المبحث الأول في أسباب العلة من خلال كتاب ابن رجب

127 paragraphs · vol. 1, p. 93

Page 3 of 4

  1. وقد ذكر الخطيب البغدادي في كفايته كلاما أسنده إلى مروان بن محمد، قال: "لا غنى لصاحب الحديث عن ثلاث: صدق وحفظ، وصحة كتاب، فإن كانت فيه ثنتان وأخطأته واحدة لم يضره: إن كان صدق، وصحة كتب ولم يحفظ ورجع إلى كتب صحيحة" ، وروى الخطيب كذلك، بسنده إلى يحيى بن معين قوله: "ينبغي للمحدث أن يتزر بالصدق، ويرتدي بالكتب" . ودفعا لما قد يدخل على الكتاب من زيادة أو نقص فقد وضع المحدثون مبادىء لا بد من التزامها أثناء الكتاب وقد طول الخطيب في الكلام على هذه المبادىء في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"

    vol. 1, p. 108
  2. ولكن ضبط الكتاب لا يغني، وبالتالي يقع المحذور، في حالة بعد الكتاب أو فقده وفقد آلة النظر في الكتاب. ومن هنا دخلت العلة في أحاديث بعض الثقات فكان لا بد من دخول الناقد، رجل العلل، في دائرة أحاديث هؤلاء الثقات لتمييز سقيمها معلولها من صحيحها ومستقيمها.

  3. وممن خف ضبطه لبعده عن كتبه معمر بن راشد، وهذا الرجل عده علي بن المديني ممن دار الإسناد عليهم، وثناء العلماء عليه عظيم، ولكن ذلك لم يمنع من أن يقال فيه: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخفه، إلا عن الزهري وابن طاوس فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا. ونقل ابن رجب عن الإمام أحمد قوله: حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إلي من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه وينظر فيها، يعني في اليمن، وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة، كما ذكر ابن رجب مثالا من الأحاديث المعلولة التي تكشف عن أمر معمر بالعراق، وذلك أن معمرا روى حديثا وهو: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة" .

    vol. 1, p. 109
  4. رواه باليمن عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل مرسلا، ورواه بالبصرة عن الزهري عن أنس، والصواب المرسل.

  5. وأما عبد الله بن لهيعة، قاضي مصر، فهو ممن أجمع العلماء على خفة ضبطه قبل موته بسنين، والأكثر على أن هذا راجع إلى احتراق كتبه، روى العقيلي من طريق البخاري عن أبي بكير، قال: احترقت كتب ابن لهيعة سنة سبعين ومائة، وقال ابن خراش كان يكتب حديثه، احترقت كتبه، فكان من جاء بشيء قرأه عليه حتى لو وضع أحد حديثا وجاء به إليه قرأه ليه، قال الخطيب فمن ثم كثرت المناكير في روايته لتساهله، وقال يحيى بن حسان: رأيت مع قوم جزءا سمعوه من ابن لهيعة فنظرت فإذا ليس هو من حديثه، فجئت إليه، فقال: ما أصنع؟ يجيئون بكتاب فيقولون: هذا من حديثك، فأحدثهم.

  6. وقد فصل ابن رجب في الكلام عن ابن لهيعة، وذكر أقوال العلماء في تضعيفه من قبل حفظه، وساق بعض أحاديث رواها فوهم فيها.

    قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: ومن أشنع ما رواه ابن لهيعة ما أخرجه الحاكم في المستدرك من طريقه. عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة، قال: "مات رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذات الجنب" وهذا مما يقطع ببطلانه لما ثبت في الصحيح أنه قال لما لدوه: "لما فعلتم هذا" ؟ قالوا: خشينا أن يكون بك ذات الجنب، فقال: "ما كان الله ليسلطها علي" . وإسناد الحاكم إلى ابن لهيعة صحيح، والآفة فيه من ابن لهيعة.

    vol. 1, p. 110
  7. ومن الحفاظ من خف ضبطه، لضياع كتبه فدخلت الأوهام على حديثه، فمنهم علي بن مسهر القرشي الكوفي قاضي الموصل، ولي قضاءها للمهدي (سنة ١٦٦هـ) ، وكان ثقة صالح الكتاب قبل ذهاب كتبه.

  8. نقل ابن رجب عن الإمام أحمد - من رواية الأثرم - أنه أنكر حديثا، فقيل له: رواه علي بن مسهر، فقال: إن علي بن مسهر كانت كتبه قد ذهبت فكتب بعد، فإن كان روى هذا غيره، وإلا فليس بشيء يعتمد.

  9. ومن أسباب خفة الضبط - وبالتالي دخول الوهم والعلل - الانشغال عن العلم حفظا وكتابة وضبطا، وقد ذكر هذا السبب في علل من تولوا القضاء كشريك بن عبد الله النخعي وحفص بن غياث. فإما شريك فقد ولي قضاء واسط (سنة ١٥٥هـ) (وقال عنه العجلي: - بعد ما ذكر أنه ثقة - وكان صحيح القضاء، ومن سمع منه قديما فحديثه صحيح، ومن سمع منه بعدما ولي القضاء ففي سماعه بعض الاختلاط، وقال صالح جزرة: صدوق، لما ولي القضاء

    vol. 1, p. 111اضطرب حفظه) . ونقل ابن رجب قولا لأحمد - من رواية الأثرم - ذكر فيه سماع أبي نعيم من شريك، فقال: سماع قديم، وجعل يصححه، وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: قال لي حجاج بن محمد: كتبت عن شريك نحوا من خمسين حديثا عن سالم قبل القضاء. وقد سبق أن مثلت لأحاديث أعلها النقاد من وراية شريك، وكان معرض ذكرها خفة الضبط كسبب عام ويشمل روايات المحدث كلها، وأما ما نحن فيه فهو الكلام عن حالة خاصة تعتري المحدث. وحديث شريك قبل القضاء الغالب عليه القبول، وأما بعد القضاء فالغالب عليه الرد ومن ذلك ما رواه ابن أبي حاتم في علله قال: (سألت أبي عن حديث رواه شريك عن عاصم الأحول، عن الشعبي عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم" . فقال: هذا خطأ أخطأ فيه شريك، وروى جماعة هذا الحديث، ولم يذكروا صائما محرما، إنما قالوا: احتجم وأعطى الحجام أجره فحدث شريك هذا الحديث من حفظه بأخرة، وكان قد ساء حفظه فغلط فيه) .

  10. وأما حفص بن غياث النخعي، أبو عمر الكوفي، فقد ولي القضاء في الكوفة وبغداد، وللعلماء كلام كثير في الثناء عليه وتوثيقه، ولكنه "لما ولي القضاء جفا كتبه" ، قال عنه أبو زرعة: ساء حفظه بعدما استقضي.

  11. ومما أنكر على حفص حديثه، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر "كنا نأكل ونحن نمشي" .

    قال ابن معين: تفرد وما أظنه إلا وهم فيه، وقال أحمد: ما أدري ماذا، كالمنكر له، وقال أبو زرعة: رواه حفص وحده.

  12. ومن الثقات من فقد بصره، وكان يعتمد على كتبه، فخف ضبطه ووهم فيما حدث به بعد ذلك، وهؤلاء كثيرون، منهم عبد الرزاق بن همام، فبالرغم من أنه أحد الأئمة المشهورين، وإليه كانت الرحلة في زمانه في الحديث، حتى قيل أنه لم يرحل إلى أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رحل إلى عبد الرزاق، هذا ما قاله ابن رجب معبرا عن توثيق العلماء لهذا العلم، بالرغم من كل هذا إلا أن حديثه ضعيف بعد فقد بصره، وهذا ما قرره الإمام أحمد بقوله: عبد الرزاق لا يعبأ بحديث من سمع منه وقد ذهب بصره، كان يلقن أحاديث باطلة وقد حدث عن الزهري بأحاديث كتبناها من أصل كتابه جاء بخلافها.

    vol. 1, p. 112
  13. وعلى هذا فآفة عبد الرزاق انه كان يتلقن ولم يوفق بمحدث واحد ثقة يلقنه.

  14. روى الخطيب بإسناده عن إسحاق بن أبي إسرائيل قال: كان أصحاب الحديث يلقنون عبد الرزاق من كتبهم فيختلفون في الشيء فيقول لي: كيف في كتابك؟ فإذا أخبرته صار إليه لما يعرف أنني كنت أتعب في تصحيحها. وهذه القصة وما قبلها فيهما دلالة واضحة على أن عبد الرزاق ابتلي بمن يلقنه الباطل أو الضعيف من الحديث، وعليه يحمل تكذيب من كذبه، وما روى من الفضائل عنه حتى اتهم بالتشيع.

  15. ومما أدخل على عبد الرزاق ما رواه ابن أبي حاتم في علله، قال: "سألت أبي عن حديث رواه أبو عقيل بن حاجب، عن عبد الرزاق، عن سعيد بن قماذين، عن عثمان بن أبي سليمان عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن حبشي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تطرقوا الطير في أوكارها فإن الليل أمان لها".

    vol. 1, p. 113قال أبي: يقال إن هذا الحديث مما ادخل على عبد الرزاق، وهو حديث موضوع ".

  16. وقد ذكر ابن رجب ضابطا لرواية الضرير والأمي فقال: وهذا يرجع إلى أصل وهو أن الضرير والأمي إذا لم يحفظا الحديث فإنه لا تجوز الرواية عنهما، ولا تلقينهما، ولا القراءة عليها من كتاب، وقد نص على ذلك أحمد - في رواية عبد الله - في الضرير والأمي لا يجوز أن يحدثا إلا بما حفظا، وقال: كان أبو معاوية الضرير إذا حدثنا بالشيء الذي نرى أنه لا يحفظه، يقول: في كتابي كذا وكذا.

  17. ولقد أخذ على يزيد بن هارون أنه لما أضر كانت جاريته تحفظه من كتاب فيتلقن.

    قال ابن رجب: "وحاصل الأمر أن الناس ثلاثة أقسام: حافظ متقن، يحدث من حفظه فهذا لا كلام فيه، وحافظ نسي فلقن حتى ذكر أو تذكر حديثه من كتاب فرجع إليه حفظه، الذي كان نسيه، وهذا أيضا حكمه حكم الحافظ، ومن لا يحفظ وإنما يعتمد على مجرد التلقين فهذا الذي منع أحمد ويحيى من الأخذ عنه.

  18. السبب الخامس - قصر الصحبة للشيخ، وقلة الممارسة لحديثه:

    أعطى المحدثون طول ملازمة الشيخ وممارسة حديثه أهمية كبيرة فرجحوا - من أجل ذلك - أسانيد كثيرة على أخرى، وأعانتهم معرفتهم بالصحبة والممارسة على تمييز كثير من الأوهام والعلل.

  19. ١١٤ -

    واهتمام النقاد بهذا الأمر جعلهم يتابعون الرواة عن شيخ ما فيقسمونهم فئات بين الأطول صحبة والأقصر، والأقل ممارسة والأكثر، وممن اعتنى اعتناء فائقا باختيار أكثر رجاله من بين الأوثق والأطول صحبة، الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، في كتابه الصحيح، وفي هذا يقول الإمام ابن رجب - في شرحه لعلل الترمذي - وأما البخاري فشرطه أشد من ذلك، وهو أنه لا يخرج إلا للثقة الضابط، ولمن ندر وهمه ... ونذكر لذلك مثالا، وهو أن أصحاب الزهري خمس طبقات.

  20. الطبقة الأولى: جمعت الحفظ والإتقان وطول الصحبة للزهري، والعلم بحديثه والضبط له، كمالك، وابن عيينة، وعبيد الله بن عمر، ومعمر، ويونس، وعقيل وشعيب وغيرهم، وهؤلاء متفق على تخريج حديثهم عن الزهري.

  21. الطبقة الثانية: أهل حفظ وإتقان ولكن لم تطل صحبتهم للزهري، وإنما صحبوه مدة يسيرة، ولم يمارسوا حديثه، وهم في إتقانه دون الأولى، كالأوزاعي والليث، وهؤلاء يخرج لهم مسلم عن الزهري.

  22. الطبقة الثالثة: لازموا الزهري وصحبوه ولكن تكلم في حفظهم، كسفيان بن حسين ومحمد بن إسحاق.

  23. الطبقة الرابعة: قوم رووا عن الزهري من غير ملازمة، ولا طول صحبة، ومع ذلك تكلم فيهم مثل إسحاق بن أبي فروة، وهؤلاء قد يخرج الترمذي لبعضهم.

  24. الطبقة الخامسة: قوم من المتروكين والمجهولين، كالحكم الأيلي وعبد القدوس بن حبيب.

  25. ورجال البخاري - كما دل عليه الاستقراء - هم في معظمهم من الطبقة الأولى، طبقات الثقات ذات الصحبة والممارسة.

  26. وهكذا نرى أن درجة الثقة وحدها لا تكفي لقبول الحديث، بل لا بد من

    vol. 1, p. 115معرفة سياق السند ومعرفة ممارسة كل رجل من رجاله لحديث شيخه، ومعرفة هذه الممارسة تجعل نظرة المحدث تختلف - عما قبل المعرفة - وهو يرى حديث الأوزاعي عن الزهري، وحديث معمر عن الزهري، فمما لا شك فيه أن الأوزاعي أكبر وأجل، ولكن إسناد معمر أصح وأدق. إذ أن معمر عن الزهري من الطبقة الأولى، والأوزاعي عن الزهري من الطبقة الثانية لقصر صحبته وقلة ممارسته.

  27. ومن أجل هذه الممارسة كان بعض المحدثين لا يرضى أن يسمع الحديث من الشيخ مرة واحدة. قال حماد بن زيد: ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة، لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة واحدة، يعاود صاحبه مرارا.

  28. وتظهر هذه الممارسة في عبارات القوم وهم يقولون: ليس هذا الحديث من حديث فلان أو يقولون: هذا الحديث أشبه بفلان، إلى غير ذلك من العبارات التي تدل على خبرة واسعة بعلاقة الرواة، بعضهم ببعض.

  29. والجدير بالذكر أن هذه الممارسة قد ترفع الراوي من رتبة الصدوق إلى رتبة الثقة، أو إلى رتبة أوثق الناس في هذا الشيخ، ومثاله حماد بن سلمة، فق اتفق النقاد أنه أوثق الناس في ثابت، بالرغم من أن حمادا بشكل عام كثير الوهم والخطأ.

  30. قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في علله: "وسئل أبو زرعة عن حديث رواه القعنبي عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها، ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان " ورواه حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو زرعة حماد أحفظ" .

    vol. 1, p. 116وقال أبو حاتم في علة حديث ذكره: المسعودي أفهم بحديث عون وأشبه.

    وقال أبو زرعة: محمد بن يزيد عن أشبه لأنه أفهم لحديث أبيه.

  31. وهذا كله في مجال تقديم إسناد على آخر إذ يتقدم الأفهم والأكثر ممارسة على غيره.

  32. السبب السادس - اختصار الحديث أو روايته بالمعنى:
  33. رأى الجمهور على أن الرواية بالمعنى جائزة وقد دلل ابن رجب على جوازها بأقوال بعض الصحابة والتابعين، وعلماء الحديث المتقدمين، وبأن الله يقص قصص القرون السالفة بغير لغاتها، وقد قيد العلماء هذا الجواز فاشترطوا فيمن يروي الحديث بالمعنى أن يكون عارفا بمواقع الألفاظ، بصيرا بدلالاتها، حتى لا يحيل الحلال حراما، أو يضع الدليل في غير مكانه. وفي شرح علل الترمذي تفصيل لهذا الموضوع، وعرض لأقوال العلماء فيه وأن الرواية بالمعنى، إن لم يلتزم راويها بشرطها الذي يضمن عدم الإحالة، فإن هذه الرواية تكون سببا في دخول العلة على الحديث.

  34. وقد مثل ابن رجب لروايات بالمعنى أحال الرواة معناها، لاضطراب في المقدرة اللغوية، وعدم معرفتهم بلغة العرب، أو عدم إدراك المراد من الحديث وسببه الذي قيل فيه.

  35. وفي هذا يقول ابن رجب: "وقد روى كثير من الناس الحديث بمعنى فهموه منه، فغيروا المعنى: مثل ما اختصر بعضهم من حديث عائشة في حيضها في الحج، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها وكانت حائضا: " انقضي رأسك وامتشطي" وأدخله في باب غسل الحيض، وقد أنكر أحمد ذلك على من

    vol. 1, p. 117فعله، لأن يخل بالمعنى، فإن هذا لم تؤمر به في الغسل من الحيض عند انقطاعه، بل في غسل الحائض إذا أرادت الإحرام.

  36. وروى بعضهم حديث "إذا قرأ" يعني الإمام "فأنصتوا" بما فهمه من المعنى، فقال: إذا قرأ الإمام " (ولا الضالين) فأنصتوا، فحمله على فراغه من القراءة، لا على شروعه فيها.

  37. وروى بعضهم حديث: كنا نؤديه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد زكاة الفطر، فصحف نؤديه، فقال نورثه، ثم فسره من عنده فقال الجد.

  38. كل هذا تصرف سيئ لا يجوز مثله".

  39. وقد يدخل هذا الوهم على كبار الثقات رغم يقظتهم، وذلك إما لانشغالهم أثناء التحديث، وإما لحضورهم بعض الحديث دون بعضه الآخر، ومثال ذلك:

    ما رواه أبو داود في سننه "عن زيد بن ثابت قوله في كراء المزارع: يغفر الله لرافع بن خديج، أنا - الله - أعلم بالحديث منه، إنما أتاه رجلان، - قال مسدد: من الأنصار اتفقا، ثم اقتتلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    "إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع " زاد مسدد: فسمع قوله: لا تكروا المزارع" ، فروى رافع ما سمعه من الحديث، علما بأن المنع مقيد بما إذا اقتتلوا فأخطأ في روايته.

  40. ونقل مثل هذا عن عائشة - رضي الله عن ها - في إنكارها على ابن عمر روايته "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" .

    فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب ولكنه نسي

    vol. 1, p. 118أو أخطأ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على يهودية يبكى عليها، فقال: "إنهم يبكون، وإنها تعذب في قبرها" .