المبحث الثالث في أنواع العلل من خلال كتاب ابن رجب
136 paragraphs · vol. 1, p. 139
Page 3 of 4
- vol. 1, p. 153
جرح الراوي
عرفنا فيما سبق أن ميدان علم العلل حديث الثقات فيكشف عن أوهامهم وأخطائهم، ورأينا ابن رجب يحدد مهمة علم العلل بأنه يبحث في مراتب الثقات، وقول من منهم يرجح عن الاختلاف، كما رأينا يجعل علم الجرح
vol. 1, p. 154قسيما لعلم العلل، ويكل امر المجروحين من المحدثين إلى الكتب التي صنفت فيهم.
-
كل هذا إذا روى المجروح حديثا، لكن إذا روى الثقة عن المجروح فإن هذه الرواية قد تعمي حال المجروح على كثير من الناس، وعندها فلا بد من أن يتدخل العالم بالعلل ليكشف عن موضع العلة، وإذا بها رواية العدل عن المجروح.
-
هذا النوع من علة الإسناد تكلم عنه ابن رجب كثيرا في شرح علل الترمذي كأن يقول:
- "قاعدة:
-
قال أحمد: كل من روى عنه مالك فهو ثقة. قال النسائي: لا نعلم مالكا روى عن إنسان ضعيف مشهور بالضعف إلا عاصم بن عبيد الله فإنه روى عنه حديثا، وعن عمرو بن أبي عمرو، وهو أصلح من عاصم، وعن شريك بن أبي نمر، وهو أصلح من عمرو.
-
ولا نعلم مالكا حدث عن أحد يترك حديثه، إلا عن عبد الكريم أبي أمية". ويقول ابن رجب - رحمه الله - في موضع آخر:
وأما علي بن عاصم فهو علي بن عاصم بن صهيب بن سنان الواسطي، يكنى أبا الحسن، وقد رماه طائفة بالكذب، منهم يزيد بن هارون وغيره، وكذبه - أيضا - ابن معين، وكان أحمد يحسن القول فيه، ويوثقه ويقول: إنه يخطئ".
-
ومن هنا يتأكد لنا أن دخول هذا النوع من الجرح في علم العلل إنما كان لعلاقته الوطيدة برواية الثقات.
- مثال:
-
قال الترمذي في علله الكبير: (ثنا) قتيبة بن سعيد (نا) أبو صفوان، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أبي سلمة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين" .
-
سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: روى ابن المبارك، عن يونس عن الزهري، قال: أخبرت عن أبي سلمة، عن عائشة، وروى موسى بن عقبة وابن أبي عتيق، عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن عائشة.
قال محمد (هو البخاري) : وسليمان بن أرقم متروك، ذاهب الحديث ".
-
وفي هذا الحديث نجد الزهري يروي عن سليمان بن أرقم، والزهري إمام من الأئمة الأعلام، وهو ثقة من كبار الثقات، وروايته هذه عن سليمان بن أرقم قد تجعل الحديث فوق التهمة والظنة عند كثير من الناس.
- مثال آخر:
-
جاء في علل ابن أبي حاتم: "سئل أبو زرعة عن حديث كان حدث به قديما، عن محمد بن جامع العطار عن معتمر بن سليمان، عن الحجاج الباهلي، وهو الأحول، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أرادت عائشة أن تشتري بريرة فتعتقها، فقال مواليها: لا، إلا أن تجعل الولاء لنا. فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اشتريها فإن الولاء لمن أعتق ... الخ الحديث.
فقال أبو زرعة: اضربوا عليه، وأبى أن يقرأه، وقال: خطأ، وأظنه من محمد بن جامع. وقال: محمد بن جامع شيخ فيه لين".
- vol. 1, p. 156
ونلاحظ في هذا الحديث قول ابن أبي حاتم.
-
وسئل أبو زرعة عن حديث كان يحدث به قديما.
-
وبهذا يكون إلحاق هذا الجرح بالعلل لأن أبا زرعة حدث به قديما، ولم يكن حال محمد بن جامع مكشوفا له كما يبدو من العبارة.
-
[المطلب الثاني العلة في متن الحديث]
-
رأينا فيما سبق عللا وقعت في سند الحديث كرفع الوقوف، ووصل المرسل وزيادة راو، أو إبداله، أو تحريف في أسماء الرواة. وأما مبحثنا هذا فهو معقود للتعرف على علة المتن. والمتن هو ما ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية، أو خلقية أو ما ينقل عن الصحابة والتابعين وقد يتعرض هذا المتن لأوهام النقلة فتدخل عليه علة من العلل فتحيله عن معناه، أو تحرف لفظه، أو تدخل فيه ما ليس منه.
- ويمكننا أن نرجع علل المتون إلى الأنواع التالية:
-
الأول: ما كانت علته إحالة المعنى كليا أو جزئيا.
-
الثاني: ما كانت علته تحريفا في لفظ من ألفاظه.
-
الثالث: ما كانت علته مخالفة الراوي الذي رواه لمقتضاه.
-
الرابع: ما كانت علته إدراج كلام آخر فيه، ليس منه.
-
الخامس: ما كانت علته أنه لا يشبه كلام النبوة.
-
ولقد بث ابن رجب - رحمه الله - هذه الأنواع على شكل أمثلة ومباحث وقواعد في كتابه شرح علل الترمذي. وفيما يلي تفصيل لهذه الأنواع مستفيدين من أمثلة ابن رجب ومباحثه وقواعده:
- النوع الأول:
-
إحالة معنى الحديث إذا كان راويه غير عالم باللغة ولا بالمراد من اللفظ،
vol. 1, p. 157وقد تكلم ابن رجب - رحمه الله - على راوية الحديث بالمعنى، ونقل جوازها عن جمهور العلماء بشرط أن يكون الراوي ملما باللغة، عارفا، عالما، بصيرا بمواقع الألفاظ، وما يحيلها عن المراد.
-
ولا بد أن يكون الراوي عارفا المراد من الحديث ليحمله على هذا المراد، ولا يصرفه لغيره.
قال ابن رجب: "وقد روى كثير من الناس الحديث بمعنى فهموه منه، فغيروا المعنى، مثل ما اختصر بعضهم من حديث عائشة في حيضها في الحج، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها، وكانت حائضا: " انقضي رأسك وامتشطي ". وأدخله في أبواب غسل الحيض. وقد أنكر أحمد ذلك على من فعله، لأنه يخل بالمعنى، فإن هذا لم تؤمر به في الغسل من الحيض عند انقطاعه، بل في غسل الحائض إذا أرادت الإحرام" .
قال ابن رجب - رحمه الله -: وروى بعضهم حديث إذا قرأ الإمام فأنصتوا، بما فهمه من المعنى، فقال: إذا قرأ الإمام (ولا الضالين) فأنصتوا فحمله على فراغه من القراءة، لا على شروعه فيها. ومثل هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم في العلل، قال:
"وسألت أبا زرعة عن حديث أبي الأحوص عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي بردة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اشربوا في الظروف ولا تسكروا".
قال أبو زرعة: وفي هذا الحديث أخطأ أبو الأحوص فصحف في الإسناد، فقال: بردة وهو بريدة، وقلب في الإسناد فقال: عن أبيه، عن أبي بريدة، وهو ابن بريدة، عن أبيه. ثم قال أبو زرعة:
vol. 1, p. 158وأفحش من ذلك وأشنع تصحيفة في المتن: "اشربوا في الظروف ولا تسكروا" وقد روى هذا الحديث عن ابن بريدة، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة، ونصه:
"نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية، ولا تشربوا مسكرا" .
-
وفي حديث بعضهم عن بريدة قال: واجتنبوا كل مسكر، ولم يقل أحد من الرواة ولا تسكروا.
-
النوع الثاني - ما كانت علته تحريفا في لفظ من ألفاظه:
وقد مثل له ابن رجب بمن حرف كلمة "نؤديه" فجعلها "نورثه" وبدل أن يجعل الحديث في صدقة الفطر، وهو: كنا نؤديه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الجد.
-
وقد سبق الكلام عن هذا في أسباب العلل.
-
النوع الثالث - ما كانت علته مخالفة راويه لمقتضاه:
هذا النوع من العلة أفرد له ابن رجب قاعدة من قواعد كتابه شرح علل الترمذي، فقال:
"قاعدة: في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه"
-
. وقال ابن رجب: قد ضعف الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا.
-
فمنها: أحاديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين، ضعفها أحمد ومسلم وغير واحد
وقال أحمد أبو هريرة ينكر المسح على الخفين فلا يصح له فيه رواية.
- vol. 1, p. 159
ومنها: أحاديث ابن عمر في المسح على الخفين أيضا، أنكرها أحمد، وقال: ابن عمر أنكر على سعد بن أبي وقاص، المسح على الخفين، فكيف يكون عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه رواية.
-
ومنها: حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للمستحاضة: "دعي الصلاة أيام أقرائك" .
قال أحمد: كل من روى هذا عن عائشة فقد أخطأ، لأن عائشة تقول: الأقراء الأطهار، لا الحيض ".
-
ومن ذلك: ما أخرجه الترمذي في علله الكبير، قال:
"حدثنا أحمد بن منيع نا يزيد بن هارون، أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن سالم البراد، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان أحدهما أو أصغرهما مثل أحد.
-
سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: رواه عبد الملك بن عمير عن سالم البراد عن أبي هريرة وهو الصحيح، وحديث ابن عمر ليس بشيء.
-
ابن عمر أنكر على أبي هريرة حديثه".
-
هكذا أعل البخاري هذا الحديث.