وأما «المستدرك» للحاكم أبي عبد الله

100 paragraphs · vol. 1, p. 311

Page 3 of 3

  1. ثمَّ اسْتَأْثر الله - تَعَالَى - بِهِ فِي شهر رَمَضَان، سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة. قَالَ: وَلَعَلَّ الله يوفق لما فِي عزمي من جمع مُخْتَصر فِي مناقبه، أُسَمِّيهِ ب «القَوْل الْفَصْل فِي فضلِ أبي الْفضل» . ا. هـ

    وَقَالَ فِي الْمجْلس الْخَامِس (من هَذِه «الأمالي» ) : وَالِدي - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ جيد الْحِفْظ، سمعته صَبِيحَة بعض الْأَيَّام يَقُول: سَهِرْتُ البارحة فأجلت الفكرَ فِيمَا أحفظه من الأبيات المفردة، والمقطعات فبلغت آلافًا. ذكر عددا كثيرا.

    vol. 1, p. 339وَقَالَ فِي الْمجْلس الْعَاشِر مِنْهَا: سَمِعت عبد الرَّحِيم بن الْحُسَيْن المؤذِّن - وَكَانَ رجلا صَالحا يؤذِّن فِي مَسْجده - يَحْكِي أَن وَالِدي - رَحِمَهُ اللَّهُ - خرج فِي لَيْلَة مظْلمَة لصلاةِ العشاءِ، قَالَ: وَأَنا عَلَى بَاب الْمَسْجِد أنتظره، فحسبت أَن فِي يَده سِراجًا، وتعجَّبْتُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لم يكن من عَادَته استصحابُ السراج، فمَّا بلغ الْمَسْجِد لم أجد السراجَ، و (دهشت) وَذكرت لَهُ ذَلِكَ من الْغَد فَلم يُعجبهُ وُقُوفِي عَلَى الْحَال، وَقَالَ: أقبل عَلَى شَأْنك.

    وَقَالَ فِي الْمجْلس الْعَاشِر مِنْهَا: كَتَبَ [سعد] بن الْحسن الْكرْمَانِي لوالدي، رحمهمَا الله - وَكَانَ [سعد] من أهل (الْعلم و) الْفضل، والبيوتات الشَّرِيفَة -:

    فَأَسَأْنا بِحسن عَهْدك ظَنَّا

    يَا أَبَا الْفضل قَد تَأَخَّرْتَ عنَّا

    فَإِذا أنْتَ ذَلِكَ المُتَمَنَّى

    كمْ تَمَنَّتْ نَفْسي صَدِيقًا صَدُوقًا

    وبِعَهْدِ الصِّبَا وإنْ بَانَ عَنَّا

    (فبِغُصنِ) الشَّباب لما تَثَنَّى

    لَا تَقُلْ للرسولِ كانَ وكُنَّا

    كُنْ جوابي إِذا قَرأْتَ كِتابي

    فَبلِّغْتُ أَنه كَانَ جَوَابه. أ. هـ.

    وَقَالَ فِي الْمجْلس الْخَامِس عشر: كتب إِلَيّ وَالِدي أَبُو سُلَيْمَان (الزبيري) - حِين عزم عَلَى السّفر للتفقه -:

    vol. 1, p. 340وَلَسْتَ ملومًا بِمَا تَفْعَلُ

    أَبَا الْفضل هَجْرُكَ لَا يُحْمَلُ

    وقدمًا علينا بهَا يبخلُ

    وإنَّكَ مِنْ حَسَناتِ الزَّمَانِ

    وَأما والدته الَّتِي وعدنا بذكرها أَيْضا، فَقَالَ فِي «أَمَالِيهِ» - أَيْضا -: والدتي صَفِيَّة بنت الإِمام أسعد (الركاني) ، - رحمهمَا الله - كَانَت تروي الحَدِيث عَن إجَازَة جمَاعَة من مَشَايِخ «أَصْبَهَان» ، و «بَغْدَاد» ، و «نيسابور» ، عَنِيَ بتحصيل أَكْثَرهَا: خالها أَحْمد بن إِسْمَاعِيل.

    قَالَ: وَلَا أعرف امْرَأَة فِي الْبَلَد كريمةَ الأطرافِ فِي (الْعلم) مثلهَا، فأبوها كَانَ حَافِظًا للْمَذْهَب، والأقوالِ، وَالْوُجُوه [فِيهِ] ، (المستقرب) مِنْهَا والمستبعد، ماهرًا فِي الْفَتْوَى، مرجوعًا إِلَيْهِ.

    vol. 1, p. 338
  2. وَأمّهَا: زُلَيْخَا بنت القَاضِي إِسْمَاعِيل بن يُوسُف، كَانَت فقيهةً (يُرَاجِعهَا) النِّسَاء، فتفتي لَهُنَّ لفظا وخطًّا، سيّما فِيمَا ينوبهن، ويستحين مِنْهُ، كالعدة وَالْحيض.

  3. وأخواها: من معتبري (الْأَئِمَّة) الْمَشْهُورين فِي الْبَلَد، دَرَجَ أكبرهما، وأُنسئ فِي أجل (الآخر) .

  4. وَزوجهَا الإِمَام وَالِدي، قد أَشرت إِلَى جملٍ من أَحْوَاله فِيمَا تقدم.

  5. وجدّها: القَاضِي إِسْمَاعِيل (بن يُوسُف) ، من أهل (العِلْم

    vol. 1, p. 341و) الحَدِيث، والجدّ فِي الْعِبَادَة، وَكَانَ قد تفقَّه عَلَى القَاضِي، الشَّهِيد: أبي المحاسن الرَّوْيَانِيّ، وَسمع مِنْهُ الحَدِيث.

  6. وخالها: الإِمَام أَحْمد بن إِسْمَاعِيل، مَشْهُور فِي الْآفَاق.

  7. قَالَ فِي أثْنَاء « (أَمَالِيهِ) » - بعد أَن رَوَى عَنهُ حَدِيثا -: هُوَ أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الطَّالقَانِي (ثمَّ الْقزْوِينِي) ، أَبُو الْخَيْر، إِمَام كثير الْخَيْر، موفر الْحَظ من عُلُوم الشَّرْع: حفظا، وجمعًا، ونشرًا، بالتعليم، والتذكير، والتصنيف. وَكَانَ لَا يزَال لِسَانه رطبا من ذكر الله تَعَالَى، وَمن تِلَاوَة الْقُرْآن، وَرُبمَا قُرِئَ عَلَيْهِ الحَدِيث وَهُوَ يُصَلِّي ويصغي إِلَى الْقَارئ، و (ينبهه) إِذا زَلَّ، وَاجْتمعَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ الْقبُول التَّام، عِنْد الْخَواص والعوام، والصيت الْمُنْتَشِر، والجاه والرفعة.

  8. وتولَّى تدريس النظامية بِبَغْدَاد مُدَّة، مُحْتَرمًا فِي حَرِيم الْخلَافَة، مرجوعًا إليْهِ، ثمَّ آثَر الْعود (إِلَى) الوطن، واغتنم النَّاس رُجُوعه إِلَيْهِم، و [استفادوا] من علمه، وتَبَرَّكُوا بأيامه.

  9. وَسمع الْكثير من الفراوي، وفهرست مسموعاته متداول، وَكَانَ يعْقد الْمجْلس للعامة فِي الْأُسْبُوع ثَلَاث مَرَّات، إِحْدَاهَا: صَبِيحَة يَوْم الْجُمُعَة، (فَتكلم عَلَى عَادَته يَوْم الْجُمُعَة) ، الثَّانِي عشر من الْمحرم سنة تسعين وَخَمْسمِائة فِي قَول الله تَعَالَى: (فَإِن توَلّوا فَقل حسبي الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ) .

  10. وَذكر أَنَّهَا من أَوَاخِر مَا نزل من الْقُرْآن، وعَدَّدَ الْآيَات الْمنزلَة آخرا، مِنْهَا: (الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ) , وَمِنْهَا: سُورَة النَّصْر. وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: (وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله) .

    vol. 1, p. 342
  11. وَذكر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَا عَاشَ بعد نزُول هَذِه الْآيَة إلَّا سَبْعَة أَيَّام، ولمَّا نَزَلَ من الْمِنْبَر حُمَّ، وانتقل إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى فِي (يَوْم) الْجُمُعَة الْأُخْرَى، وَلم يَعِشْ بعد ذَلِكَ الْمجْلس إلَّا سَبْعَة أَيَّام، وَهَذَا من عَجِيب الاتفاقات.

  12. وَكَأَنَّهُ أُعْلِمَ بِالْحَال، و [بِأَنَّهُ] حانَ وَقت الارتحال، ودُفن يَوْم السبت، وَلَقَد خرجت من الدَّار بكرةَ (فِي) ذَلِكَ اليومِ عَلَى قصد التَّعْزِيَة، وَأَنا فِي شَأْنه متفكر، وَمِمَّا أَصَابَهُ منكسر، إِذْ وَقع فِي خلدي من غير نِيَّة، وفكر وروية:

    لوفاةِ أحمدِهَا بن إسماعيلها

    بَكَت العلومُ بويلها وعويلها

    كَأَن أحدا يُكَلِّمُنِي (بذلك) .

  13. وَكَانَت وِلَادَته سنة: (اثْنَتَيْ عشرَة) وَخَمْسمِائة، وَهُوَ مَعَ كَونه خَال والدتي، أَبوهَا من الرَّضَاع أَيْضا.

    قَالَ: وَابْنهَا، المملي لهَذِهِ الأمالي - يَعْنِي الرَّافِعِيّ نَفسه -: لَا يخرج من زمرة أهل الْعلم، ويحشر فيهم - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - وَكَذَلِكَ سَائِر بنيها.

    vol. 1, p. 343قَالَ: ثمَّ هِيَ - يَعْنِي والدته - فِي (نَفسهَا) متديِّنة خائفة، وَبِمَا لَا بُد مِنْهُ للفروض عارفة، قارئة لكتاب الله تَعَالَى، (كَثِيرَة) الْخَيْر، رقيقَة الْقلب، سليمَة الْجَانِب، تحمل الكَلَّ، وترغب فِي الْمَعْرُوف، وتُحْسِنُ إِلَى الْيَتَامَى والأيامى، تلِي خيرا، وتولي جميلًا مَا استطاعت إِلَيْهِمَا سَبِيلا.

  14. وَكَانَت قد ابْتليت بعدة بَنَات، أنفقت وَاسِطَة الْعُمر عليهنَّ، حتَّى استكملن من أدبهنَّ، مَضَيْن لسبيلهنَّ، (فَتَرَكْنَها) ملهوفة ثَكْلَى بهنَّ، وَللَّه مَا أَخذ، وَله مَا أعْطى، وَلَا راد لما حكم (بِهِ) وَقَضَى.

  15. ثمَّ ذكر أَحَادِيث وشعرًا تَسْلِيَة لوالدته - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وعنها.

  16. وللإِمام الرَّافِعِيّ أَخ، اسْمه: مُحَمَّد، تفقَّه عَلَى أبي الْقَاسِم بن فضلان. وَسمع الحَدِيث من أَبِيه، وَأَجَازَ لَهُ: ابْن البَطِّي. ورحل إِلَى «أَصْبَهَان» و «الرّيّ» ، و «أذربيجان» ، و «الْعرَاق» . وَسمع (الحَدِيث) من: نصر الله القَزَّاز، وَابْن الْجَوْزِيّ.

  17. واستوطن بَغْدَاد، وولِّي مشارفة أوقاف «النظامية» .

  18. وَكَانَ فِي ديانَة، وَأَمَانَة، وتواضُع، وتودُّد، وحُسن خلق. كتب الْكثير - مَعَ ضعف خطه - من التَّفْسِير، والْحَدِيث، وَالْفِقْه. ومعرفته فِي الحَدِيث تَامَّة.

    قَالَ ابْن النجار: وَكَانَ يذاكرني بأَشْيَاء، وَله فهم حسن، (وَمَعْرِفَة) . مَاتَ فِي ثامن عشْرين جُمَادَى الأولَى، من سنة ثَمَان

    vol. 1, p. 344وَعشْرين وسِتمِائَة، وَقد قَارب (السّبْعين) .

  19. هَذَا آخر مَا أردْت ذكره من هَذِه الْفُصُول، وَهِي مهمةٌ، نَافِعةٌ، سِيَّما مَنَاقِب الإِمامِ الرَّافِعِيّ (ووالده، ووالدته) ، فإنَّ بذلك يعرف قدرهم، وفضلهم، وبسطناها (هُنَا) بسطًا حسنا، لَا يُوجد كَذَلِك فِي كتاب.

  20. وإذْ قد فَرَغْنَا من هَذِه الْفُصُول، فلنشرع الْآن فِي الْغَرَض الأهم الْمَقْصُود، متوكلين عَلَى الصَّمد المعبود، أسألُ الله الْكَرِيم إِتْمَامه مصونًا عَاجلا، عَلَى أحسن الْوُجُوه، وأبركها، وأعمها، وأنفعها، وأدومها، (بِمُحَمد وَآله)