زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه

1,580 paragraphs · vol. 3, p. 5

Page 25 of 40

  1. إلَّا أنَّ مالكًا رحمه اللهُ قال: من شكَّ في الحدَثِ بعدَ يقينِه بالوضوءِ فعليه الوضوءُ. ولم يُتابِعْه على هذا القولِ أحدٌ من أهلِ الفقهِ عَلِمتُه إلَّا أصحابُه ومَن قلَّدهم في ذلك (١) . وقد قال أبو الفرج (٢) : إنَّ ذلك استحبابٌ واحتياطٌ منه.

    vol. 3, p. 449
  2. وخالَف عبدُ الله بنُ نافعٍ مالكًا في هذه المسألةِ، فقال: لا وُضوءَ عليه.

    وقال ابنُ خُوَيْز مَنْداد (٣) : اختلفتِ الروايةُ عن مالكٍ فيمن توضَّأ ثمَّ شكَّ هل أحدَث أم لا؟ فقد قال: عليه الوضوءُ. وقد قال: لا وضوءَ عليه. وهو قولُ سائرِ الفقهاءِ.

    قال أبو عُمر: مذهبُ الثوريِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه، والأوزاعيِّ، والشافعيِّ ومَن سلَك سبيلَه، البناءُ على الأصلِ حَدَثًا كان أو طهارةً. وهو قولُ أحمدَ بن حنبل، وإسحاقَ، وأبي ثورٍ، وداودَ بنِ عليٍّ، وأبي جعفر الطبريِّ (٤) . وقد قال مالكٌ (٥) : إنَّه إن عرَض له ذلك كثيرًا فهو على وُضوئِه.

  3. وأجمعَ العُلماءُ أنَّ من أيقَن بالحَدَثٍ وشكَّ في الوُضوءِ أنَّ شكَّه لا يُفيدُ فائدةً، وأنَّ عليه الوضوءَ فَرْضًا، وهذا يدلُّك على أنَّ الشكَّ عندَهم مُلغًى، وأنَّ العملَ على اليقينِ عندَهم. وهذا أصلٌ كبيرٌ في الفقهِ فتدَبَّرْه، وقِفْ عليه (٦) .

  4. قرأتُ على أبي عثمانَ سعيدِ بنِ نَصْرٍ، أنَّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهم، قال:

    vol. 3, p. 450حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، قال أخبَرني سعيدُ بنُ المسيِّب وعَبّادُ بنُ تَمِيمٍ، عن عمِّه (٢) عبدِ الله بنِ زيدٍ، قال: شُكِي إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- الرجلُ يُخيَّلُ إليه الشيءُ في الصلاةِ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَنفَتِلُ" . وربَّما قال سفيانُ: "لا ينصرفُ حتى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا" .

  5. ولا خلافَ عَلِمتُه بينَ علماءِ أهلِ المدينةِ وسائرِ فقهاءِ الأمصارِ أنَّ أحدًا لا يرثُ أحدًا بالشكِّ في حياتِه وموتِه.

  6. وفي هذا الحديثِ أيضًا: دليلٌ على أنَّ الزيادةَ في الصلاةِ لا تُفسِدُها، ما كانت سَهوًا، أو في إصلاح الصَّلاةِ؛ لأنَّ الشَّاكَّ في صلاتِه إذا أمَرناه بالبناءِ على يقينِه -وممكنٌ أنْ يكونَ على اثنتَينِ وهو يشُكُّ هل صلَّى واحدةً أو اثنتَينِ- فغيرُ مأمونٍ عليه أنْ يَزيدَ في صلاتِه رَكْعةً؛ وقد أحكَمتِ السُّنَّةُ أنَّ ذلك لا يَضُرُّه لأنَّه مأمورٌ به.

  7. فإذا كان ما ذكَرنا كما ذكَرنا، بطَل قولُ من قال: إنَّ (٣) مَن زادَ في صلاتِه مثلَ (٤) نصفِها ساهيًا: إنَّ صلاتَه فاسدةٌ. وهذا قولٌ لبعضِ أصحابِنا لا وجْهَ له عندَ الفقهاءِ، ولا قال به أحدٌ من أئمَّةِ الأمصارِ، والصَّحيحُ في مذهبِ مالكٍ غيرُ ذلك، وقد صَلَّى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الظُّهرَ خَمْسًا ساهيًا فسجَد لسهوِه. وحكمُ الرَّكْعةِ والرَّكْعتينِ في ذلك سواءٌ في القياس والنظرِ والمعقولِ؛ ولو كانت الزيادةُ على غيرِ التعمُّدِ والقصدِ للإفسادِ مُفْسِدةً للصلاةِ، وقد قصَد المصلِّي بذلك

    vol. 3, p. 451إصلاحَ صلاتِه، أو فعلَ ذلك ساهيًا -لأُمِر الشاكُّ في صلاتِه الذي لم يدرِ كم صلَّى أثلاثًا أم أربعًا، أنْ يَقْطعَ و (١) يَستأنِفَ، وهذا خلافُ ما وردَتِ السنَّةُ الثابتةُ به في البناءِ على اليقينِ، ولا أعلمُ أحدًا من فُقهاءِ الأمصارِ قال في الساهِي في صلاتِه أنْ يَقْطَعَ ويستأنفَ، وإنْ كان ذلك قد رُوِي عن بعضِ الصحابةِ، وعن جماعةٍ من التابعينَ؛ وإنّما ترَك الفقهاءُ ذلك، واللهُ أعلمُ، لحديثِ أبي سعيدٍ هذا، ولمثلِه من الآثارِ الثابتةِ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في إصلاحِ صلاتِه، نحوَ حديثِ ذي اليدين (٢) ، وحديثِ ابنِ مسعودٍ (٣) ، فيمَن صَلَّى خمسًا ساهيًا، وحديثِ ابنِ بُحينةَ (٤) وغيرِه فيمن قامَ من رَكْعتينِ، ونحوِ ذلك من الآثارِ، واللهُ أعلمُ.

  8. وفي هذا الحديثِ أيضًا: أنَّ الساهِيَ في صلاتِه إذا فعَل ما يجبُ عليه فعلُه سَجَد لسهوِه، وفيه أنَّ سُجودَ السَّهْوِ في الزيادةِ قبلَ السلام، وهذا موضعٌ اختلَف الفقهاءُ فيه؛ فقال مالكٌ وأصحابُه: كلُّ سهوٍ كان نُقصانًا من الصلاةِ فالسُّجودُ له قبلَ السلام (٥) ؛ لحديثِ ابنِ بُحَينةَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في قيامِه من اثنتَين دونَ أن يجلِسَ، فسجَد لسهوِه ذلك قبلَ السلام، وقد نقَص الجلَسةَ الوسطَى والتشُّهدَ.

    قال مالكٌ: وإنْ كان السهوُ زيادةً فالسجودُ له بعدَ السلام على حديثِ ذي اليدينِ؛ لأنَّه -صلى الله عليه وسلم- سهَا وسَلَّم من رَكْعتينِ يومَئذٍ، وتكلَّم ثمَّ انصرَف وبنَى، فزادَ سلامًا وعَمَلًا وكلامًا وهو سَاهٍ لا يَظنُّ أنَّه في صلاةٍ، ثمَّ سجَد بعدَ السلام (٦) .

  9. وهذا كلُّه قولُ أبي ثورٍ (١) ، وهو الصحيحُ في هذا البابِ من جهةِ الآثارِ؛ لأنَّ في قولِ مالكٍ ومن تابعَه على ذلك استعمالَ الخبرينِ جميعًا في الزيادةِ والنقصانِ، واستعمالُ الأخبارِ على وُجوهِها أولَى من ادِّعاءِ التَّناسُخِ فيها. ومن جهةِ النظرِ الفرقُ بيِّنٌ بينَ النقصانِ في ذلك وبينَ الزيادةِ؛ لأنَّ السجودَ في النقصانِ إصلاحٌ وجَبْرٌ، ومحالٌ أنْ يكونَ الإصلاحُ والجبرُ بعدَ الخروجِ من الصلاةِ؛ وأمَّا السجودُ في الزيادةِ، فإنَّما ذلك ترغيمٌ للشيطانِ، وذلك ينبغي أن يكونَ بعدَ الفراغ.

    vol. 3, p. 452
  10. وكان مالكٌ يقولُ: إذا اجتمعَ زيادةٌ ونقصانٌ من السهوِ فالسجودُ لذلك قبلَ السلام؛ لأنَّه أملكُ بمعنى الجبرِ والإصلاح (٢) ، وجملةُ مذهبِه أنَّ مَن وضَع السجودَ الذي قُلْنا: إنَّه قبلُ: بعدُ، أو وضَع السجودَ الذي قُلْنا: إنَّه بعدُ: قبلُ؛ فلا شيءَ عليه، إلَّا أنَّهم أشدُّ استثقالًا لمَن وضَع السجودَ الذي بعدَ السلام قبلَ السلام، وذلك لِما رأَى وعَلِمَ من اختلافِ أهلِ المدينةِ في ذلك.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ (٣) : السُّجودُ كلُّه في السهوِ زيادةً كان أو نُقصَانًا بعدَ السلام. وهو قولُ أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، وعُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وهو قولُ داودَ؛ إلا أنَّ داودَ لا يرى السجودَ إلَّا في خمسةِ مواضعَ جاءَت فيها الآثارُ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-. وحجَّةُ الكوفيِّينَ في ذلك حديثُ ابنِ مسعودٍ، إذ صلَّى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- خمسًا، وحديثُ ذي اليدينِ، وحديثُ المغيرةِ بنِ شُعبة (٤) أنَّه قامَ من اثنتَينِ

    vol. 3, p. 453وسجَد فيها كلِّها بعدَ السلام، وعارَضُوا حديثَ ابنِ بُحَينةَ بحديثِ المغيرةِ بنِ شعبةَ، وزعَموا أنَّه أولَى؛ لأنَّ فيه زيادةَ التَّسليم والسجودِ بعدَه. ومِن حُجَّتِهم من جهةِ النظرِ إجماعُ العلماءِ على أنَّ حُكمَ من سَها في صلاتِه ألَّا يَسجُدَ في موضعِ سهوِه، ولا في حالِه تلكَ، وأنَّ حُكمَه أنْ يُؤخِّرَ ذلك إلى آخرِ صلاتِه؛ لتَجمَعَ السجدتانِ كُلَّ سهوٍ في صلاتِه. ومعلومٌ أنَّ السلامَ قد يُمكنُ فيه السهوُ، فواجبٌ أنْ تُؤخَّرَ السجدتانِ عن السلام أيضًا، كما تُؤخَّرُ عنِ التشهُّدِ.

    وقال الشافعيُّ، والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ: السجودُ كلُّه في الزِّيادةِ والنقصانِ قبلَ السلامِ. وهو قولُ ابنِ شهابٍ، وربيعةَ، ويحيى بنِ سعيدٍ (١) . وقال ابنُ شهابٍ (٢) : كان آخرَ الأمرينِ من رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- السجودُ قبلَ السلام.

  11. والحجَّةُ لهم حديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ المذكورُ في هذا البابِ، فيه البناءُ على اليقينِ وإلغاءُ الشكِّ، والعلمُ مُحيطٌ أنَّ ذلك إنْ لم يكنْ زيادةً لم يكنْ نُقصانًا، وأمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بالسجودِ في ذلك قبلَ السلام، وقام مِن رَكْعتَين ولم يجلسْ، وسُبِّح به فتَمادى وسجَد قبلَ السلام. وهذه الآثارُ أثبَتُ ما يُروَى في هذا البابِ من جهةِ النَّقلِ، وفيها السجودُ قبلَ السلام (٣) للنقصانِ وغيرِ النقصانِ. قالوا: فعلِمنا

    vol. 3, p. 454بهذا أن ليسَ المَعْنيَّ في ذلك زيادةٌ ولا نقصانٌ، وأنَّ المعْنِيَّ في ذلك إصلاحُ الصلاةِ، وإصلاحُها لا يكونُ إلَّا قبلَ الفَراغ منها؛ وإنَّما جاز تأخيرُ السجدتينِ عن جميعِ الصلاةِ ما خلا السلامَ؛ لأنَّ السلامَ يخرجُ به من أنْ تكونَ السجدتانِ مُصلِحتَينِ، ألا ترَى أنَّ مُدركَ بعضِ الصَّلاةِ مع الإمام لا يَشتغِلُ بالقضاءِ، ويَتْبَعُ الإمامَ فيما بقِي عليه حاشَا السلامَ لما ذكَرْنا، ولكلِّ واحدٍ منهم من جهةِ النظرِ حُججٌ يطولُ ذكرُها، والمُعتَمَدُ عليه ما ذكَرنا.

  12. وسيأتي في بابِ ابنِ شهاب، عن الأعرجِ، عنِ ابنِ بُحينةَ زيادةٌ في هذا المعنَى إن شاء اللهُ، وكلُّ هؤلاءِ يقولُ: إنَّ المصلِّيَ لو سجدَ بعدَ السلام فيما قالوا: إنَّ السجودَ فيه قبلَ السلام، لم يَضرَّه شيءٌ، ولو سجَد قبلَ السلام فيما فيه السجودُ بعدَ السلام لم يكنْ عليه شيءٌ.

    قال أبو بكرٍ الأثرمُ: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسألُ عن السُّجودِ للسهوِ قبلَ السلام أو بعدَه؟ فقال: في مواضعَ قبلَ السلام، وفي مواضعَ بعدَ السلام، كما صنَع النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-؛ إذْ سلَّم منَ اثنتَينِ سجدَ بعدَ السلام على حديثِ ذي اليدينِ (١) ، وإذْ سلَّم من ثلاثٍ سجَد بعدَ السلام، على حديثِ عِمرانَ بنِ حُصينٍ (٢) ، وفي التحرِّي بعدَ السلام على حديثِ منصورٍ؛ حديثِ عبدِ الله (٣) . وفي القيام من اثنتَينِ يسجدُ قبلَ السلام على حديثِ ابنِ بُحينةَ (٤) ، وفي الشكِّ يبنِي على اليقينِ ويسجدُ قبلَ السلام على حديثِ أبي سعيدٍ وعبدِ الرحمنِ بن عوفٍ (٥) . قلتُ له: فما كان سواها من السهو؟

    vol. 3, p. 455فقال: يسجدُ فيه كلِّه قبلَ السلام؛ لأنَّه مُتِمُّ ما نقَص من صلاتِه (١) . قال: ولولا ما رُويَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لرأيتُ السجودَ كلَّه في السهوِ قبلَ السلام؛ لأنَّه من شأنِ الصلاةِ، فيقضِيه قبلَ السلام، ولكنِّي أقولُ: كلُّ ما رُويَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه سجَد فيه بعدَ السلام فإنَّه يُسجَدُ فيه بعدَ السلام، وسائرُ السهوِ يُسجَدُ فيه قبلَ السلام (٢) .

    وقال داودُ (٣) : لا يسجدُ لسهوٍ إلَّا في الخمسةِ مواضعَ التي سجَد فيها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-.

  13. أخبَرنا أبو محمدٍ قاسمُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ عَمْرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ الوهبِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن مكحولٍ، عن كُريبٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جلَستُ إلى عُمرَ بنِ الخطابِ، فقال: يا ابنَ عباسٍ، هل سمِعتَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الرجلِ إذا نسِيَ صلاتَه فلم يدرِ أزادَ أم نقَصَ ما أمَرَ به؟ قال: قلتُ: أمَا سمِعتَ أنتَ يا أميرَ المؤمنينَ من رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فيه شيئًا؟ قال: لا والله ما سمِعتُ منه فيه شيئًا، ولا سألتُه عنه؛ إذْ دخَل عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، فقال: فيمَ أنتما؟ فأخبَره عمرُ؛ قال: سألتُ هذا الفتَى عن كذا وكذا فلم أجدْ عندَه علمًا. فقال عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: لكِنْ عندي منه علمٌ، لقد سمِعتُ ذلك من رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، قال عمرُ: فأنتَ العدلُ الرِّضَا، فماذا سمِعتَ؟ قال: سمِعتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "إذا شكَّ أحدُكم في الواحدةِ والاثنتَين فلْيَجعلْها واحدةً، وإذا شكَّ في الاثنتَين والثلاثِ

    vol. 3, p. 456فلْيجعلْها ثِنتَين، وإذا شكَّ في الثلاثِ والأربعِ فلْيجعَلْها ثلاثًا، حتى يكونَ الوَهْمُ في الزِّيادةِ، ثمَّ يسجُدُ سجدتين قبلَ أن يُسلِّمَ ثمَّ يُسلِّمُ" (١) .

  14. واختلَف الفقهاءُ أيضًا فيمن شكَّ في صلاتِه فلم يدرِ أواحدةً صلَّى أم اثنتين أم ثلاثًا أم أربعًا.

    فقال مالكٌ، والشافعيُّ: يبني على اليقينِ، ولا يُجزِئُه التحرِّي. ورُوِي مثلُ ذلك عن الثوريِّ، وبه قال داودُ والطبريُّ (٢) .

  15. وحجَّتُهم في ذلك حديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ المذكورُ في هذا البابِ، وحديثُ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ هذا، وحديثُ ابنِ عمرَ (٣) ، وما كان مثلَها في البناءِ على اليقين.

    vol. 3, p. 457وقال أبو حنيفةَ (١) : إذا كان ذلك أوَّلَ ما شكَّ استقبَل ولم يَتَحَرَّ؛ وإنْ لَقِيَ ذلك غيرَ مرَّةٍ تحرَّى.

    وقال الحسنُ بنُ حَيٍّ، والثوريُّ في روايةٍ عنه: يتحرَّى سواءٌ كان ذلك أوَّلَ مرَّةٍ أو لم يكنْ. وقال الأوزاعيُّ: يتحرَّى، قال: وإن نامَ في صلاتِه فلم يدرِ كم صلَّى استأنفَ. وقال الليثُ بنُ سعدٍ: ان كان هذا شيئًا يلزمُه ولا يزالُ يشكُّ، أجزأهُ سجدتَا السهوِ عن التحرِّي وعن البناءِ على اليقينِ؛ وإنْ لم يكنْ شيئًا يَلزمُه اسْتأنَفَ تلك الركعةَ بسجدتَيْها (٢) .

    وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ (٣) : الشكُّ على وجهينِ؛ اليقينُ، والتَّحرِّي، فمَن رجَع إلى اليقينِ ألغَى الشكَّ، وسجَد سجدتي السهوِ قبلَ السلام على حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ (٤) ، وإذا رجَع إلى التحرِّي -وهو أكثرُ الوَهْم- سجَد سجدتي السهوِ بعدَ السلام، على حديثِ ابنِ مسعودٍ الذي يروِيه منصورٌ (٥) . وبه قال أبو خَيْثمةَ زُهيرُ بنُ حَربٍ؛ قال: وحديثُ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ إنَّما فيه البناءُ على اليقينِ، وبينَ البناءِ على اليقينِ والتَّحرِّي فرقٌ؛ لأنَّ التَّحرِّيَ أنْ يَتَحرَّى أصوبَ ذلك وأكثرَه عندَه، والبناءَ على اليقينِ يُلغِي الشكَّ كلَّه (٦) ويبني على يقينِه.

    vol. 3, p. 458قال أبو عُمر: قد قال جماعةٌ من أهلِ العلمِ، مِنهم داودُ (١) : معنَى التحرِّي: الرجوعُ إلى اليقينِ (٢) .

  16. وحجَّةُ من قال بالتحرِّي في هذا البابِ حديثُ ابنِ مسعودٍ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: "مَن شكَّ منكم في صلاتِه فلْيَتحرَّ الصوابَ، وليَبْنِ على أكثرِ ظنَّه" (٣) ، وهو حديثٌ يروِيه أبو عُبيدةَ بنُ عبدِ الله بنِ مسعودٍ، عن أبيه، ولم يسمعْ من أبِيه فيما يقولُ أهلُ الحديثِ (٤) ، وقد يَحتملُ أنْ يكونَ التحرِّي هو البناءَ على اليقينِ، ومَن حمَله على ذاك صحَّ له استعمالُ (٥) الخبرينِ، وأيُّ تَحَرٍّ يكونُ لمنِ انصرَف وهو شاكٌّ لم يَبْنِ على يقينِه، وقد أحاط العلمُ أنَّ شُعبةً منَ الشكِّ تصحبُه إذا لم يبنِ على يقينِه وإنْ تحرَّى، وحديثُ ابنِ مسعودٍ عندِي ليس ممَّا يُعارَضُ به شيءٌ من الآثارِ التي ذكَرناها في هذا الباب.

  17. وقد قال أحمدُ بنُ حنبلٍ فيما حكَى الأثرمُ عنه: حديثُ التحرِّي ليس يروِيه إلَّا منصورٌ. قلتُ له: ليس يروِيه إلَّا منصورٌ؟ قال: لا، كلُّهم يقولُ: إنَّ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- صلَّى خمسًا. قال: إلَّا أنَّ شُعبةَ روَى عن الحكمِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله موقوفًا نحوَه، قال: "إذا شكَّ أحدُكمْ فلْيَتَحرَّ" .

  18. وأمَّا الليثُ بنُ سعدٍ، فأحسَبُه ذهَب إلى ظاهرِ حديثِ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ الشيطانَ يأتي أحدَكم فيَلبِسُ عليه" . . .

  19. الحديثَ، وسيأتي ذكرُه والقولُ فيه في بابِ ابنِ شهابٍ من كتابِنا هذا إن شاء الله (١) .

    vol. 3, p. 459
  20. وليس في شيءٍ من الآثارِ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- نعرفُه بيَّنَ أوَّلَ مرَّةٍ وغيرَها، فلا معنَى لقولِ أبي حنيفةَ في ذلك:

    حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، وسعيدُ بنُ نَصرٍ، قالا: أخبَرنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ، قال: حدَّثني أخي، عن سُليمانَ بنِ بلالٍ، عن عمرَ بنِ محمدٍ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا صلَّى أحدُكم فلم يدرِ كم صلَّى ثلاثًا أم أربعًا، فلْيَركَعْ ركعةً يُحسِنُ رُكوعَها وسجودَها، ثمَّ يسجدْ سجدتينِ" (٢) .

    قال أبو عُمر: لا يَصِحُّ رفعُ هذا الحديثِ، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ مالكًا (٣) رواه عن عمرَ بن محمدٍ، عن سالم، عن أبيه، فوقَفه على ابنِ عمرَ؛ جعَله من قولِه، وخالفَ أيضًا لفظَه والمعنى واحدٌ، ولكنَّه لم يَرفعْه إلَّا من لا يُوثَقُ به، وإسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ وأخُوه وأبُوه ضِعافٌ لا يُحتَجُّ بهم؛ وإنَّما ذكَرناه ليُعرَفَ (٤) .

  21. وقد تقدَّم من الحجَّةِ للبناءِ على اليقينِ ما فيه كفايةٌ، وبالله تعالى التوفيقُ.

  22. أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: سألْتُ أبا عبدِ الله - يعني:

    vol. 3, p. 460أحمدَ بنَ حنبلٍ -عن تفسيرِ قولِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "لا إغرارَ في صلاةٍ ولا تسليم" (١) . فقال: أمَّا أنا فأرَى ألا يخرجَ منها إلَّا على يقينٍ، لا يخرجُ منها على غَرَرٍ حتى يَستَيقِنَ أنَّه قد أتَّمها.

  23. وسيأتي (٢) في كيفيَّةِ التسليمِ، وفي وُجوبه، في بابِ ابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ بنِ سليمانَ بنِ أبي حثمةَ من كتابِنا هذا.

  24. حديثٌ تاسعٌ وعشرونَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ

    مالكٌ (١) ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "اللَّهُمَّ لا تَجعَلْ قبرِي وَثَنًا يُعبَدُ؛ اشْتَدَّ غضبُ الله على قوم اتَّخَذُوا قبورَ أنبِيائِهم مساجدَ" (٢) .

    قال أبو عُمر: لا خلافَ عن مالكٍ في إرسالِ هذا الحديثِ على ما رواه يحيَى سواءً، وهو حديثٌ غريبٌ، أعْنِي قولَه: "اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قبرِي وَثَنًا يُعبَدُ" . ولا يكادُ يُوجَدُ. وزعَم أبو بكرٍ البَزَّارُ أنَّ مالكًا لم يُتابِعْه أحدٌ على هذا الحديثِ إلَّا عمرُ بنُ محمدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ. قال: وليس بمحفوظٍ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- من وجهٍ من الوجوهِ إلَّا من هذا الوجهِ، لا إسنادَ له غيرُه، إلَّا أنَّ عمرَ بنَ محمدٍ أسنَدَه عن أبي سعيدٍ الخدرِيِّ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (٣) . قال: وعمرُ بنُ محمدٍ ثقةٌ، روَى عنه الثورِيُّ وجماعةٌ. قال: وأمَّا قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "لعَن اللهُ اليهودَ؛ اتَّخَذوا قبورَ أنبِيائِهم مساجدَ" ، فمحفوظٌ من طرقٍ كثيرةٍ صحاح.

    قال أبو عُمر: لا وجهَ لقولِ البَزَّارِ إلَّا معرفةُ مَن روَى الحديثَ لا غيرُ، ولا خلافَ بينَ علماءِ أهلِ الأثَرِ والفقهِ، أنَّ الحديثَ إذا رواه ثقةٌ عن ثقةٍ حتى يَتَّصِل بالنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أنَّه حُجَّةٌ يُعمَلُ بها، إلَّا أنْ يَنْسَخَه غيرُه، ومالكٌ عند جميعِهم حجَّةٌ فيما نقَل، وقد أسْنَد حديثَه هذا عمرُ بنُ محمدٍ، وهو من ثقاتِ أشرافِ أهلِ المدينةِ، روَى عنه مالكُ بنُ أنسٍ، والثَّورِيُّ، وسليمانُ بنُ بلالٍ، وغيرُهم؛ وهو عمرُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ بنِ الخطابِ. فهذا الحديثُ صحيحٌ عندَ

    vol. 3, p. 462من قال بمراسيلِ الثِّقاتِ، وعندَ من قال بالمسندِ؛ لإسنادِ عمرَ بنِ محمدٍ له، وهو ممَّن تُقْبَلُ زيادَتُه (١) ، وبالله التوفيقُ.

    vol. 3, p. 461
  25. حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ ومحمدُ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البزَّارُ، قال (١) : حدَّثنا سليمانُ بنُ سيفٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سليمانَ بنِ أبي داودَ الحَرَّانِيُّ، قال: أخبَرنا عمرُ بنُ محمدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدرِيِّ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "اللَّهُمَّ لا تَجعلْ قبرِي وَثَنًا يُعبَدُ؛ اشْتَدَّ غضبُ الله على قوم اتَّخَذُوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ" .

    vol. 3, p. 463
  26. وحدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ وإبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ بنِ حبيبٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ عبدِ الخالقِ، قال أخبَرنا محمدُ بنُ الحسنِ الكِرْمانِيُّ المعروفُ بابنِ أبي عليٍّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ المغيرةِ، قال: حدَّثنا سُهيلُ بنُ أبي صالحٍ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تَتَّخِذُوا قبرِي وَثَنًا" . قال أَبو بكرٍ البزَّارُ (٢) : وحديثُ سهيلٍ هذا إنَّما يجيءُ من هذا الطريقِ، لم يُحَدِّثْ به إلَّا ابنُ عيينةَ، عن حمزةَ بنِ المغيرةِ، عن سهيلٍ.

    vol. 3, p. 464قال أبو عُمر: ذكَره أبو جعفرٍ العُقَيْليُّ في "التاريخِ الكبيرِ" (١) ، عن عبدِ الله بنِ أحمدَ بنِ حنبلٍ، عن الحُميديِّ، عن ابنِ عيينةَ، عن حمزةَ بنِ المغيرةِ، عن سهيل، عن أبِيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بلفظِ حديثِ مالكٍ ومعناه.

  27. أخبَرناه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسفَ إجازةً، قال: أخبَرنا يوسفُ بنُ أحمدَ الصَّيْدَلانِيُّ إجازةً، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عمرو بنِ مُوسَى العُقَيْليُّ، قال: أخبَرنا عبدُ الله بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ (٢) ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ المغيرةِ، عن سهيلِ بنِ أبي صالحٍ، عن أبِيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ لا تَجعَلْ قبرِي وَثَنًا، لعَن اللهُ قومًا اتَّخَذُوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ" .

    قال العُقَيْليُّ: وحدَّثنا محمدُ بنُ إدريسَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: أخبَرنا حمزةُ بنُ المغيرةِ المخزوميُّ مولَى آلِ جَعْدَةَ بنِ هُبَيرةَ، وكان من سَراةِ المَوالي.

    قال أبو عُمر: الوَثَنُ الصَّنمُ، وهو الصورةُ (٣) من ذهبٍ كان أو من (٤) فِضَّةٍ أو غيرِ ذلك من التِّمثالِ، وكلُّ ما يُعْبَدُ من دُونِ الله فهو وثنٌ، صنمًا كان أو غيرَ صنمٍ،

    vol. 3, p. 465وكانَتِ العربُ تُصلِّي إلى الأصنام وتَعْبُدُها، فخَشِيَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- على أمَّتِه أنْ تَصْنَعَ كما صنَع بعضُ مَن مَضَى من الأممِ؛ كانُوا إذا مات لهم نَبِيٌّ عكَفوا حولَ قبرِه كما يُصْنَعُ بالصَّنمِ، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ لا تَجعَلْ قبرِي وَثَنًا يُصَلَّى إليه، ويُسجَدُ نحوَه ويُعْبَدُ؛ فقدِ اشتدَّ غضبُ الله على من فعَل ذلك" . وكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُحَذِّرُ أصحابَه وسائرَ أُمَّتِه من سوءِ صنيعِ الأمم قبلَه، الذين صلَّوا إلى قُبورِ أنبِيائِهم، واتَّخَذوها قبلةً ومسجدًا كما صنعتِ الوَثَنِيَّةُ بالأوثانِ التي كانُوا يَسجُدون إليها ويُعَظِّمونها، وذلك الشركُ الأكبرُ، فكان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُخبِرُهم بما في ذلك من سخطِ الله وغضبِه، وأنَّه ممَّا لا يَرضاه؛ خشيةً عليهم امتثالَ طرقِهم. وكان -صلى الله عليه وسلم- يُحِبُّ مخالفةَ أهلِ الكتابِ وسائرِ الكفارِ، وكان يخافُ على أمَّتِه اتِّباعَهم، ألا تَرى إلى قولِه - صلى الله عليه وسلم - على جهةِ التعييرِ والتَّوبيخِ: "لَتَتَّبِعُنَّ سننَ الذين كانوا قبلَكم حَذْوَ النَّعْلِ بالنَّعْلِ، حتى إنَّ أحدَهم لو دخَل جُحْرَ ضبٍّ لدخَلْتُموه" (١) . وقد احتجَّ بعضُ من لا يَرى الصلاةَ في المقبرةِ بهذا الحديثِ، ولا حجةَ له فيه (٢) .

  28. أخبَرنا عبيدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرورٍ، قال: أخبَرنا عيسَى بنُ مسكينٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ سَنْجرَ، قال: حدَّثنا ابنُ نُميرٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ نساءَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- تَذاكَرْن عندَه في مرضِه كنيسةً رأيْنَها بأرضِ الحبشةِ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أولئك قومٌ إذا مات الرجلُ الصالحُ عِنْدَهم بَنَوا على قبرِه مسجدًا، ثُمَّ صوَّروا فيه تلك الصُّوَرَ، فأولئك شِرارُ الخلقِ عندَ الله" (١) .

    vol. 3, p. 466
  29. أخبَرنا قاسمُ بنُ محمدٍ، قال: أخبَرنا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ منصورٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ سَنْجرَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ (٢) الله بنُ موسَى، قال: أخبَرنا شَيْبانُ، عن هلالِ بنِ حُميدٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالَتْ: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في مرضِه الذي لم يَقُمْ منه: "لعَن اللهُ اليهودَ والنَّصارَى؛ اتَّخَذوا قبورَ أنبِيائِهم مساجدَ" . قالت: ولولا (٣) ذلك أُبرِزَ قبرُه، غيرَ أنَّه خشِي عليه أن يُتَّخَذَ مسجِدًا (٤) .

  30. حديثٌ مُوفي ثلاثينَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ

    مالكٌ (١) ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا مرِض العبدُ بعَث اللهُ إليه ملَكَيْن، فقال: انظُرا ماذا يقولُ لعُوَّادِه. فإن هو إذا جاؤوه حمِد اللهَ وأثنَى عليه، رفَعا ذلك إلى الله، وهو أعلمُ، فيقولُ: لعبدي على إن توفَّيتُه أن أُدخِلَه الجنةَ، وإن أنا شفَيتُه أن أُبْدِلَ له (٢) لحمًا خيرًا من لحمِه، ودمًا خيرًا من دمِه، وأن أُكفِّرَ عنه سيِّئاتِه" .

    vol. 3, p. 467
  31. هكذا روَاه جماعةُ الرواةِ عن مالكٍ مرسلًا (٣) ، وقد أسنَده عَبَّادُ بنُ كَثيرٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ.

  32. أخبَرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بِشْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي دُلَيْم، قال: أخبَرنا ابنُ وضَّاح، قال: أخبرنا إبراهيمُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ الوليدِ، عن عَبَّادِ بنِ كَثيرٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ

    vol. 3, p. 468الخدريِّ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أصاب اللهُ عبدًا بالبَلاءِ بعَث اللهُ إليهِ ملَكَينِ، فقال: انظروا ماذا يقولُ لعُوَّادِه، فإن قال لهم خيرًا فأنا أُبْدِلُه بلحمِه خيرًا من لحمِه، وبدَمِه خيرًا من دَمِه، وإن أنا توفَّيتُه فله الجنَّةُ، وإن أنا أَطلَقتُه من وَثاقِه فلْيَسْتأنفِ العملَ" (١) .

    قال أبو عُمر: هو عَبَّادُ بنُ كَثير الثَّقَفيُّ، كان رجلًا فاضلًا عابدًا، وليس بالقويِّ، يُعَدُّ في أهلِ مكَّةَ، وكان انتقَل إليها من البصرةِ، وأظنُّ أصلَه مِن الحجازِ، كان ابنُ عيينةَ يمنَعُ من ذِكرِه إلَّا بخيرٍ. وقال ابنُ مَعِينٍ: ضعيفُ الحديثِ. وقال البخاريُّ: فيه نَظرٌ. وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ، عن أبي مُطِيعٍ قال: كان عَبَّادُ بنُ كثيرٍ عندَنا ثقةً (٢) . قال: وأُخرِج من قبرِه بعدَ ثلاثين سنةً، فلم يُفقَدْ منه إلَّا شعيراتٌ، فدلَّنا ذلك على فضلِه.

  33. وعندَ عطاءِ بنِ يسارٍ أيضًا حديثٌ يُشبِهُ هذا في معناه:

    حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: أخبَرنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: أخبَرنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما أصاب المرءَ من وَصَبٍ، ولا نَصَبٍ، ولا حَزَنٍ، حتى الهمُّ يُهَمُّه، إلَّا كفَّر اللهُ من خطاياه" (٣) .

  34. أخبَرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: أخبَرنا وهبُ بنُ مسَرَّةَ، قال: أخبَرنا ابنُ وضَّاح، قال: أخبَرنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ (١) ، قال: أخبَرنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن عَلقمةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن القاسِم بنِ مُخَيْمِرةَ، عن عبدِ الله بنِ عمرٍو، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما من أحدٍ من المسلمين يُبتلَى في جسدِه إلَّا أمَر اللهُ -عزَّ وجلَّ- الحَفَظةَ، فقال: اكتُبوا لعبدي ما كان يعمَلُ وهو صحيحٌ، ما كان مَشْدودًا في وَثاقِي" .

    vol. 3, p. 469
  35. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا، فسبحان الله (٢) المبتدئ بالنِّعم المتفضِّل بالإحسان لا يستحقُّ عليه شيءٌ، ورحمته وسعت كلَّ شيءٍ، لا شريك له.

  36. حديثٌ حادٍ وثلاثونَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ

    مالكٌ (١) ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسَارٍ، أنَّه أخْبَرَه، قال: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجدِ، فدَخَل رجلٌ ثَائِرُ الرَّأْسِ واللحيةِ، فأشار إليه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بيَدِه (٢) أنِ اخْرُجْ. كأنَّه يَعْنِي إصلاحَ شَعَرِ رَأْسِه ولِحْيَتِه، ففَعَل الرجلُ ثمَّ رَجَع، قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أليس هذا خيرًا مِن أن يَأْتِيَ أحَدُكم ثَائِرَ الرَّأْسِ كأنَّه شيطانٌ؟ " .

    vol. 3, p. 470
  37. قولُه في هذا الحديثِ: ثَائِرُ الرَّأْسِ: يَعْنِي أنَّ شَعَرَه مُرْتَفِعٌ شَعِثٌ غيرُ مُرَجَّلٍ، وأصْلُ الكَلِمَةَ في اللغةِ: الظُّهورُ والخَيَالُ، ومنه أُخِذَ: الثائرُ والثَّوْرَةُ.

  38. ولا خِلافَ عن مالِكٍ أنَّ هذا الحديثَ مُرْسَلٌ، وقد يَتَّصِلُ مَعْناه مِن حديثِ جابِرٍ (٣) وغيرِه.

  39. وفيه إباحَةُ اتِّخَاذِ الشُّعورِ (٤) والوَفَرَاتِ والجُمَمِ (٥) ؛ لأنَّه لم يأْمُرْه بحَلْقِه.

  40. وفيه الحَضُّ على تَرْجِيلِ شَعَرِ الرأسِ واللحيةِ، وكَراهِيَةُ إهْمالِ ذلك والغَفْلةِ عنه حتى يتَشَعَّثَ ويَسْمُجَ (٦) . وهذا عندِي أصْلٌ في إباحَةِ التَّزَيُّنِ

    vol. 3, p. 471والتَّنَظُّفِ كلِّه، ما لم يتَشَبَّهِ الرجلُ في ذلك بالنساءِ، وإنَّما اسْتَثْنَيْتُ ذلك لقولِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لَعَن اللهُ المتَشَبِّهِينَ مِن الرجالِ بالنساءِ، والمتَشَبِّهَاتِ مِن النساءِ بالرجالِ" (١) . وهذا على العُمومِ، إلَّا أنْ يَخُصَّه عنه شيءٌ -صلى الله عليه وسلم-، فالتَّزَيُّنُ والتَّنَظُّفُ مُبَاحٌ بهذا (٢) الحديثِ وغيرِه، ما لم يكنْ إسْرافًا وتَنَعُّمًا، وتَشَبُّهًا بالجبَّارِين، يدُلُّك على ذلك قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "البَذاذَةُ مِن الإيمانِ" (٣) . وقد جاءَ عنه -صلى الله عليه وسلم- أنَّه نَهَى عن التَّرَجُّلِ إلَّا غِبًّا، مِن حديثِ البَصْرِيِّينَ (٤) . ومَعْنَاه، واللهُ أعلمُ، على ما ذكَرْتُ.