ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر تسعة أحاديث
466 paragraphs · vol. 6, p. 335
Page 4 of 12
- vol. 6, p. 390
روَى هذا الحديثَ عن ابنِ شهاب، جماعةٌ؛ منهم: معمرٌ (٣) ، وابنُ أبي ذِئب (٤) ، وصالحُ بنُ كَيْسانَ (٥) ، وابنُ أخي ابنِ شهاب (٦) ، بألفاظٍ مختلفةٍ ومعنًى واحد.
vol. 6, p. 391قال: وقال معمرٌ: قال ابنُ شهاب: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: ١٤] ، قال ابنُ شهاب: فنَرى أنَّ الإسلامَ: الكلمةُ، والإيمانَ: العَمَلُ.
-
وهذا الذي قالَه ابنُ شهاب، أنَّ الإسلامَ الكلمةُ والإيمانَ العملُ، خِلافُ ما تَقدَّمَ من الآثارِ المرفوعةِ في الإسلام وما بُنِي عليه، على ما مَضَى في هذا الباب؛ لأنَّ هذا يَدُلُّ على أنَّ الإسلامَ العَمَلُ، والإيمانَ الكلمةُ، إلّا أنَّ في تلك الأحاديثِ كلِّها في الإسلام: شهادةَ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ الله. فعلى هذا خرَج كلامُ ابنِ شهاب، واللّهُ أعلمُ (١) ، لا (٢) على إقام الصَّلاة، وإيتاءِ الزَّكاة، وصوم رمضانَ، والحجِّ. والمعنى في ذلك كلِّه مُتقاربٌ، إلّا أنَّ الذي عليه جماعةُ أهل الفقهِ والنَّظر، أنَّ الإيمانَ والإسلامَ سواءٌ، بدليل ما ذكَرْنا من كتابِ الله عزَّ وجلَّ قولَه: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: ٣٥، ٣٦] .
-
وعلى القول بأنَّ الإيمانَ هو الإسلامُ، جمهورُ أصحابنا وغيرُهم من الشافعيِّين والمالكيِّين، وهو قولُ داودَ وأصحابِه، وأكثرِ أهل السُّنّةِ والنَّظرِ المتَّبِعِين للسَّلَفِ والأثَر (٣) .
- vol. 6, p. 392
وقد رُوِي عن أبي جعفرٍ محمدِ بنِ عليِّ بنِ حسينٍ رضي اللهُ عنهم، أنَّه قال: هذا الإيمانُ - ودَوَّر دارةً - وهذا الإسلامُ، ودَوَّر دارَةً خلفَ الدَّار الأُولى، قال: فإذا أذْنَبنا خَرَجْنا من الدَّارر إلى الإسلام، وإذا أحْسَنّا رَجَعْنا إلى الإيمان، فلا نَخْرُجُ من الإسلام إلى الشِّرْك (١) . وقال بهذا طوائفُ من عَوامِّ أهلِ الحديث، وهو قولُ الشِّيعَة (٢) .
-
والصَّحيحُ عندَنا ما ذكَرْتُ لك، وهو كلُّه مُتقارِبُ المعنى، متفِقُ الأصل، وربَّما يختَلِفون في التَّسْميَة والألقاب، ولا يُكفِّرُون أحدًا بذنب، إلّا أنّهم اختَلفوا في تاركِ الصلاةِ وهو مُقِرٌّ بها؛ فكَفَّره منهم مَن ذكَرْنا قولَه في باب زيدِ بن أسلَمَ، عن بُسْرِ بنِ مِحْجَن (٣) ، وأبى الجمهورُ أن يُكَفِّرُوه إلّا بالجحدِ والإنكارِ الذي هو ضِدُّ التَّصْدِيق والإقرار، على ما ذكَرْنا هناك، والحمدُ للّه.
-
فهذا ما بينَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ في الإيمان.
-
وأمّا المعتزلةُ، فالإيمانُ عندَهم: جِمَاعُ الطّاعات (٤) ، ومن قصَّرَ منها عن شيء، فهو فاسقٌ لا مُؤمنٌ ولا كافرٌ، وهؤلاء هم المتحَقِّقُونَ بالاعتِزال، أصحابُ المنزلةِ بينَ المَنْزلَتَيْن. ومنهم مَن قال في ذلك بقول الخوارج: المُذْنِبُ كافِرٌ غيرُ
vol. 6, p. 393مُؤْمن. إلّا أنَّ الصُّفْرِيّةَ تجْعَلُه كالمشرك، وتَجْعَلُ دارَ المذنبِ المُخالِفِ لهم دارَ حرب. وأمّا الأباضِيّةُ فتَجْعَلُه كافِرَ نِعْمة، ولكنَّهم يُخَلِّدُونَه في النارِ إن لَمْ يَتُبْ من الكبيرة، ولا يَسْتَحِلُّونَ مالَه كما يَسْتَحِلُّه (١) الصُّفْرِيّةُ. ولهم ظواهرُ آياتٍ يُبَرْهِنُون (٢) بها قد فَسَّرَتْها السنةُ، وقد مَضَى على ما فَسَّرَتِ السنةُ في ذلك علماءُ الأُمَّة.
-
رَوَينا عن جابرِ بنِ عبدِ الله صاحبِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه قيل له: أكنتُم تَعُدُّونَ شيئًا من الذنوبِ كفرًا، أو شِرْكًا، أو نِفاقًا؟ قال: معاذَ الله، ولكنّا نقولُ: مؤمنين مُذْنِبين (٣) . ولولا أنَّ كتابنا هذا كتابُ شرح معاني السننِ الثابتةِ في "الموطأ" ، لَجَرَّدْنا الرَّدَّ عليهم هنا، وقد أكثرَ العلماءُ من الرَّدِّ عليهم وكَسْرِ أقوالهم، وكذلك أكثرَ أهلُ الحديثِ من روايةِ الآثارِ في الإيمان، ومَدارُ الباب كلِّه عندَ جميعِهم على ما ذكَرْتُ لك، وما تَوفيقي إلّا باللّه، عليه تَوَكَّلْتُ وإليه أُنِيبُ.
-
وأمّا الآياتُ التي نزَع بها العلماءُ في أنَّ الإيمانَ يَزيدُ وَينْقُصُ، فمنها: قولُ الله عزَّ وجلَّ: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: ١٢٤] ، وقولُه: {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: ١٧٣] ، وقولُه: {زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: ١٧] ، {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: ١٣] ، ومثلُ هذا كثيرٌ. وعلى أنَّ الإيمانَ يَزيدُ ويَنقُصُ؛ يَزيدُ بالطاعة، ويَنقُصُ بالمعصية، جماعةُ أهل الآثار، والفقهاءُ أهلُ الفَتوى بالأمصار.
- vol. 6, p. 394
وقد رَوَى ابنُ القاسم، عن مالك، أنَّ الإيمانَ يَزيدُ، ووَقَف في نُقْصانِه (١) . ورَوَى عنه عبدُ الرزّاق (٢) ، ومعنُ بنُ عيسى، وابنُ نافع (٣) ، وابنُ وَهْب (٤) ، أنَّه يَزيدُ ويَنقُصُ، يزيدُ بالطّاعَةِ، ويَنقُصُ بالمعصِيَة. وعلى هذا مَذهبُ الجماعةِ من أهلِ الحديث (٥) ، والحمدُ للّه.
-
حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ فَتْح، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ خالد، قال: حَدَّثَنَا عبيدُ بنُ محمد الكَشْوَرِيُّ بصنعاءَ، قال: حَدَّثَنَا سَلَمةُ بنُ شَبِيب، قال: سمعتُ عبدَ الرزّاق يقولُ: سمعتُ سُفيانَ الثَّوريَّ، ومعمرًا، وابنَ جُرَيج، ومالكَ بنَ أنس، وسُفيانَ بنَ عُيَيْنة، يقولون: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ. فقلنا لعبد الرزّاق: فما تقولُ أنت؟ قال: أقولُ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ، فإن لَمْ أقلْ هذا، فقد ضَلَلْتُ إذن وما أنا من المهتدين (٦) .
vol. 6, p. 395قال أحمدُ بنُ خالد: وحَدَّثَنَا عُبيدُ (١) بنُ محمد الكَشْوَريُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ يزيد، قال: سمعتُ عبدَ الرزّاق - وسُئِلَ عنِ الإيمان - فقال: أدْركْتُ أصحابَنا: سفيانَ الثَّوريَّ، وابنَ جُرَيْج، وعبيدَ الله (٢) بنَ عمرَ، ومالكَ بنَ أنس، ومعمرَ بنَ راشد، والأوزاعيَّ، وسفيانَ بنَ عُيَيْنة، يقولون: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ. فقال له بعضُ القوم: فما تقولُ أنت يا أبا بكر؟ قال: إن خالَفْتُهم فقد ضَلَلْتُ إذًا وما أنا منَ المُهْتَدين (٣) .
قال أحمد: وحَدَّثَنَا عبيدُ بنُ محمد، قال: حَدَّثَنَا عبد الرزّاق قال: كان معمر، وابنُ جُرَيج، وسفيانُ الثَّوريُّ، ومالكُ بنُ أنس، يَكرَهُون أن يقولوا: أنا مُستكْمِلُ الإيمان، على إيمانِ جبريلَ وميكائيلَ (٤) .
-
حَدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوَرْد، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُوسُ بنُ دَيْزُوية (٥) ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ المنذر، قال: حَدَّثَنَا مَعْنُ بنُ عيسى، قال: سمعتُ مالكَ بنَ أنس - وسألَه رجلٌ عن الإيمان - فقال: الإيمانُ قولٌ وعملٌ.
- vol. 6, p. 396
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الملك، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ مَسْرور، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ مِسْكين، قال: حَدَّثَنَا ابنُ سَنْجَر، قال: حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ سُلَيْم، قال: سألتُ عَشَرةً من الفقهاءِ عن الإيمان، فقالوا: قولٌ وعملٌ؟ سألتُ: سفيانَ الثَّوريَّ، ومالكَ بنَ أنس، وابنَ جُرَيج، وهشامَ بنَ حسّانَ، ومحمدَ بنَ عَمْرِو بنِ عثمان، وفُضَيلَ بنَ عِياض، وسفيانَ بنَ عُيَيْنةَ، ومحمدَ بنَ سالم الطّائفيَّ، والمثنّى بنَ الصَّبّاح، ونافعَ بنَ عُمرَ الجُمَحيَّ، فكلُّهم قال لي: الإيمانُ قولٌ وعملٌ (١) .
قال الحُميديُّ (٢) : وسمعتُ سفيانَ بنَ عُيَيْنة يقولُ: الإيمانُ يَزيدُ ويَنقُصُ، فقال له أخوه إبراهيمُ بنُ عُيَيْنةَ: لا تقلْ: يَنْقُصُ، فغَضِب، وقال: اسْكُتْ يا صَبِيُّ، بل يَنقُصُ حتى لا يَبقَى منه شيءٌ (٣) . وقال سفيانُ بنُ عُيَيْنة: نحن نقولُ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، والمرجئةُ تقولُ: الإيمانُ قولٌ، وجعَلُوا تركَ الفرائضِ ذنبًا بمنزلةِ رُكُوبِ المحارم، وليس كذلك، إنَّ تَرْكَ الفرائضِ من غيرِ جهلٍ ولا عُذْرٍ كُفْرٌ، ورُكوبُ المحارم عمدًا من غيرِ استِحلالٍ مَعصِيةٌ، وبيانُ ذلك أمرُ آدمَ وإبليسَ؛ وذلك أنَّ اللهَ حرَّمَ على آدمَ الشجرة، ونهاه عن الأكل منها، فأكَلَ منها، فسمّاه عاصيًا، وأمرَ إبليسَ بالسُّجُودِ فأبى واستكْبَر، فسُمِّي كافرًا.
-
حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا
vol. 6, p. 397أحمدُ بنُ زهير، قال (١) : حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن عطاءِ بنِ السّائب، قال: سأل هشامُ بنُ عبدِ الملك الزهريَّ، فقال: حُدِّثْنا بحديثِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَن مات لا يُشرِكُ باللّه شيئًا دَخَل الجَنَّة، وإن زنَى، وإن سرَق" ، فقال الزُّهريُّ: أين يذهبُ بك يا أميرَ المؤمنين؟ كان هذا قبلَ الأمرِ والنَّهي (٢) .
-
وفيما أجازَنا عبدُ بنُ أحمدَ بنِ محمدٍ الهَرَويُّ، وأذِن لي في رِوايتِه عنه، وكتَبَه إليَّ بخَطِّه، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ عَبْدانَ، قال: أخبرنا أبو يوسفَ يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّورَقيُّ، قال: حَدَّثَنَا عُبيدُ الله (٣) بنُ موسى، قال: أخبرنا مُباركُ بنُ حسّان (٤) ، قال: قلتُ لعَطاءِ بنِ أبي رباح: إنّ في المسجدِ عُمرَ بنَ ذَرٍّ، ومسلمًا النحّاتَ (٥) ، وسالمًا الأفْطَسَ (٦) ، قال: وما يقولون؟ قلت: يقولون: مَن زنَى، وسرَق، وشَرِب الخمرَ، وقذَف المحْصَنات، وأكَل الرِّبا، وعَمِل بكلِّ مَعصِية، أنّه مؤمنٌ كإيمانِ البَرِّ التَّقيِّ الذي لَمْ يَعْصِ الله. فقال: أبلِغْهم ما حدَّثني أبو هريرة، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يَقتُلُ القاتلُ حين يَقتُلُ وهو مؤمنٌ، ولا يَزني الزّاني حينَ يَزْني وهو مؤمنٌ، ولا يَسرِقُ السارقُ حين يَسْرِقُ وهو مؤمنٌ، ولا يَشرَبُ الخمرَ حينَ يَشرَبُها وهو مؤمنٌ، ولا يَختَلِسُ خُلْسةً يُشتَهَرُ بها وهو مؤمن" . قال
vol. 6, p. 398عطاءٌ: يُخْلَعُ منه الإيمانُ كما يَخلَعُ المرءُ سِرْبالَه، فإنْ رَجَع إلى الإيمانِ تائبًا رجَع إليه الإيمانُ إن شاء الله. قال: فذَكَرْتُ ذلك لسالم الأفطسِ وأصحابِه، فقالوا: وأين حديثُ أبي الدَّرْداء: "وإن زنَى وإن سرَق" ؟ قال: فرَجَعتُ إلى عطاء، فذَكَرْتُ ذلك له، فقال: قلْ لهم: أوَ ليس قد قال الله: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: ١١٠] ؟ فدخَل فيه السارقُ وغيرُه، ثم نزلَتِ الأحكامُ والحدودُ بعدُ فلَزِمتْه، ولم يُعْذَرْ في تَركِها، وقال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له" (١) ، وقال: "الإيمانُ قيَّدَ (٢) الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مُؤمِنٌ" (٣) .
قال أبو عُمر: في الحياءِ أحاديثُ مرفوعةٌ حِسانٌ، نذكُرُ منها هاهُنا ما حضَرَنا ذِكْرُه.
-
حدَّثني أحمدُ بنُ قاسم بن عبدِ الرَّحمن، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا الحارث بنُ أبي أسامة، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرنا أبو نعامَةَ العدَويُّ، عن حُميدِ بنِ هلال، عن بُشَيرِ بنِ كعب، عن عمرانَ بنِ حُصَيْن، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الحياءُ كلُّه خيرٌ" . قال بُشَيرٌ: فقلتُ: إنَّ منه ضَعْفًا، وإنَّ منه عَجْزًا، فقال: أخبرتُك عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وتُجيبُني بالمعاريض؟ لا أُحدِّثُكَ
vol. 6, p. 399بحديثٍ ما عَرفتُك. فقالوا: يا أبا نُجَيد، إنّه طيِّبُ القراءة، وإنّه، وإنّه. فلم يزالُوا به حتى سكَن وحدَّث (١) .
-
وحَدَّثَنَاه سعيدُ بنُ نصر (٢) ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ رَوْح المدائنيُّ (٣) ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارون، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بنُ رباح أبو الفضل (٤) ، قال: حَدَّثَنَا أبو السَّوّارِ العَدَويُّ، عن عمرانَ بنِ حُصين (٥) ، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الحياءُ خير كلُّه" ، فقال له رجل: إنّه يقالُ في الحكمة: إنَّ منه ضعْفًا. فقال عمرانُ (٦) : أُخبرُكَ عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وتُحدِّثُني عن الصُّحُف (٧) ؟
- vol. 6, p. 400
وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الملك، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ مسرور، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ مِسْكين، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الله بن سَنْجَر، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ سُليمان، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْم، عن منصورِ بنِ زاذانَ، عن الحسن، عن أبي بَكْرَة، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الحياءُ مِن الإيمان" (١) .
-
وحَدَّثَنَا محمدٌ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله، قال: حَدَّثَنَا عيسى، قال: حَدَّثَنَا ابنُ سَنْجَرَ، قال: حَدَّثَنَا الحجّاجُ، قال: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ سَلَمة، عن محمدِ بنِ عَمْرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرةَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الحياءُ مِن الإيمان" (٢) .
-
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد بن أسَد، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ زكريّا بنِ يحيى بنِ يعقوبَ المقدسيُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ حمّادٍ الطِّهرانيُّ، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاق (٣) ، عن مَعْمر، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ما كان الحياءُ في شيءٍ قطُّ إلَّا زانَه، وما كان الفُحْشُ في شيءٍ قطُّ إلَّا شانَه" (٤) .
- vol. 6, p. 401
وروى وَكيعٌ (١) ، عن مالك، عن سَلَمةَ بنِ صَفْوان، عن يَزيدَ بنِ رُكانة (٢) ، عن أبيه، قال: سمعتُ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "إنَّ لِكلِّ دينٍ خُلُقًا، وخُلق هذا الدِّينِ الحياءُ" (٣) .
-
لَمْ يَرْوِه عن مالكٍ بهذا الإسناد إلّا وَكيع (٤) ، وسنذكُرُه في بابِه من هذا الكتاب (٥) إن شاء الله؛ حَدَّثَنَاه عبدُ الوارث، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ زُهَيْر، قال (٦) : حَدَّثَنَا عليُّ بنُ الحَسَن الصَّفّار، قال: حَدَّثَنَا وكيعٌ.
وقال أبو سَعيدٍ الخُدْريُّ: كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أشَدَّ حَياءً من عَذْراءَ في خِدْرِها (٧) (٨) .
- vol. 6, p. 402
حديثٌ ثالثُ لابن شِهاب، عن سالم مسنَدٌ
مالكٌ (١) ، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبد الله بن عُمر، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلَّى المغربَ والعِشاءَ بالمُزْدَلفة جميعًا (٢) .
-
كذا رَواه جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ فيما عَلِمتُ، إلّا محمدَ بنَ عَمْرو الغَزِّيَّ، فإنّه ذكَرَ فيه الظهرَ والعصرَ بعَرفَة، وزادَ ألفاظًا ليست في "الموطأ" عندَ أحدٍ منَ الرُّواة.
-
أخبرني محمدٌ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ عُمرَ الحافظ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ المصريُّ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ سَهْل الدِّمياطيُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عَمْرو، قال: حَدَّثَنَا مالكُ بنُ أنس، عن الزهريِّ، عن سالم، عن ابنِ عُمرَ، قال: جمعَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينَ الظُّهرِ والعصرِ بعرفَة، وبينَ المغربِ والعِشاءِ بالمزدَلفة، لَمْ يُنادِ في واحدةٍ منهما إلّا بالإقامة، ولم يَفصِلْ بينَهما تَطوُّعًا ولا إثْرَ واحدةٍ منهما. قلتُ: فما بالُ الأذان؟ قال: إنّما الأذانُ داعٍ يَدْعُو الناسَ إلى الصَّلاة، فمَن يَدعُو وهم معَه (٣) ؟
-
لَمْ يُتابَعْ عليه عن مالك، وزاد فيه قوم من أصحابِ ابنِ شهابٍ ألفاظًا سنذكُرُها، ونوضِّحُ القولَ في معانيها إن شاء الله.
vol. 6, p. 403قال أبو عُمر: لا خِلافَ عَلِمتُه بين علماءِ المسلمين من الصحابةِ والتابعين، ومَن بعدَهم من الخالفين، أنَّ المغربَ والعِشاءَ يُجمَعُ بينَهما في وقتِ العِشاءِ ليلةَ النَّحْرِ بالمزدَلفة لإمام الحاجِّ والناسِ معَه (١) . واختَلَف العلماءُ فيمَن لَمْ يَدفَعْ معَ الإمام على ما سنَذكُرُه إنْ شاءَ الله.
-
والمزدَلفةُ هي المَشْعَرُ الحرامُ، وهي جمعٌ؛ ثلاثةُ أسماءٍ لموضع واحد (٢) . ومن الدليل على أنَّ ذلك كذلك لإمام الحاجِّ والناسِ في تلك الليلة، قولُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديثِ أسامةَ بنِ زيد: "الصَّلاةُ أمامَك" ، بالمزدَلفة. وسنذكُرُ هذا الحديثَ ووجهَ القولِ فيه في باب موسى بن عُقبةَ من كتابنا هذا (٣) إن شاء اللهُ تعالى.
-
واختَلَف العلماءُ في هَيئةِ الجمع بينَ الصَّلاتين بالمزدَلفة على وَجْهَين؛ أحدُهما: الأذانُ والإقامة، والآخرُ: هل يكونُ جمعُهما متَّصلًا لا يُفصَلُ بينَهما بعَمَل، أم يجوزُ العملُ بينَهما بعَمل مثلَ العَشاءِ وحَطِّ الرِّحَالِ ونحوِ ذلك؟
-
فأمّا اختلافُهم في الأذانِ والإقامة، فإنَّ مالكًا وأصحابَه يقولون: يُؤذَّنُ لكلِّ واحدةٍ منهما ويُقَامُ بالمُزْدَلفة (٤) . وكذلك قولُه في الظهرِ والعصرِ بعَرَفةَ أيضًا، إلّا أنَّ ذلك في أولِ وَقتِ الظهرِ بإجماع. قال ابنُ القاسم (٥) : "قال لي مالكٌ في جَمْع الصَّلاتَيْن بعَرَفةَ وبالمَشْعَرِ الحرام، قال: لكلِّ صلاةٍ أذانٌ وإقامةٌ. قال: وقال مالكٌ: كلُّ شيءٍ إلى الأئمّة، فلكلِّ صلاةٍ أذانٌ وإقامةٌ" .
vol. 6, p. 404قال أبو عُمر: لا أعلمُ فيما قاله مالكٌ في هذا الباب حديثًا مرفوعًا إلى النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بوَجْهٍ من الوُجوه، ولكنّه رُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطاب من حديثِ إسرائيل، عن سِمَاكِ بنِ حَرْب، عن النُّعمان بن حُمَيْد أبي قُدامَة (١) ، أنَّه صَلّاها معَ عُمرَ بالمُزْدَلفةِ كذلك (٢) . واختُلِفَ فيه، وليس من قَوِيِّ الحديث (٣) .
-
ورُوِي عن ابنِ مسعودٍ من حديثِ أبي إسحاق، عن عبدِ الرَّحمن بنِ يزيدَ، قال: خرَجتُ مع عبدِ الله بنِ مسعودٍ إلى مكة، فلمّا أتى جمعًا صلَّى الصَّلاتَيْن كلَّ واحدةٍ منهما بأذانٍ وإقامة، ولم يصلِّ بينَهما شيئًا. رواه الثَّوريُّ، وشعبةُ، وجماعةٌ، عن أبي إسحاق (٤) .
- vol. 6, p. 405
والذي يَحضُرُني من الحُجّة لمالكٍ في هذا الباب من جهةِ النَّظَر (١) ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَّ في الصَّلاتَيْن بعَرَفةَ والمُزْدَلفةِ أنَّ الوَقتَ لهما جميعًا وَقتٌ واحدٌ، وإذا كان وقتُهما واحِدًا، وكانت كلُّ واحدةٍ تُصَلَّى في وقتِها، لَمْ تكنْ واحدةٌ منهما أوْلى بالأذانِ والإقامةِ من الأخرى؛ لأنّ ليس واحدةٌ منهما فائتةً تُقْضَي، وَإنّما هي صلاةٌ تُصَلَّى في وَقتِها، وكلُّ صلاةٍ صلِّيَتْ في وَقتِها فسُنَّتُها أن يُؤذَّنَ لها ويُقامَ في الجماعة، وهذا بيِّنٌ، واللّهُ أعلم.
وقال آخرون (٢) : أمّا الأُولى منهما فتُصَلَّى بأذانٍ وإقامة، وأمّا الثانيةُ فتُصَلَّى بلا أذانٍ ولا إقامة.
قالوا: وإنّما أمرَ عُمرُ بالتَّأذين للثانية؛ لأنَّ الناسَ كانوا قد تَفرَّقوا لعَشائهم، فأذَّن ليجمَعَهم. قالوا: وكذلك نقولُ نحن: إذا تفرَّق الناسُ عن الإمام لعَشاءٍ أو غيره، أمرَ المؤذِّنين فأذَّنُوا لجَمْعِهم، وإذا أذَّنَ أقام. قالوا: فهذا معنَى ما رُوِيَ عن عمرَ رضي اللهُ عنه. قالوا: والذي رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ فمثلُ ذلك أيضًا.
-
وذَكَروا ما حَدَّثَنَاه محمدُ بن إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ مُطَرِّف، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حَدَّثَنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ يزيدَ، قال: كان ابنُ مسعودٍ يجعلُ العَشاءَ بالمُزْدَلفةِ بينَ الصَّلاتَيْن (٣) .
-
وذكَرَ عبدُ الرزّاق، قال: أخبرنا أبو بكر بنُ عيّاش، عن أبي إسحاقَ، عن
vol. 6, p. 406عبدِ الرَّحمن بنِ يزيدَ، قال: كنتُ معَ ابنِ مسعودٍ بجَمْع، فجعلَ بينَ المغربِ والعِشاءِ العَشاءَ، وصلَّى كلَّ صلاةٍ بأذانٍ وإقامة (١) .
-
وذكر الطحاويُّ، قال (٢) : حَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ يونسَ، قال: حَدَّثَنَا إسرائيلُ، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، أنَّه صلَّى الصَّلاتَيْن مرَّتَيْن بجَمْع، كلَّ صلاةٍ بأذانٍ وإقامة، والعَشاءُ بينَهما.
وقال آخرون (٣) : تُصَلَّى الصَّلاتانِ جميعًا بالمُزْدَلفةِ بإقامةٍ واحدة، ولا يُؤَذَّنُ في شيءٍ منهما. واحتَجُّوا بما رواه شعبةُ، عن الحَكَم بنِ عُتيبةَ وسلمةَ بنِ كُهَيْل، قالا: صلَّى بنا سعيدُ بنُ جبيرٍ بإقامةٍ المغربَ ثلاثًا، فلمّا سلَّمَ قام فصلَّى رَكعَتي العِشاء، ثم حدَّث عن ابنِ عمرَ أنّه صنَعَ بهم في ذلك المكانِ مثلَ ذلك، وحدَّثَ ابنُ عمرَ أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صنَعَ بهم في ذلك المكانِ مثلَ ذلك (٤) .
-
وذكَر عبدُ الرزّاق وعبدُ الملك بنُ الصَّبّاح (٥) ، عن الثَّوريِّ، عن سَلَمةَ بنِ كُهَيْل، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عمرَ، قال: جمعَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينَ المغربِ
vol. 6, p. 407والعِشاءِ بجَمْع؛ صلاةِ المغربِ ثلاثًا، والعِشاءِ رَكْعَتَين، بإقامةٍ واحدةٍ (١) .
-
وقالا أيضًا عن الثَّوريِّ، عن أبي إسحاق، عن عبدِ الله بنِ مالك، قال: صَلَّيتُ معَ ابنِ عمرَ المغربَ ثلاثًا، والعِشاءَ ركعتَيْن، بالمُزْدَلفة، بإقامةٍ واحدة (٢) . فقال مالكُ بنُ خالد - قال عبدُ الرزّاق: هو الحارثيُّ، وقال عبدُ الملك: هو المحاربيُّ -: ما هذه الصلاةُ يا أبا عبدِ الرَّحمن؟ قال: صَلَّيتُها معَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا المكان بإقامةٍ واحدة.
قال أبو عُمر: الصَّوابُ: الحارثيُّ (٣) .
-
وقد رَوَى شعبةُ هذا الحديث، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الله بنِ مالكِ بنِ الحارث، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (٤) ، كما رواه الثَّوريُّ.
-
ورواه زهيرُ بنُ معاوية، عن أبي إسحاق، عن مالكِ بنِ الحارث، عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (٥) . والصوابُ ما قاله شعبةُ والثَّوريُّ (٦) ، واللّهُ أعلم.
- vol. 6, p. 408
وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ مُطَرِّف، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حَدَّثَنَا يونسُ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيح، عن مجاهدٍ، قال: حدَّثني أربعةٌ كلُّهم ثقةٌ؛ منهم: سعيدُ بنُ جبير، وعليٌّ الأزْدِيُّ، عن ابنِ عمرَ، أنه صلَّى المغربَ والعِشاءَ بالمُزْدَلفةِ بإقامةٍ واحدة (١) .
-
وذَكَر عبدُ الرزّاق، عن ابنِ عُيَيْنةَ، عن ابنِ أبي حُسَين، عن عليٍّ الأزديِّ، عن ابنِ عُمرَ، مثلَه. وبه يقولُ سفيانُ الثَّوريُّ (٢) وجماعة.