مضمون كلام الشافعي
82 paragraphs · vol. 1, p. 577
Page 1 of 3
- vol. 1, p. 577
فقد تضمن كلامه ـ رحمه الله ـ أن الحديث لا يحتج به حتى يجمع رواته من أولهم إلى آخرهم شروطاً.
-
أحدها: الثقة في الدين، وهي العدالة، وشروط العدالة مشهورة معروفة في كتب الفقه.
-
والثاني: المعرفة بالصدق في الحديث ويعني بذلك، أن يكون الراوي معروفاً بالصدق في رواياته، فلا يحتج بخبر من ليس بمعروف بالصدق، كالمجهول الحال، ولا من يعرف بغير الصدق.
-
وكذلك ظاهر كلام الإمام أحمد أن خبر مجهول الحال لا يصح، ولا يحتج به.
-
ومن أصحابنا من خرج قبول حديثه على الخلاف في قبول المرسل.
وقال الشافعي أيضاً: كان ابن سيرين والنخعي وغير واحد من التابعين
vol. 1, p. 578يذهب هذا المذهب في أن لا يقبل إلا ممن عرف. قال: وما لقيت ولا علمت أحداً من أهل (العلم) بالحديث يخالف هذا المذهب.
-
الثالث: العقل لما يحدث به، وقد روي مثل هذا الكلام عن جماعة من السلف. ذكر ابن أبي الزناد عن أبيه، قال: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم شيء من الحديث، يقال: ليس من أهله، خرجه مسلم في مقدمة كتابه.
-
وروى إبراهيم بن المنذر، حدثني معن بن عيسى، قال: كان مالك يقول: لا تأخذ العلم من أربعة وخذ ممن سوى ذلك، لا تأخذ من سفيه معلن بالسفه، وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخ له فضل وعباده إذا كان لا يعرف ما يحدث به.
-
قال إبراهيم بن المنذر فذكرت هذا الحديث لمطرف بن عبد الله (اليساري) مولى زيد بن أسلم، فقال: ما أدري ما هذا، ولكن أشهد أني سمعت مالك بن أنس يقول: لقد أدركت بهذا البلد، يعني المدينة مشيخة لهم فضل وصلاح وعبادة، يحدثون، ما سمعت من واحد منهم حديثاً قط، قيل: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: لم يكونوا يعرفون ما يحدثون.
- vol. 1, p. 579
وروى ضمرة: عنه سعيد بن عبد العزيز عن مغيرة، عن إبراهيم قال: لقد رأيتنا وما نأخذ الأحاديث إلا ممن يعرف حلالها من حرامها، وحرامها من حلالها، وإنك لتجد الشيخ يحدث بالحديث فيحرف حلاله عن حرامه، وحرامه عن حلاله، وهو لا يشعر.
-
وقال محمد بن عبد الله بن عمار الحافظ الموصلي وقد سئل عن علي بن غراب، فقال: كان صاحب حديث بصيراً به، فقيل له: أليس هو ضعيفاً؟ قال: إنه كان يشيع، ولست بتارك الرواية عن رجل صاحب حديث يبصر الحديث بعد أن لا يكون كذوباً للتشيع أو للقدر، ولست براوٍ عن رجل لا يبصر الحديث ولا يعقله ولو كان أفضل من فتح، يعني الموصلي.
- وحكى الترمذي في علله عن البخاري قال:
-
كل من لا يعرف صحيح الحديث من سقيمه لا أحدث عنه، وسمى منهم زمعة بن صالح وأيوب بن عتبة.
-
وحكى الحاكم هذا المذهب عن مالك وأبي حنيفة.
- vol. 1, p. 580
وحكى عن أكثر أهل الحديث الاحتجاج بحديث من لا يعرف ما يحدث به ولا يحفظه.
-
والظاهر ـ والله أعلم ـ حمل كلام الشافعي على من لا يحفظ لفظ الحديث، وإنما يحدث بالمعنى كما صرح بذلك فيما بعد، وكذلك نقل الربيع عنه في موضع آخر، أنه قال:
تكون اللفظة تترك من الحديث فتحيل المعنى، أو ينطق بها بغير لفظ المحدث، والناطق بها غير عامد (لاحالة) الحديث (فيختل معناه، فإذا كان الذي يحمل الحديث يجهل هذا المعنى وكان غير عاقل للحديث) فلم يقبل حديثه إذا كان يحمل ما لا يعقل، إذا كان ممن لا يؤدي الحديث بحروفه، وكان يلتمس روايته على معانيه، وهو لا يعقل المعنى، إلى أن قال: فالظنة فيمن لا يؤدي الحديث بحروفه ولا يعقل معانيه أبين منها في الشاهد لمن ترد شهادته (له) فيما هو ظنين فيه.
-
فهذا يبين أن الشافعي إنما اعتبر في الراوي أن يكون عارفاً بمعاني الحديث إذا كان يحدث بالمعنى ولا يحفظ الحروف، والله أعلم.
-
فقوله هنا، عاقلاً لما يحدث به، عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ هو شرط واحد ليس فيه تكرير، بل مراده يعقل ما يحدث به فهم المعنى، ومراده بالعلم بما يحيل المعنى من الألفاظ معرفة الألفاظ التي تؤدي بها المعاني.
-
وقد فسر أبو بكر الصيرفي في شرح الرسالة قول الشافعي: عاقلاً لما يحدث به بأن مراده أن يكون الراوي ذا عقل فقط، قال: وهذا شرط بإجماع.
-
وهذا الذي قاله فيه نظر وضعيف، وهذا (كله) في حق من لا يحفظ
vol. 1, p. 581الحديث بألفاظه بدليل أنه قال بعد ذلك: أو أن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمعه، ولا يحدث به على المعنى، فجعل هذا قسيماً للذي قبله، فقسم الرواة إلى قسمين:
من يحدث بالمعنى، فيشترط فيه أن يكون عاقلاً لما يحدث به من المعاني، عالماً بما يحيل المعنى من الألفاظ.
-
ومن يحدث باللفظ، فيشترط فيه الحفظ للفظ الحديث، واتقانه، وما علل به من اشتراط معرفة المعنى واللفظ المؤدي له فهو حق واضح، وقد سبق معنى ذلك عن إبراهيم النخعي.
-
وقد قال أحمد في رواية الأثرم: سعيد بن زكريا المدائني كنا كتبنا عنه، ثم تركناه، قيل له: لم؟ قال: لم أكن أرى به في نفسه بأساً ولكن لم يكن بصاحب حديث.
-
وهذا محمول على أنه كان يحدث من حفظه أيضاً فيخشى عليه الغلط.
-
الرابع: حفظ الراوي، فإن كان يحدث من حفظه اعتبر حفظه لما يحدث به، لكن إن كان يحدث باللفظ اعتبر حفظه لألفاظ الحديث، وإن كان يحدث بالمعنى اعتبر معرفته بالمعنى واللفظ الدال عليه كما تقدم، وإن كان يحدث من كتابه اعتبر حفظه لكتابه، وقد سبق كلام الأئمة واختلافهم في جواز التحديث من الكتاب، وفي صفة حفظ الكتاب بما فيه كفاية.
-
الخامس: أن يكون في حديثه الذي لا ينفرد به يوافق الثقات في حديثهم، فلا يحدث بما لا يوافق الثقات وهذا الذي ذكره معنى قول كثير من الأئمة الحفاظ
vol. 1, p. 582في الجرح في كثير من الرواة يحدث بما يخالف الثقات، أو يحدث بما لا يتابعه الثقات (عليه) لكن الشافعي اعتبر أن لا يخالفه الثقات، ولهذا قال بعد هذا الكلام: (بريئاً) أن يحدث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما يحدث الثقات خلافه. وقد فسر الشافعي الشاذ من الحديث بهذا.
قال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثاً لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث أن يروي الثقات حديثاً فيشذ عنهم واحد فيخالفهم.
-
وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد وإن (لم) يرو الثقات خلافه أنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضاً، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه.
قال صالح بن محمد الحافظ: الشاذ، الحديث المنكر الذي لا يعرف، وسيأتي لذلك مزيد إيضاح عند ذكر الحديث الغريب إن شاء الله تعالى.
-
السادس: أن لا يكون مدلساً، فمن كان مدلساً يحدث عمن رآه بما لم يسمعه منه فإنه لا يقبل منه حديثه حتى يصرح بالسماع ممن روى عنه، وهذا الذي ذكره الشافعي قد حكاه يعقوب بن شيبة عن يحيى بن معين.
وقال الشاذكوني: من أراد التدين بالحديث فلا يأخذ عن الأعمش، ولا عن قتادة إلا ما قالا: سمعناه.
وقال البرديجي: لا يحتج من حديث حميد إلا ما قال: (ثنا) أنس.
-
ولم يعتبر الشافعي أن يتكرر التدليس من الراوي، ولا أن يغلب على
vol. 1, p. 583حديثه، بل اعتبر ثبوت تدليسه، ولو بمرة واحدة. واعتبر غيره من أهل الحديث أن يغلب التدليس على حديث الرجل، وقالوا: إذا غلب عليه التدليس لم يقبل حديثه حتى يقول: (ثنا) وهذا قول ابن المديني، حكاه يعقوب بن شيبة عنه.
-
وذكر مسلم في مقدمة كتابه أنه إنما يعتبر التصريح بالسماع ممن شهر بالتدليس، وعرف به، وهذا يحتمل أن يريد به كثرة التدليس في حديثه، ويحتمل أن يريد ثبوت ذلك عنه، وصحته، فيكون كقول الشافعي.
-
وفرقت طائفة بين أن يدلس عن الثقات أو عن الضعفاء، فإن كان يدلس عن الثقات قبل حديثه، وإن عنعنه، وإن كان يدلس عن غير الثقات لم يقبل حديثه حتى يصرح بالسماع، وهذا الذي ذكره حسين الكرابيسي، وأبو الفتح الأزدي الموصلي الحافظ، وكذلك ذكره طائفة من فقهاء أصحابنا، وهذا بناء على قولهم بقبول المراسيل، واعتبروا كثرة التدليس في حق من يدلس عن غير الثقات، وكذا ذكر الحاكم أن المدلس إذا لم يذكر سماعه في الرواية فحكم حديثه حكم المرسل.
-
وكذلك أشار إليه أبو بكر الصيرفي في شرح رسالة الشافعي.
-
وأما الإمام أحمد فتوقف في المسألة، قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن الرجل يعرف بالتدليس في الحديث، يحتج فيما لم يقبل فيه: حدثني، أو سمعت؟ قال: لا أدري.
- vol. 1, p. 584
وأما من يدلس عمن لم يره، فحكم حديثه حكم المرسل، وقد سبق ذكره ومتى صرح بالسماع، أو قال: (ثنا) أو (أنا) فهو حجة.
-
وزعم أبو الطيب الطبري من الشافعية أنه لا يحتج بقول المدلس: (أنا) ؛ لأنه قد يكون إجازة وهذا ضعيف، فإن مثله يتطرق إلى قوله: (ثنا) أيضاً، فإن ذلك جائز عند كثير من العلماء في الإجازة كما سبق، ثم إن الإجازة والمناولة تصح الرواية بهما على ما تقدم، فيحتج بحديث من حدث بهما حينئذ، وأيضاً فقد تستعمل "حدثنا" في الإرسال كما كان الحسن يقول: (ثنا) ابن عباس، ويتأوله أنه حدث أهل البصرة، ولكن هذا استعمال نادر، والحكم للغالب.
-
وأما قول الشافعي: إن التدليس ليس بكذب يرد به حديث صاحبه كله، فهذا أيضاً قول أحمد وغيره من الأئمة، لأن قول المدلس "عن فلان" ليس بكذب منه وإنما فيه كتمان من سمع منه عن فلان.
-
وحكى الخطيب هذا القول عن كثير من العلماء، وعن بعضهم أنه كذب يرد به حديث صاحبه، وممن قال إنه كذب: حماد بن زيد وأبو أسامة. وقال شعبة: هو أخو الكذب، وقال مرة: هو أشد من الزنا. وروى رزق الله بن موسى عن وكيع، قال: لا يحل تدليس (الثوب) ، فكيف يحل تدليس الحديث، وهذا في التدليس عن غير الثقات (أشد) .
وقال أحمد في التدليس: أكرهه. قيل له: قال شعبة: هو كذب. قال أحمد: لا قد دلس قوم، ونحن نروي عنهم، وقال يحيى بن معين: كان
vol. 1, p. 585الأعمش يرسل، فقيل له: إن بعض الناس قال: من أرسل لا يحتج بحديثه. فقال: الثوري إذا لا يحتج بحديثه. وقد كان يدلس: إنما سفيان أمير المؤمنين في الحديث، انتهى.
-
والتدليس مكروه عند الأكثرين لما فيه من الإيهام، وهو عن الكذابين أشد.
-
وقد صرح طائفة من العلماء، منهم مسلم في مقدمة كتابه بأن من روى عن غير ثقة، وهو يعرف حاله، ولم يبين ذلك لمن لا يعرفه أنه يكون آثماً بذلك، يريدون أنه فعل محرم، فإسقاط من ليس بثقة من الحديث أقبح من الرواية عنه من غير تبيين حاله.
-
ورخص في التدليس طائفة، قال يعقوب بن شيبة، من رخص فيه فإنما رخص فيه عن ثقة سمع (منه) ، وأما من دلس عمن لم يسمع منه، فلم يرخص فيه، وكذا إذا دلس عن غير ثقة، كذا قال يعقوب.
-
وقد كان الثوري وغيره يدلسون عمن لم يسمعوا منه أيضاً، فلا يصح ما قال يعقوب.
-
وقول الشافعي ـ رحمه الله ـ: وأقبل الحديث حدثني فلان عن فلان، إذا لم يكن مدلساً مراده أن تقبل العنعنة عمن عرف منه أنه ليس بمدلس، فإن الربيع نقل عنه أيضاً، قال في كلام له:
لم يعرف التدليس ببلدنا، فيمن مضى، ولا ممن أدركنا من أصحابنا، إلا حديثاً، فإن منهم من قبله عمن لو تركه عليه كان خيراً له. وكان قول الرجل: سمعت فلاناً (يقول: سمعت فلاناً) وقوله: "حدثني فلان عن
vol. 1, p. 586فلان" سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه، (فمن عرفناه) بهذا الطريق قبلنا منه: حدثني فلان عن فلان، إذا لم يكن مدلساً. وظاهر هذا أنه لا يقبل العنعنة إلا عمن عرف منه أنه لا يدلس، ولا يحدث إلا عمن لقيه بما سمع منه، وهذا قريب من قول من قال: إنه لا يقبل العنعنة إلا عمن ثبت أنه لقيه وفيه زيادة أخرى عليه، وهي أنه اشترط أنه يعرف أنه لا يدلس عمن لقيه أيضاً، ولا يحدث إلا بما سمع، وقد فسره أبو بكر الصيرفي في شرح الرسالة باشتراط ثبوت السماع لقبول العنعنة، وأنه إذا علم السماع فهو على السماع حتى يعلم التدليس، وإذا لم يعلم سمع أو لم يسمع وقف فإذا صح السماع فهو عليه حتى يعلم غيره، قال: وهذا الذي قاله صحيح. انتهى.