«فصل فيمن لا يجب عليه الجهاد».
١١٦ فقرة، ج ١ ص ٢٨٣
الصفحة ١ من ٣
- ج ١ ص ٢٨٣
وبهذا الإسناد، قال الشافعي: «فَلمَّا فرض الله - عز وجل - الجهاد، دَلَّ في كِتابه، ثُم على لِسَان نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن ليس يُفْرَضُ الخُروج إلى (١) الجهاد على مملوك، أو أُنثى بالغ، ولا حُرٍّ لم يبلغ؛ لقول الله - عز وجل -: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: ٤١] فكأن اللهَ حَكَم (٢) أن لا مالَ للمملوك.
-
ولم يكن مجاهِدٌ إلا وعليه في الجِهاد، مُؤْنَةٌ مِن المال، ولم يَكُن للمملوك مال.
وقال تعالى لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم -: {حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} [الأنفال: ٦٥] فَدَلَّ عَلى أَنه أراد بذلك: الذكور، دون الإناث؛ لأن الإناث: المؤمنات.
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: ١٢٢] وقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} [البقرة: ٢١٦] . وكُلُّ هذا يَدُلُّ على أنه أراد الذُّكورَ، دون الإناث.
وقال - عز وجل - إذ أمر بالاستئذان-: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: ٥٩] فأعلم: أَنَّ فَرضَ الاسْتئِذان، إنما هو على البالغين.
وقال تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: ٦] .
- ج ١ ص ٢٨٤
فلم يَجعل لِرُشدِهِم حُكمًا تَصيرُ به أموالُهم إليهم، إلا بَعد البُلُوغ.
-
فَدَلَّ على أن الفَرضَ في العَمل، إنما هو على البالغِينَ، ودَلَّت السُّنة، ثم ما لم أعلم فيه مخالفًا- مِن أهل العِلم- على مِثل ما وَصَفتُ (١) .
-
وذكر حديثَ ابنِ عُمرَ (٢) في ذلك» (٣) .
-
وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ في الجهاد: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) } إلى: {وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣) } [التوبة: ٩١: ٩٣] .
وقال جَلَّ وعَزَّ: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [النور: ٦١] .
قال الشافعي: وقيل: الأَعرج، المُقْعَد.
-
والأغلب: أنه العَرَج في الرِّجل الوَاحِدة.
-
وقيل: نزلت أن لا حَرَج عليهم أن لا يُجَاهدُوا.
-
وهو يُشْبِه ما قالوا، غَيرُ مُحتَمِلة غيره. وهم داخِلُون في حَدِّ الضعفاء، وغيرُ خارجين مِن فَرض الحَجِّ، ولا الصلاة، ولا الصوم، ولا الحدود.
- ج ١ ص ٢٨٥
فلا يحتمل واللَّهُ أَعْلَمُ أن يكون أُرِيدَ بهذه الآية، إلا: وَضْعُ الحَرج في الجهاد دون غيره مِن الفَرائِض» (١) .
-
وقال فيما بَعُد غَزوُهُ مِن المَغَازِي -وهو ما كان على لَيْلَتين فَصَاعدًا-: «إنه لا يَلْزَمُ القَويَّ السَّالمَ البَدَن كُلِّه، إذا لَم يَجِد مَرْكبًا وسِلاحًا ونَفَقة، ويَدَع لِمَن يَلْزَمُه نَفَقَتُه، قُوْتَه، إلى قَدْر ما يَرى أَنه يَلْبَثُ في غَزوِهِ.
-
وهو: مِمَّن لا يَجد ما يُنْفِق.
قال الله - عز وجل -: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: ٩٢] » (٢) .
-
(١٦٠) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «غزا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَغَزا مَعه بَعضُ مَن يُعرَفُ نِفَاقُه، فانْخَزل عنه يَومَ أُحُدٍ بِثَلاثِمَائَةٍ.
-
ثم شَهِدَ مَعه يومَ الخَنْدَق، فَتَكَلَّمُوا بِمَا حَكَى اللهُ - عز وجل - من قولهم: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: ١٢] .
-
ثُم غَزا بَني المُصْطَلِق، فَشَهِدَهَا معه منهُم عَددٌ، فتكلموا بما حكى الله - عز وجل - مِن قولهم: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: ٨] .
-
وغير ذلك مما حكى اللهُ مِن نِفَاقِهم.
- ج ١ ص ٢٨٦
ثم غَزَاةَ تَبُوك، فَشَهِدَها معه منهم قومٌ، فَفَرُّوا (١) به ليلة العَقَبَة لِيقتلوه، فَوَقَاهُ اللهُ شَرَّهُم (٢) .
-
وتخلَّف آخرون منهم فِيمن بِحَضْرَتِه، ثم أنزلَ اللهُ - عز وجل - عليه في غَزَاةِ تَبُوك، أو مُنْصَرَفِه منها -ولم يكن له في تَبُوك قِتَالٌ- مِن أَخبَارِهِم، فقال اللهُ تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ} قرأ إلى قوله: {وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) } [التوبة: ٤٦: ٥٠] .
-
فَأَظْهَرَ اللهُ - عز وجل - لِرَسُولِه - صلى الله عليه وسلم - أَسرَارَهُم (٣) وخَبر السَّمَّاعِين لهم، وابتغَاءَهم أن يَفْتِنُوا مَن مَعه بالكَذب والإرْجَاف، والتَّخْذيل لهم.
- ج ١ ص ٢٨٧
فأخبر أنه كَره انْبِعَاثَهُم؛ إذ كانوا على هذه النِّيَّة، فكان فيها ما دَلَّ على أن الله - عز وجل - أَمر أن يُمْنَع مَن عُرِف -بما عُرِفُوا به- مِن أَنْ يَغْزُو مع المسلمين؛ لأنه ضَررٌ عَليهِم، ثم زاد في تأكيد بيان ذلك، بقوله تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ} قرأ إلى قوله تعالى: {فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} [التوبة: ٨١: ٨٣] . وبسط الكلام فيه» (١) .
-
وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله تبارك وتعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التوبة: ١٢٣] .
-
فَفرَض اللهُ جهادَ المشركين، ثم أَبان مَنِ الذي يُجاهِدُهم مِن المشركين، فأعلم: أنهم الذين يَلُونَ المسلمين، وكان معقُولًا -في فَرْضِ جهادهم- أن أَوْلَاهُم بأن يُجَاهَد أَقْربَهم مِن المُسلِمين دارًا؛ لأنهم إذا قَدرُوا على جهادهم وجهاد غيرهم، كانوا على جهاد مَن قَرُب منهم أقوى، وكان مَن قَرُب، أولى أن يُجَاهَد؛ لقربه مِن عَوْراتِ المُسلمين، فإن نِكَايَة مَن قَرُبَ، أَكثرُ مِن نِكَايَة مَن بَعُد» (٢) .
-
(١٦١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «فرض الله تبارك تعالى الجهاد في كتابه، وعلى لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ثم أَكَّد النَّفِير (٣) مِن الجهاد، فقال: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [التوبة: ١١١] .
ج ١ ص ٢٨٨وقال: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: ٣٦] .
وقال تعالى: ... {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: ٥] .
وقال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: ٢٩] .
-
وذكر حديث أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا أَزَالُ أُقَاتِل النَّاس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله» . الحديث (١) .
ثم قال: الله تعالى: {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [التوبة: ٣٨ - ٣٩] .الآية.
وقال تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: ٤١] الآية.
قال الشافعي - رحمه الله -: فاحتمَلَت الآيات أن يكونَ الجهادُ كُلُّه، والنَّفِير خَاصَّةً منه: على (٢) كُلِّ مُطِيقٍ له، لا يَسَع أحدًا منهم التَّخَلُّفُ عنه، كما كانت الصلاة والحج والزكاة، فلم يَخْرُج أَحَدٌ-وَجب عليه فرضٌ- أن يؤدِّيَ غيرُه
ج ١ ص ٢٨٩الفَرض عن نَفسِه؛ لأن عَمَل أَحدٍ في هذا، لا يُكْتَب لِغَيره.
-
واحتملت أن يَكُون معنى فَرضِها، غَيرَ معنى فَرضِ الصَّلاة، وذلك أن يكون قَصَد بالفَرْض فيها: قَصدَ الكِفَاية، فيكون مَن قام بالكفاية -في جِهادِ مَن جُوهِد مِن المُشركين- مُدركًا تَأْدِيةَ الفَرض، ونافِلَةَ الفَضْل، ومُخرِجًا مَن تَخَلَّف مِن المَأثَم.
قال الشافعي: «قال الله - عز وجل -: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [النساء: ٩٥] .
قال الشافعي: فَوعَد المتخلفين عن الجهاد: الحُسْنى على الإيمان، وأبان فضيلةَ المُجاهِدين على القاعدين، ولو كانوا آثِمِينَ بالتَّخَلُّف -إذا غَزا غَيرُهم- كانت العقوبة والإثم، إن لم يَعْفُ الله، أولى بهم مِن الحُسنى.
قال الشافعي - رحمه الله -: وقال الله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة: ١٢٢] .
-
فأخبر الله - عز وجل -: أن المسلمين لم يكونوا لِينفروا كافة، قال: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} فأخبر أن النَّفِير على بَعضِهم دون بعض، وأن التَّفَقُّهَ: إنما هو على بَعضِهم، دون بعض.
قال الشافعي: «وغَزَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وغَزَّى معه مِن أَصحابه بِجَمَاعةٍ، وخَلَّف آخَرين، حتى خَلَّفَ عَلِيَّ بنَ أبي طَالِبٍ - رضي الله عنه - في غزوة (١) تبوك.
- ج ١ ص ٢٩٠
وبسط الكلام فيه، وجعل نظير ذلك: الصلاة على الجنازة، والدفن، ورد السلام» (١) .
-
(١٦٢) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس -هو الأصم- أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله - عز وجل -: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} إلى: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: ١] فكانت غنائِمُ بَدر، لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يَضَعُها حيث شاء.
-
وإنما نَزَلَت: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال: ٤١] بَعد بدر، وقَسَم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - كُلَّ غَنِيمةٍ بَعد بَدرٍ على ما وَصفتُ لك: يَرفَعُ خُمُسَها، ثم يَقْسِم أَربعةَ أَخمَاسِها، وافرًا على مَن حَضَر الحَرب مِن المُسلِمين، إلا السَّلَب، فَإِنَّهُ سُنَّ للقَاتِل في الإقبال (٢) ، فكان السَّلَبُ خَارجًا منه.
-
وإلا: الصَّفِي (٣) ، فإنه قد اخْتُلف فيه، فقيل: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأخُذُه خارجًا مِن الغَنِيمة.
-
وقيل: كان يَأخُذُه مِن سَهْمِه مِن الخُمُس.
- ج ١ ص ٢٩١
وإلا: البالغين مِنَ السَّبْي، فإن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سَنَّ فيهم سُننًا (١) ، فَقَتل بَعضَهم، وفادى بَعْضَهم أسرى المسلمين» (٢) .
قال الشافعي: «فأمَّا وَقْعةُ عبدِ الله بن جَحْش (٣) ،
وابنِ الحَضْرَمِي، فذلك قَبل بدر، وقبل نزول الآية -يعني في الغَنِيمة- وكانت وَقْعتُهم في آخر يومٍ مِن الشَّهر الحَرام، فَتوقَّفُوا فِيمَا صَنعُوا حتى نزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ
ج ١ ص ٢٩٢قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: ٢١٧] الآية» (١) .
-
(١٦٣) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن عَمْرو بن دِينار، عن ابن عباس، قال: «لما نَزَلت هذه الآية: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: ٦٥] فكتب عليهم: أَن لا يَفِرَّ العِشرُونَ مِن المِائَتيْن، فأنزل الله - عز وجل -: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: ٦٦] . فَخَفَّف عنهم، وكتب: أن لا يَفِرَّ مِائةٌ مِن مِائَتَيْن» (٢) .
-
«قال الشافعي: وهذا كما قال ابنُ عباس -إن شاء الله- مُسْتَغنى فيه بالتَّنزيل، عن التأويل.
-
لَمَّا كَتَب الله أن لا يَفِرَّ العِشرُون مِن المِائَتين، فكان هكذا، الوَاحد مِن العَشَرة.
-
ثم خَفَّف اللهُ عنهم، فَصَيَّر الأمر إلى أن لا يَفِرَّ المِائَة مِن المِائَتَين. وذلك أن لا يَفِرَّ الرَّجُلُ مِن الرَّجُلَين.
-
وروى الشافعي بإسناد آخر (٣) عن ابن عباس، قال: مَن فَرَّ مِن ثَلاثة، فَلم
ج ١ ص ٢٩٣يَفِر، ومَن فَرَّ مِن اثْنَين، فَقَد فَرَّ».
قال الشافعي: «قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} [الأنفال: ١٥ - ١٦] .
قال الشافعي - رحمه الله -: فإذا فَرَّ الوَاحِدُ مِن اثْنَين فَأَقَل (١) ، مُتَحَرِّفًا لِقتَال يَمينًا، وشِمَالا، ومُدبرًا، ونِيَّتُه العَوْدَة للقِتَال، أو مُتَحَيَّزًا إلى فِئَة، قَلَّت أَو كَثُرَت، كَانَت بِحَضْرَتِه أو مُنْتَئِيةً عنه، سواء، إنَّما يَصيرُ الأمرُ في ذلك إلى نِيَّةِ المُتَحَرِّف، أو المتحيز، فإن كان الله - عز وجل - يَعلَمُ أَنه إنَّمَا تَحَرَّف لِيَعُود للقتال، أو تَحَيَّز لذلك = فهو الذي استثنى اللهُ - عز وجل -، فأخرجه مِن سَخَطِه في (٢) التَّحرُّف والتَّحَيُّز.
-
وإن كان لِغَير هذا (٣) المعنى، فقد (٤) خِفْتُ عليه أن يكونَ قَد (٥) بَاءَ بِسَخَطٍ مِن الله، إلا أَن يَعْفُوَ اللهُ» (٦) .
قال: «وإن كان المُشركُون أَكْثرَ مِن ضِعْفِهم، لَم أُحِب (٧) لهم أن يُوَلُّوا عنهم، ولا يَسْتَوجِبُون السَّخَطَ عِندي مِن الله - عز وجل -، لو وَلَّوا عَنهُم على غَير
ج ١ ص ٢٩٤التَّحَرُّف (١) للقتال، أو التحيز (٢) إلى فِئَةٍ؛ لأن بَيِّنًا أَنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إنما يُوجِبُ سَخَطَه على مَن تَرك فَرْضَه، وأَنَّ فَرضَ اللهِ في الجِهَاد، إنما هو على أن يُجاهِدَ المسلمون ضِعْفَهُم مِن العَدُوِّ» (٣) .
-
(١٦٤) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشَّافِعيُّ، قال: «قال الله - عز وجل - في بني النَّضِير -حِين حَارَبَهُم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} الآية إلى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} [الحشر: ٢] . فَوصَف إِخرَابهم مَنازلهم بأيديهم، وإخراب المؤمنين بيوتهم، وَوَصْفُهُ إِيَّاهُ (٤) كالرضا (٥) به.
-
وأَمَر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقَطع نَخْل مِن ألوان نَخلِهم، فأنزل الله تبارك وتعالى -رضًا بما صَنعُوا مِن قَطع نَخْلِهم-: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} [الحشر: ٥] فَرَضِيَ القَطْع، وأَبَاح التَّرْك.