باب التوبة
87 paragraphs · vol. 1, p. 207
Page 2 of 3
- vol. 1, p. 218
واعلم أَن أصل المجاهدة وملاكها فطم النفس عَنِ المألوفات وحملها عَلَى خلاف هواها فِي عموم الأوقات وللنفس صفتان مانعتان لَهَا من الخير انهماك فِي الشهوات وامتناع عَنِ الطاعات فَإِذَا جمحت عِنْدَ ركوب الهوى وجب كبحها بلجام التقوى وإذا حرنت عِنْدَ القيام بالموافقات يجب سوقها عَلَى خلاف الهوى وإذا ثارت عِنْدَ غضبها فمن الواجب مراعاة حالها فَمَا من منازلة أَحْسَن عاقبة من غضب يكسر سلطانه بخلق حسن وتخمد نيرانه برفق فَإِذَا استحلت شراب الرعونة فضاقت إلا عَن إظهار مناقبها والتزين لمن ينظر إِلَيْهَا ويلاحظها فمن الواجب كسر ذَلِكَ عَلَيْهَا وإحلالها بعقوبة الذل بِمَا يذكرها من حقارة قدرها وخساسة أصلها وقذارة فعلها وجهد العوام فِي توفية الأعمال وقصد الخواص عَلَى تصفية الأحوال فَإِن مقاساة الجوع والسهر سهل يسير ومعالجة الأخلاق والتقت عَن سفاسفها صعب شديد ومن غوامض آفات النفس ركونها إِلَى استحلاء المدح فَإِن من تحسى منه جرعة حمل السموات والأرضين عَلَى شفره من أشفاره وأمارة ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا انقطع عَنْهُ ذَلِكَ الشرب آل حاله إِلَى الكسل والفشل.
-
كَانَ بَعْض المشايخ يصلى فِي مسجده فِي الصف الأَوَّل سنين كثيرة فعاقه يوما عَنِ الابتكار إِلَى الْمَسْجِد عائق فصلى فِي الصف الأخير فلم ير مدة فسئل عَنِ السبب فَقَالَ: كنت أقضى صلاة كَذَا وكذا سنة صليتها وعندي أنى مخلص فِيهَا لِلَّهِ فداخلني يَوْم تأخري عَنِ الْمَسْجِد من شهود النَّاس إياي فِي الصف الأخير نوع خجل فعلمت أَن نشاطي طول عمرى إِنَّمَا كَانَ عَلَى رؤيتهم فقضيت صلواتي.
- vol. 1, p. 219
ويحكى عَن أَبِي مُحَمَّد المرتعش أَنَّهُ قَالَ: حججت كَذَا كَذَا حجة عَلَى التجريد فبان لي أَن جَمِيع ذَلِكَ كَانَ مشوبا بحظي وَذَلِكَ أَن والدتي سألتني يوما أَن أستقي لَهَا جرة ماء فثقل ذَلِكَ عَلَى نفسي فعلمت أَن مطاوعة نفسي فِي الحاجات كانت لحظ وشوب لنفسي إذ لو كانت نفسي فانية لَمْ يصعب عَلَيْهَا مَا هُوَ حق فِي الشرع وكانت امْرَأَة قَدْ طعنت فِي السن فسئلت عَن حالتها فَقَالَتْ كنت فِي حال الشباب أجد من نفسي نشاطا وأحوالا أظنها قوة الحال فلما كبرت زالت عنى فعلمت أَن ذَلِكَ كَانَ قوة الشباب فتوهمتها أحوالا سمعت أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول مَا سمع هذه الحكاية أحد من الشيوخ إلا رق لهذه العجوز وَقَالَ إنها كانت منصفة.
-
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت يُوسُف بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي يَقُول: مَا أعز اللَّه عَبْد بعز هُوَ أعز لَهُ من أَن يدله عَلَى ذل نَفْسه، وَمَا أذل اللَّه عبدا بذل هُوَ أذل لَهُ من أَن يحجبه عَن ذل نَفْسه وسمعته يَقُول سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول سمعت إِبْرَاهِيم الخواص يَقُول: ما هالني شَيْء إلا ركبته وسمعته يَقُول سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول سمعت مُحَمَّد بْن الفضل يَقُول: الراحة هُوَ الخلاص من أماني النفس.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول سمعت أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول: دخلت الآفة عَلَى الخلق من ثلاثة: سقم الطبيعة، ولملازمة العادة، وفساد الصحبة، فسألته مَا سقم الطبيعة؟ فَقَالَ: أكل الحرام،
vol. 1, p. 220فَقُلْتُ: مَا ملازمة العادة؟ فَقَالَ: النظر والاستماع بالحرام والغيبة.
قُلْت: فَمَا فساد الصحبة؟ قَالَ كلما هاجت فِي النفس الشهوة تبعتها، وسمعته يَقُول سمعت النصراباذي يَقُول: سجنك نفسك فَإِذَا خرجت منها وقعت فِي راحة أبدية، وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد الفراء يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الوراق يَقُول: كَانَ أجل أحكامنا فِي مبادئ أمرنا فِي مَسْجِد أَبِي عُثْمَان الحيري الإيثار بِمَا يفتح عَلَيْنَا، وأن لا نبيت عَلَى معلوم، ومن استقبلنا بمكروه لا ننتقم لأنفسنا بَل نعتذر إِلَيْهِ ونتواضع لَهُ، وإذا وقع فِي قلوبنا حقارة لأحد قمنا بخدمته والإحسان إِلَيْهِ حَتَّى يزول.
وَقَالَ أَبُو حفص: النفس ظلمة كلها، وسراجها سرها، ونور سراجها التوفيق، فمن لَمْ يصحبه فِي سره توفيق من ربه كَانَ ظلمه كُلهُ.
قَالَ الأستاذ الإِمَام القشيري: معنى قَوْله سراجها سرها يريد سر العبد الَّذِي بينه وبين اللَّه تَعَالَى وَهُوَ محل إخلاصه وَبِهِ يعرف العبد أَن الحادثات بالله لا بنفسه ولا من نَفْسه ليكون متبرئا من حوله وقوته عَلَى استدامة أوقاته ثُمَّ بالتوفيق يعتصم من شرور نَفْسه فَإِن من لَمْ يدركه التوفيق لَمْ ينفعه علمه بنفسه ولا بربه ولهذا قَالَ الشيوخ: من لَمْ يكن لَهُ سر فَهُوَ مصر، وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: لا يرى أحد عيب نَفْسه وَهُوَ مستحسن من نَفْسه شَيْئًا وإنما يرى عيوب نَفْسه من يتهمها فِي جَمِيع الأحوال.
وَقَالَ أَبُو حفص: مَا أسرع هلاك من لا يعرف هيبة فَإِن المعاصي بريد الكفر، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: مَا استحسنت من نفسي عملا فاحتسبت بِهِ، وَقَالَ السري، إياكم وجيران الأغنياء، وقراءة الأسواق، وعلماء الأمراء.
وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي: إِنَّمَا دَخَلَ الفساد عَلَى الخلق من ستة أشياء:
vol. 1, p. 221ضعف النية بعمل الآخرة.
-
وَالثَّانِي صارت أبدانهم رهينة لشهواتهم والثالث غلبهم طول الأمل مَعَ قرب الأجل.
-
والرابع آثروا رضا المخلوقين عَلَى رضا الخالق.
-
والخامس اتبعوا أهواءهم، ونبذوا سنة نبيهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وراء ظهورهم.
-
والسادس جعلوا قليل زلات السلف حجة لأنفسهم، ودفنوا كثير مناقبهم.
- vol. 1, p. 222
بَاب الخلوة والعزلة
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَن أَبِيهِ عَن بَعْجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ الْجُهَنِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ خَيْرِ مَعَايِشِ النَّاسِ كُلِّهِمْ رَجُلا آخِذًا بِعَنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ سَمِعَ قَرْعَةً أَوْ هَيْعَةً كَانَ عَلَى مَتْنِ فَرَسِهِ يَبْتَغِي الْمَوْتَ أَوِ الْقَتْلَ فِي مَظَانِّهِ أَوْ رَجُلا فِي غَنِيمَةٍ لَهُ فِي رَأْسِ شَعْفَةٍ مِنْ هِذِه الشِّعَافِ أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الأَوْدِيَةِ يُقِيمُ الصَّلاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلا فِي خَيْرٍ
قَالَ الأستاذ: الخلوة صفة أهل الصفوة، والعزلة من أمارات الوصلة، ولابد للمريد فِي ابتداء حاله من العزلة عَن أبناء جنسه، ثُمَّ فِي نهايته من الخلوة لتحققه بأنسه ومن حق العبد إِذَا آثر العزلة أَن يعتقد باعتزاله عَنِ الخلق سلامة النَّاس من شره ولا يقصد سلامته من شر الخلق فَإِن الأَوَّل من القسمين نتيجة استصغار نَفْسه وَالثَّانِي شهود مزينة عَلَى الخلق، ومن استصغر نَفْسه فَهُوَ متواضع، ومن رأى لنفسه مزية عَلَى أحد فَهُوَ متكبر.
-
ورؤي بَعْض الرهبان فقيل لَهُ: إنك راهب؟ فَقَالَ: لا، بَل أنا حارس كلب إِن نفسي كلب يعقر الخلق أخرجتها من بينهم ليسلموا منها.
-
ومر إِنْسَان ببعض الصالحين فجمع ذَلِكَ الشيخ ثيابه منه فَقَالَ: الرجل لَمْ تجمع عني ثيابك؟ ليست ثيابي نجسة
vol. 1, p. 223فَقَالَ الشيخ: وهمت فِي ظنك، ثيابي هِيَ النجسة جمعتها عَنْك لئلا تنجس ثيابك لا لكي تنجس ثيابي ومن آداب العزلة أَن يحصل من العلوم مَا يصحح بِهِ عقد توحيده لكي لا يستهويه الشَّيْطَان بوساوسه ثُمَّ يحصل من علوم الشرع مَا يؤدي بِهِ فرضه ليكون بناء أمره عَلَى أساس محكم والعزلة فِي الحقيقة اعتزال الخصال المذمومة فالتأثير لتبديل الصفات لا للتنائي عَنِ الأوطان ولهذا قيل من العارف؟ قَالُوا: كائن بائن يعنى كائن مَعَ الخلق , بائن عَنْهُم بالسر.
-
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رحمه اللَّه يَقُول: البس مَعَ النَّاس مَا يلبسون وتناول مِمَّا يأكلون وانفرد عَنْهُم بالسر، وسمعته يَقُول: جاءني إِنْسَان وَقَالَ: جئتك من مسافة بعيدة فَقُلْتُ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيث من حيث قطع المسافة ومقاساة الأسفار فارق نفسك بخطوة وَقَدْ حصل مقصودك.
-
ويحكى عَن أَبِي يَزِيد قَالَ: رأيت ربي عَزَّ وَجَلَّ فِي المنام فَقُلْتُ: كَيْفَ أجدك: قَالَ: فارق نفسك وتعال.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول: من اختار الخلوة عَلَى الصحبة ينبغي أَن يَكُون خاليا من جَمِيع الأذكار إلا ذكر ربه , وخاليا من جَمِيع الأرادات إلا رضا ربه , وخاليا من مطالبة النفس من جَمِيع الأسباب، فَإِن لَمْ يكن بِهَذِهِ الصفة فَإِن خلوته توقعه فِي فتنة أَوْ بلية وقيل: الانفراد فِي الخلوة أجمع لدواعي السلوة.
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: انظر أنسك بالخلوة أَوْ أنسك مَعَهُ فِي الخلوة , فَإِن كَانَ أنسك بالخلوة ذهب أنسك إِذَا خرجت منها , وإن كَانَ أنسك بِهِ فِي الخلوة استوت لَك الأماكن فِي الصحارى والبراري.
-
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن حامد يَقُول: جاء رجل إِلَى زيارة أَبِي بَكْر الوراق فلما أراد أَن يرجع قَالَ لَهُ: أوصني فَقَالَ: وجدت خير الدنيا والآخرة فِي الخلوة والقلة وشرهما فِي الكثرة والاختلاط.
- vol. 1, p. 224
وسمعته يَقُول سمع مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت الجريري وَقَدْ سئل عَنِ العزلة فَقَالَ: هِيَ الدخول بَيْنَ الزحام وتمنع سرك أَن لا يزاحموك وتعزل نفسك عَنِ الآثام ويكون سرك مربوطا بالحق.
-
وقيل: من آثر العزلة حصل العزلة.
وَقَالَ سهل: لا تصح الخلوة إلا بأكل الحلال ولا يصح أكل الحلال إلا بأداء حق اللَّه.
وَقَالَ ذو النون: لَمْ أر شَيْئًا أبعث عَلَى الإخلاص من الخلوة.
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الرملي: ليكن خدنك الخلوة وطعامك الجوع وحَدِيثك المناجاة فإما أَن تموت وإما أَن تصل إِلَى اللَّه.
وَقَالَ ذو النون: لَيْسَ من احتجب عَنِ الخلق بالخلوة كمن أحتجب عَنْهُم بالله.
-
سمعت أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن نصير يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول مكابدة العزلة أيسر من مدارة الخلطة وَقَالَ مكحول: إِن كَانَ فِي مخالطة النَّاس خير فَإِن فِي العزلة السلامة وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: الوحدة جليس الصديقين.
-
سمعت الشيخ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: سمع الشبلي يَقُول: الإفلاس الإفلاس يا ناس، فقيل لَهُ: يا أبا بَكْر مَا علامة الإفلاس؟ .
قَالَ: من علامة الإفلاس الاستئناس بالناس.
وَقَالَ يَحْيَي بْن أَبِي كثير: من خالط النَّاس داراهم ومن داراهم راءاهم.
vol. 1, p. 225وَقَالَ سَعِيد بْن حرب: دخلت عَلَى مَالِك ابْن مَسْعُود بالكوفة وَهُوَ فِي داره وحده فَقُلْتُ لَهُ: أما تستوحش وحدك؟ فَقَالَ: مَا كنت أرى أَن أحد يستوحش مَعَ اللَّه.
-
سمعت أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا عَمْرو الأنماطي يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: من أراد أَن يسلم لَهُ دينه ويستريح بدنه وقلبه فليعتزل النَّاس فَإِن هَذَا زمان وحشة والعاقل من اختار فِيهِ الوحدة.
-
وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: قَالَ أَبُو يعقوب السوسي: الانفراد لا يقوى عَلَيْهِ إلا الأقوياء ولأمثالنا الاجتماع أوفر وأنفع يعمل بَعْضهم عَلَى رؤية بَعْض وسمعته يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس الدامغاني يَقُول: أوصاني الشبلي فَقَالَ: الزم الوحدة، وامح اسمك عَنِ الْقَوْم، واستقبل الجدار حَتَّى تموت.
-
وجاء رجل إِلَى شُعَيْب بْن حرب فَقَالَ لَهُ: مَا جاء بك؟ فَقَالَ: أكون معك، قَالَ يا أخي إِن العبادة لا تكون إلا بالشركة، ومن لَمْ يستأنس بالله لَمْ يستأنس بشيء.
-
حكي أَن بَعْضهم قيل لَهُ: مَا أعجب مَا لقيت فِي سياحتك؟ فَقَالَ لَهُ: لقينى الخضر فطلب منى الصحبة فخشيت أَن يفسد عَلِي توكلي.
-
وقيل لبعضهم ههنا أحد تستأنس بِهِ؟ فَقَالَ: نعم ومد يده إِلَى مصحفه ووضعه فِي حجره وَقَالَ: هَذَا وَفِي معناه أنشدوا:
وكتبك حولي لا تفارق مضجعي ... وفيها شفاء للذي أنا كاتم
vol. 1, p. 226وَقَالَ رجل لذي النون الْمِصْرِي: مَتَى تصح لي العزلة؟ فَقَالَ: إِذَا قويت عَلَى عزلة نفسك.
-
وقيل لابن المبارك مَا دواء القلب؟ فَقَالَ: قلة الملاقاة لِلنَّاسِ.
-
وقيل: إِذَا أراد اللَّه أَن ينقل العبد من ذل المعصية إِلَى عز الطاعة آنسه بالوحدة وأغناه بالقناعة وبصره بعيوب نَفْسه فمن أعطي ذَلِكَ فَقَدْ أعطي خير الدنيا والآخرة.
- vol. 1, p. 227
بَاب التقوى قَالَ اللَّه تَعَالَى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: ١٣]
-
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدِ الأَعْلَى النَّرْسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوْصِنِي.
فَقَالَ: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْمُسْلِمِ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ "
-
وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الأَسْفَاطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرْمُزَ نَافِعُ بْنُ هُرْمُزَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قِيلَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ آلُ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: «كُلُّ تَقِيٍّ»
-
فالتقوى جماع الخيرات وحقيقة الاتقاء التحرز بطاعة اللَّه عَن عقوبته يقال: اتقى فُلان بترسه، وأصل التقوى اتقاء الشرك ثُمَّ بعده اتقاء المعاصي والسيئات ثُمَّ بعده اتقاء الشبهات ثُمَّ تدع بعده الفضلات كَذَلِكَ.
-
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق رحمه اللَّه يَقُول: سمعته يَقُول:
vol. 1, p. 228ولكل قسم من ذَلِكَ بَاب وجاء فِي تفسير قَوْله عَزَّ وَجَلَّ: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: ١٠٢] أَن معناه أَن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَاصِم يَقُول: سمعت سهل بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: لا معين إلا اللَّه ولا دليل إلا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ولا زاد إلا التقوى ولا عمل إلا الصبر عَلَيْهِ وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول: قسمت الدنيا عَلَى البلوى وقسمت الآخرة عَلَى التقوى.
-
سمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: من لَمْ يحكم بينه وبين اللَّه التقوى والمراقبة لَمْ يصل إِلَى الكشف والمشاهدة.
وَقَالَ النصرأباذي: التقوى أَن يتقى العبد مَا سواه تَعَالَى.
-
وَقَالَ سهل من أراد أَن تصح لَهُ التقوى فليترك الذنوب كلها.
وَقَالَ النصرأباذي: من لزم التقوى اشتاق إِلَى مفارقة الدنيا، لأن اللَّه سبحانه يَقُول: {وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [الأنعام: ٣٢] وَقَالَ بَعْضهم.
-
من تحقق من التقوى هون اللَّه عَلَى قلبه الإعراض عَنِ الدنيا.
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري: التقوى مجانية مَا يبعدك عَنِ اللَّه.
vol. 1, p. 229وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي: التقى من لا يدنس ظاهره بالمعارضات ولا باطنه بالعلالات ويكون واقفا مَعَ اللَّه موقف الاتفاق.
-
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن الفارسي يَقُول: سمعت ابْن عَطَاء يَقُول: للتقوى ظاهر وباطن فظاهره محافظة الحدود وباطنه النية والإخلاص وَقَالَ ذو النون.
-
فلا عيش إلا مَعَ رجال قلوبهم تحن إِلَى التقوى وترتاح للذكر سكون إِلَى روح اليقين وطيبه كَمَا سكن الطَّفْل الرضيع إِلَى الحجر.
-
وقيل: يستدل عَلَى تقوى الرجل بثلاث: حسن التوكل فيما لَمْ ينل وحسن الرضا فيما قَدْ نال وحسن الصبر عَلَى مَا قَدْ فات.
وَقَالَ طلق بْن حبيب: التقوى عمل بطاعة اللَّه عَلَى نور من اللَّه مخافة عقاب اللَّه.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت محمدا الفراء يحكي عَن أَبِي حفص أَنَّهُ قَالَ: التقوى بالحلال المحض لا غَيْر.