المبحث الثالث في أنواع العلل من خلال كتاب ابن رجب
136 paragraphs · vol. 1, p. 139
Page 2 of 4
- vol. 1, p. 146
ومن الأمثلة التي ذكرها ابن رجب لمثل هذا النوع قوله:
"روى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن حبيب، عن أبي سبيعة الضبعي، عن الحارث، أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أحب فلانا. قال: " أعلمته "؟ قال: لا ... الحديث، قال ابن رجب: هكذا رواه حماد بن سلمة، وهو أحفظ أصحاب ثابت، وأثبتهم في حديثه. وخالفه من لم يكن في حفظه بذاك من الشيوخ فرووه عن ثابت، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم وحكم الحفاظ هنا بصحة قول حماد، وخطأ من خالفه، منهم أبو حاتم، والنسائي، والدارقطني.
قال أبو حاتم: مبارك لزم الطريق. يعني أن رواية ثابت، عن أنس سلسلة معروفة، مشهورة، تسبق إليها الألسنة والأوهام، فيسلكها من قل حفظه بخلاف ما قاله حماد بن سلمة، فإن في إسناد ما يستغرب فلا يحفظه إلا حافظ وأبو حاتم كثيرا ما يعلل الأحاديث بمثل هذا".
-
وقد تكون علة الإسناد إبدال صحابي بآخر، ومثاله فيما يلي:
- مثال:
-
أخرج الترمذي في العلل الكبير، قال: "حدثنا أحمد بن مبيع، نا يزيد بن هارون أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن سالم البراد، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها: فله قيراطان، أحدهما، أو أصغرهما مثل أحد ". سألت محمدا عن هذا الحديث سالم البراد، عن ابن عمر، فقال: رواه عبد الملك بن عمير، عن سالم البراد، عن أبي هريرة، وهو الصحيح، وحديث ابن عمر ليس بشيء، ابن عمر أنكر على أبي هريرة، حديثه" ومحمد في هذا المثال هو البخاري. ويقصد بقوله وحديث ابن عمر ليس بشيء أي هذا الإسناد الذي فيه ابن عمر لا يثبت. وقد استدل البخاري على علة الحديث بأن ابن عمر أخذ على أبي هريرة روايته مثل هذا الحديث، واستنكر.
-
أما الدارقطني فقد ذكر في علله أسانيد كثيرة دخل الوهم على بعض رواتها فغيروا فيها:
- مثال:
-
"وسئل، أي الدارقطني، عن حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر، فلما انصرف رأى رجلين لم يصليا، فقال: علي بهما: ما لكما لم تصليا معنا؟ قالا: كنا في منازلنا، فظننا أنك قد صليت فصلينا، قال: لا تفعلا، إذا جئتما مسجدا والناس يصلون، فصليا معهم" .
- vol. 1, p. 148
فقال - أي الدارقطني - يرويه هشام بن حسان، اختلف عليه فيه.
-
فرواه الحكم بن عبده، وهو بصري سكن مصر، عن هشام، عن ابن سيرين عن أبي هريرة، ووهم فيه على هشام بن حسان، وروي هذا الحديث عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم " وبهذا يكون الدارقطني قد كشف علة هذا الإسناد وهي تغيير فاحش أصابه، ومصدر هذا الوهم هو الحكم بن عبده، الراوي عن هشام بن حسان.
-
وقد تكون العلة تغييرا أو تصحيفا طرأ على الاسم، ومثال ذلك ما ذكره ابن رجب في شرح علل الترمذي قال: "روى زهير بن معاوية عن واصل بن حبان، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث منها "حديث الكمأة وحديث الحبة السوداء و" حديث عرضت على الجنة ".
قال أحمد وأبو داود: انقلب على زهير اسم صالح بن حيان، فقال واصل ابن حبان، يعني إنما يروي عن صالح بن حيان فسماه واصلا. وقال ابن معين: سمع منهما معا فجعلهما واحدا، وسماه واصل ابن حبان، قال أبو حاتم زهير مع اتقانه أخطأ في هذا ولم يسمع من واصل بن حبان ولم يدركه، إنما سمع من صالح بن حيان".
-
والذي أخطأ في هذا الإسناد رجل كبير من الأعلام الثقات، ولولا فطنة أحمد وأبي حاتم وأبي داود لكان من العسير كشف مثل هذا الوهم لا سيما وأن في الرواة الثقات. واصل بن حبان الأسدي، المتوفى سنة ١٢٩، وهو ثقة، وصالح بن حيان القرشي، المتوفى سنة ١٤٠هـ.
-
هذه بعض أمثلة من الأوهام الواقعة في حديث الثقات والتي نشا عنها تغيير في الإسناد كله أو بعضه، أو قلب للأسماء والكنى، وسنختم هذا النوع بأمثلة تبين أن العلة تغيير في أسماء الرواة لعيب في نطق الراوي عنهم، كما جاء في علل الإمام أحمد، قال:
"ابن الثلب إنما هو ابن التلب، ولكن شعبة كان في لسانه شيء. ولعل غندرا لم يفهم عنه" .
-
وقد وقع في مثل هذا أبو يوسف القاضي تلميذ أبي حنيفة، قال أحمد: "كانت فيه لثغة فكان يقول: مطيف بن طييف الحايثي، بدل من مطرف بن طريف الحارثي" .
-
[ثالثا - علة موضوعها: ]
-
الوهم في رفع الوقوف، أو وصل المرسل أو ما فيه انقطاع
وهذا النوع من العلة هو ميدان العلل الأوسع والأكبر، والذي لا تكاد تخلو منه صفحة من كتب هذا الفن، ولذا فقد نص ابن رجب على الاختلاف في الوصل والإرسال والوقف والرفع فقال: والوجه الثاني، "من وجوه معرفة صحة الحديث وسقمه" معرفة مراتب الثقات، وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف، إما في الإسناد، وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف والرفع".
-
فقد يروى الحديث مرفوعا ولكن النقاد يكشفون عن وهم في رفعه ويثبتون أن وقفه أصح، وقد يروى الحديث متصلا، وإرساله أثبت وآكد. أو قد يروى متصلا وهو في الحقيقة معضل أو منقطع.
- مثال:
-
وقد ذكر ابن رجب - رحمه الله - في شرح علل الترمذي أحاديث رفعها
vol. 1, p. 150سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ووقفها نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر، عن عمر. ورجح ابن رجب وقف هذه الأحاديث.
قال ابن رجب:
"وسئل أحمد إذا اختلفا فلأيهما يقضي؟ فقال: كلاهما ثبت. ولم ير أن يقضي لأحدهما على الآخر، نقله عنه المروذي، ونقل عثمان الدارمي عن ابن معين نحوه، مع أن المروذي نقل عن أحمد أنه مال إلى قول نافع في حديث " من باع عبدا له مال "، وهو وقفه. وكذلك نقل غيره عن أحمد أنه رجح قول نافع في وقف حديث " فيما سقت السماء العشر " ورجح النسائي والدارقطني قول نافع في وقف ثلاثة أحاديث: " فيما سقت السماء العشر " وحديث: " تخرج نار من قبل اليمن " وكذا حكى الأثرم عن غير أحمد أنه رجح قول نافع في هذه الأحاديث وفي حديث: " الناس كابل مائة ".
- مثال:
-
وتوضيحا لهذه العلة، وهي الوهم في رفع الموقوف، نسوق مثالا من علل الدارقطني جاء فيه
"وسئل عن حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أحبب حبيبك هونا، ... الحديث" فقال: يرويه الحسن بن دينار، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم واختلف عنه:
- فرواه سويد بن عمرو، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة.
-
- وخالفه الحسن بن أبي جعفر، رواه عن أيوب، عن حميد الحميري، عن علي بن أبي طالب.
- vol. 1, p. 151
- وقال هارون بن إبراهيم الأهوازي: عن ابن سيرين عن حميد الحميري، عن علي يرفعه.
-
- قال الدارقطني: والصحيح عن علي موقوف ".
- مثال:
-
ومن الأمثلة على ما كان الإرسال هو أولى والأرجح من الاتصال ما ذكره ابن رجب في شرح علل الترمذي، في معرض الكلام عن هشام بن عروة، وأن الإمام أحمد قال: "إن عيسى بن يونس أسند عنه ما كان يرسله الناس، كحديث الهدية ".
-
وحديث الهدية هذا ما روي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويثيب عليها، فهذا الحديث رواه عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وعلق البخاري على هذا الإسناد بقوله: لم يذكر وكيع ومحاضر عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.
- مثال:
-
ومثال آخر ذكره ابن رجب في شرح علل الترمذي، قال:
ومنهم حمد بن يحيى الأبح، له أوهام عن ثابت منها حديثه عن أنس مرفوعا مثل أمتي مثل المطر. والصواب: عن ثابت عن الحسن مرسلا.
-
ومما كان موقوفا، والمرفوع أولى وأصح، ما ذكره ابن رجب في اختلاط ابن علية وحماد بن زيد في أيوب.
قال ابن رجب: "ورجحت طائفة ابن علية على حماد. قال البرذيجي:
vol. 1, p. 152ابن علية أثبت من روى عن أيوب، وقال بعضهم: حماد بن زيد. وقال: ولم يختلفا إلا في حديث أوقفه ابن علية، ورفعه حماد وهو حديث أيوب عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم "ليس أحد منكم ينجيه عمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" .
قال ابن رجب: وليس وقف هذا الحديث مما يضره، فإن ابن سيرين كان يقف الأحاديث كثيرا، والناس كلهم يخالفونه فيرفعونها ".
-
وقد يكون الحديث متصلا، ولكن النقاد يكشفون عن علة فيه، وهي قطعه على التابعي، ومثاله ما ذكره الترمذي في علله الكبير، قال: "حدثنا هناد، (نا) محمد بن فضيل عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الصلاة أولا وآخرا" .
-
حدثنا هناد، (نا) أبو أسامة، عن الفزاري، عن الأعمش، قال: قال مجاهد: كان يقال "إن للصلاة أولا وآخرا" ، فذكره بنحوه.
-
سألت محمدا، (يعني البخاري) ، عن هذا الحديث، فقال: وهم فيه محمد بن فضيل والصحيح حديث الأعمش عن مجاهد.
-
[رابعا - علة موضوعها: ]
-
جمع الشيوخ وبقاء اللفظ واحدا
الأصل أن يوجد بعض الاختلاف في روايات الحديث الواحد، لتصرف الرواة في لفظ الحديث، دون المعنى، فإذا روي أحد الرواة حديثا واحدا عن عدد من الشيوخ ثم ساق اللفظ سياقا واحدا، فإن هذا دليل على الوهم والخطأ إلا أن يكون الراوي مبرزا في الحفظ جدا.
قال ابن رجب في شرح علل الترمذي:
"ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة، وساق الحديث سياقة
vol. 1, p. 153واحدة، فالظاهر أن لفظهم لم يتفق فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ، متقن لحديثه، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم، كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره ".
-
وقد مثل ابن رجب لهذا النوع من الإسناد المعلل بأمثلة كثيرة:
- مثال:
-
قال ابن رجب: "قال أحمد في رواية الأثرم في حديث حماد بن سلمة عن أيوب وقتادة، عن أبي أسماء عن أبي ثعلبة الخشني، عن النبي صلى الله عليه وسلم "في آنية المشركين" .
قال أحمد: هذا من قبل حماد، كان لا يقوم على مثل هذا، يجمع الرجال ثم يجعله إسنادا واحدا، وهم يختلفون ".
-
"وقال أحمد: ابن إسحاق حسن الحديث، لكن إذا جمع بين رجلين. قلت: كيف؟ قال: يحدث عن الزهري وآخر، يحمل حديث هذا على هذا".
-
وممن يعل حديثه إذا جمع الشيوخ ليث بن أبي سليم، وعطاء بن السائب والواقدي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العمري.
-
[خامسا - علة موضوعها: ]