تمهيد

196 paragraphs · vol. 1, p. 181

Page 4 of 5

  1. ومن هذا كله يتبين لنا أن كلام الإمام مسلم ينصب على إمكان اللقاء العاري عن أية قرينة على خلافه.

    vol. 1, p. 206
  2. رابعا: إن الأمثلة التي ساقها ابن رجب للتدليل على رأيه لا تصلح للاستدلال، لأنها كلها حالات من العنعنة التي قامت القرينة على عدم الاتصال فيها، فمثلا: المعروف أن لقاء سعيد بن المسيب بعمر - رضي الله عن هـ - لا يتسع لحجم رواية سعيد عنه، وهذا يكفي قرينة على عدم السماع ويدعو إلى التفتيش عنه في كل رواية.

  3. وكذلك كل من بحث من السلف عن اللقاء أو السماع إنما بحث لقيام قرينة ترجح جانب الانقطاع على الاتصال، وقد ذكرنا القرائن التي توجب التفتيش عن اللقاء أو السماع في الاعتراض الثالث السابق، وقلنا أن مذهب مسلم لا يعارض هذا.

  4. خامسا: وإنني أرى في ختام هذه المناقشة رأي مسلم أسلم وأوجه وأثبت وأنه يتناول أدنى مراتب الاتصال. ولا يمنع هذا أن يصنف غيره كتابا فيضيف شرطا، كشرط اللقاء أو السماع ولكن هذا الشرط يبقى شرط كتاب لا شرط صحة والله أعلم

    vol. 1, p. 207[المبحث الثالث في زيادة الثقة عند ابن رجب مقارنا بآراء غيره من العلماء]

  5. زيادة الثقة:
  6. عرض ابن رجب زيادة الثقة ضمن مباحث الغريب عند الترمذي. وذلك أن الغريب يطلق عند الترمذي بمعان:

    المعنى الأول: أن لا يروى الحديث في أصله إلا من وجه واحد.

  7. والمعنى الثاني: أن يكون الحديث في نفسه مشهورا لكن يزيد بعض الرواة في متنه زيادة تستغرب.

  8. والمعنى الثالث: أن يروى الحديث من أوجه كثيرة، وإنما يستغرب لحال إسناده من أسانيده.

  9. والغريب بالمعنى الثاني هو ما يسمى بزيادة الثقة في المتن، وللعلماء في قبول هذه الزيادة وردها كلام طويل. وقد فصل ابن رجب الكلام فيها أثناء عرضه وشرحه لعبارة الترمذي.

  10. والجدير بالذكر أن الصلة وثيقة بين علم العلل وبين هذا الفن من فنون الحديث، وكثيرا ما يجد الباحث في كتب العلل تطبيقات لزيادة الثقة، وأمام كل زيادة من هذه الزيادات تختلف الأنظار، وذلك حسب موفقة الزيادة أو مخالفتها للأصل المزيد عليه وحسن مكانة الراوي الذي جاء بهذه الزيادة.

  11. وقبل الدخول في عرض هذا الموضوع سنذكر كلام الترمذي، وقد تضمن

    vol. 1, p. 208مثالا بين فيه صورة الزيادة، كما تضمن إجمالا سريعا لكلام العلماء فيها: قال الترمذي:

    "ورب حديث استغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه، مثل ما روى مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر في رمضان على كل حر وعبد ذكر أو أنثى من المسلمين: صاعا من تمر أو صاعا من شعير.

  12. فزاد مالك في هذا الحديث: "من المسلمين ".

  13. وروى أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر، وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكر فيه "من المسلمين " وقد روى بعضهم عن نافع رواية مالك، ممن لا يعتمد على حفظه.

  14. وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به، منهم الشافعي وأحمد بن حنبل".

  15. ويلاحظ على المثال الذي ذكره الترمذي ما يلي:
  16. ١ - إن رواة الأصل، دون زيادة، من مشاهير الثقات: أيوب وعبيد الله بن عمر.

  17. ٢ - إن المستقل بالزيادة هو كذلك من الأعلام الثقات، وهو مالك بن أنس.

  18. ٣ - إن موضوع المزيد والزيادة واحد وهو زكاة الفطر.

  19. ٤ - إن الزيادة أعطت حكما جديدا وهو تقييد من تجب عليهم الزكاة بالمسلمين.

  20. عرض لآراء المحدثين والأصوليين في زيادة الثقة:
  21. عالجت كتب مصطلح الحديث والأصول هذا الموضوع، فطول بعضها، وبعضها اختصر، وبعضها اكتفى بإيراد الأمثلة والشواهد دون الخوض في

    vol. 1, p. 209التفصيل والترجيح، كما فعل الحاكم في معرفة علوم الحديث، مع أن بعض الأمثلة التي ضربها كانت خارجة تماما عن موضوع زيادة الثقة وذلك لأمرين:

    ١ - إما لضعف راوي الزيادة، ونحن في زيادة الثقة، لا في زيادة الضعيف.

  22. ٢ - وإما لتعدد مخرج الحديثين، ونحن في زيادة الثقة التي تتحد في المخرج مع الحديث الأصل. وكل حديثين في الموضوع الواحد اختلفا في المخرج وفي أحدهما زيادة في الحكم، فإنهما يخضعان للعموم والخصوص أو الإطلاق والتقييد. وقد نبه ابن رجب على هذا الفارق بين زيادة الثقة وغيرها.

  23. أما الخطيب البغدادي فقد فصل في كفايته هذا الموضوع، وعضده، بالأمثلة والشواهد وعرض آراء المحدثين بما فيه كفاية.

  24. وكما تناول الخطيب هذا الموضوع فقد تناوله ابن الصلاح في مقدمته، وجعل الزيادة على ثلاثة أقسام:

    (أ) قسم مخالف ومناف لما رواه سائر الثقات فمردود.

  25. (ب) قسم لا مخالفة ولا منافاة فيه لما رواه سائر الثقات، فهذا مقبول.

  26. (ج) قسم بين هاتين المرتبتين مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى الحديث.

  27. ومع أن ابن الصلاح مثل للقسم الثالث بحديث جعلت لنا الأرض مسجدا، الذي وردت عليه زيادة "وتربتها طهورا" إلا أنه لم يمثل للقسم الأول، وكنت أظن أنه تقسيم نظري حتى وحدت مثالا يصلح لهذا القسم، وهو حديث السعاية الآتي فيما بعد.

  28. ونظرا لكثرة الآراء في هذا المسألة فسأوجزها ضمن ثلاثة آراء رئيسية، هي:

    أولا: أن ترد الزيادة مطلقا، وحجة هذا الرأي أنه لا يعقل أن يجتمع الجماعة من الحفاظ على الشيء، ويكون قد غاب عنهم بعضه ليذكره واحد بمفرده دونهم.

    vol. 1, p. 210
  29. ثانيا: أن تقبل الزيادة مقيدة، وقد اختلفت الأنظار في القيد الذي تقبل الزيادة معه:

    ١ - إذا كان راوي الزيادة غير راوي الحديث بدونها قبلت.

  30. ٢ - إذا توافر شرطان في راوي الزيادة قبلت، وهما: أن يذكر أنه سمع الحديث مرتين، وأن يذكر أن رواية الحديث بدونها كان نسيانا منه، وهذا قيد لمن يروي الزيادة والحديث.

  31. ٣ - إذا كان رواة الزيادة أكثر من رواه الحديث، أو تساوي رواتها ورواة الحديث قبلت.

  32. ٤ - إذا أفادت الزيادة حكما قبلت.

  33. ٥ - إذا لم تغير الزيادة الإعراب قبلت.

  34. ٦ - إذا لم تناف أصل الحديث قبلت، وإذا قيدت مطلقه قبلت، وهو رأي النووي، وابن الصلاح، وابن حجر، والسيوطي.

  35. ٧ - إذا لم يكن رواة الحديث بدونها كثيرين بحيث لا يعقل أن يغفلوا عنها، قبلت.

  36. ثالثا: أن تقبل الزيادة مطلقا: وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء والمحدثين وحكاه الخطيب عنهم، أن زيادة الثقة العدل الضابط مقبولة مطلقان ولا فرق بين

    vol. 1, p. 211أن تكون من نفس الراوي الذي روى الحديث بدونها أو من غيره، تعلق بها حكم شرعي، أو لم يتعلق بها حكم، أوجبت نقصانا من أحكام ثبتت أو قيدت الحكم الثابت، ويشترط لقبولها أن يكون راويها عدلا حافظا، ومتقنا ضابطا، والدليل على هذا:

    (أ) لو انفرد الثقة بحديث لوجب قبوله، فإن قيل إن رواية الجماعة تشير إلى وهم وقع فيه الواحد بهذه الزيادة، يقال بجواز أن يكون الراوي أعاد الحديث بالزيادة، أو بجواز حضور بعضهم كل الحديث، وغياب بعضهم عن بعضه.

  37. (ب) إن الثقة العدل يقول: سمعت وحفظت ما لم يسمعه الباقون، وهم يقولون: ما سمعنا ولا حفظنا، فعند الزائد زيادة علم، والمثبت مقدم على النافي.

  38. الرأي المختار في المسألة:
  39. والرأي المختار أن تقبل الزيادة إذا كانت من حافظ يعتمد على حفظه، وهذا قول الترمذي، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد كما ذكر ابن رجب، نقلا عن رواية صالح عنه قال في زيادة مالك: "من المسلمين" : قد أنكر على مالك هذا الحديث، ومالك إذا انفرد بحديث هو ثقة، وما قال أحد بالرأي أثبت منه.

  40. وذكر ابن رجب رواية أخرى عن أحمد قال فيها: كنت أتهيب حديث مالك "من المسلمين" يعني حتى وجده من حديث العمري. وهذه الرواية ظاهرها يناقض الرواية السابقة، حتى قال ابن رجب: "وهذه الرواية تدل على توقفه، ولو جاءت الزيادة من مثل مالك بن أنس" . ولكنني أرى أن تهيب أحمد لا يعني توقفه كما ذهب ابن رجب بل قد يكون قبول الزيادة مع هذا التهيب الذي زال عند مجيء المتابعة، والرواية الأولى صريحة في قبول الزيادة إذا كانت من مثل مالك عند أحمد".