فصل القاف والدال

48 paragraphs · vol. 3, p. 275

Page 2 of 2

  1. قوله تعالى: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات: ١] معناه لا تتقدموا. وتحقيقه لا تسبقوه بالقول والفعل، بل افعلوا ما يرسمه لكم وقفوا عند حده كما تفعله الملائكة الذين وصفهم ربهم بكونهم عبادًا مكرمين، حيث أخبر عنهم بقوله تعالى: {لا يسبقونه بالقول وهو بأمره يعملون} [الأنبياء: ٢٧] وفي التفسير أنهم ذبحوا قبل ذبحه فنهوا عن ذلك. وقال ابن عرفة: أي لا تعجلوا بأمر قبل أن يأمر الله فيه أو ينهي عنه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. وقيل: معناه: لا تتقدموا، وهذا في معنى ما قدمته.

    vol. 3, p. 282
  2. زقزله تعالى: {يقدم قومه يوم القيامة} [هود: ٩٨] أي يتقدمهم؛ يقال: قدمته أتقدمه قدمًا. وقدم يقدم أيضًا: إذا تقدم عليه قوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل} [الفرقان: ٢٣] أي قصدنا وعمدنا. وأقدم يقدم مثله، وأنشد لعنترة: [من الكامل]

    vol. 3, p. 283١٢٤٢ - ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس: ويك عنتر أقدم

    مثله: قدم بالتشديد يقدم: إذا تقدم وأنشد لبيد: [من الرمل]

    ١٢٤٣ - قدموا إذ قال: قيس قدموا ... واحفظوا المجد بأطراف الأسل

    وبمعناه أيضًا استقدم يستقدم، وعليه قوله تعالى: {ولقد علمنا المستقدمين منكم} [الحجر: ٢٤] وأصل ذلك كله من القدم، وهو قدم الرجل وجمعه أقدام. وبه اعتبر التقدم والتأخر. والتقدم على أربعة أضرب حسبما بيناه فيما قبل. ويستعار القدم للسابقة؛ ومنه قوله تعالى: {أن لهم قدم صدق} [يونس: ٢] . ويقال: قديم وحديث وذلك إما باعتبار الزمانين، وإما بالشرف، وإما لما لا يصح وجود غيره إلا بوجوده، نحو: الواحد متقدم على العدد بمعنى أنه لو تصور ارتفاعه لارتفع الأعداد. والقدم وجود فيما مضى، والبقاء وجود فيما يستقبل، كذا قاله بعضهم. وينبغي أن يزيد فيما يستقبل وفي الحال. والمتكلمون يصفون الباري تعالى بالقديم، وقد اشتهر ذلك في عباراتهم، ولم يرد في شيء من القرآن والآثار الصحيحة وصفه تعالى بالقديم، ولكنه قد ورد في بعض الأدعية، وأحسبها مأثورة: ((يا قديم الإحسان) ). وأكثر ما يستعمل القديم باعتبار الزمان كقوله: {كالعرجون القديم} [يس: ٣٩] .

  3. قوله: {وقد قدمت إليكم بالوعيد} [ق: ٢٨] أي قد نبهتكم على ما بين أيديكم قبل أن يفاجئكم. يقال: قدمت لإلى فلان بكذا: أعلمته قبل الحاجة إلى فعله وقبل أن يدهمه الأمر.

  4. قوله: {لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [الأعراف: ٧] أي لا يريدون تقدمًا ولا تأخرًا. قوله: {ونكتب ما قدموا} [يس: ١٢] أي ما فعلوه قبل. قوله: {ربنا من قدم لنا هذا} [ص: ٦١] أي من سنه وشرعه. قوله: {أن لهم قدم صدق} [يونس: ٢] قد تقدم أنها السابقة، وقال الأزهري هي المنزلة الرفيعة. وقيل: معناه لهم سابقة في

    vol. 3, p. 284الخير، أي سبق لهم السعادة في الذكر الأول. ويقال: تفسير القدم في العربية الشيء تقدمه قدامك ليكون عدة لك حتى تقدم عليه. وقال القتيبي: عملًا صالحًا فيما قدموه. وفي التفسير أنه شفاعة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث: ((حتى يضع الرحمن فيها قدمه) ) يعني في النار. واضطراب الناس في تفسيره، وأحسن ما قيل فيه ما قاله الحسن البصري: حتى يجعل الله فيها الذين قدمهم من شرار خلقه فهم قدم الله للنار كما أن المسلمين قدمًا للجنة. وقال ثعلب: كل ما قدمت من خير فهو قدم، وتقدمت لفلان فيها قدم: أي تقدم في الخير، ورجل قدم: إذا كان شجاعًا، ومنه حديث علي رضي الله عنه: ((غير نكل في قدم ولا واهنًا في عزم) ). وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما ((أن ابن الزبير مشى القهقرى وأن ابن أبي العاص مشى القدمية) )، وروي ((اليقدمية) ) يعني في الشف والفضل. وذلك عنى الشاعر بقوله: [من الطويل]

    ١٢٤٤ - مشى ابن الزبير القهقرى وتقدمت ... أمية حتى أحرزوا القصبات

    أي قصبات السبق. وفي الحديث ((إن إبراهيم على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء أفضل الصلاة والسلام اختتن بالقدوم) ) يقال: هو مقيل له، ويقال: قرية بالشام. واستبعد رواية القدوم بمعنى الآلة المعروفة لعسر ذلك عرفًا وعدم إمكانه عادة.

  5. وقوله عليه الصلاة والسلام: ((أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي) ) أي على أثري. وركب فلان مقاديمه: إذا ركب على وجهه. وقادمة الرحل، وقادمة الجناح، وقادمة الأطباء. ومقدمة الجيش بفتح الدال وكسرها والقدوم: كل ذلك معتبر فيه معنى التقدم. وقدام بمعنى أمام عكس خلف وتصغيرها قديدمة، ودخول الهاء فيها شاذ ولذلك يصغرون وراء وريئة، حسبما بينا ذلك في كتب النحو.

  6. ق د و:
  7. قوله تعالى: {فبهداهم اقتده} [الأنعام:٩٠] الاقتداء: الاتباع، ومنه الاقتداء بإمام الصلاة، وذلك أن يتبع أفعاله فلا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه ولا يزيد عليه ولا ينقص عنه.

  8. والقدوة والقدوة اسم للاقتداء، كالأسوة والإسوة. وفي الحديث: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) ) أي أنهم على الحق. وقال طرفة بن العبد: [من الطويل]

    ١٢٤٥ - عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي

    والهاء في ((اقتده) ) قيل: هاء السكت ولذلك حذفها بعض القراء وصلًا وهو القياس، وقيل: هي ضمير المصدر، ولنا في هذا الحرف كلام متسع أتقناه في ((الدر) ) و ((العقد) ) فعليك بهما.