(١٤) ما يؤثر عنه في النكاح، والصدقات، وغير ذلك

٧٩ فقرة، ج ١ ص ١٩١

الصفحة ٢ من ٢

  1. (١٠٧) وهذا: فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي، فذكره.

    ج ١ ص ٢٠٥
  2. (١٠٨) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي -في قوله - عز وجل -: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: ٢٢٢] -: «حتى ينقطع الدم وترى الطهر {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} يعني واللَّهُ أَعْلَم: الطهارة التي تَحِل بها الصَّلاة لها» (٢) .

    قال الشافعي - رحمه الله -: «وتَحريمُ اللهِ إتيانَ النساءِ في المَحِيض؛ لأذى الحَيضِ، كالدِّلالة عَلى أَنَّ إتيانَ النَّساءِ في أَدْبَارهِنَّ مُحَرَّمٌ» (٣) .

  3. (١٠٩) وأخبرنا أبو عبد الله، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله - عز وجل -: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: ٢٢٣] .

    قال: وبَيِّنٌ أنَّ مَوضِعَ الحَرث: مَوضِع الوَلَد، وأنَّ اللهَ - عز وجل - أباحَ الإتيان فيه، إلا في وَقْتِ المحيض، و {أَنَّى شِئْتُمْ} : مِن أَين شِئْتُم.

    قال: وإِبَاحَةُ الإتيان في مَوضِع الحَرث، يُشْبِهُ أَن يَكُون تَحريم إتيان

    ج ١ ص ٢٠٦غَيره، والإتْيَانُ في الدُّبُر-حتى يَبلُغَ منه مَبْلغَ الإتيانِ في القُبُل-: مُحَرَّمٌ بِدلالَة الكِتَاب، ثُمَّ السُّنةِ» (١) .

  4. (١١٠) قال الشافعي -فيما أنبأني أبو عبد الله -إِجازَةً- عن أبي العباس، عن الربيع، عنه في قوله - عز وجل -: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) } [المؤمنون] -: «فكان بَيِّنًا في ذِكر حِفْظِهم لِفُروجِهِم، إلا على أزواجهم، أو ما مَلَكَت أيمانُهُم = تَحريمُ ما سِوى الأَزْوَاج، وما مَلَكت الأَيْمَان، وبَيِّنٌ أَنَّ الأزواجَ ومِلكَ اليمِين: مِن الآدَمِيَّات دُونَ البَهائِم، ثم أَكَّدها، فقال: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} فلا يَحِلُّ العَمَلُ بالذَّكَر إلا في زَوْجَةٍ، أو في مِلْك يَمِين (٢) ، ولا يَحِلُّ الاسْتِمْنَاءُ، واللَّهُ أَعْلَم.

  5. وقوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: ٣٣] . معناه واللَّهُ أَعْلَمُ: لِيَصْبرُوا حتى يُغْنِيَهُم الله، وهو: كقوله - عز وجل - في مال اليتيم-: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} [النساء: ٦] لِيَكُفَّ عَن أَكْلِه بِسَلَفٍ، أو غيره.

    قال: وكان في قول الله - عز وجل -: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} = بَيانٌ أنَّ المُخَاطَبين بها الرِّجالَ في (٣) النِّساءِ.

  6. فَدَلَّ على أنه لا يَحِلُّ للمَرأةِ (١) أن تَكُونَ مُتَسَرِّيةً ما ملكت يَمينُها؛ لأنها مُتَسَرَّاة (٢) أو مَنكُوحَة، لا ناكحة إلا بِمَعنى أنها منكوحة» (٣) .

    ج ١ ص ٢٠٧
  7. (١١١) أخبرنا أبو سعيد ابنُ أبي عَمرو، حدثنا أبو العباس الأَصَم، أخبرنا الربيعُ، أخبرنا الشافعيُّ - رحمه الله -، قال: «قال الله - عز وجل -: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: ٤] .

    وقال تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: ٢٥] ».

  8. وذكر سائر الآيات التي وردت في الصَّدَاق، ثم قال: «فَأمَر اللهُ - عز وجل - الأزواجَ بأن يُؤتُوا النِّساءَ أُجُورَهُن وصَدُقَاتهن، والأجر هو: الصَّداق، والصَّداق هو: الأَجْرُ والمَهر، وهي كَلِمَةٌ عَربيةٌ تُسَمى (٤) بِعدد (٥) أسماء

    فيحتمل هذا أن يكونَ مَأمورًا بِصَدَاقٍ، مَن فَرَضَهُ دُون مَن لم يَفْرِضْه، دَخَل أو لَم يَدخُل؛ لأنه حَقٌّ أَلْزَمه المَرءُ نَفْسَه، فَلا يكونُ له حَبْسُ شَيءٍ مِنه، إلا بالمعنى الذي جعله الله، وهو أَن يُطَلِّق قَبْل الدُّخول. قال الله - عز وجل -: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: ٢٣٧] . ويحتمل أن يَكُون

    ج ١ ص ٢٠٨يَجِب بالعُقْدة (١) وإن لم يُسم مَهرًا، وإن لم يَدخُل.

  9. ويحتمل أن يكون المَهر لا يَلزَمُ أبدًا، إلا بأن يُلزِمَه المَرءُ (٢) نفسَه، أو يدخُل بالمرأة، وإن لم يُسمِّ مَهرًا.

  10. فلما احتمل المَعاني الثلاث، كان أَوْلاها أَن يُقَال به، ما كانت عليه الدلالة مِن كِتابٍ، أو سُنَّة، أو إجماع، فاستدللنا بقولِ اللهِ - عز وجل -: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: ٢٣٦] . أَنَّ عَقْدَ النِّكَاح بِغَير فَريضَة صداق (٣) وذلك أن الطلاقَ لا يَقَعُ إلا عَلى مَن عَقَد نِكَاحَه» (٤) .

  11. ثم ساق الكلام، إلى أن قال: «وكَان بَيِّنًا في كتاب الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ على النَّاكِح الوَاطِئ صَداقًا، بِفَرض اللهِ - عز وجل - في الإماء أن يُنْكَحْنَ (٥) بإذن أَهلِهن، ويُؤْتَين أُجُورَهُن، والأجر: الصداق. ولقوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: ٢٤] وقال - عز وجل -: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: ٥٠] » (٦) .

    وقال مرة أخرى- في هذه الآية-: «يريد واللهُ أَعْلَم: النِّكَاح والمَسِيس بِغَير مَهر، فَدَلَّ على أَنه لَيس لأحَدٍ غَيرِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يَنكح فَيَمَس، إلا لَزِمَه

    ج ١ ص ٢٠٩مَهْر، مع دلالة الآي قَبلَه» (١) .

    وقال في قوله - عز وجل -: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: ٢٣٧] : «يَعنِي: النِّساء. {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: ٢٣٧] يعني: الزَّوج؛ وذلك أنه إنَّما يَعفو مَن لَه مَا يَعْفُوه» (٢) .

  12. ورواه عن أميرِ المُؤمنين عَليِّ بنِ أبي طَالبٍ - رضي الله عنه - - رضي الله عنهما - وجُبَيْر بنِ مُطْعِم، وابنِ عَبَّاسٍ، وشُرَيْحٍ، وابنِ المُسَيَّب، وسَعيدِ بنِ جُبَيْر (٣) .

    وقال -في رواية الزعفراني عنه-: «وسَمعتُ مَن أَرضَى، يقول: الذِي بِيدِه عُقْدَةُ النكاح: الأَبُ في ابْنتِه البِكْر، والسَّيدُ في أَمَتِه، فَعَفوُه جَائِزٌ» (٤) .

  13. (١١٢) وأخبرنا أبو سَعيدٍ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله - عز وجل -: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: ٢٤١] وقال - عز وجل -: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ} [البقرة: ٢٣٦] الآية، فقال عَامَّة مَن لَقِيتُ مِن أصحابنا: المتعة: للتي لم يُدْخَل بها ولم يُفْرَض لها مَهرٌ وطُلِّقَت، ولِلمُطَلقة المَدخُولِ بها المَفرُوض لها، بأن الآية عَامَّة عَلى المُطَلقاتِ، ورواه عن ابن عمر (٥) .

  14. وقال في كتاب الصَّدَاق -بهذا الإسناد- فِيمَن نَكَح امرأةً بِصداقٍ فاسدٍ:

    ج ١ ص ٢١٠«فإن طلقها قبل أن يَدخُل بها، فلها نِصفُ مَهْرِ مِثلِها، ولا مُتعَة في قول من ذَهب إلى ألَّا مُتعةَ للتي فُرِضَ لها إذا طُلِّقت قبل أَن تُمَس، ولها المُتعة في قولِ مَن قال: المُتعةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ» (١) .

  15. وروى القول الأول عن ابن عُمر، والقاسم بن محمد، وروى، القول الثاني، عن ابن شهاب الزُّهْري. وقد ذكرنا إسنادَه في ذلك، في كتاب «المعرفة» (٢) .

  16. وحَمَل المَسِيس - المذكور في قوله: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: ٢٣٧] -على الوَطْء.

  17. ورواه عن ابن عباس، وشُرَيح، وهو بتمامه، منقول في كتاب «المعرفة» (٣) و «المبسوط» ، مع ما ذهب إليه في القديم.

  18. (١١٣) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله - عز وجل -: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: ١٩] وقال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: ٢٢٨] . قال: وجِمَاعُ المَعرُوف: إِتيانُ ذلك بِمَا يَحْسُن لك ثَوابُه، وكَفُّ المَكْرُوه» (٤) .

  19. وقال في موضع آخر- فيما هو لي بالإجازة عن أبي عبد الله: «وفَرضَ اللهُ أَن يُؤَدِّيَ كُلٌّ ما عَليه بالمعروف، وجِمَاعُ المَعروف: إعفاء (٥) صَاحب الحق مِن المُؤنة في طَلبه، وأَداؤُه إليه بِطِيب النفس، لا بضرورته إلى طَلبه،

    ج ١ ص ٢١١ولا بأذيته (١) ؛ بإظهار الكراهية لتأديته، وأيهما ترك فظلم؛ لأن مَطْل الغَنِيِّ ظُلمٌ، ومطله: تأخير الحق.

    قال: وقال الله - عز وجل -: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} واللَّهُ أَعْلَم، لَهُنَّ ما لَهُن مِثل ما عَليهن، مِن أَنْ يُؤدَّى إليهن بالمعروف» (٢) .

  20. وفي رواية المزني، عن الشافعي: «وجِماعُ المعروف بين الزوجين:

    كَفُّ المَكْرُوه، وإعفاءُ صَاحِب الحَقِّ مِن المُؤْنة في طَلَبه، لا بإظهار الكراهية في تأديته، فأيهما (٣) مَطَل بتأخيره، فَمَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ» (٤) .

  21. وهذا: فيما كتب إليَّ أبو نُعَيم الإسْفَرَايِينِي، أن أبا عَوَانَة أخبرهم، عن المُزَني، عن الشافعي. فذكره.

    (١١٤) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله - عز وجل -: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا (٥) ... بَيْنَهُمَا صُلْحًا} [النساء: ١٢٨] .

  22. أخبرنا ابنُ عُيَيْنة، عن الزُّهْري، عن ابن المُسَيب، أن بنتَ مُحمدِ بنِ مَسْلَمة، كانت عند رَافِع بن خَدِيج، فَكَرِه منها أمرَها، إما كِبْرا أو غيره، فأراد طلاقَها، فقالت: لا تُطَلِّقني، وأَمْسِكني واقْسِم لي ما بَدا لَك، فأنزل الله - عز وجل -:

    ج ١ ص ٢١٢{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا} » (١) .

  23. (١١٥) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العَباس الأَصَم، أخبرنا الربيع، حدثنا الشافعي، قال: «وزَعَم بعض (٢) أهل العِلم بالتفسير أَنَّ قولَ الله - عز وجل -: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: ١٢٩] = أن تعدلوا بما في القلوب؛ (٣) لأنكم لا تملكون ما في القلوب ٣) حتى يكون مستويًا، وهذا- إن شاء الله - عز وجل - كما قالوا، وقد تجاوز اللهُ - عز وجل - لهذه الأمة، عَمَّا حَدَّثت به أَنفُسَها، ما لم تَقُل أو تَعْمل، وجَعَل المَأْثَم إنَّما هو في قَولٍ أو فِعْل» (٤) .

  24. وزعم بعض أهل العلم بالتفسير: أن قول الله - عز وجل -: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} [النساء: ١٢٩] أَنْ تُجُوِّز لَكُم عَمَّا في القلوب، فَتُتْبعُوهَا أَهْوائَها، فَتخرُجوا إلى الأَثَرةِ بالفعل، {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: ١٢٩] وهذا- إن شاء الله- [لَعلَّهُ، وعِنْدِي] (٥) كما قالوا.

  25. وعَبَّر (٦) عنه في موضِع آخَر، فقال: « {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} لا

    ج ١ ص ٢١٣تُتْبِعُوا أَهواءَكم، أفعالكم، فَيصِير المَيْل بالفعل الذي ليس لكم، {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} ، وما أشبه ما قالوا- عندي- بما قالوا؛ لأن الله تعالى تجاوز عَمَّا في القلوب، وكتب على الناس الأفعال والأقاويل. وإذا مال بالقول والفعل، فذلك كل الميل» (١) .

  26. (١١٦) أنبأني أبو عبد الله الحافظ -إجازةً- أَنَّ أبا العباس محمد بن يعقوبَ حدَّثهم، أخبرنا الرَّبيعُ بن سليمان، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله - عز وجل -: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: ٣٤] إلى قوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ [وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} [النساء: ٣٤] .

    قال الشافعي: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} ] (٢) يَحْتَمِلُ إذا رأى الدِّلَالاتِ -في أَفْعَالِ المَرأةِ وأَقَاويلِها- على النُّشُوز، وكان للخَوف مَوْضِعٌ= أن يَعِظَها فإنْ أَبْدَت نُشوزًا، هَجَرها، فإن أَقَامَت عليه، ضَرَبها، وذلك أَنَّ العِظَةَ مُباحَةٌ قَبْل فِعْلِ المَكروه إذا رَأيتَ أسبَابَه، وأن لا مُؤنة فيها عليها تَضُرُّ بها، وأن العِظَة غَيرُ مُحَرَّمةٍ مِن المَرءِ لأَخِيه، فكيف لامرَأتِه؟ والهِجرةُ لا تَكُون إلا بِمَا يَحِل به؛ لأن الهِجْرةَ مُحرَّمةٌ -في غير هذا الموضع- فوق ثلاث، والضَّربُ لا يكون إلا ببيان الفعل (٣) : يدل على أن حالات المرأة في اختلاف -ما تُعَاتَب فيه، وتُعَاقَب- مِن العِظة، والهِجرة، والضَّرب مختلفة، فإذا اختلفت، فلا يشبه معناها إلا ما وصفتُ.

  27. وقد يحتمل قوله تعالى: {تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} إذا نَشَزْن، فَخِفتُم لَجَاجَتَهُن في النُّشُوز= أن يكون لكم جَمعُ العِظَة، والهِجرة، والضَّرب» (١) .

    ج ١ ص ٢١٤
  28. وبإسناده، قال (٢) : قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله تبارك وتعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: ٣٥] الآية، اللهُ أعلم بمعنى ما أراد مِن خَوفِ الشِّقَاق، الذي إذا بلغاه أَمَرَه (٣) أَن يَبعثَ حَكمًا مِن أهله، وحكمًا مِن أَهلِها، والذي يشبه (٤) ظاهر الآية: مِمَّا عَمَّ الزَّوجَين؛ [لأنه تَعالى أَذِن في نُشُوز الزَّوج] (٥) : بأن يَصْطَلِحَا، وأَذِن في نُشُوز المرأة: بالضَّرْب، وأَذِن في خَوفِهما ألا يُقِيمَا حُدودَ الله: بالخُلْع.

  29. ثم ساق الكلام، إلى أن قال: فلما أَمَر فيمن خِفْنا الشِّقَاق بينه:

    بالحَكَمَين، دَلَّ ذلك عَلى أَنِّ حُكْمَهما أَن يَشْتَبه حالاهما في الشقاق، فلا يفعل (٦) الرجل الصُّلْح ولا الفُرْقَة، ولا المَرأةُ تَأْدِية الحَقِّ ولا الفدية، ويصيران مِن القَول والفعل إلى ما لا يَحِلُّ لَهُما، ولا يَحْسُن، ويتماديان فيما ليس لهما، فلا يُعْطِيان حَقًّا، ولا يَتَطَوَّعان، فإذا كان هكذا: بَعثَ حَكمًا مِن أَهلِه، وحكمًا مِن أَهْلِها، ولا يبعثهما (٧) إلا مَأمُونَين، برضا الزَّوجين.

  30. وتوكيلهما (١) الزوجان (٢) ؛ بأن يَجْمَعا، أو يُفَرِّقا إذا رَأَيَا ذَلِك» (٣) .

    ج ١ ص ٢١٥
  31. وأطال الكلام في شرح ذلك، ثم قال في آخره: «ولو قال قائِلٌ:

    يُجْبرهُما السلطان عَلى الحَكَمَين كان مَذهبًا» (٤) .

  32. وبإسناده، قال: قال الشافعي: «قال الله - عز وجل -: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء: ١٩] فقال (٥) واللَّهُ أَعْلَم: نزلت في الرَّجُل يَكْرَه المرأةَ، فيمنعها-كراهيةً لها- حَقَّ اللهِ - عز وجل - في عِشْرتها بالمَعْروف، ويَحبسها

    مانِعًا لِحقِّها؛ ليرثها عن غَير (٦) طِيب نَفْسٍ منها، بإمساكه إيَّاها على المنع، فَحرَّم الله - عز وجل - ذلك على هذا المعنى، وحَرَّم على الأزواج أن يَعْضُلوا النِّساء، لِيذهبوا ببعض ما أُوتِين، واستثنى {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} ، فإذا أَتَيْن بِفَاحِشَة مُبَيِّنة وهي: الزنا، فَأُعْطِين بعض ما أُوتِين لِيُفَارَقن = حَلَّ ذلك إن شاء الله، ولم تَكُن مَعْصِيتُهن الزَّوجَ- فيما يجب له- بغير فاحشة، أَوْلى أن يحل ما أعطين، مِن أَن يَعْصِين الله - عز وجل - والزوج، بالزنا.

    قال: وأمر الله - عز وجل - في اللائي يَكْرِههُن (٧) أَزواجُهن، ولم يأتين بفاحشةٍ أَن يُعَاشَرْن بالمعروف، وذلك تَأدية الحَق، وإجْمال العِشْرة، وقال تعالى: ...

  33. {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: ١٩] فأباح عِشْرَتَهُن على الكراهية بالمعروف، وأخبر أن الله - عز وجل - قد يجعل في الكُره خيرًا كثيرًا، والخير الكثير: الأجر في الصبر، وتأدية الحق إلى مَن يَكره، أو التطول (١) عليه، وقد يغتبط (٢) -وهو كاره لها- بأخلاقها، ودينها، وكفايتها، وبَذْلِها، وميراث -إن كان لها-، وتصرف (٣) حالاته إلى الكراهية لها، بعد الغبطة» (٤) .

    ج ١ ص ٢١٦
  34. وذكرها في موضع آخر،

    (١١٧) هو لي مَسمُوعٌ عن أبي سعيدٍ، عن أبي العباس، عن الرَّبيع، عن الشافعي وقال فيه: «وقيل إن هذه الآية منسوخة (٥) وفي معنى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: ١٥] نُسِخَت بآية الحُدود، فلم يكن على امرأةٍ حبس يُمْنَع به (٦) حق الزوجة على الزوج، وكان عليها الحَد» (٧) .

  35. وأطال الكلام فيه.

  36. وإنما أراد نَسْخَ الحَبْسِ على مَنع حَقِّها إذا أتت بفاحشة واللَّهُ أَعْلَم.

  37. (١١٨) أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى، حدثنا أبو العباس محمد بن

    ج ١ ص ٢١٧يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي - رحمه الله -، قال: «قال الله - عز وجل -:

    {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: ٤] . فكان في الآية: إِباحَةُ أكلِه إذا طابت به نَفسًا، ودليلٌ على أنها إذا لم تَطِب به نفسًا، لم يَحِل أَكلُه، قال الله - عز وجل -: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: ٢٠] وهذه الآية في معنى الآية التي (١) قبلها، فإذا أراد الرَّجُل الاستبدال بزوجته، ولم تُرِدْ هي فُرقَتَه، لم يكن له أن يأخذ مِن مالها شيئًا، بأن يستكرهها عليه، ولا أن يُطَلِّقها لتعطيه فدية منه» (٢) .

  38. وأطال الكلام فيه.

    قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله - عز وجل -: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: ٢٢٩] فقيل واللَّهُ أَعْلَمُ: أَنْ تَكُونَ المَرأةُ تَكْرَهُ الرَّجُلَ، حتى تَخَافَ أَنْ لا تُقِيمَ حُدُودَ الله، بأداء ما يَجِب عليها له، أو أكثره، إليه، ويكون الزوج غير مانع (٣) لها ما يَجب عليه، أو أكثره، فإذا كان هذا، حَلَّت الفِديةُ للزوج، وإذا لم يُقِم أَحدُهما حُدودَ الله، فَليْسا معًا مُقِيمين حُدود الله.

  39. قال وإذا حَلَّ ذلك للزوج، ولم يحرم عليها، فلا جناح عليهما معًا،

    ج ١ ص ٢١٨وهذا كلام صحيح، وأطال الكلام في شرحه.

    ثم قال: وقيل أن تَمتنع المرأةُ مِن أداء الحَق، فَتخاف على الزوج ألا يؤدي الحق إذا منعته حقًا، فتحل الفدية، وجماع ذلك: أن تكون المرأةُ المَانِعة لبعض ما يجب عليها له، المفتدية (١) تَحَرُّجًا مِن ألا تُؤدِّي حَقَّه، أو كَراهِيةً، فإذا كان هكذا: حَلَّت الفِديةُ للزَّوج» (٢) .