ومن صغار الصحابة

944 paragraphs · vol. 4, p. 323

Page 6 of 24

  1. بلغنا أنَّ الحسين لم يعجبه ما عمل أخوه الحسن من تسليم الخلافة إلى معاوية، بل كان رأيه القتال، ولكنه كظم وأطاع أخاه وبايع، وكان يقبل جوائز معاوية، ومعاوية يرى له ويحترمه ويجعله، فلما أن فعل معاوية ما فعل بعد وفاة السيد الحسن من العهد بالخلافة إلى ولده يزيد، تألم الحسين، وحقَّ له، وامتنع هو وابن أبي بكر وابن الزبير من المبايعة، حتى قهرهم معاوية، وأخذ بيعتهم مكرهين، وغلبوا وعجزوا عن سلطان الوقت، فلمَّا مات معاوية تسلَّم الخلافة يزيد، وبايعه أكثر الناس، ولم يبايع له ابن الزبير، ولا الحسين، وأنفوا من ذلك، ورام كل واحد منهما الأمر لنفسه، وسارا في الليل من المدينة.

    vol. 4, p. 355
  2. سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس قال: استشارني الحسين في الخروج. فقلت: لولا أن يزرى بي وبك لنشبت يدي في رأسك، فقال: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إليَّ من أن أستحلَّ حرمتها -يعني مكة، وكان ذلك الذي سلَّى نفسي عنه.

  3. يحيى بن إسماعيل البجلي: حدثنا الشعبي، قال: كان ابن عمر قدم المدينة، فأخبر أنَّ الحسين قد توجَّه إلى العراق، فلحقه على مسيرة ليلتين، فقال: أين تريد? قال: العراق، ومعه طوامير وكتب، فقال: لا تأتهم. قال: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال: إن الله خيّر نبيه بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنكم بضعة منه لا يليها أحد منكم أبدًا، وما صرفها الله عنكم إلَّا للذي هو خير لكم، فارجعوا، فأبى، فاعتنقه ابن عمر، وقال: أستودعك الله من قتيل.

  4. زاد فيه الحسن بن عيينة، عن يحيى بن إسماعيل، عن الشعبي: ناشده، وقال: إن أهل العراق قوم مناكير، قتلوا أباك، وضربوا أخاك، وفعلوا، وفعلوا.

  5. ابن المبارك، عن بشر بن غالب، أنَّ الزبير قال للحسين: إلى أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك، وطعنوا أخاك، فقال: لأن أقتل أحبّ إلي من أن تستحلّ - يعني: مكة.

  6. أبو سلمة المنقري: حدثنا معاوية بن عبد الكريم، عن مروان الأصفر، حدثني الفرزدق قال: لما خرج الحسين لقيت عبد الله بن عمرو، فقلت: إن هذا قد خرج، فما ترى؟ قال: أرى أن تخرج معه، فإنك إن أردت دنيا أصبتها، وإن أردت آخرة أصبتها، فرحلت نحوه، فلمَّا كنت في بعض الطريق بلغني قتله، فرجعت إلى عبد الله، وقلت: أين ما ذكرت? قال: كان رأيًا رأيته.

    قلت: هذا يدل على تصويب عبد الله بن عمرو للحسين في مسيره، وهو رأي ابن الزبير، وجماعة من الصحابة شهدوا الحرة.

    vol. 4, p. 356
  7. ابن سعد: أخبرنا الواقدي، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثني عبد الله بن عمير "ح" وأخبرنا ابن أبي الزناد، عن أبي وجزة "ح" ، ويونس بن أبي إسحاق، عن أبيه -وسمَّى طائفة- ثم قال: فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين، قال: كان أهل الكوفة يكتبون إلى الحسين يدعونه إلى الخروج إليهم زمن معاوية، كل ذلك يأبى، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية، وطلبوا إليه المسير معهم، فأبى، وجاء إلى الحسين فأخبره، وقال: إن القوم يريدون أن يأكلوا بنا، ويشيطوا دماءنا، فأقام حسين على ما هو عليه متردِّد العزم، فجاءه أبو سعيد الخدري، فقال: يا أبا عبد الله، إني لك ناصح ومشفق، وقد بلغني أنَّه كاتبك قوم من شيعتك، فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وملوني، وأبغضتهم وأبغضوني، وما بلوت منهم وفاءً، ولا لهم ثبات ولا عزم، ولا صبر على السيف.

    قال: وقدم المسيب بن نجبة وعدة إلى الحسين بعد وفاة الحسن، فدعوه إلى خلع معاوية، وقالوا: قد علمنا رأيك ورأي أخيك، فقال: أرجو أن يعطي الله أخي على نيته، وأن يعطيني على نيتي في حبي جهاد الظالمين.

  8. وكتب مروان إلى معاوية: إني لست آمن أن يكون الحسين مرصدًا للفتنة، وأظنّ يومكم منه طويلًا.

  9. فكتب معاوية إلى الحسين: إن من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير أن يفي، وقد أنبئت بأن قومًا من الكوفة دعوك إلى الشقاق، وهم من قد جرَّبت قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتق الله، واذكر الميثاق، فإنك متى تكدني أكدك.

  10. فكتب إليه الحسين: أتاني كتابك، وأنا بغير الذي بلغك جدير، وما أردت لك محاربة ولا خلافًا، وما أظن لي عذرًا عند الله في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك. فقال معاوية: إن أثرنا بأبي عبد الله إلَّا أسدًا.

  11. وعن جويرية بن أسماء، عن مسافع بن شيبة قال: لقي الحسين معاوية بمكة عند الردم، فأخذ بخطام راحلته، فأناخ به، ثم ساره طويلًا، وانصرف، فزجر معاوية الراحلة، فقال له ابنه يزيد: لا يزال رجل قد عرض لك، فأناخ بك، قال: دعه، لعله يطلبها من غيري، فلا يسوغه فيقتله.

    vol. 4, p. 357
  12. رجع الحديث إلى الأول:
  13. قالوا: ولما حضر معاوية دعا يزيد فأوصاه، وقال: انظر حسينًا، فإنه أحبّ الناس إلى الناس، فصل رحمه، وارفق به، فإن يك منه شيء، فسيكفيك الله بمن قتل أباه وخذل أخاه.

  14. ومات معاوية في نصف رجب، وبايع الناس يزيد، فكتب إلى والي المدينة؛ الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، أن ادع الناس وبايعهم، وابدأ بالوجوه، وارفق بالحسين، فبعث إلى الحسين وابن الزبير في الليل، ودعاهما إلى بيعة يزيد، فقالا: نصبح وننظر فيما يعمل الناس، ووثبا فخرجا، وقد كان الوليد أغلظ للحسين، فشتمه حسين، وأخذ بعمامته فنزعها، فقال الوليد: إن هجنا بهذا إلَّا أسدًا، فقال له مروان - أو غيره: اقتله، قال: إن ذلك لدم مصون.

  15. وخرج الحسين، وابن الزبير لوقتهما إلى مكة، ونزل الحسين بمكة دار العباس، ولزم عبد الله الحجر، ولبس المعافري (١) ، وجعل يحرض على بني أمية، وكان يغدو ويروح إلى الحسين، ويشير عليه أن يقدم العراق، ويقول: هم شيعتكم، وكان ابن عباس ينهاه.

    وقال له عبد الله بن مطيع: فداك أبي وأمي، متعنا بنفسك ولا تسر، فوالله لئن قتلت ليتخذونا خولًا وعبيدًا.

  16. ولقيهما عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة منصرفين من العمرة، فقال لهما: أذكر كما الله إلَّا رجعتما، فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس، وتنظران، فإن اجتمع عليه الناس لم تشذا، وإن افترق عليه كان الذي تريدان.

    وقال ابن عمر للحسين: لا تخرج، فإن رسول الله ﷺ خُيِّر بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه، ولا تنالها، ثم اعتنقه وبكى وودَّعه، فكان ابن عمر يقول: غلبنا بخروجه، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرك.

    vol. 4, p. 358وقال له ابن عباس: أين تريد يا ابن فاطمة? قال: العراق وشيعتي، قال: إني كاره لوجهك هذا، تخرج إلى قوم قتلوا أباك ....

  17. إلى أن قال: وقال له أبو سعيد: اتق الله، والزم بيتك.

  18. وكلمه جابر، وأبو واقد الليثي، وقال ابن المسيب: لو أنه لم يخرج لكان خيرًا له.

    قال: وكتبت إليه عمرة تعظم ما يريد أن يصنع، وتخبره أنه إنما يساق إلى مصرعه، وتقول: حدثتني عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقتل حسين بأرض بابل" ، فلما قرأ كتابها قال: فلا بُدَّ إذًا من مصرعي.

  19. وكتب إليه عبد الله بن جعفر يحذره، ويناشده الله، فكتب إليه: إني رأيت رؤيا؛ رأيت فيها رسول الله ﷺ ، وأمرني بأمر أنا ماضٍ له.

  20. وأبى الحسين على كل من أشار عليه إلَّا المسير إلى العراق، وقال له ابن عباس: إني لأظنك ستقتل غدًا بين نسائك وبناتك كما قُتِلَ عثمان، وإني لأخاف أن تكون الذي يقاد به عثمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    قال: أبا العباس! إنك شيخ قد كبرت.

    فقال: لولا أن يُزْرَى بي وبك لنشبت يدي في رأسك، ولو أعلم أنك تقيم إذًا لفعلت، ثم بكى وقال: أقررت عين ابن الزبير، ثم قال بعد لابن الزبير: قد أتى ما أحببت، أبو عبد الله يخرج إلى العراق ويتركك والحجاز:

    يا لك من قنبرة بمعمر … خلا لك البر فبيضي واصفري

    ونقري ما شئت أن تنقري

    وقال أبو بكر بن عياش: كتب الأحنف إلى الحسين ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] .

  21. عوانة بن الحكم، عن لبطة بن الفرزدق، عن أبيه قال: لقيت الحسين، فقلت: القلوب معك، والسيوف مع بني أمية.

  22. ابن عيينة، عن لبطة، عن أبيه، قال: لقيني الحسين وهو خارج من مكة في جماعة عليهم يلامق الديباج، فقال: ما وراءك? قال -وكان في لسانه ثقل من برسام عرض له، وقيل: كان مع الحسين وجماعته اثنان وثلاثون فرسًا.

  23. وروى ابن سعد بأسانيده، قالوا: وأخذ الحسين طريق العُذيب حتى نزل قصر أبي مقاتل، فخفق خفقة ثم استرجع، وقال: رأيت كأنَّ فارسًا يسايرنا، ويقول: القوم يسيرون، والمنايا تسري إليهم، ثم نزل كربلاء، فسار إليه عمر بن سعد كالمكره … ، إلى أن قال: وقتل أصحابه حوله، وكانوا خمسين، وتحوَّل إليه من أولئك عشرون، وبقي عامة نهاره لا يقدم عليه أحد، وأحاطت به الرجالة، وكان يشد عليهم فيهزمهم، وهم يكرهون الإقدام عليه، فصرخ بهم شمر: ثكلتكم أمهاتكم، ماذا تنتظرون به? وطعنه سنان بن أنس النخعي في ترقوته، ثم طعنه في صدره فخَرَّ، واحتزَّ رأسه خولى الأصبحي -لا رضي الله عنهما .

    vol. 4, p. 359
  24. ذكر ابن سعد بأسانيد له، قالوا: قدم الحسين مسلمًا، وأمره أن ينزل على هانئ بن عروة، ويكتب إليه بخبر الناس، فقدم الكوفة مستخفيًا، وأتته الشيعة فأخذ بيعتهم، وكتب إلى الحسين: بايعني إلى الآن ثمانية عشر ألفًا، فعجّل، فليس دون الكوفة مانع، فأغذَّ السير حتى انتهى إلى زبالة، فجاءت رسل أهل الكوفة إليه بديوان فيه أسماء مائة ألف، وكان على الكوفة النعمان بن بشير، فخاف يزيد أن لا يقدم النعمان على الحسين، فكتب إلى عبيد الله وهو على البصرة، فضَمَّ إليه الكوفة، وقال له: إن كان لك جناحان فطر إلى الكوفة، فبادر متعممًا متنكرًا، ومرَّ في السوق، فلمَّا رآه السفلة اشتدوا بين يديه يظنونه الحسين، وصاحوا: يا ابن رسول الله! الحمد لله الذي أراناك، وقَبَّلوا يده ورجله، فقال: ما أشد ما فسد هؤلاء، ثم دخل المسجد فصلى ركعتين، وصعد المنبر، وكشف لثامه، وظفر برسول الحسين -وهو عبد الله بن بقطر- فقتله، وقدم مع عبيد الله؛ شريك بن الأعور -شيعي، فنزل على هانئ بن عروة، فمرض، فكان عبيد الله يعوده، فهيئوا لعبيد الله ثلاثين رجلًا ليغتالوه، فلم يتم ذلك، وفهم عبيد الله، فوثب وخرج، فنَمَّ عليهم عبد لهانئ، فبعث إلى هانئ -وهو شيخ، فقال: ما حملك على أن تجير عدوي? قال: يا ابن أخي، جاء حق هو أحق من حقك، فوثب إليه عبيد الله بالعنزة حتى غرز رأسه بالحائط.

  25. وبلغ الخبر مسلمًا، فخرج في نحو الأربع مائة، فما وصل القصر إلَّا في نحو الستين، وغربت الشمس فاقتتلوا، وكثر عليهم أصحاب عبيد الله، وجاء الليل فهرب مسلم، فاستجار بامرأة من كندة، ثم جيء به إلى عبيد الله فقتله، فقال: دعني أوص. قال: نعم. فقال لعمر بن سعد: يا هذا! إن لي إليك حاجة، وليس هنا قرشي غيرك، وهذا الحسين قد أظلك، فأرسل إليه لينصرف، فإن القوم قد غروه وكذبوه، وعليَّ دين فاقضه عني، ووار جثتي، ففعل ذلك، وبعث رجلًا على ناقة إلى الحسين، فلقيه على أربع مراحل، فقال له ابنه علي الأكبر: ارجع يا أبه، فإنهم أهل العراق وغدرهم، وقلة وفائهم، فقالت بنو عقيل: ليس

    vol. 4, p. 360بحين رجوع، وحرَّضوه، فقال حسين لأصحابه: قد ترون ما أتانا، وما أرى القوم إلَّا سيخذلوننا، فمن أحبَّ أن يرجع فليرجع، فانصرف عنه قوم.

  26. وأما عبيد الله فجمع المقاتلة، وبذل لهم المال، وجهَّز عمر بن سعد في أربعة آلاف، فأبى وكره قتال الحسين، فقال: لئن لم تسر إليه لأعزلنَّك، ولأهدمنّ دارك، وأضرب عنقك، وكان الحسين في خمسين رجلًا؛ منهم تسعة عشر من أهل بيته، وقال الحسين: يا هؤلاء! دعونا نرجع من حيث جئنا، قالوا: لا. وبلغ ذلك عبيد الله، فهَمَّ أن يخلي عنه، وقال: والله ما عرض لشيء من عملي، وما أراني إلَّا مخل سبيله يذهب حيث يشاء، فقال شمر: إن فعلت وفاتك الرجل لا تستقيلها أبدًا، فكتب إلى عمر:

    الآن حيث تعلقته حبالنا … يرجو النجاة ولات حين مناص

    فناهضه، وقال لشمر: سر، فإن قاتل عمر وإلا فاقتله، وأنت على الناس، وضبط عبيد الله الجسر، فمنع من يجوزه لما بلغه أن ناسًا يتسللون إلى الحسين.

    قال: فركب العسكر وحسين جالس، فراهم مقبلين، فقال لأخيه عباس: القهم، فسلهم ما لهم? فسألهم، قالوا: أتانا كتاب الأمير يأمرنا أن نعرض عليك النزول على حكمه أو نناجزك، قال: انصرفوا عنَّا العشية حتى ننظر الليلة، فانصرفوا.

  27. وجمع حسين أصحابه ليلة عاشوراء، فحمد الله وقال: إني لا أحسب القوم إلَّا مقاتليكم غدًا، وقد أذنت لكم جميعًا، فأنتم في حِلٍّ مني، وهذا الليل قد غشيكم، فمن كانت له قوة فليضمَّ إليه رجلًا من أهل بيتي، وتفرقوا في سوادكم، فإنهم إنما يطلبونني، فإذا رأوني لهوا عن طلبكم، فقال أهل بيته: لا أبقانا الله بعدك، والله لا نفارقك، وقال أصحابه كذلك.

  28. الثوري، عن أبي الجحاف، عن أبيه، أن رجلًا قال للحسين: إن عليَّ دينًا. قال: لا يقاتل معي من عليه دين.

  29. رجع الحديث إلى الأول:
  30. فلما أصبحوا قال الحسين: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت فيما نزل بي ثقة، وأنت ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة، وقال لعمر وجنده: لا تعجلوا، والله ما أتيتكم حتى أتتني كتب أماثلكم بأن السنة قد أميتت، والنفاق قد نجم، والحدود قد عطلت، فاقدم، لعلَّ الله يصلح بك الأمة، فأتيت، فإذا كرهتم ذلك فأنا راجع، فارجعوا

    vol. 4, p. 361إلى أنفسكم؛ هل يصلح لكم قتلي، أو يحل دمي? ألست ابن بنت نبيكم، وابن ابن عمه? أوليس حمزة والعباس وجعفر عمومتي? ألم يبلغكم قول رسول الله ﷺ فيَّ وفي أخي: "هذان سيدا شباب أهل الجنة" ? فقال شمر: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول، فقال عمر: لو كان أمرك إليّ لأجبت، وقال الحسين: يا عمر! ليكوننَّ لما ترى يوم يسوؤك، اللهمَّ إن أهل العراق غروني وخدعوني، وصنعوا بأخي ما صنعوا، اللهمَّ شتت عليهم أمرهم، وأحصهم عددًا.

  31. فكان أوَّل من قاتل مولى لعبيد الله بن زياد، فبرز له عبد الله بن تميم الكلبي فقتله، والحسين جالس عليه جبة خز دكناء، والنبل يقع حوله، فوقعت نبلة في ولدٍ له ابن ثلاث سنين، فلبس لأمته وقاتل، حوله أصحابه حتى قتلوا جميعًا، وحمل ولده عليّ يرتجز:

    أنا علي بن الحسين بن علي … نحن وبيت الله أولى بالنبي

    فجاءته طعنة، وعطش حسين، فجاء رجل بماء فتناوله، فرماه حصين ابن تميم بسهم، فوقع في فيه، فجعل يتلقَّى الدم بيده، ويحمد الله، وتوجَّه نحو المسناة يريد الفرات، فحالوا بينه وبين الماء، ورماه رجل بسهم، فأثبته في حنكه، وبقي عامَّة يومه لا يقدم عليه أحد حتى أحاطت به الرجالة، وهو رابط الجأش، يقاتل قتال الفارس الشجاع، إن كان ليشد عليهم فينكشفون عنه انكشاف المعزى شدّ فيها الأسد، حتى صاح بهم شمر: ثكلتكم أمهاتكم! ماذا تنتظرون به? فانتهى إليه زرعة التميمي فضرب كتفه، وضربه الحسين على عاتقه فصرعه، وبرز سنان النخعي فطعنه في ترقوته وفي صدره فخَرَّ، ثم نزل ليحتزَّ رأسه، ونزل خولي الأصبحي، فاحتزّ رأسه، وأتى به عبيد الله بن زياد، فلم يعطه شيئًا.

    قال: ووجد بالحسين ثلاث وثلاثون جراجة، وقتل من جيش عمر بن سعد ثمانية وثمانون نفسًا.

    قال: ولم يفلت من أهل بيت الحسين سوى ولده عليّ الأصغر -فالحسينية من ذريته- كان مريضًا، وحسن بن حسن بن علي، وله ذرية، وأخوه عمرو، ولا عقب له، والقاسم بن عبد الله بن جعفر، ومحمد بن عقيل، فقدم بهم، وبزينب، وفاطمة بنتَيْ علي، وفاطمة وسكينة بنتي الحسين، وزوجته الرباب الكلبية والدة سكينة، وأمّ محمد بنت الحسن بن علي وعبيد، وإماء لهم.

    قال: وأخذ ثقل الحسين، وأخذ رجل حليّ فاطمة بنت الحسين، وبكى، فقالت: لم تبكي? فقال: أأسلب بنت رسول الله ﷺ ولا أبكي? قالت: فدعه، قال: أخاف أن يأخذه غيري.

  32. وأقبل عمر بن سعد فقال: ما رجع رجل إلى أهله بشر مما رجعت به، أطعت ابن زياد وعصيت الله، وقطعت الرحم، وورد البشير على يزيد، فلمَّا أخبره دمعت عيناه، وقال: كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين. وقالت سكينة: يا يزيد، أبنات رسول الله سبايا? قال: يا بنت أخي، هو والله عليّ أشد منه عليك، أقسمت لو أنَّ بين ابن زياد وبين حسين قرابة ما أقدم عليه، ولكن فرقت بينه وبينه سمية، فرحم الله حسينًا، عجل عليه ابن زياد، أما والله لو كنت صاحبه، ثم لم أقدر على دفع القتل عنه إلَّا بنقص بعض عمري لأحببت أن أدفعه عنه، ولوددت أن أتيت به سلمًا.

    vol. 4, p. 362
  33. ثم أقبل على عليّ بن الحسين، فقال: أبوك قطع رحمي، ونازعني سلطاني. فقام رجل فقال: إن سباءهم لنا حلال، قال علي: كذبت، إلَّا أن تخرج من ملتنا، فأطرق يزيد، وأمر بالنساء فأدخلن على نسائه، وأمر نساء آل أبي سفيان فأقمن المأتم على الحسين ثلاثة أيام .... ، إلى أن قال: وبكت أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر، فقال يزيد - وهو زوجها: حق لها أن تعول على كبير قريش وسيدها.

  34. جرير بن حازم، عن الزبير بن الخريت، سمع الفرزدق يقول: لقيت الحسين بذات عرق، فقال: ما ترى أهل الكوفة صانعين معي? فإنَّ معي حملًا من كتبهم، قلت: يخذلونك، فلا تذهب.

  35. وكتب يزيد إلى ابن عباس يذكر له خروج الحسين، ويقول: نحسب أنه جاءه رجال من المشرق، فمنّوه الخلافة، وعندك منهم خبره، فإن فعل فقد قطع القرابة والرحم، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة.

  36. فكتب إليه ابن عباس: إني لأرجو أن لا يكون خروجه لأمر تكره، ولست أدَّع النصيحة له.

  37. وبعث حسين إلى المدينة، فلحق به خف من بني عبد المطلب، وهم تسعة عشر رجلًا ونساء وصبيان، وتبعهم أخوه محمد، فأدركه بمكة، وأعلمه أن الخروج يومه هذا ليس برأي، فأبى، فمنع محمد ولده، فوجد عليه الحسين، وقال: ترغب بولدك عن موضع أصاب فيه.

  38. وبعث أهل العراق رسلًا وكتبًا إليه، فسار في آله وفي ستين شيخًا من أهل الكوفة، في عشر ذي الحجة.

  39. فكتب مروان إلى عبيد الله بن زياد بن أبيه: أما بعد، فإن الحسين قد توجَّه إليك، وتالله ما أحد يسلمه الله أحبّ إلينا من الحسين، فإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء.

    vol. 4, p. 363
  40. وكتب إليه عمرو بن سعيد الأشدق: أما بعد، فقد توجّه إليك الحسين، وفي مثلها تعتق أو تسترق.