المبحث الرابع الأشباه في العلل
86 paragraphs · vol. 1, p. 163
Page 1 of 3
- vol. 1, p. 163
[تمهيد:]
-
رأينا في الأنواع السابقة نماذج من العلل كشفها النقاد بعبارات صريحة واضحة لا لبس فيها، وذلك لقيام الأدلة الكاملة عندهم.
-
وأما هذا المبحث فقد أفردته للأشباه في العلل. وعنوان هذا المبحث رأيت أنه يصلح لأن تنطوي تحته هذه العلل التي يكشف عنها الناقد بقوله: حديث فلان أشبه أو أشبه بالصواب. أو يقول: حديث فلان أشبه بحديث فلان أو يقول الناقد: هذا الحديث يشبه حديث القصاص، هذه مادة هذا المبحث، وهذا الذي أقصده بالأشباه، ولعلي لا أستبق الموضوع إن قلت أن الأشباه تعبير عن الكشف الظني للعلة الذي يحتمل أمورا كثيرة، وإن كان قول الناقد هذا هو الأرجح من غيره.
-
وننطلق في هذا المبحث من قاعدة رسمها ابن رجب - رحمه الله - فقال:
[ (قاعدة مهمة) :]
-
حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان فيعللون الأحاديث بذلك. وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره وإنما يرجع فيه أهله إلى مجرد الفهم، والمعرفة، التي خصوا بها عن سائر أهل العلم، كما سبق ذكره في غير موضع.
- vol. 1, p. 166
ثم مثل ابن رجب - رحمه الله - لهذا بأمثلة، منها:
شعيب بن أبي حمزة، عن ابن المنكدر.
-
روى عنه أحاديث منها حديث ابن المنكدر عن جابر، مرفوعا: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة ... الحديث، وله علة ذكرها ابن أبي حاتم عن أبيه، قال: قد طعن في هذا الحديث، وكان قد عرض شعيب بن أبي حمزة على ابن المنكدر كتابا، فأمر بقراءته عليه، فعرف بعضا، وأنكر بعضا، وقال لابنه أو ابن أخيه: اكتب هذه الأحاديث، فروى شعيب ذلك الكتاب، وعرض علي بعض تلك الأحاديث فرأيتها مشابهة لحديث إسحاق بن أبي فروة، وهذا الحديث من تلك الأحاديث.
-
قلت - أي ابن رجب - ومصداق ذلك ما ذكره أبو حاتم أن شعيب بن أبي حمزة روى عن ابن المنكدر، عن جابر حديث الاستفتاح في الصلاة بنحو سياق حديث علي، وروى عن شعيب عن ابن المنكدر، عن الأعرج، عن محمد بن مسلمة فرجع الحديث إلى الأعرج. وإنما رواه الناس عن الأعرج، عن عبيد الله بن رافع، عن علي بن أبي طالب.
-
ومن جملة من رواه عن الأعرج بهذا الإسناد إسحاق بن أبي فروة.
-
وقيل إنه رواه عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج، وروى عن محمد بن حمير، عن شعيب بن أبي حمزة، عن ابن أبي فروة، وابن المنكدر، عن الأعرج، عن محمد بن مسلمة.
-
ورواه أبو معاوية، عن شعيب، عن إسحاق عن الأعرج، عن عبيد الله بن رافع عن محمد بن مسلمة.
-
فظهر بهذا أن الحديث عند شعيب عن ابن أبي فروة
وكذا قال أبو حاتم الرازي: هذا الحديث من حديث إسحاق بن أبي فروة يرويه شعيب عنه.
- vol. 1, p. 167
وحاصل الأمر أن حديث الاستفتاح رواه شعيب عن إسحاق بن أبي فروة وابن المنكدر، فمنهم من ترك إسحاق، وذكر ابن المنكدر، ومنهم من كنى عنه فقال عن ابن المنكدر وآخر، وكذا وقع في سنن النسائي.
-
وهذا مما لا يجوز فعله وهو أن يروي الرجل حديثا عن اثنين، أحدهما مطعون فيه والآخر ثقة، فيترك ذكر المطعون فيه، ويذكر الثقة. وقد نص الإمام أحمد على ذلك، وعلله بأنه ربما كان في حديث الضعيف شيء ليس في حديث الثقة. وهو كما قال، فإنه ربما كان سياق الحديث للضعيف، وحديث الآخر محمولا عليه.
-
فهذا الحديث يرجع إلى رواية إسحاق بن أبي فروة وابن المنكدر ويرجع إلى حديث الأعرج.
-
ورواية الأعرج له معروفة عن ابن أبي رافع عن علي وهو الصواب عند النسائي والدارقطني وغيرهما
وهذا الاضطراب في الحديث الظاهر أنه من ابن أبي فروة لسوء حفظه وكثرة اضطرابه في الأحاديث وهو يروي عن ابن المنكدر.
-
وقد روى هذا الحديث يزيد بن عياض بن جعدبة، عن ابن المنكدر، عن الأعرج، عن ابن أبي رافع، عن علي.
- ويمكن أن نلخص ما مضى بما يلي:
-
١ - الصحيح ما رواه الناس ومنهم إسحاق بن أبي فروة عن ابن المنكدر، عن الأعرج، عن عبيد الله بن رافع، عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي قال: الله أكبر وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ... الخ الآية.
- vol. 1, p. 168
٢ - وأما إسحاق بن أبي فروة فقد روى هذا الحديث من طريقين:
الأولى: ابن أبي فروة، عن ابن المنكدر، عن الأعرج، عن محمد بن مسلمة.
-
الثانية: ابن أبي فروة، عن الأعرج، عن عبيد الله بن رافع، عن محمد بن مسلمة.
-
٣ - رواه شعيب عن ابن المنكدر وإسحاق بن أبي فروة، علما بأنه لم يسمعه من ابن المنكدر، وإنما من إسحاق، فسلك به طريق إسحاق إلى محمد بن مسلمة وسوى بين إسناد ابن المنكدر وإسناد إسحاق بن أبي فروة.
-
٤ - ترك بعض الرواة إسحاق بن أبي فروة، وذكر ابن المنكدر، وبعضهم قال: ابن المنكدر وآخر، يكنى عن إسحاق بن أبي فروة.
-
٥ - وهكذا دخل إسناد إسحاق بن أبي فروة في إسناد ابن المنكدر، وانتهى بإسقاط إسحاق من الإسناد.
-
ولما عرف النقاد تفرد إسحاق في ذكر محمد بن مسلمة علموا بعد ذلك أن هذا الحديث من حديث إسحاق ولو لم يذكر هو في السند. فقالوا: شعيب عن ابن المنكدر يشبه حديث إسحاق بن أبي فروة.
-
وبالرغم من أنني حاولت جهدي أن أسهل وأوضح، إلا أن الأمر يبقى على جانب من الصعوبة. وذلك لما في هذه الأسانيد من التداخل إذ أنها تلتقي في راو وتفترق عند آخر، وتبدو وكأنها جهاز دقيق الآلات، تتشابك بداخله الخيوط والأسلاك، ولكنه لا يعدم من يعرف أجزاءه ويتابع أسلاكه وخيوطه.
- مثال:
-
قال ابن رجب: "سعيد بن سنان ويقال سنان بن سعيد يروى عن أنس ويروى عنه أهل مصر. قال أحمد: تركت حديثه، حديثه مضطرب. وقال: بشبه حديثه حديث الحسن لا يشبه أحاديث أنس" .
vol. 1, p. 169قال ابن رجب: "ومراده أن الأحاديث التي يرويها عن أنس مرفوعة إنما تشبه كلام الحسن البصري أو مراسليه. وقال الجوزجاني: أحاديثه واهية لا تشبه أحاديث الناس عن أنس" .
-
وهكذا يتضح لنا أن أحاديث سعيد بن سنان إنما يرويها عن الحسن لا عن أنس لعدة قرائن:
١ - إن هذا الرجل معروف باضطرابه.
-
٢ - إن هذه الأحاديث غريبة عن أنس ولم يروها الناس عنه
٣ - إن هذه الأحاديث معروفة عن الحسن، لا عن أنس.
-
مثال:
قال ابن رجب - رحمه الله -:
قال البرذعي: "قال لي أبو زرعة: خالد بن يزيد المصري وسعيد بن أبي هلال صدوقان، وربما وقع في قلبي من حسن حديثهما.
قال: وقال لي أبو حاتم: أخاف أن يكون بعضهما مراسيل عن ابن أبي فروة وابن سمعان". قال ابن رجب:
"ومعنى ذلك أنه عرض حديثهما على حديث ابن أبي فروة وابن سمعان، فوجده يشبهه ولا يشبه حديث الثقات الذين يحدثان عنهما فخاف (أبو زرعة) أن يكونا أخذا حديث ابن أبي فروة وابن سمعان، ودلساه عن شيوخهما" .
-
هذا كلام ابن رجب، وفيه تفسير واضح لشك أبي زرعة في هذين الرجلين، ثم كيف تحقق من صحة هذا الشك.
- مثال: قال ابن رجب - رحمه الله -:
-
"روى القواريري، عن ابن بكر الحنفي، عن عاصم بن محمد العمري، ثنا سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: ابتلي عبدي المؤمن، فإن لم يشكني إلى عواده أطلقته من أسارى ثم أبدلته لحما خيرا من لحمه.
-
هذا الحديث ليس من أحاديث سعيد المقبري، بل هو يشبه أحاديث عبد الله بن سعيد المقبري: ودليل ذلك كما يقول ابن رجب - رحمه الله -:
١ - هذا حديث منكر بهذا الإسناد وإنما رواه عاصم بن محمد، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه.
-
٢ - رواه معاذ بن معاذ، عن عاصم بن محمد، عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه. وعبد الله بن سعيد شديد الضعف، قال: يحيى القطان ما رأيت أحدا أضعف منه".
- مثال: قال ابن رجب - رحمه الله -:
-
"روى أبو جعفر العقيلي في كتابه " الضعفاء " قال: حدثنا إبراهيم بن محمد، وعلي بن عبد العزيز، قالا: حدثنا عمر بن يزيد الشيباني الرفا، قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
"ما بال أقوام يشرفون المترفين، ويستخفون بالعابدين، ويعلمون بالقرآن ما وافق أهواءهم، وما خالف أهواءهم تركوه، فعند ذلك مؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، يسعون فيما يدرك بغير سعي من القدر والمقدور، والأجل المكتوب، الرزق المقسوم، إلا يسعون فيما لا يدرك إلا بسعي من الجزاء الموفور، والسعي المشكور والتجارة التي لا تبور"؟
vol. 1, p. 171قال العقيلي: "ليس لهذا الحديث أصل من حديث شعبة، هذا الكلام عندي، والله أعلم، يشبه كلام عبد الله بن المسور الهاشمي المدائني، وكان يضع الحديث. وقد روى عن عمرو بن مرة، عنه. ولعل هذا الشيخ - الذي هو عمر بن يزيد الرفا - روى عن رجل عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن المسور فأحاله على شعبة" .
-
وهكذا أدرك العقيلي، وهو الناقد البصير، أن هذا الحديث من المحتمل أن يكون لرجل لم يذكر نهائيا في هذا الإسناد، وذلك:
١ - لغرابته عن شعبة، ولكون هذا الشيخ (عمر بن يزيد) مجهولا.
-
٢ - لشبهه بأحاديث القصاص الذين يتألفون قلوب الناس بأحاديث يضعونها، فإن من يمعن النظر في هذا الحديث يرى فيه أثر الصنعة.