١١٨٠ - مالك الإمام

258 paragraphs · vol. 7, p. 150

Page 2 of 7

  1. السراج: حدثنا قتيبة: كنا إذا دخلنا على مالك، خرج إلينا مُزَيَّنًا، مكحلا، مطيبًا، قد لبس من أحسن ثيابه، وتصدر الحلقة، ودعا بالمراوح، فأعطى لكل منا مروحة.

    vol. 7, p. 160
  2. محمد بن سعد: حدثني محمد بن عمر، قال: كان مالك يأتي المسجد، فيشهد الصلوات، والجمعة، والجنائز، ويعود المرضى، ويجلس في المسجد، فيجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس، فكان يصلي وينصرف، وترك شهود الجنائز، ثم ترك ذلك كله والجمعة، واحتمل الناس ذلك كله، وكانوا أرغب ما كانوا فيه، وربما كلم في ذلك فيقول: ليس كل أحد يقدر أن يتكلم بعذره.

  3. وكان يجلس في منزله على ضجاعٍ له، ونمارق (١) مطروحة في منزله يمنة ويسرة لمن يأتيه من قريش والأنصار والناس.

  4. وكان مجلسه مجلس وقار وحلم. قال: وكان رجلا مهيبًا، نبيلا، ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط، ولا رفع صوت، وكان الغرباء يسألونه عن الحديث، فلا يجيب إلا في الحديث بعد الحديث، وربما أذن لبعضهم يقرأ عليه، وكان له كاتب قد نسخ كتبه، يقال له: حبيب، يقرأ للجماعة، ولا ينظر أحد في كتابه ولا يستفهم هيبة لمالك، وإجلالا له، وكان حبيب إذا قرأ فأخطأ فتح عليه مالك، وكان ذلك قليلا.

    vol. 7, p. 161
  5. ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: ما أكثر أحد قط، فأفلح.

  6. حرملة: حدثنا ابن وهب، قال لي مالك: العلم ينقص ولا يزيد، ولم يزل العلم ينقص بعد الأنبياء والكتب.

  7. أحمد بن مسعود المقدسي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني، قال: كان مالك يقول: والله ما دخلت على ملك من هؤلاء الملوك، حتى أصل إليه، إلا نزع الله هيبته من صدري.

  8. حرملة: حدثنا ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: أعلم أنه فساد عظيم أن يتكلم الإنسان بكل ما يسمع.

  9. هارون بن موسى الفروي: سمعت مصعبًا الزبيري يقول: سأل هارون الرشيد مالكًا -وهو في منزله، ومعه بنوه- أن يقرأ عليهم. قال: ما قرأت على أحد منذ زمان، وإنما يقرأ عليَّ. فقال: أخرج الناس حتى أقرا أنا عليك. فقال: إذا مُنع العام لبعض الخاص، لم ينتفع الخاص. وأمر معن بن عيسى، فقرأ عليه.

  10. إسماعيل بن أبي أويس، قال: سألت خالي مالكًا عن مسألة، فقال لي: قِرّ، ثم توضأ، ثم جلس على السرير، ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وكان لا يفتي حتى يقولها.

  11. ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: ما تعلمت العلم إلا لنفسي، وما تعلمت ليحتاج الناس إليَّ، وكذلك كان الناس.

  12. إسماعيل القاضي: سمعت أبا مصعب يقول: لم يشهد مالك الجماعة خمسًا وعشرين سنة، فقيل له: ما يمنعك? قال: مخافة أن أرى منكرًا، فأحتاج أن أغيره.

  13. إبراهيم الحزامي: حدثني مطرف بن عبد الله: قال لي مالك: ما يقول الناس فيّ? قلت: أما الصديق فيثني، وأما العدو فيقع. فقال: ما زال الناس كذلك، ولكن نعوذ بالله من تتابع الألسنة كلها.

  14. أحمد بن سعيد الرباطي: سمعت عبد الرزاق يقول: سأل سندل (١) مالكًا عن مسألة، فأجابه، فقال: أنت من الناس، أحيانًا تخطئ، وأحيانًا لا تصيب قال: صدقت، هكذا الناس. فقيل لمالك: لم تدر ما قال لك? ففطن لها، وقال: عهدت العلماء، ولا يتكلمون بمثل هذا، وإنما أجيبه على جواب الناس.

    vol. 7, p. 162
  15. حرملة: حدثنا ابن وهب، سمعت مالكًا يقول: ليس هذا الجدل من الدين بشيء.

  16. ابن وهب عن مالك، قال: دخلت على المنصور، وكان يدخل عليه الهاشميون، فيقبلون يده ورجله، وعصمني الله من ذلك.

  17. الحارث بن مسكين: أخبرنا ابن القاسم، قال: قيل لمالك: لِمَ لم تأخذ عن عمرو بن دينار? قال: أتيته، فوجدته يأخذون عنه قيامًا، فأجللت حديث رسول الله ﷺ أن آخذه قائمًا.

  18. إبراهيم بن المنذر: حدثنا معن، وغيره عن مالك، قال: لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه، وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس، وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل، إذا كان لا يحفظ ما يحدث به.

  19. أصبغ: حدثنا ابن وهب عن مالك -وسئل عن الصلاة خلف أهل البدع القدرية وغيرهم- فقال: لا أرى أن يصلى خلفهم. قيل: فالجمعة? قال: إن الجمعة فريضة، وقد يذكر عن الرجل الشيء وليس هو عليه. فقيل له: أرأيت إن استيقنت، أو بلغني من أثق به، أليس لا أصلي الجمعة خلفه? قال: إن استيقنت. كأنه يقول: إن لم يستيقن ذلك، فهو في سعة من الصلاة خلفه.

  20. أبو يوسف أحمد بن محمد الصيدلاني: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: كنت عند مالك، فنظر إلى أصحابه، فقال: انظروا أهل المشرق، فأنزلوهم بمنزلة أهل الكتاب إذا حدثوكم، فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم ثم التفت، فرآني، فكأنه استحيى، فقال: يا أبا عبد الله! أكره أن تكون غيبة، هكذا أدركت أصحابنا يقولون.

    قلت: هذا القول من الإمام قاله لأنه لم يكن له اعتناء بأحوال بعض القوم، ولا خبر

    vol. 7, p. 163تراجمهم، وهذا هو الورع، ألا تراه لما خبر حال أيوب السختياني العراقي كيف احتج به، وكذلك حميد الطويل، وغيره واحد ممن روى عنهم. وأهل العراق كغيرهم، فيهم الثقة الحجة، والصدوق، والفقيه، والمقرئ، والعابد، وفيهم الضعيف، والمتروك، والمتهم. وفي "الصحيحين" شيء كثير جدًّا من رواية العراقيين رحمهم الله .

  21. وفيهم من التابعين كمثل: علقمة، ومسروق، وعبيدة، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وإبراهيم، ثم الحكم، وقتادة، ومنصور، وأبي إسحاق، وابن عون، ثم مسعر، وشعبة، وسفيان، والحمادين، وخلائق أضعافهم -رحم الله الجميع. وهذه الحكاية رواها: الحاكم، عن النجاد، عن هلال بن العلاء، عن الصيدلاني.

  22. صفة الإمام مالك:
  23. عن عيسى بن عمر، قال: ما رأيت قط بياضًا، ولا حمرة أحسن من وجه مالك، ولا أشد بياض ثوب من مالك.

  24. ونقل غير واحد أنه كان طوالا، جسيمًا، عظيم الهامة، أشقر، أبيض الرأس واللحية، عظيم اللحية، أصلع، وكان لا يحفي شاربه، ويراه مثلة.

  25. وقيل: كان أزرق العين، روى بعض ذلك: ابن سعد، عن مطرف بن عبد الله.

    وقال محمد بن الضحاك الحزامي: كان مالك نقي الثوب، رقيقه، يكثر اختلاف اللبوس.

    وقال الوليد بن مسلم: كان مالك يلبس البياض، ورأيته والأوزاعي يلبسان السيجان (١) .

    قال أشهب: كان مالك إذا اعتم، جعل منها تحت ذقنه، ويسدل طرفها بين كتفيه.

    وقال خالد بن خداش: رأيت على مالك طيلسانًا وثيابًا مروية جيادًا.

    وقال أشهب: كان إذا اكتحل للضرورة جلس في بيته.

    وقال مصعب: كان يلبس الثياب العدنية ويتطيب.

    وقال أبو عاصم: ما رأيت محدثًا أحسن وجهًا من مالك.

  26. وقيل: كان شديد البياض إلى صفرة، أعين (١) ، أشم (٢) ، كان يوفر سبلته (٣) ، ويحتج بفتل عمر شاربه.

    وقال ابن وهب: رأيت مالكًا خضب بحناء مرة.

    وقال أبو مصعب: كان مالك من أحسن الناس وجهًا، وأجلاهم عينًا، وأنقاهم بياضًا، وأتمهم طولًا، في جودة بدن.

    vol. 7, p. 164
  27. وعن الواقدي: كان ربعة، لم يخضب، ولا دخل الحمام.

  28. وعن بشر بن الحارث، قال: دخلت على مالك، فرأيت عليه طيلسانًا يساوي خمسمائة، وقد وقع جناحاه على عينيه أشبه شيء بالملوك.

    وقال أشهب: كان مالك إذا اعتم، جعل منها تحت حنكه، وأرسل طرفها خلفه، وكان يتطيب بالمسك وغيره.

  29. وقد ساق القاضي عياض من وجوه: حسن بزة الإمام ووفور تجمله.

  30. في نسب مالك اختلاف مع اتفاقهم على أنه عربي أصبحي، فقيل في جده الأعلى: عوف بن مالك بن زيد بن عامر بن ربيعة بن بنت مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وإلى قحطان جماع اليمن. ولم يختلفوا أن الأصبحيين من حمير، وحمير فمن قحطان.

  31. نعم، وغيمان في نسبه المشهور بغين معجمة، ثم بآخر الحروف على المشهور وقيل: عثمان على الجادة، وهذا لم يصح. وخثيل بخاء معجمة، ثم بمثلثة. قاله ابن سعد وغيره وقال إسماعيل بن أبي أويس، والدارقطني: جُثَيْل: بجيم، ثم بمثلثة، وقيل: حنبل، وقيل: حِسْل وكلاهما تصحيف.

    قال القاضي عياض: اختلف في نسب ذي أصبح، احتلافًا كثيرًا.

  32. مولده: تقدم أنه سنة ثلاث وتسعين. قاله يحيى بن بُكَير، وغيره. وقيل: سنة أربع. قاله: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وعمارة بن وَثِيمة، وغيرهما. وقيل: سنة سبع، وهو شاذ.

    vol. 7, p. 165قال خليفة بن خياط، وإسماعيل بن أبي أويس: ذو أصبح من حمير.

  33. وروي عن ابن إسحاق أنه زعم أن مالكًا وآله موالي بني تيم، فأخطأ، وكان ذلك أقوى سبب في تكذيب الإمام مالك له، وطعنه عليه.

  34. وقد كان مالك إمامًا في نقد الرجال، حافظًا، مجودًا، متقنًا.

    قال بشر بن عمر الزهراني: سألت مالكًا عن رجل، فقال: هل رأيته في كتبي? قلت: لا. قال: لو كان ثقة، لرأيته في كتبي.

  35. فهذا القول يعطيك بأنه لا يروي إلا عمن هو عنده ثقة، ولا يلزم من ذلك أنه يروي عن كل الثقات، ثم لا يلزم مما قال أن كل من روى عنه -وهو عنده ثقة- أن يكون ثقة عند باقي الحفاظ، فقد يخفى عليه من حال شيخه ما يظهر لغيره، إلا أنه بكل حال كثير التحري في نقد الرجال رحمه الله .

  36. ابن البرقي: حدثنا عثمان بن كنانة، عن مالك، قال: ربما جلس إلينا الشيخ، فيحدث جل نهاره، ما نأخذ عنه حديثًا واحدًا، وما بنا أن نتهمه، ولكن لم يكن من أهل الحديث.

  37. إسماعيل القاضي: حدثنا عتيق بن يعقوب، سمعت مالكًا يقول: حدثنا بن شهاب ببضعة وأربعين حديثًا، ثم قال: أعدها عليَّ، فأعدت عليه منها أربعين حديثًا.

    وقال نصر بن علي: حدثنا حسين بن عروة، عن مالك، قال: قدم علينا الزهري، فأتيناه ومعنا ربيعة، فحدثنا بنيف وأربعين حديثًا، ثم أتيناه من الغد، فقال: انظروا كتابًا حتى أحدثكم منه، أرأيتم ما حدثتكم به أمس، أيش في أيديكم منه? فقال ربيعة: ههنا من يرد عليك ما حدثت به أمس. قال: ومن هو? قال: ابن أبي عامر. قال: هات. فسرد له أربعين حديثًا منها. فقال الزهري: ما كنت أرى أنه بقي من يحفظ هذا غيري.

    قال البخاري عن علي بن عبد الله: لمالك نحو من ألف حديث.

    قلت: أراد ما اشتهر له في "الموطأ" وغيره، وإلا فعنده شيء كثير، ما كان يفعل أن يرويه.

  38. وروى علي بن المديني، عن سفيان، قال: رحم الله مالكًا، ما كان أشد انتقاده للرجال.

  39. ابن أبي خيثمة: حدثنا ابن معين، قال ابن عيينة: ما نحن عند مالك، إنما كنا نتبع آثار مالك، وننظر الشيخ، إن كان كتب عنه مالك، كتبنا عنه.

  40. وروى طاهر بن خالد الأيلي، عن أبيه، عن ابن عيينة، قال: كان مالك لا يُبَلِّغ من

    vol. 7, p. 166الحديث إلا صحيحًا، ولا يحدث إلا عن ثقة، ما أرى المدينة إلا ستَخربُ بعد موته - يعني: من العلم.