الليث، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يسار، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة - قال يحيى: حَسِبتُ أنه قال: وعن رافع بنِ خَديج - أنهما قالا: خرَج عبدُ الله بنُ سَهْلِ بنِ زيدٍ ومُحَيِّصةُ بنُ مسعودِ بنِ زيد، حتى إذا كانا بخيبرَ تفرَّقا في بعض ما هنالك، ثم إذا مُحَيِّصةُ يجدُ عبدَ الله قتيلًا، فدفَنه ثم أقبَل إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - هو وحُوَيِّصةُ بنُ مسعودٍ وعبدُ الرحمن بنُ سَهْل - وكان أصغرَ القوم - فذهَب عبدُ الرحمن ليتكلَّمَ قبلَ صاحبيه، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "كَبِّرْ" . للكُبْر في السِّنِّ، فصمَتَ وتكلَّم صاحباه ثم تكلَّم معهما، فذكَروا لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مقتلَ عبدِ الله بنِ سهْل، فقال: "أتَحْلِفونَ خَمسين يَمينًا فتستَحِقُّونَ صاحبَكم، أو قتيلَكم؟ " . فقالوا: وكيف نحلِفُ ولم نَشهدْ؟

    vol. 15, p. 137قال: "فتُبرِئُكم يهودُ بخَمسين يَمينًا؟ " . قالوا: وكيف نقبلُ أيمانَ قوم كفار؟ فلمّا رأى ذلك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أعطَى عَقلَه (١) .

  36. وقد رواه بشرُ بنُ المفضَّل، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يسار، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة، قال: وُجِد عبدُ الله بنُ سَهْل قتيلًا، فجاء أخوه وعمّاه. وذكر الحديث (٢) .

  37. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوب، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْد، عن ابنِ إسحاق، قال (٣) : فحدَّثني الزُّهريُّ، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة. قال ابنُ إسحاق: وحدَّثني أيضًا بُشيرُ بنُ يسار مولى بني حارثة (٤) ، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة، قال: أُصيب عبدُ الله بنُ سَهْل بخيبر، وكان خرَج إليها في أصحاب له يَمْتارُ منها تمرًا، فوُجِد في عينٍ قد كُسِرت عُنقُه ثم طُرِح فيها، فأخَذوه فغيَّبوه، ثم قدِموا على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له شأنَه، فتقدَّم إليه أخوه عبدُ الرحمن ومعه ابنا عمِّه حُوَيّصة ومُحَيّصة ابنا مَسْعود، وكان عبدُ الرحمن من أحْدَثِهم سِنًّا، وكان صاحب الدَّم وكان ذا قِدَم القوم، فلما تكلّم قبل ابني عَمِّه، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:

    vol. 15, p. 138"الكُبْرَ الكُبْرَ" . فسكَت، فتكلَّم حُوَيِّصةُ ومُحَيِّصةُ، ثم تكلَّم هو بعد، فذكَروا لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قتلَ صاحبِهم، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "تُسَمُّون قاتِلَكم ثم تَحلِفون عليه خمسين يمينًا فيُسَلَّمُ إليكم؟ " . فقالوا: يا رسولَ الله، ما كنّا لنَحلِفَ على ما لا نعلَمُ. قال: "فيَحلِفون لكم باللّه خمسين يَمينًا ما قتَلوه ولا يعلَمون له قاتلًا، ثم يَبرَؤون من دمِه؟ " . قالوا: يا رسولَ الله، ما كنّا لنَقبَلَ أيمانَ يهود، ما فيهم من الكُفرِ أعظمُ من أن يَحلِفوا على إثم. قال: فوداهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من عندِه مئةَ ناقة. قال سَهْلٌ: فواللّه ما أنسى بَكرةً منها حمراءَ ضرَبتني وأنا أحُوزُها.

  38. ففي هذه الرِّوايات لمالكٍ وغيرِه إثباتُ تَبدِئةِ المُدَّعين بالأيمانِ في القَسامة.

  39. وفي حديثِ مالكٍ هذا من الفقه: إثباتُ القَسامةِ في الدَّم، وهو أمرٌ كان في الجاهلية، فأقرَّها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في الإسلام.

  40. ذكَر مَعْمَرٌ ويونُس، عن الزُّهريِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ وسُليمانُ بنُ يسار، عن رجالٍ أو رجُل من أصحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أقَرّ القَسامةَ على ما كانت عليه في الجاهلية؟ ذكَره عبدُ الرزاق (١) ، عن مَعْمَر، وذكَرهُ ابنُ وَهْب (٢) ، عن يونس، قال يونس: عن رجل. وقال مَعْمَرٌ: عن رجال (٣) . وقال مَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ المسيِّب: كانت القَسامةُ في الجاهليةِ فأقرَّها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وقضَى بها في الأنصاريِّ الذي وُجِد مقتولًا في جُبِّ اليهودِ بخَيبر (٤) .