الحديث الرابع إلى التاسع
7 paragraphs · vol. 8, p. 585
- vol. 8, p. 585
ثمَّ قَالَ الرَّافِعِيّ: وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّا لَا ننسخ الْكتاب بِالسنةِ إِذا لم تتواتر، وَالرَّجم مِمَّا اشْتهر عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي قصَّة مَاعِز والغامدية واليهوديين، وَعَلَى ذَلِك جَرَى الْخُلَفَاء بعده وَبلغ حد التَّوَاتُر، فَعَن أبي هُرَيْرَة، وَزيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما «أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -، فَقَالَ أَحدهمَا: يَا رَسُول الله، اقْضِ بَيْننَا بِكِتَاب الله ... »
- vol. 8, p. 586
الحَدِيث الَّذِي تقدم فِي «اللّعان» ، وَفِي آخِره: «فَأمر أنيسًا الْأَسْلَمِيّ (أَن يَغْدُو) عَلَى امْرَأَة الآخر؛ فَإِن اعْترفت فارجمها، فَأَتَاهَا فَاعْترفت فرجمها» وَرُوِيَ: «أَن مَاعِز بن مَالك الْأَسْلَمِيّ اعْترف بِالزِّنَا عِنْد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فرجمه» . وَعَن بُرَيْدَة «أَن امْرَأَة من غامد اعْترفت بِالزِّنَا، فَأمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (برجمها) » . وَعَن عمرَان بن حُصَيْن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مثل ذَلِك فِي امْرَأَة من جُهَيْنَة.
-
هَذَا آخر مَا ذكره الرَّافِعِيّ، وَهُوَ مُشْتَمل عَلَى خَمْسَة أَحَادِيث، أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَزيد بن خَالِد فَتقدم بيانهما مَبْسُوطا فِي اللّعان، وَأما حَدِيث الْيَهُودِيين فَسَيَأْتِي حَيْثُ ذكره المُصَنّف، وَأما حَدِيث مَاعِز فَأخْرجهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» من حَدِيث بُرَيْدَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «جَاءَ مَاعِز بن مَالك إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ: يَا رَسُول الله، طهرني. فَقَالَ: وَيحك، ارْجع واستغفر الله وَتب إِلَيْهِ. قَالَ: فَرجع غير بعيد، ثمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، طهرني. فَأَعَادَ القَوْل عَلَيْهِ، فَأَعَادَ هُوَ حَتَّى إِذا كَانَت الرَّابِعَة قَالَ لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -: مِم أطهرك؟ قَالَ: من الزِّنَا. فَسَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -: أبه جُنُون؟ فَأخْبر أَنه لَيْسَ بمجنون، فَقَالَ: أشربت خمرًا؟ فَقَامَ رجل فاستنكهه فَلم يجد مِنْهُ ريح خمر، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -: أزنيت؟ قَالَ: نعم. فَأمر بِهِ فرجم، (وَكَانَ) النَّاس فِيهِ فرْقَتَيْن: (فَقَائِل) يَقُول: قد هلك، لقد أحاطت بِهِ خطيئته. (وَقَائِل) يَقُول: مَا تَوْبَة أفضل من تَوْبَة مَاعِز، إِنَّه جَاءَ إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَوضع يَده فِي يَده (فَقَالَ) : اقتلني بِالْحِجَارَةِ.
- vol. 8, p. 587
(قَالَ) : فلبثوا بذلك يَوْمَيْنِ وَثَلَاثَة، ثمَّ جَاءَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وهم جُلُوس فَسلم ثمَّ جلس فَقَالَ: اسْتَغْفرُوا لماعز بن مَالك. فَقَالُوا: غفر الله لماعز بن مَالك. فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -: لقد تَابَ تَوْبَة لَو قسمت بَين أمة لوسعتهم» . هَذَا لفظ مُسلم فِي إحدي روايتيه. وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» : «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، إِنَّه الْآن لفي أَنهَار الْجنَّة ينغمس فِيهَا» . وَرَوَى قصَّة مَاعِز الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَابْن عَبَّاس وَمُسلم من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة، وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث جَابر: «أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما رجم مَاعِز بن مَالك قَالَ: لقد رَأَيْته يتخضخض فِي أَنهَار الْجنَّة» . وَرَوَاهُ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَمر بِهِ فطرد فِي الثَّلَاث مَرَّات الأول» .
-
فَائِدَة: مَاعِز هَذَا هُوَ ابْن مَالك، وَهُوَ أسلمي قَالَ ابْن عبد الْبر: هُوَ مَعْدُود فِي الْمَدَنِيين، كتب لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كتابا بِإِسْلَام قومه، رَوَى عَنهُ ابْنه عبد الله حَدِيثا وَاحِدًا. وَحَكَى الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم خلف بن عبد الْملك الْقُرْطُبِيّ، عَن أبي (عَلّي) بن السّكن، وَأبي الْوَلِيد
vol. 8, p. 588بن الفرضي: أَن ماعزًا لقب لَهُ، وَأَن اسْمه غَرِيب بن مَالك.
-
وَأما حَدِيث الغامدية: فَأخْرجهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» عقب (حَدِيث) مَاعِز من رِوَايَة بُرَيْدَة قَالَ: «ثمَّ جَاءَت امْرَأَة من غامد من الأزد، فَقَالَت: يَا رَسُول الله، طهرني. قَالَ: وَيحك، ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِلَيْهِ. فَقَالَت: أَرَاك تُرِيدُ أَن ترددني كَمَا رددت مَاعِز بن مَالك. قَالَ: وَمَا ذَاك؟ قَالَت: إِنَّهَا حُبلى من الزِّنَا، فَقَالَ: آنت؟ قَالَت: نعم. فَقَالَ لَهَا: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنك. قَالَ: فكفلها رجل من الْأَنْصَار حَتَّى وضعت، قَالَ: (فَأتي) النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حِين وضعت، (فَقَالَ) : وضعت الغامدية يَا رَسُول الله، قَالَ: إِذا لَا نرجمها وَنَدع وَلَدهَا صَغِيرا، لَيْسَ (لَهُ) من يرضعه. فَقَامَ رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ: إليَّ رضاعه يَا رَسُول الله. فرجمها» هَذَا لفظ إِحْدَى روايتي مُسلم، وَقد سلف فِي «بَاب السُّكْنَى للمعتدة» الِاخْتِلَاف فِي اسْمهَا. وَفِي «علل (ابْن) أبي حَاتِم» : سُئِلَ أبي عَن هَذَا الحَدِيث فَذكره وَفِيه: أَنَّهَا قَالَت: «أقِم عليَّ الْحَد، فَقَالَ: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنك. فَلَمَّا وضعت جَاءَت فَقَالَت: قد (وضعت)
vol. 8, p. 589قَالَ: فاذهبي فأرضعيه حَتَّى تفطميه. فَذَهَبت فأرضعته حَتَّى فَطَمته، ثمَّ جَاءَت فَقَالَ: قد فَطَمته. قَالَ: اذهبي فاكفليه. فَذَهَبت، ثمَّ جَاءَت هِيَ وَأُخْت لَهَا تماشيان، فَقَالَت: هَذِه أُخْتِي تكفله. فَجعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [يعجب] مِنْهَا، وَمن أُخْتهَا، ثمَّ أَمر بهَا أَن ترْجم، ثمَّ قَالَ: إِذا وضعتموها فِي حفرتها فليذهب رجل (مِنْكُم) من بَين يَديهَا كَأَنَّهُ يُرِيد أَن يرميها حَتَّى إِذا (شغلها) فليذهب (بِرَجُل) مِنْكُم (من) خلفهَا بِحجر عَظِيم فليرم [بِهِ] رَأسهَا» . قَالَ ابْن أبي حَاتِم: قَالَ أبي: هَذَا حَدِيث مُنكر.
-
وَأما حَدِيث عمرَان: فَأخْرجهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» أَيْضا عَنهُ: «أَن امْرَأَة من جُهَيْنَة أَتَت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -، وَهِي حُبلى من الزِّنَا، فَقَالَت: يَا نَبِي الله، أصبت حدًّا فأقمه عليّ. قَالَ: فَدَعَا نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَليهَا، فَقَالَ: أحسن إِلَيْهَا، فَإِذا وضعت فائتني بهَا. فَفعل، فَأمر بهَا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فشكت عَلَيْهَا ثِيَابهَا، ثمَّ أَمر بهَا فرجمت، ثمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عمر: تصلي عَلَيْهَا يَا نَبِي الله وَقد زنت؟ ! فَقَالَ (لي) : يَا عمر، لقد تابت تَوْبَة لَو قسمت بَين سبعين من أهل الْمَدِينَة لوسعتهم، وَهل وجدت تَوْبَة أفضل من أَن
vol. 8, p. 590جَادَتْ بِنَفسِهَا إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ؟» . وَفِي النَّسَائِيّ: «حضر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَجمهَا ورماها بِحجر قدر الحمصة، وَهُوَ رَاكب عَلَى بغلته، ثمَّ قَالَ للنَّاس: ارموا، وَإِيَّاكُم وَجههَا» . وَفِي الطَّبَرَانِيّ: «لقد تابت تَوْبَة لَو قَامَ بهَا أهل الْمَدِينَة لقبل مِنْهُم» .