تمهيد

196 paragraphs · vol. 1, p. 181

Page 3 of 5

  1. "قال الإمام مسلم - رحمه الله - في مقدمة صحيحة: وزعم القائل الذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله، والإخبار عن سوء رويته، أن كل إسناد لحديث فيه: فلان عن فلان، وقد أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به، غير أنه لا نعلم له منه سماعا ولم نجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط، أو تشافها بحديث، أن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء هذا المجيء، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعدا،

    vol. 1, p. 197أو تشافها بالحديث بينهما، أو يرد خبر فيه بيان اجتماعهما، وتلاقيهما مرة من دهرهما، فما فوقها، فإن لم يكن عنده علم ذلك، ولم تأت رواية صحيحة تخبر أن هذا الراوي عن صاحبه قد لقيه مرة، وسمع منه شيئا، ولم يكن في نقله الخبر عمن روى عنه ذلك حجة، وكان الخبر عنده موقوفا حتى يرد عليه سماعه منه لشيء من الحديث قل أو كثر.

    vol. 1, p. 196
  2. وهذا القول، في الطعن في الأسانيد، قول مخترع مستحدث، غير مسبوق صاحبه إليه، ولا مساعد له من أهل العلم عليه، وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديما وحديثا، أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثا، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدا حتى تكون الدلالة التي بينا.

  3. فيقال لمخترع هذا القول الذي وصفنا مقالته، قد أعطيت في جملة قولك أن خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة، يلزم به العمل، ثم أدخلت فيه الشرط بعد، فقلت حتى نعلم أنهما كانا التقيا مرة فصاعدا، أو سمع منه شيئا، فهل تجد هذا الشرط الذي اشترطته عن أحد يلزم قوله؟ وإلا فهلم دليلا على ما زعمت ".

  4. ويطيل الإمام مسلم في عرض هذا الموضوع، ويضيف إلى ما ذكر أمورا منها:

    ١ - إن التفتيش عن سماع كل راو عمن روى لم يعرف عن السلف فقال مسلم: "فإن ادعى قول أحد من علماء السلف طولب به ولن يجد هو ولا غيره إلى إيجاده سبيلا".

  5. ٢ - ويجيب الإمام مسلم على قول من يرى أن احتمال الإرسال قائم في صيغة العنعنة، ولذلك اشترط التفتيش عن اللقاء أو السماع، ولو مرة واحدة، فيقول:

    "فإن كانت العلة في تضعيفك الخبر وتركك الاحتجاج به إمكان الإرسال فيه لزمك أن لا تثبت إسنادا معنعنا حتى ترى فيه السماع من أوله إلى آخره وذلك أن الحديث الوارد علينا بإسناد هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، فبيقين نعلم أن هشاما قد سمع من أبيه، وأن أباه قد سمع من عائشة، كما نعلم أن عائشة قد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم وقد يجوز إذا لم يقل هشام في رواية يرويها عن أبيه: سمعت أو أخبرني، أن يكون بينه وبين أبيه في تلك الرواية إنسان آخر، أخبره بها عن أبيه، ولم يسمعها هو من أبيه، لما أحب أن يرويها مرسلا، ولا يسندها إلى من سمعها منه.

    vol. 1, p. 198
  6. وكما يمكن ذلك في هشام عن أبيه فهو أيضا ممكن في أبيه عن عائشة - رضي الله عن ها - ".

  7. ٣ - ويذكر الإمام مسلم لتأييد مذهبه طائفة من الأسانيد التي حكم عليها بالصحة مع أن رواتها لم يثبت لهم لقاء بشيوخهم، ولا سماع منهم، فقال:

    (فمن ذلك أن عبد الله بن يزيد الأنصاري، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى عن حذيفة وأبي مسعود الأنصاري، عن كل واحد منهما حديثا يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس في روايته عنهما ذكر السماع منهما، ولا حفظنا في شيء من الروايات أن عبد الله بن يزيد شافه حذيفة وأبا مسعود بحديث قط، ولا وجدنا ذكر رؤيته إياهما في رواية بعينها، ولم نسمع من أحد من أهل العلم ممن مضى، ولا ممن أدركنا أنه طعن في هذين الخبرين. ولو ذهبنا نعدد

    vol. 1, p. 199الأخبار الصحاح عند أهل العلم، ممن يهن بزعم هذا القائل، ونحصيها لعجزنا عن تقصي ذكرها ".

  8. ابن رجب يعارض مسلما، وينتصر للرأي المنسوب للبخاري:
  9. وقف الإمام ابن رجب موقف المعارض للإمام مسلم، وساق كلاما طويلا في هذه المسألة ينصر به الرأي المنسوب للإمام البخاري، وفي ذلك يقول:

    "وما قاله ابن المديني والبخاري هو مقتضى كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم من أعيان الحفاظ، بل كلامهم يدل على اشتراط ثبوت السماع، فإنهم قالوا في جماعة من الأعيان ثبتت لهم الرواية عن بعض الصحابة، وقالوا مع ذلك لم يثبت لهم السماع منهم فرواياتهم عنهم مرسلة. منهم الأعمش، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، وابن عون، وقرة بن خالد، رأوا أنسا، ولم يسمعوا منه، فرواياتهم عنه مرسلة، كذا قاله أبو حاتم، وقاله أبو زرعة في يحيى بن أبي كثير. وقال أحمد في يحيى بن أبي كثير: رأى أنسا، فلا أدري سمع منه أم لا؟ ولم يجعلوا روايته عنه متصلة لمجرد الرواية. والرواية أبلغ من إمكان اللقى، وكذلك كثير من صبيان الصحابة رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح لهم سماع فرواياتهم عنه مرسلة، كطارق بن شهاب وغيره، وكذلك من علم منه أنه مع اللقاء لم يسمع ممن لقيه إلا شيئا يسيرا، فرواياته عنه زيادة على ذلك مرسلة، كرواية ابن المسيب عن عمر - رضي الله عن هـ - فإن الأكثرين نفوا سماعه منه.

    وقال أبو حاتم: الزهري لا يصح سماعه من ابن عمر، رآه ولم يسمع منه، ورأى عبد الله بن جعفر، ولم يسمع منه، وأثبت أيضا دخول مكحول على واثلة بن الأسقع ورؤيته له ومشافهته، وأنكر سماعه منه.

    وقال أحمد: أبان بن عثمان لم يسمع من أبيه، من أين سمع منه؟ ومراده من أين صحت الرواية بسماعه منه، وإلا فإن إمكان ذلك واحتماله غير مستبعد".

  10. ويواصل ابن رجب عرض أقوال العلماء الذين فتشوا عن السماع، ولم يكتفوا بمجرد المعاصرة، أو حتى اللقى والرواية، ويخلص من هذا العرض بقوله:

    "فدل كلام أحمد وأبي زرعة، وأبي حاتم، على أن الاتصال لا يثبت إلا بثبوت التصريح بالسماع. وهذا أضيق من قول ابن المديني والبخاري، فإن المحكى عنهما أحد أمرين: إما السماع، وإما اللقاء، وأحمد ومن تبعه لا بد عندهم من ثبوت السماع" .

    vol. 1, p. 200
  11. ويقول ابن رجب أيضا: "اعتبار السماع أيضا لاتصال الحديث هو الذي ذكره ابن عبد البر، وحكاه عن العلماء، وقوة كلامه تشعر بأنه إجماع منهم، وقد تقدم أنه قول الشافعي أيضا" .

  12. ما يستدل به على عدم ثبوت السماع

    وأما الدليل الذي يكشف عدم السماع والاتصال في الرواية، فهو كما يقول ابن رجب أحد أمرين:

    ١ - "أن يروي الراوي عن شيخ من غير أهل بلده، ولم يعلم أنه دخل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه، ومثاله ما نقله مهنا عن أحمد، قال: لم يسمع زرارة بن أوفى من تميم الداري، تميم بالشام وزرارة بصري، وقال ابن المديني: لم يسمع الحسن من الضحاك بن قيس كان الضحاك يكون بالبوادي

    ٢ - أن يروي عمن عاصره أحيانا، ولكن لم يثبت عدم لقيه له، ثم يدخل أحيانا بينه وبينه واسطة.

  13. فهذا يستدل به هؤلاء الأئمة على عدم السماع، ومثاله: قال أحمد: البهي ما أراه سمع من عائشة إنما يروى عن عروة عن عائشة. وقال في حديث زائدة

    vol. 1, p. 201عن السدى عن البهي، قال حدثتني عائشة. قال: وكان ابن مهدي سمعه من زائدة، وكان يدع منه: حدثتني عائشة ".

  14. [دخول الوهم على الصيغ الصريحة يجعل التفتيش عن السماع في غير الصريحة أولى:]

  15. لم يكتف ابن رجب بهذه الحملة على موقف الإمام مسلم الذي يقبل العنعنة بمجرد المعاصرة والبراءة من التدليس. ولم يكتف بإيراد مثل أو مثلين، إنما حشد الكثير من الأمثلة، وما تركناه منها أكثر، وزيادة في إيضاح مذهب من يشترط اللقاء نرى ابن رجب يمد يده الماهرة إلى بطون كتب العلل ليخرج منها أمثلة عديدة ورد فيها التصريح بالسماع، ولكن النقاد فتشوا عن هذا السماع فوجدوا أنه وهم من الراوي وذلك رغم جلالة الراوي وعظم شأنه، ويخلص ابن رجب إلى القول بأن الاحتمال قد يدخل على السماع، فمن باب أولى أن يدخل الاحتمال الكبير على العنعنة مع المعاصرة، فتكون منقطعة لا متصلة.

    قال ابن رجب:

    "وحينئذ ينبغي التفطن لهذه الأمور، ولا يعتبر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد، فقد ذكر ابن المديني أن شعبة وجدوا له غير شيء يذكر فيه الأخبار عن شيوخه، ويكون منقطعا.

  16. وذكر أحمد أن ابن مهدي حدث بحديث عن هشيم (أنا) منصور بن زاذان، قال أحمد: ولم يسمعه هشيم من منصور. ولم يصحح قول معمر وأسامة عن الزهري، سمعت عبد الرحمن بن أزهر.

    وقال أبو حاتم: الزهري لم يثبت له سماع من المسور، يدخل بينه وبين سليمان بن يسار وعروة بن الزبير.

    قال ابن رجب:

    وكلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، في هذا المعنى كثير جدا، يطول

    vol. 1, p. 202لكتاب بذكره، كله يدور على أن مجرد ثبوت الرواية لا يكفي في ثبوت السماع، وأن السماع لا يثبت بدون التصريح به. وأن رواية من روى عمن عاصره تارة بواسطة، وتارة بغير واسطة، يدل على أنه لم يسمع منه، إلا أن يثبت له السماع منه من وجه ".

  17. [خلاصة رد ابن رجب على الإمام مسلم:]

  18. ويخلص ابن رجب - رحمه الله تعالى - بعد كل هذه الأدلة التي تنقض قول الإمام مسلم - رحمه الله - واعتراضه على البخاري إلى القول:

    "فإذا كان هذا هو قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله وصحيحه وسقيمه مع موفقة البخاري وغيره فكيف يصح لمسلم - رحمه الله - دعوى الاجماع على خلاف قولهم، بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفاظ - المعتد بهم - على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم، ويشهد لصحة ذلك حكاية أبي حاتم "، وهي قوله في يحيى بن أبي كثير: ما أراه سمع من عروة بن الزبير لأنه يدخل بينه وبينه رجلا، ورجلين، ولا يذكر سماعا ولا رؤية، ولا سؤاله عن مسألة.

  19. [كلام ابن رجب في رده على مسلم:]

  20. قوله: إن شعبة ومن بعده لا يفتشون عن السماع.

  21. وأما إنكار الإمام مسلم أن يكون التفتيش عن السماع هو مذهب شعبة أو من بعده، فإن ابن رجب يثبت خلافه، فيقول: "فقد أنكر شعبة سماع من روي سماعه ولكن لم يثبت، كسماع مجاهد من عائشة، وسماع أبي عبد الرحمن السلمي من عثمان وابن مسعود، وقال شعبة: أدرك أبو العالية عليا، ولم يسمع منه، ومرده أنه لم يرد سماعه منه، ولم يكتف بإدراكه، فإن أبا العالية سمع ممن

    vol. 1, p. 203هو أقدم موتا من علي، فإنه قيل: إنه سمع من أبي بكر وعمر - رضي الله عن هما - ".

  22. [كلام ابن رجب على الأسانيد التي وصفها والإمام مسلم بالصحة ولم يثبت اللقاء فيها:]

  23. وكان الإمام مسلم قد ذكر جملة من الأسانيد لم يتحقق فيها لقاء رواتها لشيوخهم، ومع هذا فإن العلماء صححوها ولم يطعنوا فيها ومثل ذلك حديث عبد الله بن يزيد وقيس بن أبي حازم عن ابن مسعود، والنعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد.

  24. ورد ابن رجب كلام مسلم هذا بأن القول في هذه الأسانيد كالقول في غيرها ويقصد ابن رجب أنه لا بد من التفتيش عن اللقاء وثبوت السماع، وإلا فإن هذه الأسانيد تحمل على الانقطاع، وتكون مرسلة.

  25. ويرى ابن رجب أن اشتراط اللقاء عظم على مسلم حتى لا يؤدي ذلك إلى طرح الكثير من الأحاديث وترك الاحتجاج بها، ولكن ابن رجب يرى مخرجا من هذا وهو أن لا يحكم باتصالها ولكن يحتج بها مع اللقي كما يحتج بمرسل أكابر التابعين.

  26. ولقد انفرد ابن رجب بهذا الدعاء، بينما نجد السخاوي يخرج من هذه المسألة بما هو أسلم وأحكم فيقول: "وما خدشه به مسلم من وجود أحاديث اتفق الأئمة على صحتها مع أنها ما رويت إلا معنعنة، ولم يأت في خبر قط أن بعض رواتها لقي شيخه فغير لازم، إذ لا يلزم من نفى ذلك عنده نفيه في نفس الأمر".

  27. ومقتضى كلام السخاوي أنه ما دام الأئمة قد صححوا هذه الأحاديث فإن هذا التصحيح يستلزم الحكم بثبوت اللقاء فيها.

    vol. 1, p. 204
  28. مناقشة ابن رجب فيما ذهب إليه:
  29. لقد فصل ابن رجب رأيه في هذه المسألة تفصيلا غير مسبوق به، ولم أجد مثله لأحد من العلماء قبله أو بعده. وإنما تناول السابقون واللاحقون هذه المسألة بإيجاز، سواء منهم من أيد الإمام مسلم، كالحاكم في معرفة علوم الحديث وكالنووي في تقريبه، والطيبي في خلاصته، ومن عارضه ونصر البخاري: كابن عبد البر في تمهيده، وابن الصلاح، والنووي في شرح مسلم. وجاء ابن حجر والسيوطي والسخاوي بعد ابن رجب يحملون مثل رأيه وينصرون البخاري كذلك.

  30. وإعجابنا بابن رجب وثناؤنا عليه لا يعني أننا نوفقه في هذه المسألة، وإنما ينصب إعجابنا على لكتاب بمجموعه وما فيه من سبق وتفصيل وسعة اطلاع، وتقعيد لقواعد علم العلل، والمصطلح بشكل عام. وأما اختياره في هذه المسألة، ففيما يلي تحليل ومناقشة ونقد لما ذهب إليه.

  31. أولا: من بدهيات هذه المسألة أن التفتيش عن اللقاء بين الراوي والمروي عنه أعم من التفتيش عن السماع ولو مرة، وأن التفتيش عن السماع ولو مرة أعم من التفتيش عن السماع في كل رواية.

  32. ولم يكتف العلماء بهذا بل فحصوا السماع للتأكد من عدم دخول الوهم والخطأ على السماع.

    vol. 1, p. 205
  33. وابن رجب في رده على الإمام مسلم جمع بين هذه المراتب كلها، وساق الأدلة على أن العلماء فتشوا عن اللقاء بين الراوي والمروي عنه، ولم يكتفوا به بل فتشوا عن ورود السماع، ولم يكتفوا به بل فتشوا عن صحة السماع وعدم دخول الوهم والخطأ عليه.

  34. وهذا الذي جاء به ابن رجب ينقض مدعاه في نصرة البخاري، وهو يعارض البخاري كما يعارض مسلما، فالبخاري لم يشترط السماع الذي هو أخص من اللقاء، ولم يشترط البحث في سلامة كل سماع من الوهم والخطأ.

  35. ثانيا: لم يحدد ابن رجب رأيه في المسألة، وبعد عرض طويل مليء بالأمثلة الشواهد لم نعرف مراده بالتحديد، هل هو مع اشتراط اللقاء، أم مع اشتراط السماع، أم مع اشتراط تحقق السماع في كل مسألة. وقد أظهر من كلامه أنه أدخل التفتيش عن السماع في أصل الصحة، ولا يوافقه أحد من العلماء على ما ذهب إليه، وخاصة ألئك الذي كتبوا في المصطلح.

  36. ثالثا: يستدل ابن رجب على عدم السماع بأمرين ذكرهما عن الإمام أحمد:

    الأول - أن يكون الراوي ببلد غير بلد المروي عنه، ولم يعرف عن أحدهما النقلة إلى بلد الآخر.

  37. الثاني - أن يروي الراوي مباشرة عن شيخه ثم يدخل بينه وبينه واسطة.

  38. وليس في هذا ما ينصر مذهب ابن رجب لأن الإمام مسلما كذلك يبحث عن اللقاء في مثل هاتين الحالتين، لما فيهما من القرينة على انتقاء اللقاء، لأن الإمام مسلما يعتبر المعاصرة مع إمكان اللقاء لا مع القرينة على نفي اللقاء.

  39. وفي هذا يقول الإمام مسلم: فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة، أن هذا الراوي لم يلق الراوي عنه.

  40. ويقول الإمام مسلم كذلك: وإنما كان تفقد من تفقد سماع رواة الحديث ممن روى عن رجل ثم روى حديثا عن آخر عنه.

    vol. 1, p. 206