(٢٤) «ما يؤثر عنه في القضايا والشهادات».
٨٠ فقرة، ج ١ ص ٣٣٦
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ٣٤٣
فَوجَدنا شُهودَ الزِّنا يَشهدونَ عَلى حَدٍّ، لا مال.
-
وشهودَ الطَّلاقِ والرَّجْعَة يَشهدون على تحريمٍ بعد تَحْلِيل، وتَثْبِيتِ
ج ١ ص ٣٤٤تَحْلِيلٍ، لا مَالَ في واحد منهما.
-
وذكر شُهودَ الوَصِيَّة، ولا مَال للمشهُود له أَنَّه وصي.
-
ثم لم أَعْلَم أَحدًا -مِن أهل العِلم- خَالفَ في أن لا يَجُوزُ في الزِّنا، إلا الرجال، وعَلِمتُ أَكثرَهُم قال: ولا في طَلاقٍ ولا رَجْعَة، إذا تَنَاكَر الزَّوجَان. وقالوا ذلك في الوَصِيَّة، فكان ما حَكَيتُ -مِن أقاويلهم-: دِلالةً على مُوافَقَة ظَاهِر كتاب اللهِ - عز وجل -، وكان أَوْلَى الأمُور أَن يُقَاس عليه، ويُصَار إِليْه.
-
وذكرَ اللهُ - عز وجل - شُهودَ الدَّيْن، فذكر فِيهم النِّساء، وكان الدَّينُ: أَخْذَ مَالٍ مِن المَشْهُود عَليْه.
قال الشافعي: فالأمرُ عَلى مَا فَرَّق اللهُ بينهم مِن الأَحْكَام في الشَّهَادَات، أن يُنْظَر كُلُّ ما شُهِدَ به عَلى أَحَدٍ، فكان لا يُؤخَذ منه بالشَّهَادةِ نَفسِها مَالٌ، وكان إنَّما يَلْزَمُ: حَقٌّ غَيرُ مَالٍ، أو شُهِدَ به، أو شَهِدَ به الرَّجُلُ كان لا يَسْتَحِقُّ به مالًا لِنَفْسِه، إنما يَسْتَحِقُّ به غَيرَ مَالٍ، مِثلُ الوَصِيَّة، والوَكَالَة، والقِصَاص، والحَد، وما أشبهه = فلا يَجُوزُ فيه إلا شَهَادَةُ الرِّجَال.
-
ويُنْظَرُ كُلُّ ما شُهِدَ به، مِمَّا أَخَذ به المَشهودُ له، مِن المَشْهود عَليه، مَالًا، فَتُجَازُ فيه شَهَادَةُ النِّساء مع الرِّجال؛ لأنه في معنى المَوضِع الذي أَجَازَهُنَّ اللهُ تَعالى فيه، فَيجُوزُ قِياسًا، لا يَخْتلِفُ هذا القَولُ، ولا يَجوزُ غَيرُه. ... وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١) » (٢) .
-
وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله تبارك وتعالى:
ج ١ ص ٣٤٥وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: ٤ - ٥] .
-
فَأمَر اللهُ - عز وجل - بِضَرْبِه، وأَمَر أن لا تُقْبَل شَهَادَتُه، وسَمَّاه فاسِقًا، ثم اسْتَثْنى له (١) إلا أَن يَتُوب. والثُّنْيَا (٢) - في سياق الكلام-على أَوَّل الكَلام وآخِره في جميعِ ما يَذهَبُ إليه أَهلُ الفِقْه، إلا أن يُفَرِّقَ بين ذَلك خَبَرٌ.
-
وروى الشَّافِعيُّ -في قَبول شَهادَةِ القَاذِف إذا تَاب- عن عُمَرَ بنِ الخَطَّاب - رضي الله عنه - (٣) ،
ثم عن ابن عباس - رضي الله عنه - (٤) ، ثم عن عَطاءٍ، وطَاوُسٍ، ومُجَاهِدٍ (٥) .
ج ١ ص ٣٤٦قال (١) : وسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عن القَاذِف فقال: يَقْبَلُ اللهُ تَوْبَتَه، ولا تَقْبَلُونَ شَهَادَتَه؟ ! » (٢) .
-
(١٩٤) أنبأني أبو عبد الله -إِجازَةً- أن أبا العباس حدثهم: أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: ٣٦] .
وقال تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: ٨٦] .
-
وحُكِي أَنَّ إِخوَة يُوسُفَ - عليه السلام - وَصَفُوا أَنَّ شَهَادَتَهم كما يَنبغِي لَهُم (٣) فحكي أن كبيرَهم قال: {ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} [يوسف: ٨١] .
قال الشافعيُّ: ولا يَسَعُ شَاهِدًا، أَن يَشْهَد إلا بِمَا عَلِمَ.
-
والعِلمُ مِن ثَلاثَةِ وُجُوه:
منها: مَا عَايَنَهُ الشَّاهِدُ، فَيَشْهَدُ بالمُعَايَنَة.
-
ومنها: ما سَمِعَهُ (٤) ، فَيَشْهَدُ بما أَثْبَتَ سمعًا مِن المَشْهُودِ عَليه.
- ج ١ ص ٣٤٧
ومنها: ما تَظَاهَرَتْ به الأَخْبَارُ، مما لا يُمْكِنُ في أَكْثَرِه العَيَان، وثبتت مَعرِفَتُه في القُلُوبِ، فَيَشْهَدُ عليه بهذا الوجه» (١) .
-
وبسط الكلام في شرحه.
-
وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي - رحمه الله - فيما يَجِبُ على المَرءِ مِن (٢) القِيَام بِشَهادَتِه، إذا شَهِد-: «قال الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} [المائدة: ٨] الآية.
وقال - عز وجل -: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: ١٣٥] الآية.
وقال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: ١٥٢] .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ} [المعارج: ٣٣] .
وقال: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: ٢٨٣] الآية.
وقال - عز وجل -: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: ٢] .
قال الشافعي: الذي أَحْفَظُ عَن كُلِّ مَن سَمِعتُ منه مِن أَهل العِلْم في هذه الآيات: أنه في الشَّاهِدِ قد لَزِمَتْه الشَّهَادَةُ، وأَنَّ فَرضًا عليه أَن يَقُومَ بها، على والِدَيْه وَوَلَدِه، والقَرِيبِ والبَعِيدِ، والبَغِيضِ والعزيز (٣) ، لا يَكْتُم عن وَاحِدٍ،
ج ١ ص ٣٤٨ولا يُحَابى بها، ولا يُمْنَعَها أَحَدٌ (١) » (٢) .
-
(١٩٥) أخبرنا أبو سعيد ابنُ أبي عَمرو، حدثنا أبو العباس الأَصَمُّ، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله تَبَارَك وتَعَالى: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} [البقرة: ٢٨٢] يَحْتَمل: أن يكون حَتمًا على مَن دُعِيَ للكتاب (٣) ، فإن تَرَكَه تَارِكٌ، كان عَاصِيًّا.
-
ويحتمل: أن يَكُونَ على مَن حَضَر مِن الكُتَّاب: أن لا يُعَطِّلُوا كِتابَ حَقٍّ بين رَجُلَين، فإذا قام به واحِدٌ، أَجزأ عنهم، كما حُقَّ عليهم أن يُصَلُّوا عَلى الجَنائِزِ ويَدفِنُوها، فإذا قام بها مَن يَكْفِيها: أخرج ذلك مَن تَخَلَّف عنها مِن المَأْثَم.
-
وهذا أَشْبَهُ مَعانِيه به، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ج ١ ص ٣٤٩قال: وقول الله - عز وجل -: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: ٢٨٢] .
-
يَحتَمِل ما وَصَفتُ: مِن أن لا يَأْبَى (١) كُلُّ شَاهِدٍ ابْتُدِئ، فَيُدعى ليشهد.
-
ويحتمل: أن يكون فَرضًا على مَن حَضَر الحَقَّ، أن يَشْهَد مِنهم مَن فِيه الكِفَايَةُ للشَهَادة، فإذا شَهِدُوا: أَخْرَجُوا غَيرَهُم مِن المَأْثَم، وإن تَرك مَن حَضَر، الشَّهَادة: خِفْتُ حَرجَهُم، بَل لا أَشُكُّ فيه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وهذا أَشْبَهُ مَعانِيه وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قال: فَأمَّا مَن سَبقَت شَهادَتُه، بأن أُشْهِدَ، أو عَلِمَ حقًّا لِمُسْلِم، أو مُعَاهَدٍ، فلا يَسَعُه التَّخَلُّفُ عن تَأْدِيَة الشَّهَادة، متى طُلِبَت مِنه في مَوْضِعِ مَقْطَعِ الحَقِّ» (٢) .
-
(١٩٦) أنبأني أبو عبد الله -إجازةً- أَنَّ أبا العباس حدثهم: أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعيُّ - رحمه الله -: «قال الله تَبارَك وتَعَالى: {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: ١٠٦] .
وقال الله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: ٢٨٢] .
-
فكان الذي يَعْرِفُ (٣) مَن خُوطِبَ بهذا، أنه أُرِيدَ به: الأَحرارُ، المَرْضِيُّون، المُسْلِمُون، مِن قِبَلِ أَنَّ (٤) رِجالَنا ومَن نَرْضَى مِن أَهْلِ دِينِنا، لا المُشْرِكُون؛ لِقَطْعِ اللهِ الوَلايَةَ بَيْنَنا وبَينهُم بالدِّيْن.
-
ورِجَالُنا: أَحْرَارُنا، لا مَمَالِيكُنا الذين يَغْلِبُهم مَن يَمْلِكُهُم عَلى كَثيرٍ مِن أُمورِهم.
-
وأَنَّا لا نَرْضَى أَهلَ الفِسْقِ مِنَّا، وأَنَّ الرِّضَا: إنَّما يَقَعُ عَلى العُدُول مِنَّا، ولا يَقَعُ إلا عَلى البَالِغِينَ؛ لأنَّه إِنَّما خُوطِبَ بالفَرَائِض: البَالِغُونَ، دُونَ مَنْ لَم يَبْلُغ» (٥) .
- ج ١ ص ٣٥٠
وبَسَطَ الكَلامَ في الدِّلالَة عَليه.
-
(١٩٧) أخبرنا أبو سعيد ابنُ أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعيُّ - رحمه الله - في قَولِ اللهِ - عز وجل -: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} إلى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} وقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: ٢] - دِلَالَةٌ على أن اللهَ - عز وجل - إنما عَنى المُسْلِمين، دُونَ غَيرِهِم» (١) .
-
ثم ساق الكلام، إلى أن قال: «ومَن أَجَازَ شَهادَة أَهْلِ الذِّمَّة، فَأَعْدَلُهُم عِندَهُم (٢) : أَعْظَمُهم بالله شِرْكًا، أَسْجَدُهُم لِلصَّليب، وأَلْزَمُهم للكَنِيسَة.
-
فإن قال قائل: فإن الله - عز وجل - يقول: {حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: ١٠٦] - أي: مِن غَير أَهْلِ دِينِكُم (٣) -
قال الشافعي: سَمِعتُ مَن يَتَأوَّل هذه الآية، على: مِن غَير قَبِيلَتِكُم مِن المُسلِمين» (٤) .
قال الشافعي: «والتَّنزِيلُ وَاللهُ أَعْلَمُ يَدُلُّ على ذلك؛ لقول الله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} [المائدة: ١٠٦] . والصَّلاةُ المُوَقَّتَة: للمُسْلِمين، ولقول الله تعالى: {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [المائدة: ١٠٦] . وإنما القَرَابَةُ: بَين المُسْلِمين الذين كانوا مَع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِن العَرَب، أو بَينهُم وبَين أَهْلِ الأوثان، لا بَينهُم وبَيْن أَهْلِ الذِّمَّة.
ج ١ ص ٣٥١وقال: {وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ} [المائدة: ١٠٦] . فَإنَّما يَتَأَثَّمُ مِن كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ: المُسْلِمُون، لا أَهْلُ الذِّمَّةِ» (١) .
قال الشافعي: «وقَد سَمِعتُ مَن يَذْكُرُ أنها مَنْسُوخَةٌ (٢) بِقَولِ اللهِ - عز وجل -: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: ٢] وَاللَّهُ أَعْلَمُ» (٣) .
-
ثم جَرى في سِياق كلام الشَّافِعي - رحمه الله - أنه قال: «قلت له: إنَّما ذَكَر اللهُ هذه الآية (٤) في وَصِيَّة مُسْلِمٍ، أَفَتُجِيزُها في وَصِيَّة مُسْلِمٍ في السَّفَر؟ قال: لا.
قلتُ: أَوَ تُحَلِّفُهم إذا شَهِدُوا؟ قال: لا.
قلتُ: ولِم، وقَد تَأَوَّلتَ أَنها في وَصِيَّةِ مُسلمٍ؟ قال: لأنها مَنْسُوخَةٌ. قُلتُ: فإن نُسِخَت فِيمَا أُنْزِلَت فِيه، لِمَ تُثْبِتُها فِيما لَم تَنْزِل فِيه؟ ! » (٥) .
-
وأجاب الشافعي - رحمه الله - عن الآيةِ بجواب آخر، على ما نَقَل عن مُقَاتِل بن حَيَّان، وغَيرِهِ في سَبب نزول الآية. وذلك فيما:
(١٩٨) أخبرنا أبو سعيد ابنُ أبي عَمرو، قال: حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي: أخبرني أبو سعيد (٦) معاذُ بنُ مُوسى الجَعْفَري، عن
ج ١ ص ٣٥٢بُكَيْر بن مُعرُوف، عن مُقاتِل بن حَيَّان.
قال بُكَيْرٌ: قال مقاتل: أَخَذتُ هذا التفسير، عن مُجَاهِدٍ، والحَسَنِ، والضَّحَّاك -في قول الله - عز وجل -: {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: ١٠٦] الآية-: أَنَّ رَجُلَين نَصْرَانِيَّيْن مِن أَهْلِ دَارِين، أَحَدُهُما: تَمِيمِيٌّ، والآخَرُ يَمَانِيٌّ - وقال غيره: مِن أَهْل دَارِين أحدهما: تَمِيمٌ، والآخَرُ: عَدِيٌّ (١) -: صَحِبَهُما مَولىً لِقُريش في تِجَارةٍ، فَرَكِبُوا البَحرَ، ومَع القُرشِيِّ مَالٌ مَعلُومٌ، قَد عَلِمَه أَولياؤُه -مِن بَين آنِيَةٍ، وبَزٍّ، ورِقَّةٍ- فَمَرِضَ القُرَشِيُّ، فجعل وَصِيَّتَه إلى الدَّاريين (٢) ،
فمات، وقَبَضَ الدَّارِيَّان المَالَ، والوَصِيَّة، فَدَفَعَاهُ إلى أَوْلياءِ المَيِّتِ، وجَاءَا بِبَعْضِ مَالِه، فَأنْكَر القَومُ قِلَّة المَال، فقالوا للدَّارِيَّيْن: إِنَّ صَاحِبَنا قَد خَرجَ مَعَه بِمَالِ أَكثَرِ مِمَّا أَتَيْتُمُونا به، فَهل بَاع شَيئًا، أو اشترى شَيئًا فَوضَع فِيه، أَوْ هَل طَال مَرضُه، فَأنْفَق عَلى نَفسِه؟ قالا: لا. قال (٣) : فإنكما خُنتُمونا، فَقَبضُوا المَالَ، ورَفَعُوا أَمْرَهُما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأنزلَ اللهُ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} [المائدة: ١٠٦] إلى آخر الآية. فَلَمَّا نَزَلَت:
ج ١ ص ٣٥٣{تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} [المائدة: ١٠٦] : أَمَر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الدَّارِيَّيْن فَقَاما بَعد الصَّلاة، فَحَلَفا بالله رَبِّ السَّمَاوَاتِ، ما تَرَك مَولاكُم مِن المَال، إلا ما أَتَيْنَاكُم به، وإنَّا لا نَشْتري بَأَيْمَانِنَا ثَمنًا قَليلًا مِن الدُّنيا {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ} [المائدة: ١٠٦] . فَلمَّا حَلَفَا، خَلَّى سَبِيلَهُما، ثم إِنهم وَجَدُوا- بعد ذلك- إناءً (١)
-
مِن آنِية المَيِّت، فَأُخِذَ الدَّاريَّان، فقالا: اشْترينَاه منه في حَياتِه -وكَذَبا- فَكُلِّفَا البَيِّنَةَ، فَلم يَقْدِرَا عليها (٢) ، فَرُفِعَ ذَلك إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: فأنزل الله - عز وجل -: {فَإِنْ عُثِرَ} يقول: فإن اطُّلِعَ {عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا (٣) } يعني: الدَّارِيَّيْن، كَتمَا حَقًّا {فَآخَرَانِ} : مِن أَوْلِياء المَيِّت {يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} : فَيَحْلِفَان بالله إِنَّ مَالَ صَاحِبِنا (٤) كان كذا وكذا، وإنَّ الذي نَطْلُبُ -قِبَلَ الدَّارِيَّيْن- لَحَقٌّ، {وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: ١٠٧] فهذا قَولُ الشَّاهِدَيْن أولياء المَيِّتِ: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} [المائدة: ١٠٨] يعني: الدَّارِيَّيْن والنَّاسَ، أَنْ يَعُودُوا لِمِثْل ذَلِك (٥) .
ج ١ ص ٣٥٤قال الشافعي: يَعني: مَن كَان في مِثل حَالِ الدَّارِيَّيْن مِن النَّاس، ولا أَعْلَمُ الآيةَ تَحْتَمِل مَعنى غَيرَ جُمْلةِ ما قَال.
-
وإنما معنى {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} : أَيْمَانُ بَينِكُم، كما سُمِّيَت أَيْمَانُ المُتَلاعِنَيْن: شَهَادة، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» (١) .
- وبسط الكلام فيه، إلى أن قال:
-
«وليس في هذا رَدُّ اليَمِين، إنما كانت يَمِينُ الدَّارِيَّيْن على ما ادَّعَى الوَرَثَةُ مِن الخِيانَة، ويَمِينُ وَرَثَةِ المَيِّتِ عَلى مَا ادَّعَى الدَّارِيَّان أنه صَار لَهُما مِن قِبَلِهِ.
-
وقوله - عز وجل -: {أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} [المائدة: ١٠٨] فذلك وَاللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّ الأَيْمَانَ كانت عليهم بِدَعْوَى الوَرَثَةِ أَنهُم اخْتَانُوا، ثم صَار الوَرَثةُ حَالِفِينَ بإقْرَارِهم أَنَّ هذا كان للمَيِّت، وادِّعَائِهم شِراءَهُ منه، فجاز: أن يقال: {أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} وذلك قوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ: {يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} [المائدة: ١٠٧] . يحلفان (٢) كما أُحْلِفَا، وإذا كان هذا كما وَصفتُ، فَليسَت هذه الآيةُ بِناسِخَةٍ (٣) ولا مَنْسُوخَةٍ» (٤) .
قال الشَّيخُ: «وقد رَوَيْنا عن ابنِ عَبَّاسٍ، ما دَلَّ على صِحَّةِ ما قال مُقَاتِلُ
ج ١ ص ٣٥٥ابنُ حَيَّانَ (١) .
-
ويَحْتَمِلُ: أن يكُونَ المُرادُ بقوله تعالى: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: ١٠٦] : الشَّهَادَةَ نفسَها، وهو أَنْ يكونَ للمُدَّعِينَ (٢) اثْنَانِ ذَوا عَدْلٍ -مِن المُسلمين- يَشْهَدَان لَهُم بما ادَّعَوْا على الدَّارِيَّيْن مِن الخِيانَة.
ثم قال: {أَوْ (٣) آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} يعني: إِذَا لَم يَكُن للمُدَّعِين -مِنكُم- بَيِّنةٌ: فَآخَرَان مِن غَيرِكُم، يعني: فَالدَّاريَّان -اللَّذانِ ادُّعِيَ عليهما- يُحْبَسَان مِن بعد الصَّلاة {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} [المائدة: ١٠٦] يعني: يَحْلِفَان على إِنكارِ مَا ادُّعِيَ عليهما، على ما حَكَاهُ مُقَاتِلٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» (٤) .
-
(١٩٩) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عَمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «والحُجَّةُ فيما وَصفتُ: مِن أَن يُسْتَحْلَفَ النَّاسُ فيما بَين البَيتِ والمَقَام، وعلى منبر رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وبَعد العَصْر؛ لقول اللهِ تَبَارَك وتَعَالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} [المائدة: ١٠٦] .
ج ١ ص ٣٥٦وقال المُفَسِّرون: صَلاةُ العَصْر» (١) .
-
ثم ذكر شَهَادةَ المُتَلاعِنَيْن، وغَيرَهُما.
(٢٠٠) وفيما أنبأني أبو عبد الله -إجازةً- عن أبي العَباس، عن الربيع، عن الشافعي، أنه قال: «زَعَم بعضُ أَهلِ التَّفْسِير أَنَّ قَولَ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ... {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب: ٤] : ما جَعَلَ لِرَجُلٍ مِن أَبَويْن في الإسلام.
قال الشافعي: واسْتَدَلَّ (٢) -بسياق الآية- قَولِه تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} [الأحزاب: ٥] » (٣) .
قال الشَّيخُ: قد رَويْنا هذا، عَن مُقَاتِل بنِ حَيَّان (٤) ، ورُوِيَ، عن الزُّهْرِي (٥) في معناه.