المبحث الرابع دراسة أشهر مصادر ابن رجب في العلل

176 paragraphs · vol. 1, p. 59

Page 4 of 5

  1. ٣ - إنه رتب كتاب العلل تماما على أبواب كتاب الجامع الصحيح، واحتفظ بعناوين الأبواب عند الترمذي كما هي في الجامع. فإذا كان باب من أبواب الجامع لا مادة فيه في كتاب العلل، فإنه يسقط الباب ولا يذكره.

    vol. 1, p. 79
  2. وفيما يلي تمثيل لعمله من باب الطهارة مقارنا بجامع الترمذي:

    vol. 1, p. 80رقم الباب أبواب جامع الترمذي/ أبواب علل الترمذي الكبير رقم الباب (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) باب / لا تقبل صلاة بغير طهور باب / فضل الطهور باب / مفتاح الصلاة الطهور باب / ما يقول إذا دخل الخلاء باب / ما يقول إذا خرج من الخلاء باب / النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول باب / الرخصة في ذلك باب / النهي عن البول قائما باب / الرخصة في البول قائما باب / في الاستتار عند الحاجة باب / كراهة الاستنجاء باليمين - باب / ما جاء في فضل الطهور باب / مفتاح الصلاة الطهور باب / ما يقول إذا دخل الخلاء - باب / الرخصة في استقبال القبلة - باب / الرخصة في البول قائما باب / في الاستتار عند الحاجة - (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦)

  3. ومن هذه المقارنة يظهر الترتيب الذي سار عليه أبو طالب القاضي، والذي وافق ترتيب الجامع، مع إسقاط الباب الذي لم يذكر عنه شيء في كتاب العلل.

  4. ٤ - أما الأسس التي اعتمد عليها أبو طالب في إلحاق مادة العلل بالأبواب فهي ما يلي:

    (أ) إذا كان الحديث المذكور في العلل مذكورا في كتاب الجامع فإنه يضعه تحت نفس العنوان.

  5. (ب) إذا كان الحديث المذكور في الجامع قد أشار إليه الترمذي إشارة في الباب بقوله: وفي الباب عن فلان من الصحابة، وقد جاء هذا الحديث مفصلا في العلل فإنه يلحقه في الباب الذي أشار إليه.

  6. (ج) إذا كان الحديث غير مذكور في الجامع ولكنه مطابق لباب من أبوابه فإنه يضعه تحت ذلك الباب.

    vol. 1, p. 81
  7. ٥ - أما الأحاديث التي ذكرت في "العلل" ولم ترد في "الجامع" فإن أبا طالب قد جعلها في فصول آخر الكتاب.

  8. ٦ - وأما الكلام عن الرجال فترتيبه على ضربين:

    (أ) إذا كان ذكر هؤلاء الرجال متعلقا بحديث ما، فإنه يساق مع هذا الحديث في بابه.

  9. (ب) وإذا كان الكلام عن الرجال عاما لا يرتبط بحديث معين موجود، فإنه يذكره في آخر الكتاب في باب جامع في الرجال.

  10. ومن خلال قراءتي لهذا الكتاب أكثر من مرة بحثا عن النصوص التي أوردها ابن رجب عنه، وجدت فيه نموذجا يحتذى لمن يعزم على ترتيب بقية كتب العلل، والتي لا تجنى الفائدة الكاملة منها إلا بترتيبها، وأي كتاب سيكون علل أحمد لو قدر له أن يرتب بمثل هذا الترتيب، وبذلك تجتمع مئات الأحاديث المعلة في أبواب منظمة، وتفهرس أسماء الرجال الواردة فيه فتشكل مصدرا من أهم مصادر البحث في الرجال والتراجم، وبذلك يضاف إلى إمامة صاحبه سهولة تناوله.

  11. لقد سبقت الإشارة إلى أن الدكتور العتر بحث عن نصوص من كتاب العلل فوجد نقولا في بعض الكتب، وكانت هذه النقول الأساس الذي بني عليه دراسته لهذا الكتاب.

    vol. 1, p. 82
  12. وقد قابلت هذه النقول بمادة الأصل فوجدتها مطابقة تماما، مما يشهد للنسخة المخطوطة بالسلامة والدقة. ومن هذه النقول ما أخذه من "نصب الراية" وهو حديث عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمسا. قال الترمذي في العلل: سألت محمدا عن هذا الحديث فضعفه وقال: لا أعلم رواه غير ابن لهيعة.

  13. وجاء هذا النص في العلل تحت عنوان "في التكبير في العيدين" وفيه: وسألته عن حديث ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات ". ورواه بعضهم عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة، فضعف هذا الحديث، قلت له: رواه غير ابن لهيعة، قال: لا أعلمه.

  14. أما مادة هذا الكتاب فأكثرها أحاديث ذكرت عللها، ومعظم هذه المادة موجود في كتاب الجامع، ويبدو أن الترمذي أراد من علله الكبير إفراد العلل بالتصنيف المستقل، ليكون نموذجا للبحث التطبيقي المتخصص في العلل. وقد اكتسبت هذه المادة أهمية كبيرة وذلك لأمور:

    ١ - أنها في أكثرها آراء للبخاري في العلل ومعرفة الرجال حتى كأن الكتاب للبخاري وليس للترمذي، إذ لا يكاد يخلو حديث من قول الترمذي: وسألت محمدا عن هذا الحديث".

  15. ٢ - أن الذي يسأل البخاري هو من أرباب هذا الشأن العارف بمواطن الأوهام واللبس إذ هو ممن دار عليهم هذا العلم في زمنه إلا أنه الترمذي.

    vol. 1, p. 83
  16. ٣ - أن الأحاديث المعلة هنا هي في غالبها من الأحاديث المشهورة المتداولة بين الناس. وقد استعرضنا نماذج كثيرة من هذا الكتاب في أسباب العلل وأنواعها.

  17. وفيما يلي نموذج من مادة الكتاب:
  18. ١ - "حدثنا محمد بن بشار (نا) يحيى بن سعيد، عن أسامة بن زيد عن سالم بن خربوذ أبي النعمان، عن أم حبيبة، قالت: " ربما اختلفت يدي ويد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوضوء من إناء واحد " وهكذا روى أبو أسامة وغير واحد عن أسامة بن زيد. وقال وكيع: عن أسامة بن زيد، عن النعمان بن خربوذ قال: سمعت أم حبيبة: ربما اختلفت يدي. فسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: وهم وكيع، والصحيح: عن أسامة بن زيد، عن سالم بن خربوذ، أبي النعمان.

    قلت لمحمد: روى هذا الحديث قبيصة، عن سفيان عن أسامة، فقال عن أم حبيبة - فقال: أخطأ فيه قبيصة".

  19. وفي هذا المثال نرى العلة في حديث رجلين من الثقات وكيع بن الجراح وقبيصة بن ذؤيب. أما الأول فقد وهم في تغيير اسم الراوي، وأما الثاني فقد أعل سنده بالانقطاع.

  20. ٢ - وفيما يلي نموذج من آخر الكتاب مما يتعلق بالرجال: "قال أبو عيسى: رأيت محمدا يثني على الأفريقي خيرا، يعني عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، ويقوي أمره، وسألت محمدا عن صالح المري، فقال: هو ضعيف الحديث، ذاهب الحديث، قال أبو عيسى: صالح المري رجل صالح ثقة تفرد بأحاديث عن الثقات يخاف عليه الغلط.

    vol. 1, p. 84قال محمد: "محمد بن الفضل بن عطية ذاهب الحديث" .

  21. هذا نموذج من علل الترمذي في الرجال، ويلاحظ فيه رأي الترمذي في مقابل كلام البخاري.

  22. أما استمداد ابن رجب من هذا الكتاب، فأمر ملحوظ في شرح العلل حتى انه يعتبر من أبرز مصادره في العلل.

  23. [المطلب الخامس علل الحديث: لعبد الرحمن بن أبي حاتم (ت ٣٢٧هـ) ]

  24. إذا كان القرن الثالث هو عصر السنة الذهبي، فإن النصف الثاني منه هو ثمرته وخلاصته، حيث امتد النقد الحديثي واتسع على يد رجلين من الري هما: أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، ومحمد بن إدريس، أبو حاتم الرازي. وقد قيض الله تعالى لهما تلميذا عالما عارفا يجني علمهما ويلم شتاته، فجاء هذا العلم في كتابين مهمين: الأول: كتاب الجرح والتعديل، والثاني: كتاب "علل الحديث وبيان ما وقع من الخطأ والخلل في بعض طرق الأحاديث المروية في السنن النبوية" .

  25. وقد نشر هذا الكتاب الأستاذ محب الدين الخطيب - رحمه الله - في المطبعة السلفية سنة ١٣٤٣هـ، وقدم له الأستاذ محب الدين الخطيب ولم تخل مقدمته من أوهام، فقد قال: وأول من ألف فيه - على ما نعلم - الإمام مسلم بن الحجاج القشيري - المتوفى عام (٢٦١هـ) ، ثم جاء بعده الحافظ الكبير عبد الرحمن بن أبي حاتم.

  26. ... وممن ألف بعدهما في العلل الإمام الحاكم النيسابوري المتوفى

    vol. 1, p. 85سنة ٤٠٥هـ، والإمام الدارقطني المتوفى سنة ٤٨٥هـ، فقد وهم بقوله: أول من ألف فيه مسلم، مع العلم أن مسلما مسبوق بهذا، إذ ألف فيه الإمام أحمد ويحيى بن معين وعلي بن المديني والبخاري، وكلهم من طبقة شيوخ مسلم.

  27. وأما قوله: وممن ألف بعدهما في العلل الإمام الحاكم النيسابوري والإمام الدارقطني المتوفى سنة ٤٨٥هـ، فهو خطأ بين إذ الأمام الدارقطني شيخ الحاكم وقد توفي سنة ٣٨٥هـ. ويبدو أن الناشر قد تابع كشف الظنون، الذي ذكر هذه العبارة بهذا الترتيب:

    وفي التحقيق سقط كثير، وأخطاء في الضبط، ونقص في المقابلة بين النسخ، مما يجعل إعادة تحقيق هذا الكتاب واجبا على ذوي الاختصاص، لا سيما وأن نسخه كثيرة وكاملة.

  28. أما مادة هذا الكتاب: فهي أسئلة عبد الرحمن بن أبي حاتم لأبيه وأبي زرعة، أو سماعاته منهما، وكلها تدور على الأحاديث المعلة والأسانيد التي يعتريها الخلل والخطأ. وعبارته تأتي بأحد الأشكال الآتية: سالت أبي، سألت أبا زرعة، سألت أبي وأبا زرعة، سمعت أبي، سمعت أبا زرعة وقولهما قد يسبق بعبارة: "قالا" أو يذكر رأي أحدهما ثم رأي الآخر، والجدير بالذكر أن اتفاقهما هو السائد والغالب في هذه الأجوبة. وهذا يشهد لهذا العلم بوحدة منطقة ومنهجية.

  29. أما طريقة عرض هذه المادة:

    فهذا الكتاب أول كتاب في العلل لقي عناية كبيرة من المصنف فرتبه على أبواب الفقه، بدءا بباب الطهارة، ثم الصلاة، وانتهاء بباب النذر، ولكن رغم هذا الترتيب إلا أن اتساع أبوابه تجعل من الصعوبة بمكان الوصول إلى المطلوب منه ولا بد من تقسيم أبوابه إلى فروع تسهل على الباحثين الرجوع إلى الأحاديث، أو أن تفهرس مادة هذا الكتاب فهرسة مستقلة في آخره ترشد إلى الأحاديث فيه، وفي هذا الكتاب ثلاثة آلاف حديث ذكرت عللها، وهذه العلل

    vol. 1, p. 86متنوعة وكثيرة، فمنها العلل الخفية كاكتشاف الإرسال والانقطاع، وأخرى بالقوادح الظاهرة كالمنكر والموضوع الضعيف. وأما مادة الرجال فهي مبثوثة خلال الكلام عن الأحاديث والأسانيد.

  30. أهمية هذا الكتاب:
  31. وترجع أهمية هذا الكتاب إلى مادته الغزيرة في العلل والرجال، وإلى إمامة الرجلين العظيمين، أبي زرعة وأبي حاتم، وإلى تبويبه الذي يجعل الحصول على المبتغى منه أقرب من غيره من كتب العلل الأخرى.

  32. وقد اعتمد ابن رجب في كتابه "شرح علل الترمذي" كثيرا على هذا الكتاب، فكان من أهم مصادره.

  33. [المطلب السادس العلل الواردة في الأحاديث النبوية]

  34. صنف الإمام أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني (ت ٣٨٥هـ) مصنفات كثيرة في مختلف فنون الحديث إلا أن مصنفه في العلل هو أشهرها وأهمها، وهذا الكتاب يشهد لعلم الدارقطني وتبحره في الحديث وطرقه، ولقد استحق بسببه عظيم الثناء من العلماء. قال ابن كثير في اختصار علوم الحديث، وقد جمع أزمة ما ذكرناه كله الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجل الكتب، بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن، لم يسبق إلى مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بعده، ف رحمه الله وأكرم مثواه".

  35. وبحق فإن الكتاب موسوعة حديثية، وقد جمع من طرق الحديث وعلله ما يدهش المرء، ويعجزه عن الملاحقة، والاطلاع، فكيف بالابتداء والتصنيف.

    vol. 1, p. 87
  36. والكتاب يقع في خمسة مجلدات مخطوطة كبيرة، قدر لي أن أطلع عليها - الحمد لله - بعد جهد جهيد وصبر، إذ لم أوفق بالاطلاع على بعض أجزائه إلا بعد وقت طويل من البحث، وذلك بسبب ضياع بعض هذه الأجزاء، حتى إن فهارس المخطوطات المتخصصة لم تشر إليها، وكم كانت فرحتي عظيمة يوم أن علمت بوجود ثلاث نسخ مخطوطة من هذا الكتاب في دار الكتب بالقاهرة.

  37. وبعد الاستعراض السريع لهذا الكتاب للتعرف على مادته ومنهجه ظهر لي أنه كتاب اعتمد أسلوب العلل على الأسانيد خلافا لعلل ابن أبي حاتم الذي اعتمد أسلوب العلل على الأبواب فكتاب الدارقطني هذا هو من كتب العلل الفريدة التي اعتمدت منهجا موحدا، لا كما هو الحال في علل أحمد وابن المديني وابن معين وأصل الترمذي قبل ترتيبه.

  38. والمنهج الذي سلكه الدارقطني أنه يذكر الصحابي ومن روى عنه ويذكر العلل في حديث هذا الصحابي من هذه الطريق، ثم ينتقل إلى الصحابي الآخر بعد أن يستوفي الرواة عن الصحابي الأول. ففي الجزء الأول: بدأ بأبي بكر الصديق - رضي الله عن هـ -. وقال: حديث عمر عن أبي بكر، ثم حديث عثمان عن أبي بكر، ثم حديث علي عن أبي بكر.. وفي كل مرة يذكر العلل في هذه الطرق.

  39. وأما الجزء الثاني فقد أتم الكلام في أوله عن عبد الله بن مسعود، فعرض حديث عتبة عنه ثم حديث مسروق عنه وهكذا.. ثم ذكر مسند

    vol. 1, p. 88أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري، ثم مسند أبي بردة، ثم مسند معاذ بن جبل، وهكذا ... وفي كل مسند يتناول الرواة عنهم، فيذكر عللهم. وآخره بعض مسند أبي هريرة.

  40. أما الجزء الثالث: فأوله بقية مسند أبي هريرة فبدأ بحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ثم من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ثم المقرونات من حديث أبي سلمة وسعيد عن أبي هريرة.