تمهيد

196 paragraphs · vol. 1, p. 181

Page 2 of 5

  1. أحدهما: وهو أقوها، أن يسنده الحفاظ المأمونون، من وجه آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى ذلك المرسل، فيكون ذلك دليلا على صحة المرسل، وأن الذي أرسل عنه ثقة ".

    vol. 1, p. 189
  2. وقد تنبه ابن رجب إلى ظاهر كلام الشافعي: "فيكون ذلك دليلا على صحة المرسل"، فرد قول من زعم أن العمل يكون عند الاعتضاد بالمسند، لا بالمرسل وذلك لتصريح الشافعي - رحمه الله - بكون المسند دليلا على صحة المرسل.

  3. اعتراض ابن رجب على أبي العباس بن سريج:
  4. ذكر ابن رجب أن أبا العباس بن سريج يرى أن مراد الشافعي أن المرسل للحديث ينظر في مراسيله هل توافق ما أسنده الحفاظ المأمونون، فإن وجد ذلك كذلك فإن أي مرسل له بعد ذلك يقبل وإن لم يسنده الحفاظ.

  5. واعتراض ابن رجب على ابن سريج من وجهين:
  6. الوجه الأول: أنه مخالف لما فهم من كلام الشافعي وان العبرة في البحث عن عاضد لكل مرسل على حدة.

  7. الوجه الثاني: أن هذا الكلام قد يؤدي إلى خلاف المطلوب وذلك إذا وجدنا أن المرسلات الأولى، التي بحثنا عن عاضد لها، ليس لها ما يؤيدها، فنحكم على بقية مرسلاته بالضعف، وتكون النتيجة عكس ذلك إذا عثرنا على ما يعضد هذه المرسلات أولا، فنمد الأمر إلى باقي المرسلات ونحكم لها بالصحة.

  8. والثاني: أن يوجد مرسل آخر موافق له عن عالم يروي عن غير من يروي

    vol. 1, p. 190عنه المرسل الأول، فيكون ذلك دليلا على تعدد مخرجه، وهذا الثاني أضعف من الأول.

  9. والثالث: أن لا يوجد شيء مرفوع يوفقه، لا مسند ولا مرسل، لكن يوجد ما يوافقه من كلام بعض الصحابة فيستدل به على أن للمرسل أصلا صحيحا أيضا، لأن الظاهر أن الصحابي إنما أخذ قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم.

  10. والرابع: أن لا يوجد للمرسل ما يوافقه، لا مسند، ولا مرسل، ولا قول صحابي، لكنه يوجد عامة أهل العلم على القول به، فإنه يدل على أن له أصلا.

  11. المرسل المعتضد بالقرائن دون المتصل الصحيح:
  12. وبالرغم من صحة المرسل إذا وجدت معه بعض هذه القرائن، إلا أن الشافعي - رحمه الله - لا يجعله في منزله المتصل، وذلك لورود بعض الاحتمالات عليه كأن يكون أصل المرسل ضعيفا، ولو وجد حديث صحيح بمعناه، وإن عضده مرسل فيحتمل أن يكون أصلهما واحد ... وهكذا.

  13. موقف الشافعي من مراسيل ابن المسيب:
  14. ظاهر كلام الشافعي انه يقبل مراسيل ابن المسيب جميعها، ونجد هذا في قوله: لا نحفظ لابن المسيب منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده، وكلام الشافعي - رحمه الله - ليس على إطلاقه إذ أنه يقول بمرسل ابن المسيب إذا احتفت به القرائن التي سبق ذكرها واشتراطها لقبول المرسل، ولذلك فإن الشافعي لم يقبل مرسل ابن المسيب في زكاة الفطر "مدين من حنطه" ولا بمرسله في التولية في الطعام ولا بمرسله في دية المعاهد، ولا بمرسله "من ضرب أباه فاقتلوه" . وبذلك يكون كلام الشافعي محمولا على المراسيل المؤيدة بالقرائن أو التي لا معارض لها.

  15. موقف الشافعي من مراسيل غير ابن المسيب:
  16. ولا يقتصر الشافعي على تصحيح مرسل ابن المسيب إذا احتفت به القرائن بل يحكم كذلك بصحة غيره من مراسيل كبار التابعين إذا وجدت الشروط المطلوبة. وقد نقل ابن رجب كلاما للبيهقي في هذا "أنكر فيه البيهقي على أبي محمد الجويني قوله: لا تقوم الحجة بسوى مرسل ابن المسيب، وأنكر البيهقي صحة ذلك عن الشافعي، قال ابن رجب، وكأنه لم يطلع على رواية الربيع عنه التي قدمنا ذكرها.

  17. ورواية الربيع عنه قوله في الرهن الصغير: كيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعا ولم تقبلوه عن غيره؟ قال: لا نحفظ لابن المسيب منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده ولا أثر عن أحد عرفناه عنه إلا عن ثقة معروف، فمن كان مثل حاله قبلنا منقطعه".

  18. وفي رواية الربيع هذه لا يعتد الشافعي بمرسل ابن المسيب فقط، بل يؤكد على قبول مرسل من كانت حاله كحال ابن المسيب، وهذا يجعل قول الجويني مردودا قال البيهقي: وليس الحسن، وابن سيرين، بدون كثير من التابعين وإن كان بعضهم أقوى مرسلا منهما، أو من أحدهما، وقد قال الشافعي بمرسل الحسن حين اقترن به ما يعضده في مواضع منها: "النكاح بلا ولي" ، وفي "النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان" ، وقال بمرسل طاوس، وعروة، وأبي أمامة بن سهل، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار، وغيرهم من كبار التابعين، حين اقترن به ما أكده.

  19. وبهذا يكون المرسل عند الشافعي قسمين:
  20. ١ - صحيح محتج به، وهو مراسيل كبار التابعين بشرائط مخصوصة، ومرسل ابن المسيب وغيره في ذلك سواء.

  21. ٢ - ضعيف غير محتج به: وهو كل مرسل فقد الشرائط المذكورة، ومرسل ابن المسيب وغيره في ذلك سواء.

    vol. 1, p. 192
  22. اتفاق الإمام أحمد مع الشافعي في هذا المذهب:
  23. الشائع والمعروف عند أهل المصطلح أن الشافعي انفرد بهذا المذهب في المراسيل، ولكن ابن رجب يثبت في شرح الترمذي أن الإمام أحمد يشارك الشافعي في هذا، فنجده يقول:

    "وهذا المعنى الذي ذكره الشافعي من تقسيم المراسيل إلى صحيح محتج به، وغير محتج به، يؤخذ من كلام غيره من العلماء، كما تقدم عن أحمد وغيره تقسيم المراسيل إلى صحيح وضعف، ولم يصحح أحمد المرسل مطلقا، ولا ضعفه مطلقا، وإنما ضعف مرسل من يأخذ عن غير ثقة، كما قال في مراسيل الحسن وعطاء، وهي أضعف المراسيل، لأنهما يأخذان عن كل أحد. وقال أيضا: لا تعجبني مراسيل يحيى بن أبي كثير لأنه يروي عن رجال ضعاف صغار. وقال مهنا: قلت لأحمد: لم كرهت مرسلات الأعمش؟ وقال: كان الأعمش لا يبالي عمن حدث" .

  24. "قال أبو طالب: قلت لأحمد: سعيد بن المسيب عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر، وسمع منه" .

  25. الأصل الذي بنى عليه الإمام أحمد احتجاجه بالمرسل:
  26. عرفنا ان الأصل الذي بنى عليه الشافعي احتجاجه بالمرسل هو إلحاق المرسل بالصحيح إذا احتفت به القرائن. أما الإمام أحمد فقد بنى احتجاجه بالمراسيل على قاعدة معروفة عنه وهي:

  27. العمل بالحديث الضعيف ما لم يرد خلافه:
  28. قال الأثرم: كان أبو عبد الله ربما كان الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم

    vol. 1, p. 193وفي إسناده شيء، فيأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه مثل حديث عمرو بن شعيب، وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالحديث المرسل إذا لم يجئ خلافه.

  29. وقال أحمد في رواية مهنا، في حديث معمر عن سالم، عن ابن عمر: "إن غيلان أسلم وعنده عشر نسوة" . قال أحمد: ليس بصحيح والعمل عليه، ويعني أن الحديث لم يصح، مع أن العمل عليه، بأن يطلق ما عدا أربع نسوة.

  30. وكلام أحمد هذا ينطبق على المرسل الذي احتفت به القرائن، قال الإمام أحمد في حديث عراك، عن عائشة، تروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "حولوا مقعدتي إلى القبلة" هو أحسن ما روي في الرخصة وإن كان مرسلا فإن مخرجه حسن، ويعنى بإرساله أن عراكا لم يسمع من عائشة، وقال: إنما يروى عن عروة عن عائشة. فلعله حسنه لأن عراكا قد عرف أنه يروي حديث عائشة، عن عروة عنها.

    قال ابن رجب:

    "وظاهر كلام أحمد أن المرسل عنده من نوع الضعيف، ولكنه يأخذ بالحديث إذا كان فيه ضعف، ما لم يجئ عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه خلافه" .

  31. [المبحث الثاني في العنعنة عند ابن رجب مقارنا بآراء غيره من العلماء]

    vol. 1, p. 195
  32. العنعنة في اصطلاح المحدثين:
  33. العنعنة من عنعن الحديث إذا رواه بـ (عن) من غير بيان التحديث، أو الإخبار، أو السماع، ويلحق بالمعنعن المؤنن، وهو ما روى بـ (أن) من غير بيان التحديث، أو الأخبار، أو السماع كذلك.

  34. ولقد أولت كتب المصطلح هذه الصيغة قدرا من الاهتمام، ودار جدل كثير حولها، وذلك إنما يرجع إلى أنها تحتمل الاتصال، كما تحتمل الانقطاع. وقد اتخذ منها المدلسون وسيلة يتوصلون بها إلى مرادهم، يضاف إلى هذا كثرة الإرسال في الأسانيد المعنعنة.

  35. وأمام هذه المشكلة من مشاكل الاصطلاح تباينت أنظار العلماء، فرأى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه أن المعاصرة والبراءة من التدليس شرطان لا بد من توفرهما لرفع احتمال الانقطاع، وأما البخاري وشيخه علي بن المديني فإنهما يشترطان ثبوت اللقاء، وهو مقتضى كلام الشافعي. وروي عن أبي المظفر بن السمعاني أنه اشترط طول الصحبة بين المعنعن الذي فوقه، وأما أبو عمرو الداني

    vol. 1, p. 196فيشترط أن يكون الراوي معروفا بالرواية عن المعنعن، واشترط أبو الحسن القابسي إدراك الناقل للمنقول عنه إدراكا بينا.

  36. وما يهمنا من هذه الآراء اثنان: رأي البخاري وابن المديني، ورأي الإمام مسلم الذي حرره في مقدمة الصحيح.

  37. أما رأي البخاري فيتلخص باشتراط ثبوت اللقاء بين الراوي وشيخه، وهذا الرأي استقرأه العلماء من خلال النظر في كتاب البخاري، ورأى بعضهم أن هذا الشرط شرط صحة، لا يصح الحديث إلا به، وهو مقتضى كلام الإمام مسلم في مقدمته ومنهم من يرى أن هذا الشرط هو شرط كتاب، لم يلتزمه البخاري في الأحاديث التي صححها خارج كتابه.

  38. وأما رأي مسلم فيتلخص باشتراط المعاصرة، وهي تساوي إمكان اللقاء، ويضاف إليها البراءة من التدليس.

  39. وفيما يلي عرض لرأي الإمام مسلم، ثم عرض لرأي ابن رجب في هذه المسألة واعتراضه على الإمام مسلم. ثم نورد في ختام هذا البحث ما نرجحه ونراه أقرب وأوفق - إن شاء الله -.

  40. عرض لرأي الإمام مسلم - رحمه الله -: