قصة من كان يلي حجابة البيت وكيف كان سببها حتى وصلت إلى قريش

9 paragraphs · vol. 1, p. 282

  1. قال عيسى بن دأب الكناني: كان مفتاح [٢] البيت في أيدي جرهم وإن رجلا منهم يقال له إساف [٣] بن يعلى [٤] عشق امرأة منه يقال لها: نائلة بنت مزيد [٥] أو زيد فأصابا من البيت خلوة، ففجرا فيه فمسخا حجرين فأخرجا فنصبا عند الكعبة ليعتبر الناس بذلك، ثم إن قريشا بعد نقلتهما فجعلت إسافا على الصفا ونائلة [٦] على المروة وعبدوهما مع ما كانوا يعبدون من الأصنام.

    vol. 1, p. 282
  2. وذكر ابن الكلبي أن [بني-] [٧] جرهم وقع فيها أمراض فمات منها في ليلة واحدة ثمانون [كهلا-] [٨] سوى الشباب، فجلوا عن مكة ولحقوا بإضم [٩] والأشعر والأجرد جبلي [١٠] جهينة، فيقال: إن الله أهلكهم بالذر، وقالت الجرهمية: (الرجز)

    أهلكنا الذر زمان يقدم [١١] ... بالبغي منا وركوب المأثم

    vol. 1, p. 283ويقال: إن سيل إضم جحفهم [١] فذهب بهم، ثم وليت حجابة البيت إياد فكان أمر البيت إلى رجل منهم يقال له وكيع بن سلمة بن زهر [٢] بن إياد وبنى صرحا بأسفل مكة عند سوق الحناطيين [٣] اليوم وجعل فيه أمة له يقال لها الحزورة فبها سميت حزورة [٤] مكة، وجعل فيها سلّما فكان يرقاه ويقول بزعمه: إني أناجي الله عز وجل، وكان ينطق بكثير من الخير يقوله وقد أكثر فيه علماء العرب، فكان أكثر ما [٥] قيل [٦] فيه إنه [٧] كان صدّيقا من الصدّيقين وكان [٨] يتكهن ويقول: ومرضعة [٩] وفاطمة ووادعة [١٠] وقاصمة والقطيعة والفجيعة وصلة الرحم وحسن الكلم زعم ربكم ليجزين بالخير ثوابا وبالشر عقابا، وكان يقول: من في الأرض عبيد لمن في السماء، هلكت جرهم وربلت [١١] إياد وكذلك الصلاح والفساد، حتى إذا حضرته الوفاة جمع إيادا ثم قال: اسمعوا وصيتي، الكلام كلمتان، والأمر بعد البيان، من رشد فاتبعوه ومن غوى فارفضوه، وكل شاة معلقة برجلها [١٢] ، فكان أول من قالها فأرسلها مثلا، فمات وكيع ونعي على رؤوس [١٣] الجبال، فقال بشر [١٤] بن الحجير [١٥] :

    vol. 1, p. 284(المتقارب)

    ونحن إياد عباد الإله ... ورهط مناجيه في سلم

    ونحن ولاة حجاب العتيق ... زمان النخاع [١] على جرهم

  3. ذكر ابن الكلبي أن الله سلط على الذين يلون البيت من جرهم دوابا شبيهة بالنغف [٢] فهلك منهم ثمانون كهلا في ليلة واحدة سوى الشباب حتى جلوا من مكة إلى إضم وقامت نائحة [٣] وكيع على أبي قبيس وقالت:

    (الوافر)

    ألا هلك الوكيع أخو إياد ... سلام المرسلين على وكيع

    مناجي الله مات فلا خلود ... وكل شريف قوم في خضوع [٤]

  4. ثم إن مضر ربلت بعد إياد، فكان أول من ربل منها عدوان وفهم [٥] وإن رجلا من إياد ورجلا من مضر خرجا يتصيدان فمرت بهما أرنب فاكتنفاها ليرميانها فرماها الايادي، فزل سهمه فنظم قلب المضري فقتله، فبلغ الخبر مضر، فقالوا: إنما أخطأه، فأبت فهم وعدوان إلا قتله فتناوش الناس بينهم المديد [٦] وهو مكان فهمّت [٧] مضر من إياد ظفرا، فقالت لهم إياد: أجلوا لنا ثلاثا [٨] فانا لا [٨] نساكنكم بأرضكم، فأجلوهم ثلاثا فظعنوا قبل المشرق، فلما

    vol. 1, p. 285ساروا يوما تبعتهم فهم وعدوان حتى أدركوهم، فقالوا: ردوا علينا نساء مضر المتزوجات فيكم، فقالوا: لا تقطعوا قرابتنا، اعرضوا على النساء فأية [١] امرأة اختارت قومها رددتموها، وإن أحبت الذهاب مع زوجها أعرضتم لنا عنها، قالوا: نعم، فكان فيمن اختار أهله امرأة من خزاعة.

  5. وقد كانت إياد حين أرادت الظعن في آخر ليلة عمدوا إلى الركن فحملوه على بعيرهم فلم يقم البعير فحولوه على آخر فلم يقم فجعلوا لا يحملونه على شيء إلا رزم [٢] ، فدفنوه تحت شجرة وانطلقوا، فلما فقدته مضر عظم في أنفسهم، فقالت الخزاعية لقومها: خذوا على فهم وعدوان وجميع مضر إن دللتموهم عليه ليولينّكم البيت، فجاؤوا فهما وعدوان فقالوا:

    أرأيتم إن دللناكم على الركن أتجعلوننا [٣] ولاته؟ قالوا: نعم، وقالت مضر جميعا: نعم، فدلتهم عليه فابتحثوه فأعادوه في مكانه و [٤] ولوها إياه [٤] ، فلم يبرح في أيدي خزاعة حتى قدم قصي فكان من أمره الذي كان، وهو الذي كتبناه في أمر قصي وأخيه رزاح العذري، ثم إن قصيا تزوج حبّى [٥] بنت حليل [٦] بن حبشية [٧] ، وكان مفتاح البيت إلى [٨] حليل فأقام قصي بمكة مع أقنانه [٩] فولدت له حبّى [١٠] عبد مناف وعبد الدار وعبد العزى وعبدا بني قصي، ثم إن خزاعة أخذ فيها موت شديد بمكة ورعاف عمّهم ذلك فخرجوا

    vol. 1, p. 286إلى ما حولها فنزلوا [١] الظهران [٢] فلما خرجوا رفع عنهم الموت وانقطع عنهم الرعاف، وأقام حليل بن حبشية حاجب البيت في نفر من قومه بمكة فيهم أبو غبشان [٣] وأخرج بنيه [٤] فيمن أخرج من قومه فيهم المخترش [٥] وهلال وعامر وعبد، وهم [٦] بنو حليل، ثم إن حليلا مات، وأوصى بالحجابة من بعده إلى المخترش [٧] ، ودفع المفاتيح الى حبّى [٨] امرأة قصي وأمرها أن تبعث بها إلى أخيها المخترش [٧] بن حليل فتدفع إليه ما كان بيديه من الحجابة وغيرها، وأشرك معها في الوصية أبا غبشان الملكاني [٩] وابنها عبد الدار بن قصي، فلما رأى قصي أن حليلا قد مات وبنوه غيّب والمفاتيح في يد امرأته وابنه طلب إلى حبّى أن تدفع المفاتيح إلى ابنها عبد الدار وقال: إن رجع إخوتك إلى مكة أصابهم هذا الداء [١٠] فلم يزل يحمل عليها بنيها [١١] وقال: اطلبوا إلى أمكم توليكم حجابة أبيكم حتى سلست [١٢] له بذلك، وقالت كيف أصنع بأبي

    vol. 1, p. 287غبشان وهو وصي معي شاهد علي؟ فقال: أنا [١] قصي كفيتك أبا غبشان وأرضيه حتى يكتم ذلك ويخبر الناس إنما أوصى حليل بالمفاتحى إلى ابن ابنته [٢] عبد الدار بن قصي، ففعلت وإن قصي بن كلاب دعا أبا غبشان الملكاني [٣] فقال له: هل لك أن تدع هذا الأمر الذي أوصى به إلى حبّى وعبد الدار فتخلى بينهما وبينه فتصيب عرضا من الدنيا؟ فطابت نفس أبي غبشان وأجابهم إلى ذلك، فأعطاه قصي أثوابا وأبعرة، فقال الناس: أخسر صفقة من أبي غبشان، فذهبت مثلا، ولم يكن أبو [٤] غبشان وارثا لحليل ولا وليا، إنما كان وصيا فقال: فخان وصيته وصيرت حبّى إلى ابنها عبد الدار حجابة البيت ودفعت المفاتيح إليه فلم يزل في ولد عبد الدار، فلما فتح الله مكة على نبيّه صلى الله عليه وسلم أمر عثمان بن أبي طلحة بن عثمان بن عبد الدار أن يأتيه بمفتاح الكعبة، ويقال إنه أراد أن يدفعه صلى الله عليه للعباس بن عبد المطلب يضم إليه الحجابة مع السقاية، فأتى [٥] عثمان أمه فأبت أن تدفعه إلى ابنها، فقال لها:

    إن الأمر على غير ما تظنين، فدفعته إليه فأتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعه إليه وقال: خذه يا رسول الله! بأمانة الله، ففتح النبي صلى الله عليه البيت وصلى فيه ثم أنزل الله عز وجل: إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ٤: ٥٨ [٦] فرده النبي صلى الله عليه وسلم إلى عثمان، ويقال في رواية أبي عمرو الشيباني إن حجابة البيت صارت إلى خزاعة لأن ربيعة [٧] بن حارث بن [٨]

    vol. 1, p. 288عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن تزوج مهيرة [١] .

  6. بنت عمرو بن الحارث بن مضاض [٢] الجرهمي، فولدت له عمرو بن ربيعة فلما شب عمرو وساد وشرف طلب الحجابة حجابة البيت، فعند ذلك نشبت الحرب بينهم وبين جرهم، وذكروا [٣] أن عمرو بن ربيعة عاش ثلاثمائة سنة وخمسا وأربعين سنة، وبلغ ولده في حياته ألف مقاتل [و-] [٤] من ولده كعب وعدي وسعد ومليح [٥] وعوف بني عمرو، فكانت بينهم حرب طويلة- أو [٦] قال:

    شديدة [٧] - ثم إن خزاعة غلبوا جرهما [٨] على البيت وخرجت جرهم حتى نزلت وادي إضم فهلكوا فيه، وكان عمرو بن ربيعة أول من غيرّ دين إبراهيم عليه السلام وإنه خرج إلى الشام واستخلف على البيت رجلا من بني عبد [بن-] [٩] ضخم يقال له آكل المروة وعمرو يومئذ وأهل مكة على دين إبراهيم عليه السلام، فلما قدم الشام نزل البلقاء [١٠] فوجد أقواما يعبدون أوثانا، فقال:

    ما هذه الأنصاب التي أراكم تعبدون؟ فقالوا: أربابا نتخذها فنستنصر بها على عدونا فننصر ونستشفي بها من المرض فنشفى، فوقع قولهم في نفسه فقال:

    هبوا لي منها ربا أتخذه [١١] ببلدي فإني صاحب بيت الله الحرام، وإليّ وفد

    vol. 1, p. 289العرب من كل أوب فأعطوه صنما يقال له هبل [١] ، فحمله حتى نصبه للناس بمكة ودعا الناس إلى عبادته ووضع للناس دينا ابتدعه لم يسبقه اليه أحد، فسيّب [٢] السائبة [٣] وبحّر [٤] البحيرة ووصل الوصيلة [٥] وحّمى الحامي [٦] ، فبايعته العرب على ذلك، فذكروا والله أعلم أن إسافا [٧] كان رجلا من بني قطوراء [٨] أحبّ [٩] امرأة من جرهم يقال لها نائلة [١٠] ففجر بها في الكعبة فمسخهما الله حجرين، فغضب عمرو من ذلك فأخرج بني مضاض وكانوا أخواله وكانوا أخرجوهم خروجا من مكة، فلحقوا باليمن فتفرقوا في القبائل [١١] ، فقال

    vol. 1, p. 290بكر [١] بن غالب بن عمرو بن الحارث بن مضاض وهو يذكر مكة بعد ما خرج منها: (الطويل)

    كأن لم يكن بين الحجون [٢] إلى الصفا [٣] ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر

    بلى نحن أهلها فأبادنا [٤] ... صروف [٥] الليالي والجدود العواثر

    وأخرجنا [٦] عمرو سواها لبلدة ... بها الذئب يعوي والعدو المحاصر [٧]

    وقال أيضا: (الطويل)

    وكنا ولاة البيت والقاطن الذي ... إليه يوفي نذره كل محرم

    سكنا به [٨] قبل الظباء وراثة ... لنا من بني هيّ [٩] بن بيّ بن جرهم

    vol. 1, p. 291فأزعجنا عنه وكنا عقيده [١] ... قبائل من كعب [٢] وعوف وأسلم

    وقال حليل [٣] بن حبشية: (الرجز)

    واد حرام طيره ووحشه [٤] ... نحن وليناه [٥] فلا نغشه

  7. وابن مضاض قائم [٦] يمشه [٧]

    وقال حليل أيضا: (الرجز)

    نحن بنو عمرو ولاة المشعر ... نذب بالمعروف أهل المنكر

  8. حمسا ولسنا نهزة للمحضر [٨]

  9. فأجابه نصر بن الأحب العدواني: (الرجز)

    إن الخنا منكم وقول المنكر ... والصدق منا تحت وقع [٩] الكوثر [١٠]

    جئناكم بالزحف في السّنوّر [١١] ... بكل ماض في اللقاء مشهر [١٢]

    قال: ثم صار البيت إلى عبد الدار بالقصة الأولى.