فصل اللام والباء
27 paragraphs · vol. 4, p. 4
- ل ب ب:
-
قوله تعالى: } واتقون يا أولي الألباب { [البقرة: ١٩٧] الألباب جمع لب وهو
vol. 4, p. 5العقل وقيده بعضهم بكونه خليًا من الشوائب.
-
ولب كل شيءٍ خالصه، سمي بذلك لكونه خالص ما في الإنسان من قوةٍ كاللباب من الشيء. وقيل: هو ما زكا من العقل، فهو أخص منه، وكل لبٍ عقل وليس كل عقلٍ لبًا، ولهذا علق الله تعالى الأحكام التي لا تدركها إلا العقول الزكية بأولي الألباب فخاطبهم بها دون من عداهم، ولذلك أورد قوله تعالى: } وما يذكر إلا أولو الألباب {بعد قوله:} فقد أوتي خيرًا كثيرًا { [البقرة: ٢٦٩] .
وقالوا: لب الرجل يلب، أي صار ذا لبٍ، ومنه قول بعضهن في ابنٍ لها: "اضربه كي يلب، ويقود الجيش ذا اللجب" ورجل لبيب، والجمع الباء، وملبون: معروفون باللب. وقولهم: لبيك اللهم لبيك، فيه أربعة أوجهٍ:
أحدها: أن معناه إجابتي لك يا رب، مأخوذ من ألب المكان: أقام به. وتثنيته لا يراد بها شفع الواحد بل معناه إجابًة بعد إجابةٍ ومثله: حنانيك، وأصل ذلك في البعير وهو أن يلقي لبته في صدره. وتلبب، أي تحزم، وأصله أن يشد لبته، ومنه حديث عمر: "فلببته بردائه" . ولببته: ضربت لبته، وإنما سميت لبًة لأنها موضع اللب، قاله الراغب وفيه نظر لأن الصحيح أن العقل في الرأس لا في الصدر.
-
والثاني: معناه اتجاهي لك يا رب وقصدي إليك، من قولهم: داري تلب دارك أي تواجهها.
-
والثالث: أن معناها محبتي لك، من قولهم: امرأة لبة لولدها أي عاطفة عليه وأنشد: [من الطويل]
١٤١٩ - وكنتم كأمٍ لبةٍ طعن ابنها ... إليها، فما درت عليه بساعد
والرابع: إنه إخلاص لك، من قولهم: حسب لباب، أي خالص لا شوب فيه، ومنه:
vol. 4, p. 6لب الطعام ولبابه.
-
واختلفوا في "لبيك" هل هو مثنى أم مفرد، والصحيح أنه مثنى وقيل: بل هو مفرد وياؤه مبدلة من باءٍ، وإلا من لب بالمكان: أقام، فاستثقلوا توالي ثلاثة أمثالٍ، فأبدلوا إحداهن ياء كما قالوا: تظنيت وقصيت أظفاري، ولا تضاف إلا لضمير خطابٍ، وشذ قول الشاعر: [من المتقارب]
١٤٢٠ - دعوت لما نابني مسورًا ... فلبى، فلبي يدي مسور
- ل ب ث:
-
قوله تعالى: } فلبث فيهم { [العنكبوت: ١٤] اللبث: الإقامة بالمكان، يقال: لبث يلبث فهو لا بث ولبث لبثًا. وقرئ قوله تعالى: } لا بثين فيها { [النبأ: ٢٣] و} لبثين {.
-
وقيل: اللبث: الإقامة الطويلة، فهي أخص من الإقامة، فكل لبث إقامة، وليس كل إقامةٍ لبثًا. ولبث أبلغ من لا بثٍ، كما قيل: فرح أبلغ من فارحٍ، وضيق أبلغ من ضائقٍ، وكأنه لدلالته على الحال. وإن شرط الصفة المشبهة أن تكون من حاضرٍ بخلاف اسم الفاعل.
- ل ب د:
-
قوله تعالى: } يكونون عليه لبدًا { [الجن: ١٩] لبد جمعٍ لبدة وهي القطعة من اللبد، أي كادوا يكونون عليه جماعًة متكاثفًة قد ركب بعضها بعضًا كما في اللبد وذلك لشدة تزاحمهم حرصًا على استماع القرآن منه، وقيل: معناه يسقطون عليه سقوط اللبد.
-
وجمع اللبد ألباد ولبود. وقرئ "لبدًا" بضم اللام على أنه بمعنى كثيرًا أي:
vol. 4, p. 7كثيرين متزاحمين، والقراءتان في السبع. وقال الهروي: ومن قرأ "لبدًا" فهو جمع لابدٍ نحو راكعٍ وركعٍ؛ يقال: لبد في المكان: إذا أقام به، وهذه لم يقرأ بها في الفصيح، ولا تبعد عن الفصيح.
-
قوله تعالى: } أهلكت مالاً لبدًا { [البلد: ٦] أي كثيرًا يلبد بعضه فوق بعضٍ. ولبد هو نسر لقمان بن عاد؛ كان له نسر يقال له لبد عاش ما بين عمر سبعة أنسر قال النابغة: [من البسيط]
١٤٢١ - أمست خلاًء وأضحى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخنى على لبد
وكان سمي بذلك لكثرة عمره. وقيل: لأنه لبد فبقي لا يذهب ولا يموت. ولبدة الأسد: شعر رقبته لتراكب شعرها بين كتفيه. وفي المثل: هو أمنع من لبدة الأسد. وكل شيءٍ ألصقته إلصاقًا ناعمًا فقد لبدته.
-
ولبدت الثوب ألبده: إذا رقعته لتراكب الرقع. وفي الحديث أن عائشة "أخرجت إلى النبي كساًء ملبدًا" أي مرقعًا. واللبدة أضًا ما يرقع بها صدر القميص، والقبيلة: ما يرقع بها قبة. وفي حديث أبي بكر: "إنه كان يحلب فيقول: ألبد أم أرغي؟ فإن قالوا: إلبد، ألصق العلبة بالضرع وحلب فلا يكون للحليب رغوة. وإن قيل: باعده، رغا لشدة وقعه" .
- vol. 4, p. 8
ولبد شعره: ألصق بعضه ببعض بالصمغ فصار كاللبد، ولذلك أمر به المحرم في إحرامه، ولكن ينبغي ألا يفرط فيه لئلا يحتاج صاحبه إلى غسله، فقد لا يصل الماء إلى الشعر والبشرة. وفي الحديث: "إن رسول الله لبد رأسه وأهدى" وفي حديث أم زرع: "ليس بلبد فيتوقل ولا له عندي معول" قال أبو بكر بن الأنباري: معناه ليس بمستمسكٍ متلبدٍ فيسرع المشي فيه ويعتلى.
- ل ب س:
-
قوله تعالى: } ولا تلبسوا الحق بالباطل { [البقرة: ٤٢] قال ابن عرفة: أي لا تخلطوه به، وأنشد لبشرٍ: [من الوافر]
١٤٢٢ - ولما تلتبس خيل بخيلٍ ... فتطعنوا وتضطربوا اضطرابا
قوله تعالى: } أو يلبسكم شيعًا { [الأنعام: ٦٥] أي يخلط أمركم خلط اضطراب لا اتفاقٍ. وقوله: } ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ { [الأنعام: ٨٣] وقال الأزهري: لم يعصوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
-
ولبست عليه الأمر: إذا شبهت عليه، وعليه قوله تعالى: } وللبسنا عليهم ما يلبسون { [الأنعام: ٩] أي، ولشبهنا عليهم. وقيل: لأضللناهم كما ضلوا، وهو تفسير معنى قوله: } وجعلنا الليل لباسًا { [النبأ: ١٠] أي ساترًا بظلمته للأشياء. وكل شيءٍ ستر شيئًا فهو لباس. وقوله تعالى: } هن لباس لكم { [البقرة: ١٨٧] الآية، نبه بذلك على شدة المخالطة وأن كلاً من الزوجين للآخر بمنزلة اللباس. وقريب منه قوله تعالى: } وجعل بينكم مودًة ورحمًة { [الروم: ٢١] قال الجعدي يصف امرأًة: [من المتقارب]
vol. 4, p. 9١٤٢٣ - إذا ما الضجيع ثنى عطفها ... تثنت، فكانت عليه لباسا
والعرب تسمي المرأة لباسًا، وهذا ينبغي إن كان لتجرد الأنثى يدعى الرجل أيضًا لباسًا. وإن كان لغير ذلك فيحتمل ذلك. وقيل: جعلت لزوجها لباسًا من حيث إنها تغطيه وتصده عن القبائح، وإليه أشار عليه الصلاة والسلام بقوله: "من تزوج فقد ستر شطر دينه فليتق الله في الشطر الآخر" وهذا كما سماها الشاعر إزارًا في قوله: [من الوافر]
-
١٤٢٤ - فدى لك، من أخي ثقةٍ، إزاري
وقال الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: "لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا" أي نساءنا قوله:} ولباس التقوى { [الأعراف: ٢٦] استعار للتقوى لباسًا توسعًا. قوله: } صنعة لبوسٍ لكم { [الأنبياء: ٨٠] يعني به الدرع.
-
قوله: } لباس الجوع والخوف { [النحل: ١١٢] هذا من أبلغ الاستعارات وأوجزها إذا إنه جعل اللباس المستعار مما يذاق لذكره الجوع، لأن ما أذاقه. إنما هو للمأكول لا للملبوس. وفي الأمر لبسة، أي التباس. ولا بست الأمر: إذا زاولته أو خالطته أيضًا. وفي فلان ملبس، أي مستمتع. وفي الحديث: "يأكل وما يتلبس بيده طعام" أي ما يلتزق به لنظافة أكله صلى الله عليه وسلم.
- ل ب ن:
-
قوله تعالى: } لبنًا خالصًا { [النحل: ٦] اللبن: قال الليث: هو خلاف الجسد من بين الفرث والدم، وهو معروف ويجمع على ألبانٍ. ولبنته: سقيته اللبن. وفرس ملبون. وألبن فلان فهو ملبن: كثر لبنه، وألبنت الناقة فهي ملبن أيضًا.
-
والملبن - بالكسر: ما يجعل فيه اللبن كالمحلب. واللبان: ما يرضع. قال أبو الأسود: [من الطويل]
vol. 4, p. 10١٤٢٥ - فإن لا يكنه، فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها
قيل: ويقال: أخوه بلبان أمه، ولا يقال: بلبن أمه. قال الراغب: لم يسمع ذلك واللبان - بالفتح - المصدر، وهو موضع اللبن، فأصله في الفرس، ثم يستعمل ذلك في الأناسي. وأنشد في حديث الاستسقاء: [من الطويل]
١٤٢٦ - أتيناك والعذراء يدمى لبانها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
يقول: العذراء من البنات دمي صدرها لامتهانها بالخدمة من الفقر. وإذا كانت العذراء التي من شأنها التخدير كذلك فما ظنك بغيرها؟ والملبنة: المعلقة إلي يؤكل بها اللبن، وفي الحديث: "صحيفة فيها خطيفة وملبنة" .
-
واللبانة: الحاجة؛ قال امرؤ القيس: [من الطويل]
١٤٢٧ - خليلي مرا بي على أم جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذب
وأصلها من الحاجة إلى اللبن، ثم استعملت في كل حاجة. وأما اللبن الذي يبني به فواحده لبنة، وقد لبن اللبن يلبنه: إذا ضربه. واللبان: ضاربه.
- قصل اللام والتاء
- ل ت ت:
-
قوله تعالى: } أفرأيتم اللات والعزى { [النجم: ١٩] قرأ بعضهم "اللات" بتشديد التاء وزعم أنه اسم فاعل من: لت الدقيق ونحوه يلت فهو لات، قيل: وهو رجل كان في زمن موسم الحاج يلت السويق ويطعمه الناس، وكأنهم اتخذوا صورته في حجرٍ ونحوه ثم عبد، كما قيل ذلك في ود وسواعٍ أنهما صورتا رجلين ثم عبدا.