وأما «المستدرك» للحاكم أبي عبد الله

100 paragraphs · vol. 1, p. 311

Page 2 of 3

  1. والخاصة عَن: أبي (زرْعَة) طَاهِر بن الْحَافِظ أبي الْفضل مُحَمَّد بن عَلّي الْمَقْدِسِي، وَرَجَب بن مَذْكُور بن (أرنب) ، وَغَيرهمَا.

    vol. 1, p. 322
  2. رَوَى عَن هَؤُلَاءِ كلهم - خلا عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك - فِي «أَمَالِيهِ» ، وَهُوَ فِي «أربعينه» .

    vol. 1, p. 323
  3. رَوَى عَنهُ بِالسَّمَاعِ: وَلَده الإِمام (عَزِيز) الدَّين - مُحَمَّد، والحافظ زكي (الدَّين) عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ، سمع مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة - عَلَى ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام - و (حَدَّث عَنهُ) فِي «مُعْجَمه» ، وَلم يكن حِين اجْتمع بِهِ عرف أَنه ذَلِك الإِمام؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي زِيّ الْفُقَرَاء الصَّالِحين، وَآخَرُونَ.

  4. وبالإِجازة: ابْن أُخْته أَبُو الثَّنَاء مَحْمُود بن أبي سعيد الْقزْوِينِي الطاوسي، وَأَبُو الْفَتْح عبد الْهَادِي بن عبد الْكَرِيم الْقَيْسِي، خطيب المقياس، وفخر الدَّين عبد الْعَزِيز بن قَاضِي الْقُضَاة (عماد الدَّين) عبد الرَّحْمَن، الْمَعْرُوف ب «ابْن السكرِي» ، وَغَيرهم.

  5. وَمن حَدِيثه: مَا أَنا بَقِيَّة الحفَّاظ صَلَاح الدَّين (أَبُو) سعيد خَلِيل بن (كيكلدي) بن عبد الله العلائي، بالقدس الشريف، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، قَالَ: أَنا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْمُؤَذّن (الواني) بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أَنا أَبُو الثَّنَاء مَحْمُود بن (أبي) سعيد بن مَحْمُود بن الناصح الْقزْوِينِي (سَمَاعا) عَلَيْهِ، أَنبأَنَا (خَالِي) الإِمام أَبُو

    vol. 1, p. 324الْقَاسِم عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد الرَّافِعِيّ (ح) .

  6. وَأَخْبرنِي مشافهة عَالِيا الْأَئِمَّة: أثير الدَّين أَبُو حَيَّان، وَعبد الْكَرِيم الْحلَبِي، وَبدر الدَّين مُحَمَّد بن أَحْمد الفارقي قَالُوا: أخبرنَا فَخر الدَّين أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن قَاضِي الْقُضَاة عماد الدَّين، الْمَعْرُوف ب (ابْن) السكرِي - الْأَوَّلَانِ سَمَاعا، وَالثَّالِث إجَازَة - قَالَ: أَنبأَنَا الإِمام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ - قَدَّس الله روحه، ونَوَّر ضريحه - قَالَ: قَرَأت عَلَى وَالِدي، قيل لَهُ: أخْبركُم عبد الله بن مُحَمَّد بن الْفضل، فأقَرَّ بِهِ، أخبرتنا فَاطِمَة بنت (أبي عَلّي) الدقاق، أخبرنَا عبد الْملك بن الْحسن، أَنا أَبُو عوَانَة - يَعْنِي الإِسفراييني - نَا الصغاني، نَا (عبيد الله) بن مُوسَى، أَنا طَلْحَة بن يَحْيَى، عَن أبي بردة، عَن أبي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -: «إنَّ هَذِه الأُمَّةَ أمة مَرْحُومَة، لَا عَذَاب عَلَيْهَا، (عَذَابُها فِي الدُّنْيَا) بأيديها، فَإِذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَة، أُعطيَ كُلُّ رجلٍ مِنْهُم رجلا من أهلِ الأَدْيانِ، فَكَانَ فَكَاكَهُ من النَّار» .

  7. وَأخْبرنَا الشَّيْخ صَلَاح (الدَّين) الْمَذْكُور بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أخبرنَا شيخ الشُّيُوخ فريد الْعَصْر أَبُو المجامع إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد (بن) الْمُؤَيد

    vol. 1, p. 325بن حمويه الْجُوَيْنِيّ فِيمَا شافهني بِهِ بمنى - شَرَّفَها الله - ثمَّ كتب بِهِ إليَّ.

  8. وحدَّثني بعض أَصْحَابنَا الْحفاظ، أَنا الإِمام (عَزِيز) الدَّين مُحَمَّد بن الإِمام الْعَلامَة إِمَام الدَّين أبي الْقَاسِم عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الرَّافِعِيّ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بقزوين سنة (إِحْدَى وَسبعين) وسِتمِائَة، نَا وَالِدي من لَفظه سنة إِحْدَى عشرَة قَالَ: قَرَأت عَلَى وَالِدي، أَنا عبد الله بن مُحَمَّد، أَنا أَحْمد بن عَلّي الأديب، أَنا مُحَمَّد بن مُحَمَّد الزيَادي - يَعْنِي أَبَا طَاهِر بن محسن الْفَقِيه - أَنا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن، نَا أَحْمد بن يُوسُف، نَا عبد الرَّزَّاق، أَنا معمر، عَن همام بن مُنَبّه قَالَ: هَذَا مَا حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَن مُحَمَّد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ: «لله تِسْعَة وتسْعُونَ اسْمًا - مائَة إلَّا وَاحِدًا - منْ أحْصاها دَخَل الجنَّة، إنَّه وتْر يُحبُّ الْوتر» .

  9. وَأخْبرنَا الشَّيْخ صَلَاح (الدَّين) الْمَذْكُور بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أَنا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الأخلاطي، أَنا مُحَمَّد بن (أبي) سعيد، أَنا الإِمام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ إِذْنا، قَالَ: قَرَأت عَلَى أبي بكر عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك، وَأَجَازَ لي الْأَئِمَّة: وَالِدي، وَأحمد بن إِسْمَاعِيل، وَمُحَمّد بن عبد الْعَزِيز قَالُوا: أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك بن مُحَمَّد، سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة، أَنا الإِمام أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَلّي

    vol. 1, p. 326الفيروزابادي سنة خمس وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة، أَنا أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد البرقاني، نَا أَبُو بكر الإِسماعيلي الإِمام - لفظا - أَخْبرنِي أَبُو يعْلى - يَعْنِي: أَحْمد بن الْمثنى - نَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي سَمِينَة، نَا (مُعْتَمر) بن سُلَيْمَان قَالَ: سَمِعت أبي، نَا قَتَادَة، أَن أَبَا رَافع حَدثهُ، أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَقُول:

    سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول: «إنَّ الله تَعَالَى كَتبَ كِتَابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الْخلق: إِن رَحْمَتي سبقت غَضَبي، فَهُوَ عِنْده مَكْتُوب فَوق الْعَرْش» .

  10. وَرُوِيَ لنا من (طَرِيق آخر) أَعلَى من هَذَا، إلَّا أنَّ هَذِه [الطَّرِيق] حَسَنَة جدًّا، لتسلسل غَالب رُواتها بالأئمة الْكِبَار من أَصْحَابنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وَقد ذكرت بِإِسْنَاد الإِمام الرَّافِعِيّ أَرْبَعِينَ حَدِيثا فِي «مناقبه» الَّتِي (أفردتها) بالتصنيف، وَهَذَا الْقدر كافٍ هُنَا؛ لِأَن الله وتر يحب الْوتر.

  11. تفقَّه الإِمام الرَّافِعِيّ عَلَى وَالِده الْمَذْكُور، (الإِمام) أبي الْفضل،

    vol. 1, p. 327لَا أعلم أحدا تفقَّه عَلَيْهِ غَيره، وانتهت إِلَيْهِ رئاسة مَذْهَب الشَّافِعِي، ومعرفته بدقائقه فِي سَائِر الْبِلَاد.

    قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح: أَظن أَنِّي لم أرَ فِي بِلَاد الْعَجم مثله. قَالَ: وَكَانَ ذَا فنونٍ، حسن السِّيرَة، جميلَ الأثرِ.

  12. وَقَالَ أَبُو عبد الله (مُحَمَّد) بن (مُحَمَّد بن عمر) بن أبي بكر الصفار الإِسفراييني فِي «أَرْبَعِينَ» خرَّجَها: شَيخنَا، إِمَام الدَّين حَقًّا، وناصرُ السُّنَّةِ صدقا، أَبُو الْقَاسِم، عبد الْكَرِيم الرَّافِعِيّ، كَانَ أوحد عصره فِي الْعُلُوم الدِّينِيَّة، (أُصُولهَا) وفروعها، ومجتهد زَمَانه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي، وفريد وقته فِي تَفْسِير الْقُرْآن و (الْمَذْهَب) ، وَكَانَ لَهُ مجْلِس للتفسير، وإسماع الحَدِيث بِجَامِع قزوين.

    وَقَالَ الشَّيْخ محيي الدَّين النواوي رَحِمَهُ اللَّهُ: كَانَ إِمَامًا، بارعًا، (مُتَبَرعا) ، متبحرًا فِي علم (الْمَذْهَب) وعلوم كَثِيرَة، وَكَانَ زاهدًا، ورعًا، متواضعًا.

    vol. 1, p. 328قَالَ النَّوَوِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هُوَ من الصَّالِحين المتمكنين، وَكَانَت لَهُ كرامات ظَاهِرَة.

    قلت: لَا شكّ فِي ذَلِك وَلَا ريب، فَمِنْهَا:

    مَا أَخْبرنِي شَيخنَا بَقِيَّة الحفَّاظ صَلَاح (الدَّين العلائي) ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ: حَكَى شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي بكر الدِّمَشْقِي، أَنه سمع من شَيخنَا الزَّاهِد الْكَبِير وليّ الله أبي الْحسن عَلّي الوَاسِطِيّ - (قَالَ شَيخنَا) : وَسمعتهَا أَيْضا من جمَاعَة آخَرين مُرْسلَة - أَن الإِمامَ أَبَا الْقَاسِم الرَّافِعِيّ بَات (عِنْد) بعض أَصْحَابه بكرم لَهُ خَارج بلد «قزوين» ، وَكَانَت عَادَته أَنه يكْتب بِاللَّيْلِ فِيمَا يصنف فِيهِ، فلمَّا كَانَ اللَّيْل لم يُوجد (هُنَاكَ) دهن يُشعل بِهِ السراج، وَلَا أمكن الدُّخُول إِلَى الْبَلَد لأجل ذَلِك لَيْلًا، فَجَلَسَ الرَّافِعِيّ إِلَى جنب (دالته) ، فأضاء لَهُ غُصْن مِنْهَا، فَكتب عَلَيْهِ إِلَى أَن فرغ.

    قَالَ الشَّيْخ عَلّي الوَاسِطِيّ: وَهَذِه الْحِكَايَة مَشْهُورَة عندنَا بواسط، وَتلك الْبِلَاد.

  13. وَمِنْهَا: مَا قرأته عَلَى شَيخنَا الْمَذْكُور قَالَ: حَكَى شيخ شُيُوخنَا العلَّامة تَاج الدَّين أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الْفَزارِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تاريخٍ علَّقه عَن القَاضِي شمس الدَّين بن خلكان، أَنه حدَّثه أَن الْملك جلال الدَّين خوارزم شاه، غزا الكُرْج بتِفْليس سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة، وَقتل فيهم بِنَفسِهِ حَتَّى جمد الدَّم عَلَى يَده، فَلَمَّا مرَّ بقزوين،

    vol. 1, p. 329خرج إِلَيْهِ الإِمام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ، فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ أكْرمه إِكْرَاما عَظِيما، فَقَالَ (لَهُ) الشَّيْخ: سَمِعت أَنَّك قَاتَلتَ الْكفَّار حَتَّى جَمُدَ الدَّم عَلَى يدك، فَأحب أَن تخرج إليَّ يدك لأقبِّلها. فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان: بل أَنا (أقبِّل يدك) .

  14. فقبَّل السُّلْطَان يَده، و (تحادثا) ، ثمَّ خرج الشَّيْخ، وَركب دَابَّته، وَسَار قَلِيلا، فَعَثَرَتْ بِهِ الدَّابَّة، فَوَقع فتأَذَّت يَده الَّتِي قبَّلها السُّلْطَان، فَقَالَ الشَّيْخ: سُبْحَانَ الله! لما قَبَّل هَذَا الْملك يَدي حصل فِي نَفسِي شَيْء من العظمة، فعوقبت بِالْوَقْتِ بِهَذِهِ الْوَقْعَة.

  15. وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ طَاهِر اللِّسَان فِي تصنيفه، كثير الْأَدَب، شَدِيد الِاحْتِرَاز فِي النقول، فَلَا يُطلق نقلا عَن أحد إلَّا إِذا وقف عَلَيْهِ من كَلَامه، فإنْ لم يقف عَلَيْهِ عبَّر بقوله: «وَعَن فلَان كَذَا» ، شَدِيد الِاحْتِرَاز - أَيْضا - فِي مَرَاتِب التَّرْجِيح، وَلِهَذَا يُطلق تَارَة: (عَلَى) الْأَصَح، وَنَحْوه. وَتارَة يَقُول: الْأَصَح عِنْد الْأَكْثَرين. وَتارَة يَقُول: الْأَصَح عَلَى مَا قَالَه فلَان وَفُلَان. أَو: كَلَام الْأَكْثَرين يمِيل إِلَى كَذَا. وَمرَّة يذكر مَا يشْعر بِأَنَّهُ من جِهَته، كَقَوْلِه: الْأَحْسَن، والأعدل، وَالْأَشْبَه، والأمثل، وَالْأَقْرَب، (والأنسب) ، وَيَنْبَغِي كَذَا، وَيُشبه كَذَا، وَنَحْو ذَلِك.

  16. صّنَّف - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، وَأعَاد علينا من بركاته، وبركات سلفه الطَّاهِر - كُتبًا أضحت للدّين والإِسلام أَنْجُمًا وشُهبًا، مِنْهَا: الْكتاب الَّذِي خار الله لنا -

    vol. 1, p. 330وَله الْحَمد والمنَّة - (بالْكلَام) عَلَى أَحَادِيثه، وآثاره - يَسَّر الله إكماله، ونفع بِهِ - وَهُوَ:

    «الْفَتْح الْعَزِيز (فِي) شرح الْوَجِيز» ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح: لم يشْرَح الْوَجِيز بِمثلِهِ.

    قلت: بل لم يصنف فِي الْمَذْهَب مثله، قَرَأت عَلَى شَيخنَا صَلَاح الدَّين - بالقدس الشريف - قَالَ: سَمِعت شَيخنَا الْعَلامَة الرباني أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن الْفَزارِيّ - غير مرّة - يَقُول: «مَا يعرف قدر الشَّرْح للرافعي إِلَّا بِأَن يجمع الْفَقِيه المتمكن فِي الْمَذْهَب الْكتب الَّتِي كَانَ الإِمام الرَّافِعِيّ يستمد مِنْهَا، ويصنف شرحًا للوجيز، من غير أَن يكون كَلَام الرَّافِعِيّ عِنْده، فَحِينَئِذٍ يعرف كل أحد (قصوره عمَّا) وصل إِلَيْهِ (الإِمام) الرَّافِعِيّ. هَذَا أَو مَعْنَاهُ.

  17. وَمِنْهَا: «الشَّرْح الصَّغِير» للوجيز أَيْضا، قَالَ الإِسفراييني - الْمُتَقَدّم ذكره -: وَقع موقعًا عَظِيما عِنْد الْخَاصَّة، والعامة.

  18. قَرَأت عَلَى شَيخنَا صَلَاح الدَّين قَالَ: سَمِعت قَاضِي الْقُضَاة أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْقزْوِينِي - تغمده الله بعفوه - يَحْكِي عَن مَشَايِخ بَلَده، أَن سَبَب تصنيف الإِمام أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ «الشَّرْح الصَّغِير» أَن بعض الْفُقَهَاء قصد أَن يختصر «الشَّرْح الْكَبِير» ، فَبلغ ذَلِك الإِمام

    vol. 1, p. 331الرَّافِعِيّ، فخاف أَن يُفْسده عَلَيْهِ بالتغيير، لقُصُور (عبارَة) ذَلِك الرجل، فَقَالَ لَهُ الإِمام أَبُو الْقَاسِم: أَنا أَخْتَصِرهُ لَك، وَلَكِن لَا أقدر عَلَى الْوَرق. وَكَانَ ذَلِك الرجل - أَيْضا - فَقِيرا، فَلم يُمكنهُ إلَّا أنْ أحضر للإِمام أبي الْقَاسِم من الْوَرق الْمَكْتُوب الَّذِي يُبَاع شَيْئا كثيرا، فَكتب الإِمام «الشَّرْح الصَّغِير» فِي ظُهُوره، حَتَّى أَكْمَلَه، ثمَّ نُقِلَ من تِلْكَ الظُّهُور.

    قلت: وَهَذِه الْحِكَايَة، مِمَّا يدل عَلَى زهد الإِمام الرَّافِعِيّ، وتَقلُّلِهِ من الدُّنْيَا.

  19. وَمِنْهَا: «المُحَرَّر» وَهُوَ كاسمه، وَمَا أَكثر نَفعه، مَعَ صغر حجمه.

  20. وَمِنْهَا: «شرح مُسْند الإِمام الشَّافِعِي» ، وَهُوَ كتاب نَفِيس، قَالَ الإِسفراييني الْمُتَقَدّم ذكره: أَسْمَعَه مُصَنفه سنة تسع عشرَة وسِتمِائَة.

  21. وَمِنْهَا: «الأمالي الشارحة لمفردات الْفَاتِحَة» ، الَّتِي تقدم التَّنْبِيه عَلَى عظم شَأْنهَا فِي الْخطْبَة، ابْتَدَأَ (رَحِمَهُ اللَّهُ) فِي إملائها يَوْم الثُّلَاثَاء، ثامن عشْرين رَجَب، سنة إِحْدَى عشرَة وسِتمِائَة، (وختمها يَوْم الْجُمُعَة، رَابِع عشْرين ربيع الأول، سنة اثْنَتَيْ عشرَة وسِتمِائَة) .

  22. وَمِنْهَا: «التذنيب» عَلَى (الشرحين) ، لما يتَعَلَّق بالوجيز.

  23. وبهذه الْكتب الثَّلَاثَة يُعْرفُ محلُّ الإِمام أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ من معرفَة هَذَا الْعلم - أَعنِي علم (هَذَا) الحَدِيث، وَالْكَلَام عَلَيْهِ، عَلَى

    vol. 1, p. 332اصْطِلَاح أَهله فِي عزوه وَرِجَاله، وفوائده - الْمعرفَة التَّامَّة.

  24. وخرَّج لنَفسِهِ «أَرْبَعِينَ حَدِيثا» ، كَمَا تقدّمت الإِشارة إِلَيْهَا، سَاق (فِيهَا) الحَدِيث المسلسل بالأولية من عشرَة طرق، يذكر مَعَ كل طَرِيق مِنْهَا أَرْبَعَة أَحَادِيث فِيمَا يتَعَلَّق بِالرَّحْمَةِ.

  25. وَمِنْهَا: «الإيِجاز فِي أخطار الْحجاز» ، صنَّفه فِي سَفْرَتِه إِلَى الْحَج، أَفَادَهُ بعض الْعَجم من شُيُوخ الْعَصْر.

  26. وَله - رَحِمَهُ اللَّهُ، مَعَ ذَلِك - شعر حسن، فَمن ذَلِك مَا ذكره فِي «أَمَالِيهِ» :

    سَمِّني مَا شئتَ وسِم جبهتي

    بِاسْمِك ثمَّ اسْمُ بأسمائي

    فَسَمِّني (عَبدك) أفخرْ بهِ

    وَيَسْتَوِي عَرْشِي عَلَى الماءِ

    وفيهَا لَهُ:

    إنْ كنتَ فِي اليُسْرِ فاحمدْ من حَبَاكَ

    بِهِ فَلَيْسَ حَقًّا قَضى لكنَّه الجودُ

    أَو كنت فِي العُسْرِ فاحمده كَذَلِك إذْ

    مَا فوقَ ذلكَ مصروفٌ و (مردودُ)

  27. وَكَيف مَا دارتِ الأَّيام مقبلةً

    وَغير مقبلةٍ فَالْحَمْد محمودُ

    وفيهَا لَهُ:

    إِلَى رضى الربِّ نَسُوق الرِّضَا

    بِاللَّه ربًّا فارض فِيمَا قَضَى

    وَلَا تَكُنْ عَنْ شَأْنِهِ غَافِلًا

    فالوقتُ سيفٌ صَارِمٌ ينتضى

    وفيهَا لَهُ:

    العَالمُون ضَعِيفُهُم وقَوِيُّهُم

    لجلالِ عزته سُجُودٌ رُكَّعُ

    vol. 1, p. 333لَو كُلِّفُوا أَنْ يَعْبُدُوه عمرَهمُ

    حقَّ العبَادةِ (لَحْظَة) لَتَعكفوا

    وفيهَا لَهُ:

    وَلَا تَنِيَا فِي ذكرِه فَتَهِيما

    أَقِيْمَا عَلَى بابِ (الرحيمِ) أَقِيمَا

    لعلكما تستنشقانِ نسيما

    وللنَّفَحَاتِ الطَّيِّبَات تَعَرَّضَا

    يَجدْه رءوفًا بالعبادِ رحِيما

    هُوَ الرَّبُ من يَقْرَعْ عَلَى الصِّدْقِ بَابَهُ

    وفيهَا لَهُ:

    تلهفُ مَنْ يَسْتَغْرقُ العمرَ نَوْمُهُ

    تَنَبَّهْ فَحَقٌّ أَن يطولَ بحسرةٍ

    فَهُبَّ لصبحِ [الشَّيبِ] إذْ جَاءَ (يَوْمُهُ)

  28. لَقدْ نِمْتَ فِي (ليْلِ) الشَّبيبةِ غافِلًا

    وفيهَا لَهُ:

    وَقد نِمْتَ فِيهِ (لَقى) غَافِلًا

    سَوَادُ الشبابِ كليلٍ مَضَى

    فَعَمَّا قليلٍ تُرَى آِفلًا

    وصُبْحُ المَشِيبِ بَدَا فَانْتَبِه

    وفيهَا لَهُ:

    ويطلبُ العوذة فِيمَا يُعينْ

    منْ يَسْتَعِنْ بِاللَّه سُبْحانه

    يَقَرُّ عينا ويَفِرُّ اللَّعِينْ

    يُعِنْهُ بالفضِل عَلَى مَا بهِ

    إيَّاهُ نَرْجُو وَبِهِ نستعينْ

    فحسبنا الله لِمَا نَابَنَا

    وفيهَا لَهُ:

    vol. 1, p. 334لَيْسَ (للدنيا) استقامه

    وانتشاء من مُدَامهْ

    هِيَ إلمامةُ طَيْفٍ

    من تجاويفِ غَمَامَهْ

    هِيَ مثلُ البرقِ يَبْدُو

    من هَوَانٍ وكرامهْ

    (نائلٌ) مَا أَنْت فِيهِ

    تَبِعَاتٌ وغرامهْ

    حاصلُ المأمولِ فِيهَا

    ثُمَّ فِي العُقْبَى ندامهْ

    تعبٌ فِي الحَالِ صَعْبٌ

    تنجْ (مِنْهَا) بِسَلاَمهْ

    جافِ عَنْهَا الجْنبَ صَفْحًا

    وفيهَا لَهُ:

    وإِنْ جَفَوْنِي وإنْ جَارُوا وإنْ (غَدَرُوا)

  29. أَُفْدي الَّذين سَقَونيِ كَأْس حُبّهمُ

    فَفِي فؤاديَ مِنْهُ الوِرْدُ والصَّدَرُ

    أَلَيْسَ قد جعلوني أهلَ (وُدهمُ)

  30. ذكرا وحبًّا وإضمارًا وَقد قَدَرُوا

    أَلَيْسَ (لم) يسلبوني مَا أَلُذْ بِهِ

    وفيهَا لَهُ:

    ميعادك واحتكم بِمَا شِئْتَ علَيَّ

    صافيتكَ لَا تشب بمطلٍ وبليٍّ

    مِنْكَ اليَدُ والقصور مِنِّي وإليَّ

    أَتْمِمْ نِعَمًا أَنْتَ تَطَوَّلْتَ بهَا

    (وفيهَا لَهُ) :

    فَمَا الخيرُ عِنْدِي سُوَى خَيْرِكم

    تَيَمَّمتُ بَابَكَ لَا غَيره

    vol. 1, p. 335فَما أرتجي الطلَّ مِنْ غَيْرِكم

    لَئِن لم أُصِبْ مِنْكمُ وابِلًا

    (وفيهَا لَهُ) :

    تَحَوَّلُوا عَنْ حَالهم أَو ثَبَتُوا فَخَوَّلُوا

    نَفسِي فدًا لَهُم أَحبُّوا أَمْ تَوَلَّوا

    فَتَحْتُ عَيْني بهم فَمَا عَنْهُم محول

    إنْ حَرَمُوا فطالما بفضلهم تَطَوَّلُوا

    وعَرضوني للنوى (و) مَا عليَّ (طَوَّلُوا)

  31. إعراضهم إنْ أَعْرَضُوا وَشدَّدوا وهَوَّلوا

    عَلَيْهِم فِي كُلِّ مَا أقصده (المُعَوَّلُ)

  32. لَيْسَ بثانٍ عَنْهُم إنَّ الحبيب الأولُ

    (وفيهَا لَهُ) :

    مَا عنهمُ لي عُدُولُ

    قُولوا لَهُم ثمَّ قُولوا

    تَنْهَدّ مِنْهَا العقُولُ

    (أَحمَّلُوني) أمورًا

    يَطولُ فِيهِ الفَضُولُ

    (أَو) توَلَّونِي بِخَيْرٍ

    فالرهنُ مِمَّا يَزُولُ

    لَا أَجْعَلُ القَلبَ رَهْنًا

    وَالْوَقْف (مَا) لَا يحولُ

    وَقْفٌ عليهمُ فؤَادِي

    وفيهَا لَهُ:

    وبعدَ (ذَلِك) ضَلَّا

    قد ذَلَّ مَنْ مِنْهُ مَلَّا

    وخَابَ من عَنهُ وَلَّى

    وفاز مَن فِيهِ يسْعَى

    vol. 1, p. 336(فَفِي) هُدَاه اسْتَقَلَّا

    مَن اسْتَقَلَّ سوَاهُ

    نُوَلِّه مَا تَولَّى

    والِمُعْرِضُ المُتَواني

    (بفضله) يَتَجَلَّى

    وإنْ خَضَعْتَ تراهُ

    من ظِلِّ فَضْلِكَ ظِلَّا

    يَا رب عَبْدُك يَرْجُو

    تُسْدِي الجميلَ فَهَلَّا

    وَأَنت ربٌّ رَحِيمٌ

    ثمَّ خَتَم هَذِه الأمالي بِأَن قَالَ:

    تَكْنُفُهُ مِنْ كل أرجائهِ

    عبدُ الْكَرِيم المُرْتَجِي رَحْمَة

    مَا وَفَّق اللهُ بنعمائهِ

    أَمْلَى ثَلَاثِينَ حَدِيثا عَلَى

    قولَ الحائرِ التائهِ

    لَيْسَ يُزَكِّيها ولكنَّه يقولُ

    قَبِلتَ حَرْفَيْنِ من إملاَئِه

    فَازَ أَبُو الْقَاسِم يَا رب لَو

    وللإِمام الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ من الْأَوْلَاد: ولد ذكر، اسْمه: مُحَمَّد، ولقبه: عَزِيز الدَّين - كَمَا سُقْنَا حَدِيثه عَن وَالِده فِيمَا تقدم من الْأَحَادِيث - وَبنت، ذكر أَبُو (سعد) النسوي المنشي فِي «تَارِيخ خوارزم شاه» : أَن الإِمام أَبَا الْقَاسِم الرَّافِعِيّ كَانَت لَهُ بنت، تزَوجهَا رجل من مَشَايِخ «قزوين» وأولدها أَوْلَادًا كَثِيرَة.

  33. وقرأت عَلَى الشَّيْخ صَلَاح الدَّين - أبقاه الله - قَالَ: رَأَيْت بِدِمَشْق سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة امْرَأَة حضرت عِنْد قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدَّين السُّبْكِيّ، عجمية، فصيحة اللِّسَان، ذَكَرتْ أَنَّها من نسل الإِمام الرَّافِعِيّ، وَكَانَت تحفظ «عقيدته» الَّتِي صنّفها، فَقَرَأت مِنْهَا قِطْعَة، وَهِي عقيدة بديعة

    vol. 1, p. 337عَلَى طَريقَة أهل السنَّة، بِعِبَارَة فصيحة عَلَى عَادَته - رَحْمَة الله عَلَيْهِ.

  34. توفّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وأرضاه، وَجعل الْجنَّة مَأْوَاهُ - فِي حُدُود سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة، ودُفن ب «قزوين» . قَالَه أَبُو عبد الله الصَفَّار، الإِسفراييني، وَكَذَا أَرَّخَهُ القَاضِي شمس الدَّين بن خلكان، وَأفَاد بِأَنَّهَا كَانَت فِي ذِي الْقعدَة.

    وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح: بلغنَا بِدِمَشْق وَفَاته سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة، وَكَانَت وَفَاته فِي أوائلها، أَو فِي أَوَاخِر السّنة الَّتِي قبلهَا بقزوين.

  35. هَذَا مَا يتَعَلَّق بِحَال الإِمام أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ.

  36. وَأما وَالِده الَّذِي وَعَدْنا بِذكرِهِ: فَقَالَ (ابْن) نقطة الْحَافِظ فِي «ذيله عَلَى كتاب الْأَمِير ابْن مَاكُولَا» : أَبُو الْفضل، مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن الْفضل الرَّافِعِيّ الْقزْوِينِي يُقَال (لَهُ) : بابويه.

  37. سمع بِبَلَدِهِ من أبي عَلّي الْحسن بن أَحْمد الهمذاني، قدم عَلَيْهِم، وَمن ملكداذ بن عَلّي بن أبي عَمْرو، (و) بِبَغْدَاد من: أبي مَنْصُور بن خيرون، وَأبي الْفضل الأرموي، وَأبي عبد الله بن الطرائفي، وَسعد الْخَيْر الْأنْصَارِيّ. (و) بنيسابور من: أبي الأسعد الْقشيرِي، وَعبد الْخَالِق بن زَاهِر الشحامي فِي آخَرين.

    وَقَالَ وَلَده - أَعنِي الإِمام الرَّافِعِيّ - فِي «أَمَالِيهِ» : وَالِدي أَبُو الْفضل، مِمَّن خُصَّ بعفة الذيل، وحُسن السِّيرَة، والجدِّ فِي الْعلم

    vol. 1, p. 338وَالْعِبَادَة، وذلاقة اللِّسَان، وَقُوَّة الْجنان، والصلابةِ فِي الدَّين، والمهابةِ عِنْد النَّاس، والبراعة فِي الْعلم: حفظا، وضبطًا، ثمَّ: إتقانًا، وبيانًا، وفهمًا ودرايةً، ثمَّ: أَدَاء، وَرِوَايَة.

  38. سمع الحَدِيث، وتفقَّه ب «قزوين» فِي صِباه، ثمَّ سَافر إِلَى الرّيّ، فَسمع، وتفقَّه، ثمَّ ارتحل إِلَى بَغْدَاد، فَسمع، وتفقَّه، وحجَّ مِنْهَا، ثمَّ انْتقل إِلَى نيسابور، فحصَّل عَلَى الإِمام مُحَمَّد بن يَحْيَى، وَسمع الحَدِيث الْكثير.

  39. وَكَانَ مشايخه (يوقرونه) ، لحسن سيره، وشمائله، ووفور فَضله، وفضائله.

  40. ولَمَّا عَاد إِلَى «قزوين» أَقبلت عَلَيْهِ المتفقِّهةُ، فدرَّس، وأَفاد، وذاكَر، وذَكَّر، وفَسَّرَ، وَرَوَى، وأَمْلى، وصَنَّف: فِي التَّفْسِير، والْحَدِيث، وَالْفِقْه، وانتفع بِهِ الْخَواص والعوام.