فصل الكاف والراء
70 paragraphs · vol. 3, p. 384
Page 2 of 2
- vol. 3, p. 393
٢ - وقال آخرون: أسلم المؤمنون طوعًا والكافرون كرهًا. ومعناه أنهم لم يقدروا أن يمتنعوا عليه مما يريدهم به.
-
٣ - وأبين من هذا قول قتادة حيث قال: أسلم المؤمنون له طوعًا والكافرون كرهًا عند الموت، كأنه يريد قوله تعالى: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده} [غافر: ٨٤] الآية.
- vol. 3, p. 394
٤ - وقال أبو العالية ومجاهدٌ: كل مقرٍّ بخلقه إياه وإن أشرك معه غيره كقوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} [الزخرف: ٨٧] .
-
٥ - وقيل: عني بالكره من قوتل وألجئ إلى أن يؤمن، وهذه الأقوال إنما تتمشى في حق من في الأرض دون من في السماء.
-
٦ - وقال ابن عباس: أسلموا بأحوالهم المنبئة عنهم وإن كفر بعضهم بمقالته وذلك هو الإسلام في الذر الأول حيث قال: {ألست بربكم} [الأعراف: ١٧٢] . وذلك هي دلائلهم التي فطروا عليها من العقل المقتضي لأن يسلموا. وإليه أشار بقوله: {وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد: ١٥] .
-
٧ - ونقل الراغب عن بضع الصوفية أن من أسلم طوعًا هو من طالع المثيب والمعاقب لا الثواب والعقاب. ومن أسلك كرهًا هو من طالع الثواب والعقاب فاسلم رغبةً ورهبةً، ونحو هذه الآية قوله تعالى: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا} [الرعد: ١٥] .
-
قوله: {لا يحل لكم إن ترثوا النساء كرهًا} ، قيل: كان الرجل في الجاهلية إذا مات وترك امرأة وله ولدٌ ذكرٌ أمسكها بعقد أبيه الأول حتى تموت، فيرث منها ما ورثته من أبيه ويقول: أنا أحق بامرأته. وقيل: بل كان إذا تركها وله ورثةٌ فإن سبق واحدٌ منهم إليها وألقى عليها رداءه أو ثوبه فهو أحق بها أن ينكحها بمثل مهر مورثه، أو ينكحها غيره ويكون مهرها له. وهذه أحكامٌ جاهليةٌ طهر الله دينه منها بشرعه القويم على لسان نبيه الكريم.
-
قوله: {حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا} [الأحقاف: ١٥] يجوز أن يكون حالًا من أمه إما على المبالغة أو على حذف مضافٍ أي ذات كرهٍ، أو على أنه بمعنى
vol. 3, p. 395مكرهةً، وأن يكون نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ أي حملًا مكرهًا. والمراد ما يحصل لها من الثقل وعدم النهوض حال حملها لاسيما إذا قاربت الوضع وجدت مشقةً لثقله، ولذلك قال تعالى: {فلما أثقلت} [الأعراف: ١٨٩] أي صارت ذات ثقلٍ.
-
ويقال: كرهت الشيء أكرهه كرهًا وكراهةً وكراهيةً. والكراهة -غالبًا -ما لا إثم فيه، وقد يراد بها الحرام.
- فص الكاف والسين
- ك س ب:
-
قوله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: ٢٨٦] أتى باللام في جانب الكسب وبـ «على» في جانب الاكتساب لفائدةٍ جليلةٍ وهي التنبيه على مزيد كرمه وتطاول فضله، من حيث إنه تعالى يعيد للإنسان ما ينسب إلى كسبه، وإن لم يكن منه تعاطٍ لذلك ولا مباشرة، بل إذا كان سببًا في شيء عد ذلك كسبًا له، حتى الولد الصالح جعل من كسبه، فيثاب بأعمال ولده الصالحات، وأما ما يؤاخذ به وهو الذي عبر عنه بأنه عليه فلم يؤاخذ به إلا إذا كان له فيه عملٌ ومباشرةٌ وافتعالُ؛ ألا ترى أن الافتعال يؤذن بالاهتمام بالفعل، بخلاف مجرد الفعل، فاللام غالبًا لما يجب بخلاف على. وإنما استظهرت تعاليًا لقوله تعالى: {وإن اسأتم فلها} [الإسراء: ٧] .
-
وقيل: الكسب ما يتحراه من المكاسب الأخروية، والاكتساب ما يتحراه من المكاسب الدنيوية. وقيل: عنى بالكسب ما يفعله الإنسان من فعل خيرٍ، وجلب منفعةٍ إلى غيره، والاكتساب ما يحصله لنفسه من نفعٍ، فنبه على أن ما يفعله الإنسان لغيره من نفع ليوصله إليه فله الثواب، وأن ما يحصله لنفسه وإن كان متناولًا من حيث يجوز على الوجه، فقلما ينفك من أن يكون عليه، إشارةً إلى ما قيل: «من أراد الدنيا فليوطن نفسه على المصائب» .
- vol. 3, p. 396
والكسب -في الأصل -ما يتحراه الإنسان مما فيه جلب منفعٍ أو دفع ضر. وغلب استعماله في تحصيل الأموال وتوابعها. قال الراغب: وقد يستعمل الكسب فيما يظن الإنسان أنه يجلب منفعةً ثم استجلب به مضرةٌ. فالكسب فيما أخذه لنفسه ولغيره، ولهذا قد تعدى لمفعولين، نحو: كسبت زيدًا مالًا. والاكتساب لا يقال إلا فيما استفدته لنفسك، فكل اكتساب كسبٌ، وليس كل كسبٍ اكتسابًا، وذلك نحو: خبز واستخبز، وشوى واشتوى انتهى. ففرق بينهما من هذه الحيثية. وهي -في التحقيق -راجعةٌ إلى ما قدمته. ثم في نحو: خبز واستخبز نظرٌ، وكأنه سبق قلمٍ أو لسانٍ، وصوابه: واختبز، ويدل عليه قوله بعد ذلك: وشوى واشتوى، وذلك أن كلامه في الفرق بين فعل وافتعل، لا بينه وبين استفعل.
-
وحكى ابن الأعرابي: أكسبت زيدًا مالًا، وأنشد: [من الطويل]
١٤٣٢ - فأوسعته مدحًا وأوسعني قرى ... وأكسبني مالًا وأكسبته حمدًا
قوله: {ما أغنى عنه ماله وما كسب} [المسد: ٢] يجوز أن تكون ما مصدرية فتتأول مع ما بعدها بمصدرٍ أي وكسبه. ثم هذا الكسب يجوز أن يكون باقيًا على مصدريته بطريق الأصالة، وأن يكون واقعًا موقع المفعول، وحينئذٍ فيجوز أن يراد به المال الذي كسبه. وقيل: يجوز أن يراد به الولد، والولد من كسبه. ويجوز أن تكون ما موصولةً بمعنى الذي، وحينئذ يراد به المال أي والذي كسبه. قيل: ويحوز أن يراد به الولد، وفيه ضعفٌ من حيث إن ما لغير العاقل عند الجمهور، وفي الحديث: «إن أطيب ما أكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه» .
-
قوله: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم} [البقرة: ٢٦٧] أي كسبكم أو الذي كسبتموه، وفي الحديث: «أنه سئل: أي الكسب أفضل؟ فقال: عمل الرجل بيده»
- vol. 3, p. 397
ومنه الحديث المتقدم أيضًا: «إن أطيب ما أكل المرء من كسبه» الحديث. وقد ورد في الكتاب العزيز استعمال الكسب في الصالح والسيئ وكذلك الاكتساب؛ فمن ورود الكسب في الصالح قوله تعالى: {أو كسبت في إيمانها خيرًا} [الأنعام: ١٥٨] ومن وروده في السيئ: {بلى من كسب سيئة} [البقرة: ٨١] {كسبوا السيئات} [يونس: ٢٧] {أن تبسل نفسٌ بما كسبت} [الأنعام: ٧٠] قوله: {ثم توفى كل نفسٍ ما كسبت} [البقرة: ٢٨١] شاملٌ للأمرين جميعًا، ومن ورود الاكتساب في الصالح قوله: {للرجال نصيبٌ مما اكتسبوا وللنساء نصيبٌ مما اكتسبن} [النساء: ٣٢] . ومن وروده في غيره قوله تعالى: {وعليها ما اكتسبت} [البقرة: ٢٨٦] وقد تقدم ما في ذلك.
- ك س ف:
-
قوله تعالى: {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفًا} [الإسراء: ٩٢] الكسف جمع كسفة، وهي القطعة التي تسقطها علينا قطعًا. وأصله من قولهم: كسفت الثوب أكسفه كسفًا أي قطعته قطعًا، حكاه أبو زيدٍ.
-
وكسفت عرقوب البعير، وإنما يقال كسحت لا غير. والكسفة: القطعة من السحاب والقطن ونحوهما من الأجسام المتخلخلة.
-
وكسوف الشمس والقمر: استتارهما بعارضٍ في علم الله تعالى. ومنهم من خص الكسوف بالشمس والخسوف بالقمر. ثم استعير ذلك لتغير الوجه والحال، فقيل: كسف وجهه وحاله وماله، قال الشاعر: [من الخفيف]
١٣٤٣ - ليس من مات فاستراح بميتٍ ... إنما الميت ميت الأحياء
إنما الميت من يعيش كئيبًا ... كاسفًا باله قليل الرخاء
قال شمرٌ: الكسوف في الوجه صفرةٌ وتغيرٌ، وقال أبو زيد: كسف باله: إذا حدثته نفسه الشر. وقيل: كسوف البال: أن يضيق عليه أمله، وقال الشاعر: [من البسيط]
vol. 3, p. 398١٣٤٤ - الشمس طالعةٌ ليست بكاسفةٍ ... تبكى عليك نجوم الليل والقمرا
وللنحاة في نصب «نجومٍ» كلامٌ حررناه في غير هذا.
-
وقرئ: {فأسقط علينا كسفًا} [الشعراء: ١٨٧] و «كسفًا» فالأول على أنه جمع كسفةٍ نحو سدرةٍ وسدرٍ. والثاني على أنه اسم جنسٍ نحو: قمحٍ وقمحة، والجمع كسوفٌ وأكسافٌ. والمعنى: أو تسقطها علينا كسفًا طبقًا. قيل: واشتقاقه من كسفت الشيء: غطيته، وما قدمته أشهر.
- ك س ل:
-
قوله تعالى: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} [النساء: ١٤٢] أي متباطئين. والتكاسل: التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه، وغلب فيمن قلت مروءته وتقاعد عن شغله. يقال: رجلٌ كسلٌ وكسلان، والجمع كُسالى وكَسالى نحو: سُكارى وسَكارى، جمع سَكران.
-
والمكسال: المرأة المتنعمة الفاترة عن القيام، وهو كنايةٌ عن ضخامتها وسمنها وتنعمها، كما قيل: [من السريع]
-
١٣٤٥ - يقعدها من خلفها الكفل
والكسل مذمومٌ، ولذلك تعوذ منه نبينا -صلى الله عليه وسلم - فقال: «أعوذ بالله من الكسل والفشل» . وفحلٌ كسلٌ: كسل عن الضراب. وفلانٌ لا تكسله المكاسل: أي لا ينثني عما يقصده وإن خوف منه وثبط.
- vol. 3, p. 399
وفي الحديث: «ليس في الإكسال إلا الطهور» الإكسال، مصدر أكسل الرجل: إذا جامع فلحقه فتورٌ فلم ينزل، وهذا يشبه قوله: «إنما الماء من الماء» وفيه بحثٌ حققناه في غير هذا الموضوع، ومثله قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أتى الرجل أهله فأقحط فلا يغتسل» .
- ك س و:
-
قوله تعالى: {رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: ٢٣٣] الكسوة ما يكتسى به من الملبوسات على اختلاف أنواعها بحسب أهل كل بلدةٍ. وكانوا في العصر الأول يلبسون الجلود حتى علم الله تعالى «شيث» صنعة النسج. وهذا دليلٌ أن ستر العورة مما يهتم بشأنه، وأيضًا فإن فيه دفع ضرر البرد والحر، ولذلك قال تعالى: {سرابيل تقيكم الحر} [النحل: ٨١] . قيل: تقديره: والبرد، والمادة تدل على ستر الشيء وتغطيته، وعليه قوله تعالى: {فكسوا العظام لحمًا} [المؤمنون: ١٤] . واكتسى الغصن بالورق. ويحتمل أن يكون ذلك من الاستعارة. واكتست الأرض بالنبات من ذلك، يقال: كساه يكسوه كسوةً، بكسر الكاف وضمها، وأنشد: [من الطويل]
١٣٤٦ - فبات لها دون الصبا وهي قرةٌ ... لحافٌ ومصقول الكساء رقيق
شبه نبات الأرض بالكسوة، وقيل: هو كنايةٌ عن الدواية التي تعلو اللبن وهي ما يحمل على وجهه فيكون كالجلدة الرقيقة، وكذلك ما يعلو المرقة يقال فيه دواية بضم الدال وكسرها. وقال آخر: [من المنسرح]
١٣٤٧ - حتى أرى فارس الصيموت على ... أكساء خيلٍ كأنها الإبل
عنى بأكسائها ما يعلوها من الغبار ويلبسها منه عند عدوها حتى تكون بمنزلة
vol. 3, p. 400الكسوة لها. وقيل: عنى باكتسابها أعقابها.
-
وفي الحديث: «ونساءٍ كاسياتٍ عارياتٍ» فيه ثلاثة أوجهٍ، أحدها: كاسياتٌ من النعم، عارياتٌ من الشكر. الثاني: أنهن يكسين بعض أجسادهن بأن يوسعن جيوبهن فترى صدورهن ونحو ذلك. الثالث: أنهم يلبسن رقيقًا فيصف بشرتهن.