فصل في ذكر البديع من الكلام

1,034 paragraphs · vol. 1, p. 66

Page 19 of 26

  1. ثم يقولون: إن الشعر إنما يطلق، متى قصد القاصد إليه - على الطريق الذى يعتمد ويسلك، ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء، دون ما يستوي فيه العامي والجاهل، والعالم بالشعر واللسان وتصرفه وما يتفق من كل واحد، فليس يكتسب اسم الشعر ولا صاحبه اسم شاعر، لأنه لو صح أن يسمى كل من اعترض في كلامه ألفاظ تتزن بوزن الشعر، أو تنتظم انتظام بعض الأعاريض، كان الناس كلهم شعراء، لأن كل متكلم لا ينفك من أن يعرض في جملة كلام كثير يقوله، ما قد يتزن بوزن الشعر وينتظم انتظامه.

    vol. 2, p. 54
  2. ألا ترى أن العامي قد يقول لصاحبه: " أغلق الباب وائتني بالطعام " .

  3. ويقول الرجل لأصحابه " اكرموا من لقيتم من تميم " ؟ ومتى تتبع الانسان هذا [النحو] عرف أنه يكثر في تضاعيف الكلام مثله وأكثر منه (٣) .

  4. / وهذا القدر الذي يصح فيه التوارد، ليس يعده أهل الصناعة سرقة، إذا لم تعلم فيه حقيقة الأخذ.

  5. كقول امرئ القيس: وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجمل (٤)

  6. وكقول طرفة: وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجلد (١) ومثل هذا كثير.

    vol. 2, p. 55
  7. فإذا صح مثل ذلك في بعض البيت ولم يمتنع التوارد فيه، فكذلك لا يمتنع وقوعه في الكلام المنثور اتفاقاً غير مقصود إليه، فإذا اتفق لم يكن ذلك شعراً.

  8. وكذلك يمتنع التوارد على بيتين، وكذلك يمتنع في الكلام المنثور وقوع البيتين ونحوهما.

  9. فثبت بهذا أن ما وقع هذا الموقع لم يعد شعراً، وإنما يعد شعراً ما إذا قصده صاحبه: تأتَّى له، ولم يمتنع عليه.

  10. / فإذا كان هو مع قصده لا يتأتى له، وإنما يعرض في كلامه عن غير

    قصد إليه - لم يصح أن يقال: إنه شعر، ولا أن صاحبه شاعر، ولا يصح أن يقال: إن هذا يوجب أن مثل هذا لو اتفق من شاعر فيجب أن يكون شعراً، لأنه لو قصده لكان يتأتى له (٢) .

  11. وإنما لم يصح ذلك، لأن ما ليس بشعر فلا يجوز أن يكون شعراً من أحد، وما كان شعراً من أحد من الناس كان شعراً من كل أحد (٣) .

  12. ألا ترى أن السوقي (٤) قد يقول: " اسقني الماءَ يا غلامُ سريعاً " ، وقد يتفق ذلك من الساهي ومن لا يقصد النظم.

  13. فأما الشعر (٥) إذا بلغ الحد الذي بينا، فلا يصح أن يقع إلا من قاصد إليه.

  14. وأما الرجز فإنه يعرض في كلام العوام كثيراً، فإذا كان بيتاً واحداً فليس ذلك بشعر.

  15. وقد قيل: إن أقل ما يكون منه شعراً أربعة أبيات، بعد أن تتفق قوافيها، ولم يتفق ذلك في القرآن بحال.

  16. فأما دون أربعة أبيات منه أو ما يجري مجراه في قلة الكلمات، فليس بشعر.

  17. وما اتفق في ذلك من القرآن مختلف الروي، ويقولون: إنه / متى اختلف الروي خرج عن أن يكون شعرا.

    vol. 2, p. 56
  18. وهذه الطرق التى سلكوها في الجواب، معتمدة أو أكثرها.

  19. ولو كان ذلك شعراً لكانت النفوس تتشوف إلى معارضته، لان طريق الشعر غير مستصعب على أهل الزمان الواحد، وأهله يتقاربون فيه، أو يضربون فيه بسهم.

  20. * * * فإن قيل: في القرآن كلام موزون كوزن الشعر، وإن كان غير مقفّى، بل هو مزاوج متساوي الضروب، وذلك أحد (١) أقسام كلام العرب.

  21. قيل: من سبيل الموزون من الكلام أن تتساوى أجزاؤه في الطول والقصر، والسواكن والحركات.

  22. فإن خرج عن ذلك لم يكن موزوناً، كقوله: رب أخٍ كنتُ به مغتبطا * أشد كفى بعرا صحبته تمسكاً مني بالودّ ولا * أحسبُهُ يزهدُ في ذي أملِ (٢) تمسكاً مني بالودّ ولا * أحسَبُهُ يُغَيِّرُ العهدَ ولا يحُول عنه أبدا * فخاب فيه أملى وقد علمنا أن القرآن ليس من هذا القبيل، بل هذا قبيل غير ممدوح، / ولا مقصود من جملة الفصيح، وربما كان عندهم مستنكراً، بل أكثره على ذلك.

  23. وكذلك (٣) ليس في القرآن من الموزون الذى وصفناه أو لا وهو الذي شرطنا فيه التعادل والتساوي في الأجزاء، غير الاختلاف الواقع في التقفية.

  24. ويبين (٤) ذلك أن القرآن خارج عن الوزن الذي بينا، وتتم فائدته بالخروج منه.

  25. وأما الكلام الموزون فإن فائدته تتم بوزنه.

  26. فصل في نفى السجع من القرآن ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن وذكره [الشيخ] أبو الحسن الاشعري [رضى الله عنه] في غير موضع من كتبه.

    vol. 2, p. 57
  27. وذهب كثير ممن يخالفهم إلى اثبات السجع في القرآن.

  28. وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام، وأنه من الاجناس التى يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة، كالتجنيس والالتفات، وما أشبه ذلك من الوجوه التى تعرف بها الفصاحة.

  29. وأقوى ما يستدلون به عليه: اتفاق الكل على أن موسى أفضل من هرون عليهما السلام، ولمكان (١) السجع قيل في موضع (هرون وموسى) (٢) .

  30. ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون، قيل: (موسى وهرون) (٣) .

    قالوا: وهذا يفارق أمر الشعر، لأنه لا يجوز أن يقع في الخطاب إلا مقصوداً إليه، وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذى نسميه (٤) شعراً، وذلك القدر ما يتفق وجوده من المفحم، كما يتفق / وجوده من الشاعر.

  31. وأما ما في القرآن من السجع فهو كثير، لا يصح أن يتفق كله غير المقصود إليه.

  32. ويبنون الأمر في ذلك على تحديد معنى " السجع " .

    قال أهل اللغة: هو موالاة الكلام على وزن واحد.

    وقال ابن دريد: " سجعت الحمامة " معناه: رددت صوتها.

  33. وأنشد: طرِبتَ فأبكتك الحمامُ السواجِعُ * تميل بها ضَحْواً غصونُ نوائعُ النوائع: الموائل، من قولهم: جائع نائع، أي متمايل ضعفا (٥) .

  34. وهذا الذي يزعمونه غير صحيح، ولو كان القرآن سجعاً لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلاً فيها لم يقع بذلك إعجاز.

  35. ولو جاز أن يقولوا: هو سجع معجز، لجاز لهم أن يقولوا: شعر معجز.

    vol. 2, p. 58
  36. وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر، لأن الكهانة تنافى النبوات، وليس كذلك الشعر.

  37. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذين جاءوه وكلموه في شأن الجنين: كيف ندى من لا شرب ولا أكل (١) ، ولا صاح فاستهل، أليس دمه قد يطل؟ فقال: " اسجاعة كسجاعة الجاهلية؟ " / وفي بعضها: " أسجعاً كسجع الكهان " فرأى (٢) ذلك مذموماً لم يصح أن يكون في دلالته.

  38. والذي يقدرونه (٣) أنه سجع فهو وهم، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن لم يكن سجعاً، لأن ما يكون به الكلام سجعاً يختص ببعض الوجوه دون بعض، لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع.

  39. وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن، لأن اللفظ يقع فيه تابعاً للمعنى.

  40. وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه، وبين أن يكون المعنى منتظماً دون اللفظ.