باب علي

132 paragraphs · vol. 6, p. 297

Page 3 of 4

  1. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسمٍ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحَجَّاجِ، حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ الجُعْفِيُّ، حدَّثنا حفصُ ابنُ غِيَاثٍ، حدَّثنا الثوريُّ، عن أبي قيسٍ (٦) الأَوْدِيِّ، قال: أَدْرَكتُ الناسَ وهُم ثلاثُ طبقاتٍ: أهلُ دينٍ يُحِبُّون عليًّا، وأهلُ دُنيا يُحِبُّون معاويةَ، وخوارجُ (٧) .

    وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ وإسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي: لم يُرْوَ في فضائلِ أحدٍ مِن الصَّحابةِ بالأسانيدِ الحِسَانِ ما رُوِي في فضائلِ عليِّ بنِ

    vol. 6, p. 350أبي طالبٍ، وكذلك قال (١) أحمدُ بنُ شعيبِ بن عليٍّ النَّسوِيُّ (٢) رحمه الله .

    vol. 6, p. 349
  2. وأخبَرنا محمدُ (٣) بنُ زكريا، ويحيى بنُ [عبدِ الرحمنِ] (٤) ، وعبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدِ بن حزمٍ، حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا مرْوانُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: سمِعتُ هارونَ بنَ إسحاقَ، يقولُ: سمِعتُ يحيى بنَ معينٍ، يقولُ: مَن قال: أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ، وعرَف لعليٍّ سابقتَه وفضلَه فهو صاحبُ سُنَّةٍ، ومَن قال: أبو بكرٍ وعمرُ وعليٌّ وعثمانُ، وعرَف لعثمانَ سابِقتَه وفضلَه فهو صاحِبُ سُنَّةٍ، فَذَكَرْتُ له هؤلاءِ الذينَ يقولون: أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ، ويَسْكُتون، فتَكَلَّمَ فيهم بكلامٍ غليظٍ (٥) .

  3. وكان (٦) يحيى بنُ معينٍ، يقول: أبو بكرٍ، وعمرُ، وعليٌّ،

    vol. 6, p. 351وعثمانُ (١) .

    vol. 6, p. 352قال أبو عمرَ رضي الله عنه : مَن قال بحديثِ ابنِ عمرَ: كُنَّا نقولُ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ : أبو بكرٍ، ثمَّ عمرُ، ثُمَّ عثمانُ، ثمَّ نَسْكُتُ (١) ، يعني: فلا نُفاضِلُ، وهو الذي أنكَر يحيى بنُ معينٍ، وتَكَلَّمَ فيه بكلامٍ غليظٍ؛ لأنَّ القائلَ بذلك قد قال بخلافِ ما اجْتمع (٢) عليه أهلُ السُّنَّةِ مِن السَّلفِ والخلفِ مِن أهلِ الفقهِ والأثرِ، أَنَّ عليَّا أفضلُ الناس بعدَ عثمانَ، وهذا مما لم يَخْتلِفوا فيه، وإنَّما (٣) اختَلفوا في تفضيلِ عليٍّ وعثمانَ، واختَلف السَّلفُ (٤) أيضًا في تفضيلِ عليٍّ وأبي بكرٍ، وفي إجماعِ الجميعِ [الذي وصَفْنا] (٥) دليلٌ على أنَّ حديثَ ابنِ عمرَ وهمٌ وغلطٌ، وأنَّه لا يَصِحُّ معناه، وإن كان إسنادُه صحيحًا، ويلزمُ مَن قال

    vol. 6, p. 353به (١) أن يقولَ بحديثِ جابرٍ وحديثِ أبي سعيدٍ: كُنَّا نبيعُ أمهاتِ الأولادِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ (٢) ، وهم لا يقولون بذلك، فقد ناقَضوا وباللهِ التوفيقُ.

  4. ورُوِيَ (٣) مِن وُجُوهٍ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن ابنِ عمرَ أنَّه قال: ما آسَى على شيءٍ إلا أنِّي لم أُقاتِلْ مع عليٍّ الفئةَ الباغيةَ (٤) .

    وقال الشعبيُّ: ما ماتَ مسروقٌ حتى تابَ إلى اللهِ من (٥) تَخلُّفِه عن القتالِ مع عليٍّ (٦) .

  5. ولهذه الأخبارِ طُرُقٌ صِحَاحٌ قد ذكَرْناها في موضعِها (٧) .

  6. ورُوِي مِن حديثِ عليٍّ، ومِن (١) حديثِ ابنِ مسعودٍ، ومن حديثِ أبي أيوبَ الأنصاريِّ، أنَّه أُمِر بقِتالِ الناكِثِينَ والقاسِطِينَ والمارِقِينَ (٢) .

    vol. 6, p. 354
  7. ورُوِي عنه أنَّه قال: ما وجدْتُ إلا القتالَ أو (٣) الكفرَ بما أنزَل اللهُ (٤) ، يعني -واللهُ أعلمُ- قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] ، وما كان مثلَه.

  8. وذكَر أبو الحسنِ عليُّ بنُ عمرَ الدَّارَقُطنِيُّ في "المؤتلِفِ

    vol. 6, p. 355والمختلِفِ"، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بنُ القاسمِ بنِ زكريَّا، قال: حدَّثنا عَبَّادُ بنُ يعقوبَ، قال: حدَّثنا عَفَّانُ بنُ سَيَّارٍ (٢) ، قال: حدَّثنا أبو حنيفةَ، عن عطاءٍ، قال: قال ابنُ عمرَ: ما آسَى على شيءٍ، إلا على ألَّا أكونَ قاتَلْتُ الفئةَ الباغيةَ، وعلى صومِ الهواجرِ.

    قال أبو عمرَ رضي الله عنه : وقَف جماعةٌ مِن [أئمةِ أهلِ السُّنَّةِ] (٣) في عليٍّ وعثمانَ فلم يُفَضِّلوا واحدًا (٤) منهما على صاحبِه؛ منهم مالكُ بنُ أنسٍ، ويحيى بنُ سعيدٍ القَطَّانُ، وأمَّا اختلافُ السَّلَفِ في تفضيلِ عليٍّ فقد ذكَر ابنُ أبي خيثمةَ في كتابِه مِن ذلك ما فيه كفايةٌ.

  9. وأهلُ السُّنَّةِ اليومَ على ما ذكرْتُ (٥) مِن تقديمِ أبي بكرٍ في الفضلِ على عمرَ، وتقديمِ عمرَ على عثمانَ (٦) ، وتقديمِ عثمانَ على عليٍّ، وعلى هذا عامَّةُ أهلِ الحديثِ مِن زمنِ أحمدَ بنِ حنبلٍ إلا خَوَاصَّ مِنْ [جِلَّةِ الفقهاءِ القَطَّانِ، وأئمةِ العلماءِ] (٧) ، فإنَّهم على ما ذكرنا (٨) عن مالكٍ، ويحيى القَطَّانِ،

    vol. 6, p. 356وابنِ (١) معينٍ (٢) .

  10. فهذا ما بينَ أهلِ الفقهِ والحديثِ في هذه المسألةِ، وهم أهلُ السُّنَّةِ.

  11. وأمَّا اختلافُ سائرِ المسلمين في ذلك فيطولُ ذكرُه، وقد جمَعه قومٌ، وقد كان بنو أُمَيَّةَ يَنالون منه ويَنْتَقِصونَه (٣) ، فما زادَه اللهُ بذلك إلا سُمُوًّا وعُلُوًّا ومحبةً عندَ العلماءِ.

  12. ذكَر الطَّبريُّ (٤) ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبيدٍ المُحارِبيُّ، قال: أخبرنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازمٍ، عن أبيه، قال: قيل لسهلِ بنِ سعدٍ: إنَّ أميرَ المدينةِ (٥) يريدُ أن يَبْعَثَ إليك تَسُبُّ (٦) عليًّا عندَ المنبرِ، قال: [أقولُ ماذا] (٧) ؟ قال: تقولُ: أبا تُرَابٍ، فقال: واللهِ ما سَمَّاه (٨) بذلك (٩) إلا رسولُ اللهِ ﷺ ، قال: قلتُ: وكيفَ ذلك يا أبا العباسِ؟ قال: دخَل عليٌّ على فاطمةَ، ثمَّ خرَج مِن عندِها فاضْطَجَعَ في صَحْنِ

    vol. 6, p. 357المسجدِ، فَدَخَلَ (١) رسولُ اللهِ ﷺ على فاطمةَ، فقال: "أينَ ابنُ عَمِّكِ؟ " ، قالَتْ: هو ذاك مُضْطَجِعٌ في المسجدِ، قال: فجاء رسولُ اللهِ ﷺ فوجَده قد سقَط رِداؤُه عن ظَهْرِه، وخَلَصَ التُّرَابُ إلى ظَهْرِهِ، فَجَعَل يَمْسَحُ التُّرَابَ عن ظَهْرِه، ويقول: "اجلِسْ أبا ترابٍ" (٢) .

  13. فواللهِ ما سَمَّاه به (٣) إلا رسولُ اللهِ ﷺ ، واللهِ ما كان اسمٌ أَحَبَّ إليه منه.

  14. وروَى ابنُ وهبٍ، عن حفصِ (٤) بنِ مَيْسرةً، عن عامرِ بنِ عبدِ اللهِ ابنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّه سمِع ابنًا له يَتنقَّصُ عَلِيًّا، فقال: يا بُنيَّ إِيَّاكَ والعَوْدةَ إلى ذلك؛ فإنَّ بني مروانَ شَتَمُوه سِتِّينَ سنةً، فلم يَزِدْه اللهُ بذلك إلا رِفْعةً، وإنَّ الدِّينَ لم يَبْنِ شيئًا فَهَدَمَتْه الدُّنيا، وإنَّ الدُّنيا لم تَبْنِ شيئًا إلَّا عادَتْ (٥) على ما بَنَتْ فَهَدَمتْه (٦) .

  15. حدَّثنا (١) [أبو القاسم] (٢) عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ قِراءةً مِنِّي عليه مِن كِتابي وهو يَنْظُرُ في كتابِه، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ قاسمُ بنُ أَصْبَغَ، حدَّثنا (٣) عُبَيدُ بنُ عبدِ الواحدِ البَزَّارُ (٤) ، قال: حدَّثنا [أحمدُ بنُ محمدِ] (٥) بن أَيُّوبَ، قال قاسمٌ: وحدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ سالمٍ الصَّائِغُ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ داوُدَ، قالا: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيدِ (٦) اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: بَيْنا (٧) أنا أَمْشِي مع عمرَ يومًا إِذْ تَنَفَّسَ نَفَسًا ظَنَنْتُ (٨) أنَّه قد قُضَّتْ (٩) أضلاعُه، فقلتُ: سبحانَ اللهِ! واللهِ ما أخرَج هذا منك يا أميرَ المؤمنين إلا أمرٌ عظيمٌ، فقال: وَيْحكَ يا ابنَ عَبَّاسٍ! ما أدرِي ما أصنَعُ بأُمَّةِ محمدٍ ﷺ ، قلتُ: ولِمَ وأنتَ بحمدِ اللهِ قادرٌ أن تضعَ ذلك مكانَ الثِّقةِ؟ قال: إنِّي

    vol. 6, p. 359أَرَاكَ (١) تقولُ: إنَّ صاحِبَك أَوْلَى الناسِ بها - يعني عليًّا؟ - قلتُ: أجلْ، واللهِ إنِّي لأقولُ ذلك في سابقتِه وعلمِه وقَرابتِه وصِهْرِه، قال: إنَّه كما ذكرْتَ، ولكنه كثيرُ الدُّعابةِ، فقلتُ: فعثمانُ؟ قال: واللهِ لو فعَلْتُ لجعَل بني أبي مُعَيطٍ على رقابِ الناسِ، يعمَلون فيهم بمعصيةِ اللهِ، واللهِ (٢) لو فعلتُ لفعلَ، ولو فعَل لفعَلوا (٣) ، فوثَب الناسُ إِليه (٤) فقتَلوه، قلتُ: طلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ؟ قال: الأُكَيسِعُ (٥) ، هو أزهَى (٦) مِن ذلك، ما كان اللهُ ليَرَانِي أُولِّيه أمرَ أُمَّةِ محمدٍ ﷺ ، وهو على ما هو عليه مِن الزَّهْوِ، قلتُ: الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ؟ قال: إذن كان (٧) يُلاطِمُ الناسَ في الصَّاعِ والمُدِّ (٨) ، قلتُ: سعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ؟ قال: ليس بصاحبِ ذلك، ذاكَ (٩) صاحبُ مِقْنَبٍ (١٠) يُقاتِلُ فيه، قلتُ: عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ؟ قال: نِعْمَ الرجلُ ذكرتَ،

    vol. 6, p. 360ولكنَّه ضعيفٌ عن ذلك، واللهِ يا ابنَ عَبَّاسٍ، ما يَصْلُحُ لهذا الأمرِ إلّا القويُّ في غيرِ عنفٍ، اللَّيِّنُ في غيرِ ضعفٍ، الجَوَّادُ في غيرِ سَرَفٍ، المُمْسِكُ في غيرِ بُخْلٍ، قال ابنُ عَبَّاسٍ: كان واللهِ عمرُ كذلك (١) .

    vol. 6, p. 358
  16. وفي حديثٍ آخرَ عن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ عمرَ ذُكِر له أمرُ الخلافةِ واهتمامِه بها، فقال له ابنُ عباسٍ: أين أنت عن عليٍّ؟ قال: فيه دُعابةٌ، قال: فالزُّبَيرُ (٢) ؟ قال: كافِرُ (٣) الغَضَبِ مؤمِنُ (٤) الرِّضا، قال: طلحةُ؟ قال: فيه نَخْوةٌ، يعني كِبْرًا، قال: سعدٌ؟ قال: صاحبُ مِقنبِ خيلٍ، قال: فعثمانُ؟ قال: كَلِفٌ بأقاربِه (٥) ، قال: عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ؟ قال: [ذاك رجلٌ] (٦) لَيِّنٌ، أو قال: ضعيفٌ، وفي روايةٍ أُخرَى، قال (٧) : عبدُ الرحمنِ (٨) ؟ قال (٩) : ذاك رجلٌ (١٠) لو وَلَّيتُه جعَل خاتمَه في إصبعِ امرأتِه (١١) .

  17. روَى سفيانُ (١) ، وشعبةُ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن زيدِ بنِ صُوحَانَ، قال: قال عمرُ: ما يَمْنَعُكم إذا رأيتُم الرجلَ يَخْرِقُ (٢) أعراضَ الناسِ أنْ تُعَرِّفُونى به؟ قالوا: نخافُ سَفَهَه وشَرَّه، قال: ذلك أدنَى ألا تكونوا شهداءَ (٣) .

    vol. 6, p. 361
  18. أخبَرنا أبو عمرَ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ [أحمدَ بنِ] (٤) سعيدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ الفضلِ بنِ العَبَّاسِ الدِّينَورِيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرِ بنِ يزيدٍ الطَّبَرِيُّ، قال: حدَّثنا أبو [كُرَيْبٍ محمدُ] (٥) بنُ العلاءِ و محمدُ بنُ عمرَ (٦) بنِ هَيَّاجٍ،، قالا: حدَّثنا يحيى (٧) ابنُ عبدِ الرحمنِ الأَرحبيُّ (٨) ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: بعَث رسولُ اللهِ ﷺ خالدَ بنَ الوليدِ إلى أهلِ اليمنِ يَدْعُوهم إلى الإسلامِ، فكُنْتُ فيمَن سار

    vol. 6, p. 362معه، فأقامَ عليهم (١) سِتَّةَ أشهرٍ [لا يُجِيبُوه] (٢) إلى شيءٍ، فبعَث النبيُّ ﷺ عليَّ بنَ أبي طالبٍ، وأمَره أن يُقفِلَ خالدًا ومَن اتَّبَعَه إلا مَن أرادَ البقاءَ مع عليٍّ فيَتْرُكُه، قال البَرَاءُ: فَكُنْتُ فِيمَن عَقَّبَ مع عليٍّ، فلمَّا انْتَهَيْنا إلى أوائلِ اليمنِ بلَغ القومَ الخبرُ، فَجَمَعوا له، فصَلَّى بِنا عليٌّ الفجرَ، فَلَمَّا فرَغ صَفَّنا (٣) صَفًّا واحدًا، ثمَّ تقدَّم بينَ أَيْدِينا فحمِد اللهَ، وأثنَى عليه، ثمَّ قرَأ عليهم كتابَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فأَسْلَمَتْ هَمْدانُ كلُّها في يومٍ واحدٍ، وكتب بذلك عليٌّ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فلَمَّا قرَأ كتابَه خَرَّ ساجدًا (٤) ، فقال: "السَّلامُ على هَمْدَانَ، [السلامُ على همْدانَ] (٥) " . وَتَتَابَعَ أَهْلُ الْيَمَنِ عَلَى الإِسْلامِ (٦) .

  19. بُويعَ لعليٍّ رضي الله عنه بالخلافةِ يومَ قُتِل عثمانُ رضي الله عنه ، واجتمَع على بيعتِه المهاجِرون والأنصارُ، وتَخَلَّفَ عن بيعتِه منهم نَفَرٌ، فلم يُهِجْهُمْ، ولم يُكْرِهْهم، وسُئِل عنهم، فقال (٧) : أولئك قومٌ قعَدوا عن الحقِّ، ولم

    vol. 6, p. 363يَقوموا مع الباطلِ، وفي روايةٍ أُخرَى: أولئك قومٌ خَذَلوا الحقَّ، ولم يَنصُروا الباطلَ (١) ، و (٢) تَخلَّفَ عن بيعتِه أيضًا معاويةُ، ومَن معه في جماعةِ أهلِ الشامِ، فكان منهم في صِفِّينَ بعدَ الجملِ ما قد (٣) كان، تَغمَّدَ اللهُ جميعَهم بالغُفْرانِ، ثُمَّ خَرَجتْ عليه الخوارجُ وكَفَّروه وكلَّ مَن (٤) معه، إذ رضِي بالتَّحْكيمِ بينَه وبينَ أهلِ الشامِ، وقالوا له: حَكَّمْتَ الرِّجالَ في دينِ اللهِ، واللهُ تعالى يَقُول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] ، ثم اجتَمَعوا (٥) وشَقُّوا عصَا المسلمين، ونصَبوا رايةَ الخلافِ، وسَفَكوا الدِّماءَ، وقطَعوا السُّبُلَ، فخرَج إليهم بمَن معه، ورامَ رَجْعَتَهم (٦) ، فأَبَوا إلا القتالَ، فقاتَلهم بالنَّهْروانِ، فقتَلهم، واستَأْصَلَ جمهورَهم، ولم يَنْجُ إلا اليسيرُ منهم، فانْتَدبَ له (٧) من بقاياهم عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ ملجمٍ، قيل (٨) : التَّجُوبيُّ، وقيل: السُّكُونيُّ، وقيل: الحِمْيرَيُّ، قَالَ الزُّبَيْرُ: تَجُوبُ رجلٌ مِن حِمْيرَ، كَانَ أصابَ دمًا في قومِه، فلجَأ (٩) إِلَى مرادٍ، فَقَالَ (١٠) : جئتُ إليكم أجوبُ البلادَ،

    vol. 6, p. 364فقيل له: أنتَ تَجُوبُ (١) ، فَسُمِّي به، وهو اليومَ (٢) في مُرَادٍ، وهم رهطُ ابنِ (٣) مُلْجَمٍ المُرَاديِّ ثمَّ التَّجُوبيِّ (٤) ، وأصلُه مِن حميرَ، ولم يختلِفوا أنَّه حليفٌ لمُرَادٍ، وعِدادُه فيهم، وكان فاتِكًا ملعونًا، فقتَله ليلةَ الجمعةِ لثلاثَ عَشْرةَ - وقيل: لإحدَى عشرةَ- ليلةً خَلَتْ (٥) - وقيل: بل (٦) بَقِيتْ (٧) - مِن رمضانَ سنةَ أربعينَ، وقال شاعرُهم (٨) :

    عَلَاه بالعمودِ أخو تَجُوبَ … فأوهَى الرَّأسَ منه والجَبِينا

    وقال أبو الطُّفَيلِ، وزيدُ بنُ وهبٍ، والشعبيُّ: قُتِل عليٌّ لثمانِ عَشْرةَ ليلةً مَضَتْ (٩) مِن رمضانَ، وقُبِضَ (١٠) في أَوَّلِ ليلةٍ من العشرِ الأواخرِ (١١) .

  20. واختُلِف في موضعِ دفنِه؛ فقيل: دُفِن في قصرِ الإمارةِ بالكوفةِ،

    vol. 6, p. 365وقيل (١) : دُفِن في رَحْبةِ الكوفةِ، وقيل: دُفِن بنَجَفِ (٢) الحِيرةِ: موضعٌ بطريقِ الحِيرةِ، ورُوِي عن أبي جعفرٍ أنَّ قبرَ عليٍّ جُهِل موضعُه (٣) .

  21. واختُلِف أيضًا في مبلغِ سنِّه يومَ ماتَ؛ فقيل: سبعٌ وخمسون، وقيل: ثمانٍ وخمسون، وقيل: ثلاثٌ وسِتُّون، قاله أبو نُعَيْمٍ وغيرُه (٤) . واختَلَفَتِ الرِّوايةُ (٥) في ذلك عن أبي جعفرٍ محمدِ (٦) بنِ عليِّ (٧) بنِ حسينٍ (٨) ؛ فرُوِي عنه أن عليًّا قُتِل وهو ابنُ ثلاثٍ وسِتِّينَ، ورُوِي عنه (٩) : ابنُ خمسٍ وسِتِّينَ، ورُوِي عنه: ابنُ ثمانٍ وخمسين (١٠) ، وروَى ابنُ جُرَيجٍ، قال: أخبَرني محمدُ بنُ [عمرَ بنِ] (١١) عليٍّ، أنَّ (١٢) عليَّ

    vol. 6, p. 366ابنَ أبي طالبٍ مات (١) وهو ابنُ ثلاثٍ أو أربعٍ وسِتِّينَ سنةً (٢) .

  22. و كانَتْ خلافتُه أربعَ سنينَ وتسعةَ أشهرٍ وستةَ أيامٍ، وقيل: ثلاثةَ أيامٍ، وقيل: أربعةَ عَشَرَ يومًا.

    وقالَتْ عائشةُ رحِمها اللهُ، لمَّا بلَغها قتلُ عليٍّ: لتصنعِ العربُ ما شاءَتْ، فليس لها أحدٌ يَنْهَاها (٣) .

  23. وأحسنُ ما رأيتُ في صِفتِه (٤) أنَّه كان رَبعَةً مِن الرِّجالِ إلى القِصَرِ ما هو، أدعجَ العينَيْنِ، حسنَ الوجهِ، كأنَّه القمرُ ليلةَ البدرِ حُسْنًا، ضخمَ البطنِ، عَرِيضَ المَنْكِبَيْنِ، شَثْنَ (٥) الكَفَّينِ (٦) ، أغيدَ (٧) ، كأنَّ عُنُقَه إبريقُ فِضَّةٍ، أصلعَ ليس في رأسِه شَعَرٌ إِلا مِن خلفِه، كبيرَ (٨) اللِّحيةِ، لمَنْكِبَيْه (٩) مُشَاشٌ (١٠) كمُشَاشِ السَّبُعِ الضَّارِي، لا يَتَبَيَّنُ

    vol. 6, p. 367عَضُدُه مِن ساعدِه، قد أُدمِجتْ إدماجًا، إذا مشَى تَكَفَّأَ (١) ، وإن أمسَك بذراعِ رجلٍ أمسَك بنفَسِه فلم يستطِعْ أن يَتَنفَّسَ، وهو إلى السِّمنِ ما هو، شديدُ الساعدِ واليدِ، وإذا مشى [إِلى الحَرْبِ] (٢) هَرْوَلَ، ثبتُ الجَنانِ، قويٌّ شجاعٌ، منصورٌ على مَن لَاقَاه.

  24. وكان سببُ قتلِ ابنِ مُلْجَمٍ له أنَّه خطَب امرأةً مِن بني عجلِ بنِ لجيمٍ، يُقال لها: قَطَامِ، كانَتْ تَرى رأيَ الخوارجِ، وكان عليٌّ قد قتَل أباها وإخوتَها بالنَّهْروانِ، فلما تعاقَد الخوارجُ على قتلِ عليٍّ وعمرِو بنِ العاصِي ومعاويةَ بنِ أبي سفيانَ، وخرَج منهم ثلاثةُ نفرٍ لذلك، كان عبدُ الرحمنِ بنُ مُلْجَمٍ هو الذي اشتَرط قتلَ عليٍ، فدخَل الكوفةَ عازِمًا على ذلك، واشتَرى لذلك سيفًا بألفٍ، وسَقَاه السُّمَّ -فيما زعَموا- حتَّى لفِظه، وكان في خلالِ ذلك يأتي عليًّا يسألُه ويَستحمِلُه، فيَحمِلُه، إلى أن وقَعتْ عينُه على قَطَامِ، وكانَتِ امرأةً رائعةً (٣) جميلةً، فأعجَبتْه ووقَعتْ بنفسِه فخطَبها، فقالت: قد (٤) آلَيتُ ألَّا أتزوَّجَ إلا على مهرٍ لا أريدُ سِوَاه، فقال: وما هو؟ فقالَتْ: ثلاثةُ آلافٍ، وقتلُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، فقال: واللهِ لقد قَصَدْتُ لقتلِ عليِّ ابنِ أبي طالبٍ والفَتْكِ به، وما أقدَمَنِي (٥) هذا المِصْرَ غيرُ ذلك،

    vol. 6, p. 368ولكنِّي لمَّا رأيتُكِ آثَرتُ تزويجَكِ، فقالت: ليس إلا الذي قلتُ لك، فقال لها: وما يُغْنِيكِ، أو (١) يُغْنِيني منكِ، قتلُ عليٍّ وأنا (٢) أعلمُ أنِّي أن قتَلْتُه لم أفُتْ (٣) ؟ فقالت: إن قتلتَه ونَجَوتَ فهو الذي أردتُ، تَبلُغُ شفاءَ نَفْسِي ويَهْنِيكَ (٤) العيشُ معي، وإن قُتِلتَ فما عندَ اللهِ خيرٌ مِن الدُّنيا وما فيها، فقال لها: لكِ ما اشتَرَطتِ، فقالت له: إنِّي سألتمِسُ مَن يَشُدُّ ظهرَك، فبَعَثتْ إلى ابنِ عمٍّ لها يُدْعَى (٥) : وردانَ بنَ مجالدٍ، فأجابَها، ولَقِيَ ابْنُ مُلْجَمٍ شبيبَ بنَ بَجْرةَ (٦) الأشجعيَّ، فقال: يا شبيبُ، هل لك في شرفِ الدُّنيا والآخرةِ؟ قال: وما هو؟ قال: تُساعِدُني على قتلِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، قال (٧) : ثَكِلتْك أُمُّك، لقد جِئتَ شيئًا إدًّا، كيف تَقدِرُ على ذلك؟ قال: إنَّه رجلٌ لا حرسَ له، ويخرجُ إلى المسجدِ منفردًا دونَ (٨) مَن يَحرُسُه (٩) ، فَنَكُمُنُ (١٠) له في المسجدِ، فإذا خرَج إلى الصَّلاةِ قَتَلْناه، فإنْ نَجَوْنَا نَجَوْنا، وإن قُتِلْنا

    vol. 6, p. 369سُعِدْنا بالذِّكرِ في الدُّنْيا، وبالجَنَّةِ في الآخرةِ، فقال: وَيْلَكَ! إن عليًّا ذو سابقةٍ في الإسلامِ مع النبيِّ ﷺ ، واللهِ ما تنشرحُ نفسي لقتلِه، فقال: ويَلْكَ! (١) إِنَّه حَكَّمَ الرِّجالَ في دينِ اللهِ، وقتَل إخوانَنا الصَّالِحين، فنَقْتُلُه ببعض مَن قتَل، فلا تَشُكَّنَّ في دينِك، فأجابَه، وأقبَلا حتَّى دخَلا على قَطَامِ وهي مُعتَكِفةٌ في المسجدِ الأعظمِ في قُبَّةٍ (٢) ضَرَبتْها لنفسِها، فَدَعَتْ لهم، وأخَذوا أسْيافَهم (٣) ، وجلَسوا قُبَالةَ السُّدَّةِ التي يخرجُ منها عليٌّ، فخرَج عليٌّ (٤) [إلى صلاةِ] (٥) الصُّبحِ فبَدَره شبيبٌ فضرَبه فأخطَأه، وضرَبه عبدُ الرحمنِ بنُ مُلْجَمٍ على رأسِه، وقال: الحكمُ للهِ يا عليُّ لا لك ولا لأصحابِك، فقال عليٌّ، فُزْتُ ورَبِّ الكعبةِ، لا يَفُوتَنَّكم الكلبُ، فَشَدَّ الناسُ عليه مِن كلِّ جانبٍ فأخَذوه، وهرَب شبيبٌ خارجًا مِن بابِ كِنْدةَ.

  25. وقد اختُلِف (٦) في صفةِ أخذِ ابنِ مُلْجَمٍ يومَئِذٍ (٤) ، فلمَّا أُخِذ قال عليٌّ: احْبِسُوه، فإن مِتُّ فاقتُلوه ولا تُمَثَّلوا به، وإن لم أُمُتْ فالأمرُ إليَّ في العفوِ أو القِصاصِ.

  26. واختَلفوا أيضًا هل ضرَبه في الصَّلاةِ أو قبلَ الدُّخولِ فيها؟ وهل استخلَف مَن أتمَّ بهم الصَّلاةَ أو هو أتمَّها؟ والأكثرُ أنَّه استخلَف جعدةَ ابنَ هُبَيرةَ، فصَلَّى بهم تلك الصَّلاةَ، فاللهُ أعلمُ.

    vol. 6, p. 370
  27. وروَى ابنُ الهادِ، عن عثمانَ بن صُهَيْبٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لعليٍّ: "مَن أَشْقَى الأَوَّلِينَ؟ " ، قال: الذي عقَر النَّاقةَ (١) ، قال: "صَدَقْتَ، فَمَن أَشْقَى الآخِرِينَ؟ " قال: لا أَدْرِي، قال: "الذي يَضْرِبُك على هذا -يعني يافُوخَه- فيَخَضِبُ هذه" (٢) - يعني لِحْيَتَه.

  28. وروَى الأعمشُ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن ثعلبةَ الحِمَّانيِّ (٣) ، سمِع عليَّ بنَ أبي طالبٍ، يقولُ: والذي فلَق الحَبَّةَ، وبرَأ النَّسَمةَ، لتُخَضَّبَنَّ هذه -يعني لحيتَه- مِن دمِ هذا- يعني رأسَه (٤) .

  29. وذكر النسائيُّ (٥) مِن حديثِ عَمَّارِ بنِ ياسرٍ، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال لعليٍّ: "أشقَى الناسِ الذي عقَر النَّاقةَ، والذي يَضرِبُكَ على هذا -ووضَع يدَه على رأسِه- حتَّى يَخضِبَ هذه" يعني لحيتَه، وذكَره

    vol. 6, p. 371الطبريُّ (١) وغيرُه أيضًا، وذكَره ابنُ إسحاقَ في "السِّيَرِ" ، وهو معروفٌ مِن روايةِ محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، عن يزيدَ بنِ جُشَمَ (٢) ، عن عَمَّارِ ابنِ ياسرٍ. وذكَره ابنُ أبي خيثمةَ مِن طُرُقٍ (٣) .

  30. وكان قتادةُ رحمه الله يقولُ: قُتِل عليٌّ رضي الله عنه على غيرِ مالٍ احْتَجَنَه (٤) ، ولا دُنْيا أصابَها.

  31. حدَّثنا خلفُ بنُ سعيدٍ الشيخُ الصالحُ رحمه الله ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدثنا أحمد خالد، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ، [قال: أخبرنا] (٥) مَعْمَرٌ، عن أيوب، عن ابن سيرينَ، عن عَبِيْدةَ (٦) ، قال: كان عليٌّ إذا رأَى ابنَ مُلْجَمٍ، قال:

    أريدُ حِباءَه (٧) ويُرِيدُ قَتْلِي … عَذِيرَك مِن خَلِيلِك مِن مُرَادِ (٨)

  32. وكان عليٌّ كثيرًا ما يقولُ: ما يَمنَعُ أَشْقَاها، أو ما يَنتظِرُ أَشْقَاها، أن يَخضِبَ هذه مِن دمِ هذا (١) ويقولُ: واللهِ لتُخْضَبنَّ هذه مِن دمِ هذا -ويُشِيرُ إلى لحيتِه ورأسِه- خِضَابَ دمٍ لا خِضَابَ عِطْرٍ ولا عَبِيرٍ (٢) .

    vol. 6, p. 372
  33. وذكَر عمرُ بنُ شَبَّةَ، عن أبي عاصمٍ النَّبيلِ وموسى بنِ إسماعيلَ، عن سُكَينِ (٣) بنِ عبدِ العزيزِ العَبْدِيِّ، أَنَّه سمِع أباه يقولُ: جاء عبدُ الرحمنِ بنُ مُلْجَمٍ يَسْتَحْمِلُ عَلِيًّا فحمَله، ثم قال:

    أُرِيدُ حِباءَه (٤) ويُريدُ قَتْلِي … عَذِيري (٥) مِن خَلِيلي (٦) مِن مُرَادِ

    أمَا إِنَّ هذا قاتِلِي، قيل: فما يَمْنَعُك منه؟ قال: إِنَّه لم يَقْتُلْني بعدُ (٧) .

  34. وأُتيَ عليٌّ، فقيل له: إِنَّ ابنَ مُلْجَمٍ يَسُمُّ سيفَه، ويقولُ: إِنَّه سيَفتِكُ بك فَتْكَةً تَتَحَدَّثُ بها العربُ، فبعَث فيه (١) ، وقال له: لِمَ تَسُمُّ سيفك؟ فقال: لِعَدُوِّي وَعَدُوِّك، فخَلَّى عنه، وقال: ما قتَلَني بعدُ (٢) .

    وقال أبو (٣) عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيُّ: أَتَيْتُ الحسنَ بنَ عليٍّ في قصرِ أبيه، وكان يقرأُ عليَّ، وذلك في اليومِ الذي قُتِل فيه عليٌّ، فقال لي: إنَّه سمِع أباه في ذلك السَّحَرِ يقولُ له (٤) : يا بُنَيَّ، رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ (٥) في نَوْمةٍ نِمْتُها، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ماذا لَقِيتُ مِن أُمَّتِكَ مِن الأَوَدِ واللَّدَدِ (٦) ؟ فقال: "ادْعُ الله عليهم" ، فقلتُ: اللَّهمَّ أَبْدِلْني بهم خيرًا منهم، وأَبْدِلْهم بي مَن هو شَرٌّ مِنِّي، ثمَّ انْتَبَه وجاءَه مُؤْذِنُه (٧) بالصلاةِ، فخرَج فاعْتَوَرَه الرَّجلانِ، فأمَّا أحدُهما فَوَقَعَتْ ضَرْبتُه في الطَّاقِ، وأمَّا الآخرُ فضرَبه في رأسِه، وذلك في صبيحةِ يومِ الجمعةِ لسبعَ عَشْرةَ (٨) من رمضانَ صبيحةَ (٩) بدرٍ (١٠) .

    vol. 6, p. 373
  35. روَي (١) أبو رَوْقٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن مالكٍ، قال: جُمِع (الأطِبَّة إلى عليٍّ] (٢) ، وكان أَبْصَرَهم بالطِّبِّ أُثَيرُ (٣) بنُ عمرٍو (٤) السَّكُونِيُّ، وكان يُقَالُ له أُثيرُ بنُ عَمْرِيَا (٥) ، وكان صاحبَ كُرْسِيٍّ (٦) يَتَطَبَبُ، وهو الذي يُنْسَبُ إليه صحراءُ أُثَيرٍ، فأخَذ أُثَيرٌ (٦) رئةً شاةٍ حَارَّةٍ، فَتَتَبَّعَ عِرْقًا منها، فاسْتَخْرَجه وأدخَله في جَراحةِ عليٍّ، ثمَّ نفَح العِرْقَ فَاسْتَخْرَجَه، فإذا عليه بَيَاضُ دِمَاغٍ (٧) ، وإذا الضَّرْبَةُ قد وَصَلَتْ إلى أُمِّ رأسِه، فقال: يا أميرَ المؤمنينَ، اعهَدْ

    vol. 6, p. 375عَهْدَك فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وفي ذلك يقول عمرانُ بنُ حِطَّانَ الخارجيُّ [لا رحمه الله ] (١) :

    يا ضَرْبةً مِن كَمِيٍّ (٢) ما أرادَ بها … إلا ليَبْلُغَ مِن ذي العرشِ رِضْوانَا

    إنِّي لأذكُرُه حِينًا (٣) فأحسَبُه … أوفَى البَرِيَّةِ عندَ اللهِ مِيزانَا (٤)

    vol. 6, p. 374
  36. وقال بكرُ بنُ حَمَّادٍ التَّاهَرْتيُّ (٥) ، رحمه الله مُعارِضًا له (٦) :

    قُلْ لابنِ مُلْجَمَ والأقدارُ غالِبةٌ … هَدَمتَ وَيْلَك للإسلامِ أَرْكَانَا

    قتلتَ أفضلَ مَن يمشِي على قَدَمٍ … وأَوَّلَ الناسِ إسلامًا وإيمانَا

    وأعلمَ النَّاسِ بالقرآنِ ثمَّ بما … سَنَّ [الرسولُ لنا] (٧) شَرْعًا وتبيانَا (٨)

    صِهْرَ النبيِّ ومَوْلاه وناصِرَه … أَضْحَتْ مَناقِبُه نورًا وبُرْهانَا

    vol. 6, p. 376وكان منه علَى رَغْمِ الحَسودِ له … مكانَ هارونَ مِن موسى بن عِمْرانَا

    وكان في الحربِ سيفًا صارِمًا ذَكَر (١) … ليثًا إذا لَقِيَ الأقرانُ أقْرانَا

    ذكرْتُ قاتِله والدَّمعُ مُنحدِرٌ … فقلتُ سبحانَ ربِّ الناسِ سُبْحانَا

    إنِّي لأحسَبُه ما كان مِن بَشَرٍ … يخشَى المعادَ ولكنْ كان شَيْطانَا

    أشقَى مُرادٍ إذا عُدَّتْ قبائلُها … وأخسَرُ (٢) الناسِ عندَ اللهِ مِيزانَا

    كعاقرِ النَّاقةِ الأُولى التي جَلَبَتْ … على ثمودَ بأرضِ الحِجْرِ خُسْرانا

    قد كان يُخبِرُهم أن سوفَ يَخْضِبُها … قبلَ المَنيَّةِ أزمانًا فأزمانَا

    فلا عَفَا الله عنه ما تَحَمَّلَه … ولا سقَى قبرَ عمرانَ بن حِطَّانَا

    لقولِه (٣) في شَقِيٍّ ظَلَّ مُجْتَرِمًا (٤) … ونالَ ما ناله ظُلْمًا وعُدْوَانَا:

    يا ضربةً مِن تَقِيٍّ ما أرادَ بها … إلَّا ليبلُغَ مِن ذي العرشِ رِضوانَا

    بل ضربةٌ مِن غَوِيٍّ أورَدتُه (٥) لَظًى … [فسوف يلقَى بها] (٦) الرحمنَ غَضبانَا

    كأنَّه لم يُرِدْ قصدًا بضربتِه … إلَّا لِيَصْلَى عذابَ الخُلْدِ (٧) نِيرانَا (٨)

  37. أخبَرنا خلفُ بنُ قاسمٍ إجازةً، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمدِ بن إسماعيل، حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ السَّرَّاجُ، حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ [ابن أبي] (١) خلفٍ (٢) ، قال: حدَّثني حُصَيْنُ بنُ عمرَ (٣) ، عن مُخارِقٍ، عن طارقٍ، قال: جاء ناسٌ إلى ابن عَبَّاسٍ، فقالوا: جِئْناكَ نَسْأَلُكَ، فقال: سَلُوا عمَّا (٤) شِئْتُم، فقالوا: أيُّ رجلٍ كان أبو بكرٍ؟ قال: كان خيرًا كلَّه - أو قال (٥) : كالخيرِ كلِّه - على حِدَّةٍ كانَتْ فيه، قالوا: فأيُّ رجلٍ كان عمرُ؟ قال: كان كالطَّيْرِ (٦) الحَذِرِ الذي يَظُنُّ أَنَّ له في كلِّ طريقٍ شَرَكًا، قالوا: فأيُّ رجلٍ كان عثمانُ؟ قال: رجلٌ أَلْهَتْه نَوْمَتُه عن يَقَظَتِه، قالوا: فأيُّ رجلٍ كان عليٌّ؟ قال: كان قد [مُلِئَ جَوْفُه [حُكْمًا و] (٧) (٨) عِلْمًا (٩) وبأسًا ونَجْدَةً معَ قرابتِه من رسولِ اللهِ ﷺ ، وكان

    vol. 6, p. 378يَظُنُّ ألَّا يَمُدَّ يدَه إلى شيءٍ (١) إلا نالَه، [فما مَدَّ يدَه إلى شيءٍ فنالَه] (٢) .

    قال: وحدثنا محمدُ بنُ الصَّبَاحِ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عن عمرَ مَوْلَى غُفْرةَ (٣) ، عن محمدِ بن كعبٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، قال: قال عمرُ لأهلِ الشُّورَى: للَّهِ دَرُّهم إِنْ وَلَّوها الأُصَيْلِعَ! كيفَ يَحْمِلُهم على الحقِّ، ولو كان السَّيْفُ على عُنُقِه؟ ! فقلتُ: أَيَعْلَمُ ذلك منه ولا يُوَلِّيه؟ قال: [إِنَّه قال] (٤) : إِنْ لم أَسْتَخْلِفْ وأَتْرُكْهم فقد ترَكَهم مَن هو خيرٌ مِنِّي (٥) .

    vol. 6, p. 377
  38. وروَى ربيعةُ بنُ (٦) عثمانَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، قال: كان ممن جمَع القرآنَ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وهو حيٌّ: عثمانُ بنُ عَفَّانَ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ من المهاجرين، وسالم مولى أبي حذيفة بن عُتْبةَ بن ربيعةَ مولًى لهم ليس مِن

    vol. 6, p. 379المهاجرين (١) .

  39. وروى أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ وغيرُه، عن مالكِ بن مِغْوَلٍ، عن أُكَيْلٍ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: قال لي عَلْقَمَةُ: تَدْرِي ما مَثَلُ عليٍّ في هذه الأُمَّةِ؟ قلتُ: وما مَثَلُه؟ قال: مَثَلُ عيسى ابن مريمَ، أَحَبَّه قومٌ حتَّى هلَكوا في حُبِّهِ، وأبغضَه قومٌ حتَّى هَلَكوا في بُغْضِه (٢) .

    vol. 6, p. 380قال أبو عمرَ: أُكَيلٌ هذا هو أُكَيلٌ أبو حكيمٍ، كوفيٌّ، مُؤَذِّنُ مسجدِ إبراهيمَ النَّحْعِيِّ، روَى عن سُوَيدِ بن غفَلةَ، والشعبيِّ، والنخعيِّ، وإبراهيمَ التَّيْمِيِّ، وجوَّابٍ التَّيمِيِّ، روَى عنه إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، وجماعةٌ مِن الجِلَّةِ (١) .

  40. ومما قيل في ابن مُلْجَمٍ وفِي قَطَامِ (٢) :