(٢٢) «ما يؤثر عنه في الصيد والذبائح، وفي الطعام والشراب».
٦١ فقرة، ج ١ ص ٣١٥
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ٣٢٥
ولا يتَبَيَّنُ (١) أَنْ يكونَ مُحَرَّمًا عليهم؛ وقد نُسِخَ ما خَالَف دِينَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - بِدِينِه، كما لا يجوز إذا كانت الخَمْرُ حلالًا لهم، إلا أن تَكُونَ محرمَةً عليهم؛ إذ حُرِّمَت على لِسَان نَبِيِّنا مُحَمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وإن لم يَدخُلوا في دِينِه» (٢) .
-
(١٨٢) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «حَرَّمَ المُشركُون على أنفسهم -مِن أموالهم-أَشياءَ، أَبَانَ اللهُ - عز وجل - أنها لَيْسَت حَرامًا بِتَحْريمِهم، وذلك مثل: البَحِيرَةِ، والسَّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحَامِ.
-
كانوا يُنْزِلُونها في الإبل والغَنَم كَالعِتْق، فَيُحَرِّمُون أَلبَانَها، ولُحومَها، ومِلْكَها.
-
وقَد فَسَّرتُه في غير هذا المَوضِع.
فقال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} [المائدة: ١٠٣] .
ج ١ ص ٣٢٦وقال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) } [الأنعام] .
وقال - عز وجل - وهو يَذكُر ما حَرَّمُوا-: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) } [الأنعام] .
وقال تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ} إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} الأنعام: ١٤٣: ١٤٤] والآيتين بعدها.
-
فَأَعْلَمهُم أَنَّهُ لا يُحَرِّمُ عليهم بما حَرَّمُوا.
قال: ويقال: نزل فيهم: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} [الأنعام: ١٥٠] . فَرَدَّ إليهم ما أَخْرجُوا مِن البَحِيرَةِ، والسَّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحَامِ، وأَعْلَمهُم: أنه لم يُحَرِّم عَليهم ما حَرَّمُوا بِتَحْريمِهم.
وقال تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المائدة: ١] يعني وَاللهُ أَعْلَمُ: مِن المَيْتَة.
-
ويقال: أنزلت في ذلك: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: ١٤٥] وهذا يُشْبِهُ ما قيل، يعني: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ} مِن بهيمَةِ الأنعَام {مُحَرَّمًا} إلا {مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} منها
ج ١ ص ٣٢٧وهي حَيَّة، أو ذَبِيحَة. وذَكَر تَحْريمَ الخِنزير مَعَهَا.
-
وقد قيل: مِمَّا كُنتم تَأكُلونَ، إلا كذا.
وقال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [النحل: ١١٤ - ١١٥] . وهذه الآية: (١) في مثل معنى الآية التي ١) قبلها» (٢) .
قال الشَّافِعيُّ-في رواية حَرْمَلَةَ عنه-: «قال الله - عز وجل -: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: ٥] . فاحتمل ذلك: الذَّبائِح، وما سِوَاها مِن طَعَامِهِم الذي لم يُنْصَب (٣) مُحَرَّمًا علينا، فآنِيَتُهم أَوْلَى أن لا يَكُونَ في النَّفْسِ منها شَيءٌ، إذا غُسِلَت.
-
ثم بسط الكلام في إباحَة طَعامِهم الذي يَغِيبُون (٤) على صَنعتِه، إذا لم نَعلَم فيه حرامًا، وكذلك الآنية، إذا لم نَعْلَم نَجَاسَةً، ثم قال -في هذا، أو في مُبَايعَة المُسلِم يَكْتَسِب الحَرام والحَلال، والأَسْوَاق يَدخُلها ثَمَنُ (٥) الحَرَام-:
ج ١ ص ٣٢٨«ولو تَنَزَّه امْرؤٌ عَن هَذا، وتَوَقَّاه، ما لم يَتركْه على أَنَّه مُحَرَّم: كان حَسنًا؛ لأنه قد يَحِلُّ لَه تَركُ ما لا يَشُكُّ في حَلاله. ولكِنِّي أَكره أن يتركَهُ على تَحريمِه، فيكون جَهلًا بالسُّنَّة، أو رَغْبةً عنها» .
-
(١٨٣) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن (١) ، أخبرنا عبد الرحمن - يعني: ابن أبي حاتم- أخبرني أبي، قال: سمعتُ يُونُسَ ابنَ عبد الأَعْلَى، يقول: قال لي الشافعي - رحمه الله - في قوله - عز وجل -: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: ٢٩] قال: «لا يكون في هذا المعنى، إلا هذه الثَّلاثَةُ الأَحْكَام، وما عداها فهو الأكل بالباطل.
-
على المَرء في ماله: فَرْضٌ مِن الله - عز وجل -، لا ينبغي له حَبْسُه (٢) .
-
وشَيءٌ يُعْطِيه، يُريدُ به وَجْهَ صَاحِبه.
-
ومِن البَاطِل، أَن يَقُول: احْزُر ما في يَدي، وهو لك» (٣) .
-
(١٨٤) وفيما أنبأني أبو عبد الله الحافظُ -إِجَازَةً- أَنَّ أبا العَبَّاسِ مُحمدَ ابنَ يعقُوب، حدثهم: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «جِمَاعُ ما يَحِلُّ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِن الرَّجُلِ المُسْلِم ثَلاثَةُ وُجُوهٍ:
ج ١ ص ٣٢٩أحدها: ما وَجَب على الناس في أموالهم -مِمَّا ليس لهم دَفْعُه- مِن جِناياتِهم، وجِناياتِ مَن يَعقِلون عَنه.
-
وما وَجَب عليهم بالزَّكَاةِ، والنُّذُور، والكَفَّارَات، وما أشبه ذلك.
-
وما أَوْجَبُوا على أنفسهم مما أَخَذُوا به العِوَض، مِن البُيُوع والإِجَارَاتِ، والهِبَات لِلثَّواب، وما في معناها.
-
وما أَعْطَوْا مُتَطَوِّعِينَ مِن أَموالِهِم؛ الْتِمَاس واحِدٍ مِن وَجهَين:
أحدهما: طَلَبُ ثَوابِ اللهِ - عز وجل -.
-
والآخر: طَلَبُ الاسْتِحْمَادِ إلى مَن أَعْطَوْهُ إيَّاهُ، وكلاهما مَعْروفٌ حَسَنٌ، ونَحنُ نَرجُو عَليه الثَّوابَ إِن شَاء الله.
-
ثم مَا أَعْطَى النَّاسُ مِن أموالِهم -مِن غَير هذه الوُجُوه، وما في مَعنَاها- واحِدٌ مِن وَجهَين:
أَحَدُهُما حَقٌّ، والآخَرُ بَاطِلٌ، فما أَعْطَوْهُ مِن البَاطِل: غَيرُ جَائِزٍ لهم، ولا لِمَن أَعْطَوْه، وذلك قَولُ اللهِ - عز وجل -: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: ١٨٨] . فالحَقُّ مِن هذا الوجه -الذي هو خَارِجٌ مِن هذه الوُجُوهِ التي وَصَفْتُ- يَدُلُّ على الحَقِ في نَفسِه، وعلى البَاطِل فيما خالفه.
-
وأَصْلُ ذِكْرِه في القرآن، والسُّنة، والآثَار، قال الله - عز وجل - فيما نَدَبَ به أهلَ دِينه-: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: ٦٠] . فَزَعَم أهلُ العِلم: أَنَّ القُوَّةَ هي الرَّمْيُ.
ج ١ ص ٣٣٠وقال الله تبارك وتعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} [الحشر: ٦] .
-
ثم ذَكَر حديثَ أبي هُرَيرة (١) ، ثم حديثَ ابنِ عُمرَ في السَّبْق (٢) .
-
وذكر ما يَحِلُّ منه، وما يَحْرُم» (٣) .