فصل الكاف واللام
55 paragraphs · vol. 3, p. 414
Page 2 of 2
- vol. 3, p. 423
والكلام ليس مصدرًا بل اسم مصدرٍ وهو التكليم، ولكنه يعمل عمل المصدر، وأنشد: [من الطويل]
-
١٣٧٠ - فإن كلامها شفاءٌ لما بيا
- ك ل ل:
-
قوله تعالى: {وكلا وعد الله الحسنى} [النساء: ٩٥] . كل من ألفاظٍ
vol. 3, p. 424العموم، واستعماله مؤكدًا تابعًا له في إعرابه أكثر من استعماله مبنيًا على عاملٍ لفظيٍّ أو معنويٍّ، نحو: جاء كل القوم و {كل نفسٍ ذائقة الموت} [آل عمران: ١٨٥] وضربت كلًا ومررت بكلٍّ. وهي من الأسماء اللازمة للإضافة. وقد تقع لفظًا فتنون، وفيه خلاف؛ هل هو تنوين عوضٍ أم لا؟ وهي نقيضة بعضٍ، وإذا أضيفت إلى معرفةٍ جاز أن يراعى لفظها تارةً ومعناها أخرى، قال تعالى: {وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا} [مريم: ٩٥] . وإن أضيفت إلى نكرةٍ فالمشهور اعتبار لفظها نحو: {كل نفسٍ ذائقة الموت} وكل رجلٍ قائم، فأما قول عنترة: [من الكامل]
١٣٧١ - جادت عليه كل عينٍ ثرةٍ ... فتركن كل حديقةٍ كالدرهم
فقد راعى معناها من حيث إنه قال: فتركن، فأتى بضمير الجمع، وليس بقياس. إذا قطعت عن الإضافة روعي معناها وهو الأكثر كقوله: {وكل أتوه داخرين} [النمل: ٨٧] وللزومها الإضافة خطئ من أدخل عليها «ال» ونصبها حالًا. وأما قراءة: {إنا كلًا فيها} [غافر: ٤٨] فكلًا تأكيد لاسم إنا، وفيها أبحاث كثيرة تركناها هنا إيثارًا للاختصار واستغناءً بما أودعناه غيره من الكتب اللائقة بذلك.
قال الراغب: لفظ كلٍّ هو لضم أجزاء الشيء، وذلك ضربان: أحدهما الضام لذات الشيء وأحواله المختصة به، ويفيد معنى التمام نحو قوله تعالى: {ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء: ٢٩] أي بسطًا تامًا، وأنشد: [من مجزوء الرجز]
١٣٧٢ - ليس الفتى كل الفتى ... إلا الفتى في أدبه
أي التام الفتوة. والثاني الضام للذوات، وقد تضاف تارةً إلى جمعٍ معرفٍ بالألف واللام نحو: كل القوم، قال: وقد تعرى عن الإضافة، وتقدير ذلك فيه نحو: {كل في
vol. 3, p. 425فلكٍ يسبحون} [الأنبياء: ٣٣] . ولم يرد في شيءٍ من القرآن ولا في شيءٍ من كلام العرب الفصحاء «الكل» بالألف واللام، وإنما ذلك شيء يجري في كلام المتكلمين والفقهاء ومن نحا نحوهم.
قلت: وقد وجد ذلك في عبارة بعض النحاة لكنه اعتذر عنه، نحو: بدل الكل والبعض.
-
قوله تعالى: {قل الله يفتيكم في الكلالة} [النساء: ١٧٦] . اختلف الناس في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ فقال ابن عباس: الكلالة اسم لمن عدا الولد، وقيل: لمن عدا الوالد والولد، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الكلالة فقال: «من مات وليس له ولد ولا والد» فجعله اسمًا للميت. قال الراغب: وكلا القولين صحيح؛ فإن الكلالة مصدر يجمع الوارث والموروث، وتسميتها بذلك إما لأن النسب كل عن اللحوق به، أو لأنه قد لحق به بالعرض من أحد طرفيه، وذلك أن الانتساب ضربان: أحدهما بالعمق كنسبة الأب والابن. والثاني بالعرض كنسبة الأخ والعم. وقال قطرب: الكلالة اسم لما عدا الأبوين والأخ. ورده الهروي، وقال آخرون: هو اسم لكل وارثٍ، وأنشد: [من مجزوء الكامل]
١٣٧٣ - والمرء يبخل بالحقو ... ق وللكلالة ما يسيم
وقد رده الراغب فقال: ولم يقصد الشاعر بما ظنه هذا، وإنما خص الكلالة ليزهد الناس في جمع المال؛ لأن ترك المال لهم أشد من تركه للأولاد، وتنبيهًا أن من خلفت له المال فجارٍ مجرى الكلالة، وذلك كقولك: ما تجمعه فهو للعدو. وقال السدي:
vol. 3, p. 426الكلالة الذي لم يدع والدًا ولا ولدًا. وهذا ينبغي أن يكون أصحها لما تقدم في الحديث. قال أبو منصورٍ: أصلها من تكلله النسب إذا لم يكن الذي يرثه ابنه ولا أبوه. فالكلالة ما عدا الوالد والولد فكأنه قال: وإن كان رجل يورث متكللًا لهم نسبًا.
-
والكلالة بكون الوارث وتكون الموروث، وهم الأخوة للأم دون الأب، فأما الكلالة في آخر هذه السورة فهي الأخت للأب، قاله الهروي، وقال ابن عرفة: فإذا مات الإنسان وليس له ولد ولا والد فذلك الكلالة، لأن ورثته متكلًا نسبهم. وقال القتيبي: الأب والابن طرفان للرجل، فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه فسمي ذهاب الطرفين كلالةً. وقال غيره: كل ما احتف بالشيء من جوانبه فهو إكليل له، وبه سميت الكلالة التكلل النسب، والعصبة- وإن بعدت- كلالة، وتقول العرب: لم يرث فلان كذا كلالةً، لمن تخصص بشيءٍ قد كان لأبيه، وأنشد: [من الطويل]
١٣٧٤ - ورثتم قناة الملك غير كلالةٍ ... عن ابني منافٍ: عبد شمسٍ وهاشمٍ
والإكليل سمي لإطافته بالرأس، وفي حديث جابرٍ: «مرضت مرضًا أشفيت منه على الموت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني، فقلت: يا رسول الله إني رجل ليس يرثني إلا كلالة» أي يرثني ورثة ليسوا بوالدٍ ولا ولدٍ، وإنما كان يرثه أخواته فهذا واقع على الوارث. وظاهر القرآن يدل على أنه اسم للميت، فإن كلالة من قوله: {يورث كلالةً} [النساء: ١٢] حال من الموروث، ومن جعله اسمًا للوارث قال: تقديره ذا كلالةٍ وقد حققنا ذلك في «الدار» وغيره. وعن أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما: «سلوني ما شئتم إلا الكلالة» .
- vol. 3, p. 427
قوله تعالى: {وهو كل على مولاه} [النحل: ٧٦] أي ثقيل، يقال: كل فلا أي ثقل، وكل في مشيه كلالًا: ثقل عنه. وكل السيف: إذا نبا، واللسان: إذا تعب، كلولًا وكلةً وأكل [فلان] : كلت راحلته. والكلكل: الصدر، قال المرؤ القيس: [من الطويل]
١٣٧٥ - فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل
وقال: [من الوافر]
١٣٧٦ - ولما أن توافينا قليلًا ... أنخنا للكلاكل فارتمينا
كأنه سمي بذلك لأنه محل الكلال، فإن البعير يبرك عليه.
-
قوله تعالى: {كلا إن كتاب الأبرار} [المطففين: ١٨] . اعلم أن كلًا حرف موضوع للردع والزجر، وقد جعلها بعضهم على أضرب:
أحدها: أنه رجع وزجر لقوله تعالى: {فيقول ربي أكرمن} [الفجر: ١٥] {ربي أهانن} [الفجر: ١٦] ثم قال: «كلا» أي ارتدعوا عن هذا الاعتقاد؛ فإن من رزقه الله مالًا لا يدل على كرامته عنده، ولا من حرمه مالًا لا يدل على إهانته عنده، فقد جعل الكفرة ملوكًا.
-
الثاني: حرف استفتاحٍ، كقوله: {كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون} [النبأ: ٤ - ٥]
-
الثالث: بمعنى حقًا كقوله: {ثم ينجيه كلا} [المعارج: ١٤ - ١٥] . وهذه يوقف عليها ولا يبتدأ بها.
-
الرابع: أن بمعنى ليس كقوله: {فيقول ربي أهانن كلا} أي: ليس الأمر كذلك.
- vol. 3, p. 428
والتحقيق أنها ردع وزجر، وما ذكر من هذا الآي صالح له، وقد حققناه في غير هذا، وذلك بحسب المواد، ولذلك قال الراغب: كلا: ردع وزجر وإبطال لقول القائل، وذلك نقيض «إي» في بعض الإثبات، قال تعالى: {لعلي أعمل صالحًا فيما تركت كلا} [المؤمنون: ١٠٠] . قلت: يعني نقيض «إي» بكسر الهمزة وسكون الياء، ويعني بها حرف الجواب الواقع قبل القسم، كقوله: {إي وربي إنه لحق} [يونس: ٥٣]
- ك ل و:
-
قوله تعالى: {أو كلاهما} [الإسراء: ٢٣] كلا ألفها عن واوٍ بدليلٍ قولهم في مونثع كلتا، فأبدلوا الواو تاءً لأنه قد كثر إبدالها منها في ترة وتولجٍ وتخمة وأخواتٍ لها مذكورةٍ، ولفظهما مفرد، معناهما التثنية، ولذلك روعي هذا مرةً وهذا أخرى، وقد جمع بينهما من قال: [من البسيط]
١٣٧٧ - كلاهما حين جد الجري بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي
فراعى المعنى في قوله: بينهما وأقلعا، فثنى، واللفظ في قوله: رابي فأفرد، لكن الأكثر مراعاة اللفظ، ولذلك لم يجيء التنزيل إلا عليه كقوله: {كلتا الجنتين آتت أكلها} [الكهف: ٣٣] ولم يقل: آتتا أكلهما. وزعم الكوفيون أنهما مثنيان لفظًا ومعنىً، وأنه يقال: كل وكلت، وأنشدوا: [من الرجز]
١٣٧٨ - في كلت رجليها سلامي واحده ... كلتاهما قد قرنت بزائدة
وزعم البصريون أنه موضوع.
- vol. 3, p. 429
ويجريان مجرى المثنى في الإعراب إذا أضيفا إلى مضمرٍ، ويقدر إعرابهما كالمثنى. ويقدر إعرابهما كالمقصود إذا أضيفا إلى ظاهرٍ عند غير بني كنانة، وعندهم كالمثنى مطلقًا، ويلزمان الإضافة لفظًا ومعنىً. ولا يضافان إلا إلى مثنى أو ما أفهم المثنى، نحو: كلانا على طاعة الرحمن. قأما قول الشاعر: [من الرمل]
١٣٧٩ - إن للخير وللشر مدى ... وكلا ذلك وجه وقبل
فلأن ذلك يقع موقع المثنى، كقوله تعالى: {عوان بين ذلك} [البقرة: ٦٨] . فذلك إشارة لقوله: {لا فارض ولا بكر} ، فإن فرق بالعطف جاز ذلك على قلةٍ كقول الشاعر: [من الطويل]
١٣٨٠ - كلا السيف والساق الذي ضربت به ... على مهلٍ ألقاه باثنين صاحبه
وفي إمالتها خلاف بين القراء، وهي في تأكيد المثنى ككل في تأكيد الجمع، فلا يقال: تقاتل الزيدان كلاهما، إذ لا يتأتى ذلك إلا في اثنين. وقد أتقنا جميع ذلك في غير هذا الموضع ولله الحمد والمنة.