فصل في ذكر البديع من الكلام
1,034 paragraphs · vol. 1, p. 66
Page 20 of 26
- vol. 2, p. 58
ومتى ارتبط المعنى بالسجع، كانت إفادة السجع كإفادة غيره، ومتى انتظم (٤) المعنى بنفسه دون السجع، كان مستجلبا لتحسين (٥) الكلام دون تصحيح المعنى.
-
فإن قيل: فقد يتفق في القرآن ما يكون من القبيلين جميعاً، فيجب أن تسموا أحدهما سجعاً.
-
قيل: الكلام في تفصيل هذا خارج عن غرض كتابنا، وإلا كنا نأتى على فصل فصل من أول القرآن إلى آخره، ونبين في الموضع الذي يدعون الاستغناء عن السجع من الفوائد ما لا يخفى، ولكنه / خارج عن غرض كتابنا.
-
وهذا القدر يحقق الفرق بين الموضعين.
-
ثم إن سلم لهم مسلّم موضعاً أو مواضع معدودة، وزعم أن وقوع ذلك موقع (٦) الاستراحة في الخطاب إلى الفواصل لتحسين الكلام بها، وهى الطريقة
vol. 2, p. 59التى يباين القرآن بهسائر الكلام، وزعم أن الوجه في ذلك أنه من الفواصل، أو زعم أن ذلك وقع غير مقصود إليه - فإن (١) ذلك إذا اعترض في الخطاب لم يعد سجعا، على ما قد بينا في القليل من الشعر، كالبيت الواحد، والمصراع، والبيتين من الرجز، ونحو ذلك يعرض فيه، فلا يقال إنه شعر، لأنه لا يقع مقصوداً إليه، وإنما يقع مغمورا في الخطاب، وكذلك حال السجع الذى يزعمونه ويقدرونه.
-
ويقال لهم: لو كان الذي في القرآن على ما تقدرونه سجعاً،: لكان مذموماً مرذولاً، لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه، واختلفت طرقه، كان قبيحاً من الكلام.
-
وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق مضبوط (٢) ، متى أخل به المتكلم
وقع (٣) الخلل في كلامه، ونسب إلى الخروج عن الفصاحة.
-
كما أن الشاعر إذا خرج عن الوزن المعهود كان مخطئاً، وكان شعره مرذولاً، وربما أخرجه عن كونه شعراً.
-
/ وقد علمنا أن بعض ما يدعونه سجعاً متقارب (٤) الفواصل، متداني المقاطع، وبعضها مما يمتد حتى يتضاعف طوله عليه، وترد الفاصلة على ذلك الوزن الأول بعد كلام كثير، وهذا في السجع غير مرضى ولا محمود.
-
فإن قيل: متى خرج السجع [من] المعتدل إلى نحو ما ذكرتموه، خرج من أن يكون سجعاً، وليس على المتكلم أن يلتزم أن يكون كلامه كله سجعاً، بل يأتي به طوراً ثم يعدل عنه إلى غيره، ثم قد يرجع إليه.
-
قيل: متى وقع أحد مصراعي البيت (٥) مخالفاً للآخر، كان تخليطاً وخبطاً، وكذلك متى اضطرب أحد مصراعي الكلام المسجع وتفاوت كان خبطاً.
-
[وقد] علم أن فصاحة القرآن غير مذمومة في الأصل، فلا يجوز أن يقع فيها نحو هذا الوجه من الاضطراب (٦) .
- vol. 2, p. 60
ولو كان الكلام الذي هو في صورة السجع منه لما تحيروا فيه، ولكانت
الطباع تدعو إلى المعارضة، لأن السجع غير ممتنع عليهم، بل هو عادتهم، فكيف تنقض العادة بما هو نفس العادة، وهو غير خارج عنها ولا متميز (١) منها؟ وقد يتفق في الشعر كلام [متزن] على منهاج السجع / وليس بسجع عندهم.
-
وذلك نحو قول البحتري: تَشَكًّى الوَجى، والليل ملتبس الدجا * غريرية الانساب مرت بقيعها (٢) وقوله (٣) : قريب المدَىَ، حتى يكون إلى الندى * عدو البنى، حتى تكون معالى (٤) ورأيت بعضهم يرتكب هذا، فيزعم (٥) أنه سجع مداخل! ونظيره من القرآن قوله تعالى: (ثَمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ، وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُم تَشَاقُّونَ فِيهِمْ) (٦) .
-
وقوله: (أَمَرْنا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا) (٧) .
-
وقوله: (أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِي / سَبِيلِهِ) (٨) .
-
وقوله: (وَالتَّوْرَاةَ والاْنجِيلَ، وَرَسُولاً إلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) (٩) .
-
وقوله: (إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) (١٠) .
-
ولو كان ذلك عندهم سجعاً لم يتحيروا فيه ذلك التحير، حتى سماه بعضهم سحراً، وتصرفوا فيما كانوا يسمونه به ويصرفونه إليه ويتوهمونه فيه.
-
وهم في الجملة عارفون بعجزهم عن طريقه، وليس القوم بعاجزين عن تلك الأساليب المعتادة عندهم، المألوفة لديهم.
-
والذي تكلمنا به في هذا (١١) الفصل كلام على جملة دون التفصيل.
- vol. 2, p. 61
ونحن نذكر بعد هذا في التفصيل، ما يكشف عن مباينة ذلك وجوه السجع.
-
ومن جنس السجع المعتاد عندهم، قول أبي طالب (١) لسيف بن ذي يزن: " أََنْبَتَكَ مَنْبِتاً (٢) طابت أرومتُهُ، وعَزَّت جُرْثُومته، وثَبَتَ أصله، وبَسَقَ فرعُه ونبت زَرْعه، في أكرم مَوْطِن، وأطيب مَعْدِن " .
-
وما يجرى هذا المجرى من الكلام.
-
والقرآن مخالف لهذه (٣) الطريقة مخالفته للشعر وسائر أصناف كلامهم الدائر بينهم.
-
/ ولا معنى لقولهم: إن ذلك مشتق من ترديد الحمامة صوتها على نسق واحد وروي غير مختلف، لأن ما جرى هذا المجرى لا يبنى على الاشتقاق وحده، ولو بني عليه لكان الشعر سجعاً، لأن رويه يتفق ولا يختلف، وتتردد القوافي على طريقة واحدة.
-
وأما الأمور التي يستريح إليها الكلام، فإنها تختلف: فربما كان ذلك
يسمى (٤) قافية، وذلك إنما يكون في الشعر، وربما كان ما ينفصل عنده (٥) الكلامان (٦) مقاطع السجع، وربما شمى (٧) ذلك فواصل.
-
وفواصل القرآن - مما هو مختص بها (٨) لا شركة بينه وبين سائر الكلام فيها ولا تناسب.
-
وأما ما ذكروه من تقديم موسى على هارون عليهما السلام في موضع، وتأخيره عنه في موضع لمكان السجع وتساوى مقاطع الكلام - فليس بصحيح، لأن الفائدة عندنا غير ما ذكروه.
-
وهي (٩) : أن إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، تؤدي معنى واحداً من الامر الصعب، الذى تظهر به الفصاحة، وتتبين به (١٠) البلاغة.
-
وأعيد كثير من القصص في مواضع [كثيرة] مختلفة، على ترتيبات / متفاوتة، ونبهوا بذلك على عجزهم عن الاتيان بمثله مبتدأ به ومكرراً.
-
ولو كان فيهم تمكن من المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ
vol. 2, p. 62لهم تؤدى تلك المعاني ونحوها (١) ، وجعلوها بازاء ما جاء به، وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه، وإلى مساواته فيما [حكى و] جاء به.
-
وكيف وقد قال لهم: (فَلْيَأْتُواْ
بِحَدِيثً مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ) (٢) .
-
فعلى هذا يكون المقصد - بتقديم بعض الكلمات (٣) وتأخيرها - إظهار الإعجاز (٤) على الطريقين جميعا، دون السجع (٥) الذى توهموه.
-
فإن قال قائل: القرآن مختلط من أوزان كلام العرب، ففيه من جنس خطبهم، ورسائلهم [وشعرهم] وسجعهم، وموزون كلامهم الذي هو غير مقفى، ولكنه أبدع فيه ضرباً من الابداع، لبراعته وفصاحته.
-
قيل: قد علمنا أن كلامهم ينقسم إلى نظم ونثر، وكلام مقفى غير موزون [وكلام موزون غير مقفى] (٦) ، ونظم موزون ليس بمقفى كالخطب والسجع، ونظم مقفى موزون له روي.
-
/ ومن هذه الأقسام ما هو سجية الأغلب من الناس، فتناوله أقرب، وسلوكه لا يتعذر.
-
ومنه ما هو أصعب تناولا، كالموزون عند بعضهم، والشعر عند الآخرين (٧) .
-
وكل هذه الوجوه لا تخرج عن أن تقع لهم بأحد أمرين: إما بتعمل وتكلف وتعلم (٨) وتصنع، أو باتفاق من الطبع وقذف من النفس على اللسان للحاجة إليه.
-
ولو كان ذلك مما يجوز اتفاقه من الطبائع، لم ينفك العالم من قوم يتفق ذلك منهم، ويعرض (٩) على ألسنتهم، وتجيش به خواطرهم، ولا ينصرف (١٠) عنه الكل، مع شدة الدواعي إليه.