تمهيد
196 paragraphs · vol. 1, p. 181
Page 1 of 5
- vol. 1, p. 181
تعرضنا فيما سبق للمادة الرئيسة في شرح علل الترمذي وهي مادة علم العلل، وحاولنا إبراز بناء متكامل لهذا العلم، مستمدا من كتاب ابن رجب، ومسترشدا بالأصول التي اعتمد عليها. وأما الجزء التالي من الدراسة فجعلته لدراسة مباحث في مصطلح الحديث خرج فيها ابن رجب عن المألوف، وأظهر فيها براعة وإبداعا، وقد جعلت هذا الفصل في ثلاثة مباحث، هي:
المبحث الأول: في المرسل.
-
المبحث الثاني: في العنعنة. المبحث الثالث: في زيادة الثقة.
- vol. 1, p. 183
[المبحث الأول في المرسل عند ابن رجب مقارنا بآراء غيره من العلماء]
- تعريف المرسل في الاصطلاح:
-
يطلق المرسل عند علماء المصطلح على قول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما اختاره الحاكم في معرفة علوم الحديث، وسار عليه أبو عمرو بن الصلاح في مقدمته، تابعه على ذلك شراح المقدمة ومختصروها.
-
أما الخطيب البغدادي فقد أطلق المرسل على ما انقطع إسناده مطلقا، وعليه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان،والدارقطني وهو المشهور عند الفقهاء والأصوليين.
- vol. 1, p. 184
ورغم هذا الاختلاف الظاهر في الاصطلاح إلا أن الحقيقة المختلف عليها واحدة، وبيان ذلك: أن المرسل عند أهل المصطلح نوع خاص من المنقطع، وهو ما انقطع بعد التابعي، وقول الخطيب ومن سبقه أو لحقه عام في كل منقطع، يضاف إلى هذا أن المرسل الذي دار حوله الخلاف، بين التصحيح والتضعيف والقبول والرد، هو مرسل التابعي، وأما المنقطع دون التابعي فهذا لا جدال في ضعفه، وأهل الاصطلاح وغيرهم يقرون بضعفه.
-
ولما كانت صورة الخلاف الحقيقي هي مرسل التابعي كانت صور الانقطاع الأخرى محل نزاع لفظي لا نزاع حقيقي.
- المرسل عند ابن رجب:
-
أما ابن رجب فإنه لم يتعرض لتعريف المرسل كما فعل سلفه وخلفه من أهل المصطلح، وإنما اكتفى بالأمثلة التطبيقية تحدد مفهومه عن المرسل، وفي شرح العلل له تبعا لأصله، صور من المرسل، هاك أمثلتها:
١ - أن يقول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يفعل سعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح ويحيى بن أبي كثير. وهذا هو الأعم الأغلب في المرسلات.
-
٢ - أن يسقط التابعي راويا بينه وبين الصحابي: كرواية مجاهد عن علي، وبينهما ابن أبي ليلى. أو يقال: سعيد بن المسيب عن عمر حجة، رغم انه لم يسمع من عمر كثيرا، ولكنه أرسل عنه كثيرا.
-
٣ - أن يقول تابع التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كمالك مثلا، ومن في طبقته جاء في علل الترمذي قوله: قال علي: قلت ليحيى: فمرسلات مالك؟ قال: هي أحب إلي. ثم قال يحيى: ليس في القوم أحد أصح حديثا من مالك.
- vol. 1, p. 185
عرض الترمذي لمذاهب العلماء في المرسل / واعتراضات ابن رجب عليه:
- المذهب الأول - تضعيف المراسيل:
-
وفي ذلك يقول الترمذي: "والحديث إذا كان مرسلا فإنه لا يصح عند أكثر أهل الحديث" . ومن أهل الحديث الذين استدل الترمذي بقولهم الإمام الزهري الذي قال لإسحاق بن أبي فروة، وكان يرسل الحديث مالك - قاتلك الله - تجيئنا بأسانيد لا خطم لها ولا أزمة، فرأى الإمام الترمذي أن هذا دليل على تضعيف الزهري لمطلق المراسيل، وانه لا يحتج بها.
-
ولكن ابن رجب اعترض في الشرح على هذا الاستدلال، وقال: ليس هذا دليلا على رد الزهري للمراسيل عموما، وإنما هو تضعيف خاص لمراسيل ابن أبي فروة الذي عرف أن الإرسال عادة له، ويضاف هذا إلى ما كان عليه هذا الرجل من الضعف، إذ أن كتب الجرح طافحة بكلام العلماء في جرحه.
-
وأما بيان المحدثين الذين قالوا بتضعيف المرسل فلم يرد على لسان الترمذي، وإنما ذكر على سبيل الإجمال أن هذا مذهب أكثر أهل الحديث، ولقد ذكر الحاكم أبو عبد الله أسماء عدد من هؤلاء المحدثين. وفي هذا يقول ابن رجب: وحكاه الحاكم عن جماعة من أهل الحديث من فقهاء الحجاز وسمى منهم: سعيد بن المسيب، والزهري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي وأحمد، فمن بعدهم من فقهاء المدينة.
-
وبعد إجمال الترمذي وبيان الحاكم قال ابن رجب: وفي حكايته عن أكثر من سماهم نظر، ولا يصح عن أحدهم الطعن في المراسيل عموما، ولكن في بعضها.
-
وهذا اعتراض وجيه من ابن رجب على الترمذي والحاكم، لأن لكل واحد من أهل الحديث كلاما طويلا في المراسيل، وهو كلام يدل على تفاوتها في الاحتجاج والرتبة، حتى يصل بعضها إلى منتهى درجات الضعف، فيقال:
vol. 1, p. 186مرسلات فلان رياح. وفي الوقت نفسه يقول نفس القائل ومرسلات فلان أحب إلي، أو يقول: ومرسلات فلان صحاح.
-
وكلام يحيى بن سعيد القطان الذي ذكره الترمذي يبين قدر التفاوت بين المرسلات. قال ابن رجب: وذكر الترمذي - أيضا - كلام يحيى بن سعيد القطان في أن بعض المرسلات أضعف من بعض. ومضمون ما ذكره عنه تضعيف مرسلات عطاء، وأبي إسحاق والأعمش، والتيمي، ويحيى بن أبي كثير والثوري، وابن عيينة، وأن مرسلات مجاهد، وطاوس، وسعيد بن المسيب، ومالك أحب إليه منها.
- ضابط التفاوت بين المراسيل:
-
وهذا التفاوت الكبير بين المراسيل يحتاج إلى ضابط يحكم هذه المرسلات ويحدد قيمتها العلمية، وهذا ما استدركه ابن رجب على الترمذي عندما عرض آراء يحيى بن سعيد القطان الكثيرة، فقال ابن رجب:
وكلام يحيى بن سعيد في تفاوت مراتب المرسلات بعضها على بعض يدور على أربعة أسباب:
أحدهما: أن من عرف بروايته عن الضعفاء ضعف مرسله بخلاف غيره.
-
الثاني: أن من عرف له إسناد صحيح إلى من أرسل عنه فإرساله خير ممن لم يعرف له ذلك. وهذا معنى قوله: مجاهد، عن علي ليس به بأس، قد أسند عن ابن أبي ليلى عن علي.
-
الثالث: إن من قوي حفظه يحفظ كل ما يسمعه، ويثبت في قلبه، ويكون فيه ما لا يجوز الاعتماد عليه، بخلاف من لم يكن له قوة الحفظ ولهذا كان سفيان إذا مر بأحد يتغنى يسد أذنيه حتى لا يدخل إلى قلبه ما يسمعه منه، فيقر فيه، وقد أنكر مرة يحيى بن معين على علي بن عاصم حديثا، وقال: ليس هو من
vol. 1, p. 187حديثك إنما ذوكرت به فوقع في قلبك، فظننت أنك سمعته ولم تسمعه، وليس هو من حديثك.
-
الرابع: إن الحافظ إذا روى عن ثقة لا يكاد يترك اسمه، بل يسميه، فإذا ترك اسم الراوي دل إبهامه على أنه غير مرضي، وقد كان يفعل ذلك الثوري وغيره، يكتبون عن الضعيف ولا يسمعونه، بل يقولون، عن رجل وهذا معنى قول القطان: لو كان فيه إسناد صاح به، يعني: لو كان أخذه عن ثقة لسماه.
-
وبناء على هذه الضوابط التي قعدها ابن رجب نحكم على مرسلات الزهرى والشعبي بالضعف، كما نحكم على مرسلات كل من عرفنا له رواية عن الضعفاء. ولا يفوتني هنا أن أنوه بعقلية ابن رجب العلمية القادرة على جمع نثار المتفرقات ضمن قواعد وضوابط.
-
ورغم هذا التفاوت في المراسيل، ورغم الضوابط التي وضعها ابن رجب لكلام يحيى القطان إلا أن المراسيل تبقى في دائرة الضعيف، وقد ذكر ابن رجب كلاما لابن المبارك، وابن سيرين، وأبي حاتم، وأبي زرعة والدارقطني، يشهد بضعف المراسيل.
- المذهب الثاني - الاحتجاج بالمرسل:
-
قال ابن رجب، وحكاه الترمذي عن بعض أهل العلم، وذكر كلام النخعي أنه كان إذا أرسل فقد حدثه به غير واحد.
قال ابن رجب: "وقد استدل كثير من الفقهاء بالمرسل، وهو الذي ذكره أصحابنا أنه الصحيح عن الإمام أحمد، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأصحاب مالك وحكى الاحتجاج بالمرسل عن أهل الكوفة وعن أهل العراق جملة، وحكاه الحاكم عن إبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة" .
- رأي ابن رجب في الاحتجاج بالمرسل:
-
بعد أن ذكر ابن رجب هذين المذهبين حاول التوفيق بينهما فقال: "واعلم انه لا تنافي بين كلام الحفاظ وكلام الفقهاء في هذا الباب، فإن الحفاظ إنما يريدون صحة الحديث المعين إذا كان مرسلا، وهو ليس بصحيح على طريقتهم، لانقطاعه وعدم اتصال إسناده.
-
وأما الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دل عليه الحديث فإذا عضد ذلك المرسل قرائن تدل على أنه له أصلا قوي الظن بصحة ما دل عليه فاحتج به مع ما احتف به من القرائن.
قال ابن رجب: "وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة، كالشافعي وأحمد وغيرهما مع أن في كلام الشافعي ما يقتضي صحة المرسل حينئذ".
- القول الثالث في المرسل:
-
وهو تصحيح المرسل بشروط: وهذا ما عليه الشافعي - رحمه الله تعالى - ولقد عرض ابن رجب مضمون كلام الشافعي عرضا غير مسبوق إليه - فيما أعلم - فقال بعد أن ساق كلامه في الرسالة: وهو كلام حسن جدا، ومضمونه: إن الحديث المرسل يكون صحيحا ويقبل بشروط منها.
- ١ - في نفس المرسل، وهي ثلاثة:
-
أحدهما: أن لا يعرف له رواية عن غير مقبول الرواية.
-
ثانيهما: أن لا يكون ممن يخالف الحفاظ إذا أسند الحديث فيما أسندوه.
-
ثالثهما: أن يكون من كبار التابعين فإنهم لا يروون غالبا إلا عن صحابي، أو تابعي كبير.
- ٢ - وأما الخبر الذي يرسله:
-
فيشترط لصحة مخرجه وقبوله أن يعضده ما يدل على صحته، وأن له أصلا والعاضد له أشياء.