(٨) فصل فيما يؤثر عنه من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات

١٥٥ فقرة، ج ١ ص ٩٦

الصفحة ١ من ٤

  1. (٢٣) أخبرنا مُحَمَّدُ بنُ موسى بن الفَضْل، أخبرنا أبو العباس محمدُ بن يَعقُوبَ، أخبرنا الربيعُ بنُ سُلَيمانَ، أخبرنا الشَّافِعيُّ - رحمه الله - قال: قال الله ... جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: ٦] إلى قوله - عز وجل -: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: ٦] .

    قال: «وكان بَيِّنًا عند مَن خُوطِبَ بالآية: أَنَّ غسْلَهم إنما يكونُ بالمَاءِ، [ثُم أَبَانَ اللهُ في الآية أَنَّ الغَسْل بِالمَاء] (١) ، وكان معقولًا عِند مَن خُوطِب بالآية؛ أَنَّ الماءَ، ما خَلق اللهُ ماءً لا مَنْفَعَة فيه لِلآدَمِيين (٢) ، وذَكَر المَاءَ عَامَّة، فكان مَاءُ السَّماء، ومَاءُ الأَنهار، والآبَار، والقِلَات (٣) ، والبحار، العذب مِن جَمِيعه، والأُجَاج سَواء، في أنه يُطَهِّرُ مَن تَوضَأ واغْتَسل بِه» (٤) .

    وقال في قوله - عز وجل -: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} : «لم أَعْلَم مُخَالِفًا في أَنَّ الوَجْه المَفْروض غَسْله في الوضوء: ما ظَهَر دُونَ مَا بَطَن» (٥) .

    وقال: «وكان مَعقُولًا أن الوَجْه: ما دُونَ مَنَابِت شَعْرِ الرَّأسِ، إلى

    ج ١ ص ٩٧الأُذُنَين واللحْيَيْن والذَّقْن» (١) .

    ج ١ ص ٩٦
  2. وفي قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: ٦] قال: «فلم أعلم مُخَالِفًا أَنَّ المَرَافِق فيما يُغْسَل، كأنهم ذهبوا إلى أن معناها: فَاغْسِلُوا أَيْدِيَكم إلى أن تُغْسَل المَرَافِق» (٢) .

  3. وفي قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: ٦] ، قال: «فكان مَعقُولًا في الآية أَن مَن مَسَح مِن رَأْسِه شَيئًا، فَقَدْ مَسَح بِرأْسِه، ولم تَحتمِل الآيةُ إلا هذا -وهو أظهر معانيها- أو مَسَح الرَأس كُلَّه، قال: فَدَلَّت السُّنة على أَن لَيْس عَلَى المَرْء مَسْحُ رَأْسِه كُلِّه. وإذا دَلَّت السُّنَةُ على ذلك، فمعنى الآية: أَنَّ مَن مَسَح شَيئًا مِن رَأْسِه أَجْزَأَهُ» (٣) .

  4. وفي قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: ٦] .

    قال الشَّافِعِيُّ: «نحن نَقْرَؤُها {وَأَرْجُلَكُمْ} على معنى اغْسِلوا وُجُوهَكُم، وأَيْدِيَكم، وأَرْجُلَكُم، وامْسَحُوا برؤُسِكُم.

    قال: ولَمْ أَسمع مُخَالِفًا في أَنَّ الكَعْبين، اللذين ذَكَر اللهُ - عز وجل - في الوضُوءِ: الكَعْبَان النَّاتِئَان، وهُمَا مَجْمَع مِفْصَل السَّاق والقَدَم، وأَنَّ عَلَيهِما الغَسْل، كأنه يَذْهَبُ فيهما إلى: اغْسِلُوا أَرْجُلَكم حتى تَغْسِلوا الكَعْبَيْن» (٤) .

    وقال في غير هذه الرواية: «والكَعْبُ إِنَّما سُمِّي كَعبًا؛ لِنُتُوئِه في مَوْضِعِه

    ج ١ ص ٩٨عَمَّا تَحْتَه، وما فَوْقَه، ويقال للشيء المُجْتَمِع مِن السِّمَن: كَعْبُ سمن، وللوجه فيه نتوء: وجْه مُكَعب (١) ، والثَّدْي (٢) إذا تَنَاهَد: أكعب» (٣) .

  5. قال الشافعي - رحمه الله - في روايتنا عن أبي سعيد (٤) -: «وأَصْلُ مَذْهَبِنَا: أَنَّه يَأتي بالغُسْل كَيف شَاء، ولو قَطَّعَه؛ لأنَّ اللهَ تَبَارَك وتَعَالى قال: {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: ٤٣] ، فَهَذا مُغْتَسَل، وإن قَطَّع الغُسْل. فلا أحسبه يَجُوز إذا قَطَّع الوُضُوء، إلا مثل هذا» (٥) .

    قال الشافعي - رحمه الله -: «وتوضَّأ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - كما أمر الله، وبدأ بما بدأ الله به. فَأَشْبَه واللَّهُ أَعْلَمُ أن يكونَ على المتوضئين في الوضوء شيئان: (٦) يبدأ بما بدأ الله به، ثم رَسولُه - صلى الله عليه وسلم - به منه، ويأتي على إكمال ما أمر به.

  6. وشَبَّهَهُ بقولِ الله - عز وجل -: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: ١٥٨] . فبدأ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالصَّفَا، وقال ٦) «نَبَدأُ بِمَا بَدأَ اللهُ به» (٧) .

    قال الشافعي - رحمه الله -: «وذَكَر اللهُ اليَدَين معًا، والرِّجْلَين معًا، فَأُحِبُّ أن يبدَأ باليُمْنَى، وإن بَدأ بِاليُسْرَى، فَقَد أَسَاءَ، ولا إِعَادَة عَلَيْه» (٨) .

  7. وفي قول الله - عز وجل -: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: ٦] قال الشَّافِعِيُّ - رحمه الله -: «فَكَان ظَاهِرُ الآيَة: أَنَّ مَن قام إلى الصَّلاةِ، فعليه أَنْ يَتوضأ، وكانت مُحْتَمِلة أن تكونَ نَزَلت في خَاصٍّ.

    ج ١ ص ٩٩
  8. فَسَمَعِتُ بَعْضَ مَن أَرْضَى عِلْمَه بالقُرآنِ، يَزْعُم: أَنها نَزَلت في القَائِمينَ مِنَ النَّوم، وأَحْسِبُ ما قَال كَمَا قَال؛ لأن في السُّنَّة دليلًا على أن يتوضأ مَن قَام مِن نَوْمِه» (١) .

    قال الشافعي - رحمه الله -: «فكان الوُضُوء الذي ذَكَرَه الله -بدلالة السُّنَّة- على مَن لَم يُحْدِث غَائطًا، ولا بَوْلًا، دُونَ مَن أَحْدَث غَائِطًا، أو بَوْلًا؛ لأنهما نَجِسَان يَمَاسَّان بعضَ البَدَن» (٢) .

  9. يعني: فَيكُونُ عليه الاستنجاء، فَيَسْتَنْجِي بِالحِجَارَةِ، أو المَاء.

    قال: «ولَو جَمَعَهُ رَجُلٌ، ثُم غَسَل بالمَاء، كان أَحَبَّ إِليَّ. ويُقَال: إِنَّ قومًا مِن الأنصار اسْتَنْجَوا بالماء، فَنَزلَت فيهم: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) } [التوبة] .

    قال الشافعي - رحمه الله -: «ومَعْقُولٌ إذْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى الغَائِطَ-في آيةِ الوُضُوء- أَنَّ الغَائِطَ: الخَلَاء، فَمَن تَخَلَّى: وَجَب عَليه الوُضُوء» (٣) .

  10. ثُمَّ ذَكَر الحُجَّةَ مِن غَير الكِتَاب، في إيْجَاب الوُضُوء بالرِّيح، والبَوْلِ، والمَذْي، والوَدْي، وغَير ذَلك مِمَّا يَخْرُج مِن سُبُل (٤) الحَدَث.

  11. وفي قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: ٤٣] ، قال الشافعي: «ذَكَر اللهُ - عز وجل - الوُضُوءَ على مَن قَام إِلى الصَّلاةِ، فَأَشْبَه أَن يَكُونَ مَن قَام مِن مَضْجَع النَّوم، وذَكَر طَهَارةَ الجُنُب، ثم قال بعد ذلك: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: ٤٣] . فَأَشبه أن يَكُونَ أَوْجَب الوُضُوءَ مِنَ الغَائِط، وَأَوْجَبَه مِن المُلامَسَة، وإنما ذَكَرها مَوْصُولَةً بِالغَائِط بَعد ذِكْر الجَنَابَة، فَأَشْبَهت المُلَامَسَةُ أَنْ تَكونَ: اللَّمْسَ بِالْيَد والقُبَل، غَيْرُ الجَنَابَة» (١) .

    ج ١ ص ١٠٠
  12. ثُم اسْتَدَلَّ عَليه بآثَارٍ ذَكَرَهَا.

    قال الرَّبيعُ (٢) : «اللمْسُ بِالْكَفِّ، ألا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المُلَامَسَة.

  13. والمُلَامَسَةُ: أَنْ يَلْمِسَ الرَّجُلُ الثَّوبَ، فلا يَقْلِبُه (٣) .

    وقال الشاعر:

    فَأَلْمَسْتُ كَفِّي كَفَّه طَلَبَ الغِنَى ... ولَمْ أَدْرِ أَنَّ الجُودَ مِن كَفِّهِ يُعْدِي

    فلا أَنَا، مِنْهُ مَا أفَادَ ذَوُو الغِنَى ... أَفَدْتُ وأَعْدَانِي فَبَدَّدْتُ مَا عِنْدِي (٤)

  14. هكذا وَجَدتُه في كِتَابِي، وقد رواه غَيْرُهُ (٥) ، عن الرَّبِيع، عَن الشَّافِعِي.

  15. (٢٤) أخبرنا أبو عَبْدِ الرَّحمَن السُّلَمِيُّ، أخبرنا الحَسَنُ (١) بنُ رَشِيقٍ المِصْرِيُّ -إِجَازَةً-، أخبرنا أَحمدُ بنُ مُحَمَّد بنِ جَرِيرٍ (٢) النَّحْوي، قال: سَمِعْتُ الرَّبيعَ بنَ سُلَيْمَانَ يقول: فذَكَر معناه، عن الشَّافِعِيِّ.

    ج ١ ص ١٠١
  16. (٢٥) أخبرنا أبو سَعِيدٍ، أخبرنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال الشافعي: «قال الله تبارك وتعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: ٤٣] . فَأَوْجَبَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الغُسْلَ مِن الجَنَابَة، وكان مَعْرُوفًا في لِسَانِ العَرَبِ أَنَّ الجَنَابَةَ: الجِمَاعُ، وإِنْ لَم يَكُن مَع الجِمَاع مَاءٌ دَافِق، وكذلك ذَلك في حَدِّ الزِّنا، وإيجَاب المَهْر، وغَيْرِه.

  17. وكُلُّ مَن خُوطِب، بأن فَلانًا أَجْنَب مِن فُلانَة، عَقَل أَنَّه أَصَابها، وإن لَم يَكُن مُقْتَرِفًا» (٣) .

  18. يَعْنِي: أنه لَم يُنْزِل (٤) .

  19. وبهذا الإسناد قال الشافعي: «وَكانَ فَرضُ اللهِ: الغُسْلَ مُطْلقًا، لم يَذْكُر فيه شيئًا يَبْدَأُ به قَبْل شَيءٍ، فإذا جَاء المُغْتَسِل بالغُسْل؛ أَجْزَأَهُ واللَّهُ أَعْلَمُ كيفما جاء به، وكذلك لا وَقْتَ في المَاءِ في الغُسْل، إلا أن يَأْتي بِغَسْل جَمِيع بَدَنِه» (٥) .

  20. (٢٦) أخبرنا أبو عبد اللهِ الحَافِظُ، أخبرنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال الشَّافِعِيُّ: «قال الله تبارك وتعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: ٦] . قال الشَّافِعِيُّ: نَزَلت آيةُ التَّيَمُّم في غَزْوَة بني المُصْطَلِق؛ انْحَلَّ عِقْدٌ لِعَائِشَةَ - رضي الله عنها -، فَأقامَ الناسُ عَلى الْتِمَاسِه مَع رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولَيسُوا عَلَى مَاءٍ، ولَيْس مَعَهُم مَاءٌ، فأنزلَ اللهُ - عز وجل - آيةَ التَّيَمُّم (١) ، أخبرنا بذلك عَدَدٌ مِن قُرَيش، مِن أَهْل العِلْمِ بالمَغَازِي، وغَيْرِهِم».

    ج ١ ص ١٠٢
  21. ثم رَوَى فيه حَديثَ مَالِك، وهو مَذكُورٌ في كتاب «المعرفة» (٢) .

  22. (٢٧) أخبرنا أبو سَعِيد ابن أبي عَمْرٍو، أخبرنا أبو العَبَّاسِ، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله تبارك وتعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} قال: وَكُلُّ مَا وَقَع عَليه اسْمُ صَعِيدٍ لم يُخَالِطْه نَجَاسَة: فهو صَعِيدٌ طَيَّبٌ، يُتَيمَّمُ به، ولا يَقَعُ اسمُ صَعِيدٍ إلا عَلى تُرَابٍ ذِي غُبَارٍ، فَأمَّا البَطْحَاءُ الغَلِيظَة والرَّقِيقَة، والكَثِيب الغَلِيظ: فَلا يَقَع عَلَيه اسمُ صَعِيدٍ» (٣) .

  23. وبهذا الإسناد قال الشَّافِعِيُّ: «قال اللهُ تبارك وتعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: ٦] الآية.

    وقال في سياقها: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} ... (٤) {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} .

  24. فَدَلَّ حُكْمُ اللهِ - عز وجل - على أَنَّه أَبَاحَ التَّيَمُّمَ في حَالَيْن:

    أحدهما: السَّفَر والإعواز من الماء.

    ج ١ ص ١٠٣
  25. والآخر: المريض في حَضَرٍ كان، أو سَفَرٍ، ودَلَّ عَلَى أَن عَلَى المُسَافِر طَلبَ المَاء؛ لِقُولِه: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} وكان كُلُّ مَن خَرَج مُجْتَازًا مِن بَلَدٍ إلى غَيره، يَقَعُ عَليه اسْمُ السَّفَر، قَصُرَ السَّفَرُ أو طَال، ولَم أَعْلَم مِنَ السُّنَّة دَليلًا على أَنَّ لِبَعضِ المُسَافِرينَ أن يَتيَمَّم دُونَ بَعض، فَكَان ظَاهِرُ القُرآنِ: أَنَّ كُلَّ مَن سَافَر سَفَرًا قَريبًا، أو بَعِيدًا: يَتَيَمَّم» (١) .

    قال: «وإذا كان مَريضًا بَعْضَ المَرَض: تَيَمَّم حَاضِرًا أو مُسافِرًا، أو وَاجِدًا للماء، وغَيرَ وَاجِدٍ له.

  26. والمَرَضُ: اسْمٌ جَامِعٌ لِمَعَانٍ، لأمْرَاضٍ مُخْتَلِفَة، فالذي سَمِعتُ: أَنَّ المَرَض-الذِي للمَرْء أن يَتَيمَّم فيه-: الجِرَاح.

  27. والقُرْحُ -دُونَ الغَوْر- (٢) كُله مِثْلُ الجِرَاح؛ لأنَّه يُخَافُ في كُلِّه -إذَا مَاسَّهُ الماء- أَنْ يَنْطُف (٣) فَيكُون مِن النَّطْفِ: التَلَفُ، والمَرَضُ المَخُوفُ» (٤) .

  28. والصحيح ما أثبتناه.

    وقال في القديم -رواية الزعفراني (٥) عنه-: «يَتيَمَّم إِنْ خَافَ التَّلَفَ، أو

    ج ١ ص ١٠٤شِدَّة الضَّنَى» (١) .

    وقال في كتاب البُوَيْطِيِّ (٢) : «فَخافَ، إنْ أصابَه المَاءُ، أن يَموتَ، أو يَتَراقَى عَليه إلى ما هو أكثر مِنْهَا: تَيَمَّم وصَلَّى، ولا إِعَادة عَليه؛ لأن اللهَ تعالى أَبَاحَ للمَريضِ التَّيَمُّم، وقيل: ذلك المَرض: الجِرَاح والجُدَري، وما كان في معناهما مِن المَرض عِندي مِثلَهُما، وليس الحُمَّى، وما أشبهها مِنَ الرَّمَد وغيره عندي، مثل ذلك» .

    قال الشافعي-في روايتنا-: «جَعَل اللهُ تعالى المَواقِيتَ للصَّلاةِ، فلم يَكُن لأَحَدٍ أَن يُصَلِّيَها قَبْلَها، وإنَّمَا أُمِرَ بالقِيامِ إليهَا، إِذا دَخَل وَقْتُها، وكذلك أُمِرَ بالتَّيَمُّم عِندَ القِيامِ إليهَا، والإِعْواز مِن المَاء، فَمَن تَيَمَّم لِصَلاةٍ قَبْل دُخُولِ وقْتِهَا، وطَلبِ المَاءِ لَها، لَم يَكُن لَه أَن يُصَلِّيَها بِذَلك التَّيَمُّمِ» (٣) .

  29. (٢٨) أخبرنا أبو سَعِيدٍ، حدثنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «وإنما قُلتُ: لا يَتَوضَّأ رَجُلٌ بِمَاءٍ قَد تَوضَّأَ بِه غَيْرُه؛ أَنَّ (٤) الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ يقول: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: ٦] فَكانَ مَعْقُولًا أَنَّ الوَجْهَ لا يُكونُ مَغْسُولًا، إِلا بِأَن يُبْتَدَأ له مَاءً (٥) فَيَغْسِلَ به، ثُم عليه في اليدين

    ج ١ ص ١٠٥-عِنْدِي- مِثْلُ مَا عَليه في الوَجْه: مِنْ أَن يَبْتَدِئ لَهُمَا مَاءً، فَيَغْسِلهُما به، فَلَو أَعادَ عليهما المَاءَ الذي غَسَل به الوَجْه، كان (١) كَأنَّهُ لَم يُسَوِّ بَيْن يَدَيه وَوَجْهِه، ولا يكون مُسَوِّيًا بينهما، حتى يَبْتَدِئَ لهما المَاءَ، كما ابتدأ لِلْوَجْه (٢) ، وأَنَّ (٣) رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ لِكُلِّ عُضْوٍ مَاءً جَديدًا» (٤) .

  30. وبهذا الإسناد، قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله - عز وجل -: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} إلى {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: ٦] فاحتملَ أَمْرُ (٥) اللهِ تَبَارَكَ وتَعَالى بِغَسْل القَدَمَيْن: أَنْ يَكُونَ عَلى كُلِّ مُتَوضِّئ.

  31. واحْتَمَل: أَنْ يَكُونَ على بَعْض المُتَوَضِّئِينَ دُونَ بَعْض.

  32. فَدَلَّ مَسْحُ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - على الخُفَّيْن: أنهما على مَن لا خُفَّيْن عَلَيه لَبِسَهُمَا على كَمَالِ طَهَارَة، كَما دَلَّ صَلاةُ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلاتَيْن بِوضُوءٍ وَاحِدٍ، وصَلَوَاتٍ بوضوء واحِدٍ: عَلى أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ مِمَّن قام إلى الصلاة، على بَعْضِ القَائِمِينَ دُونَ بَعْضٍ، لا أَنَّ المَسْحَ خِلَافٌ لِكِتَابِ الله - عز وجل -، ولا الوضوء على القَدَمَيْن» (٦) .

  33. زاد -في روايتي، عن أبي عبد الله (٧) ، عن أبي العَبَّاس، عن الرَّبِيعِ، عنه-:

    ج ١ ص ١٠٦«إنما يُقَال: الغُسْلُ: كَمَالٌ، والمَسْحُ: رُخْصَةُ كَمَالٍ، وأيهما شاءَ، فعل» (١) .

  34. (٢٩) أخبرنا أبو عبدِ اللهِ الحَافِظُ، حدثنا أبو العَبَّاسِ، أخبرنا الرَّبيعُ، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله تبارك وتعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: ٦] الآية، ودَلَّت السُّنَّةُ على الوُضُوءِ مِنَ الحَدَث.

    وقال الله - عز وجل -: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: ٤٣] (٢) فَكانَ الوُضُوءُ عَامًّا في كتاب الله - عز وجل - عن الأَحْدَاث، وكان أَمْرُ اللهِ الجُنُبَ بِالغُسْل مِنَ الجَنَابةِ، دَليلًا ... واللَّهُ أَعْلَمُ على أَن لا يَجِب غُسْلٌ إلا مِن جَنَابَة، إلا أَن تَدُلَّ السُّنَّةُ عَلَى غُسْلٍ وَاجِبٍ؛ فَنُوجِبُه بِالسُّنَّةِ (٣) ، بِطَاعَة اللهِ والأَخْذِ بها.

  35. ودَلَّت السُّنَّةُ على وجُوبِ الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَة، ولم أَعْلَم دَليلًا بَيِّنًا على أَنْ يَجِبَ غُسْلٌ غَيْرُ الجَنَابَة، الوُجُوب الذي لا يُجْزِئُ غَيْرُه.

  36. وقد رُويَ في غُسْلِ يَومِ الجُمُعَة شَيءٌ، فَذَهب ذَاهِبٌ إلى غير ما قُلْنَا، ولِسَانُ العَرَبِ وَاسِعٌ» (٤) .

  37. ثُمَّ ذَكَر مَا رُوي فيه، وذَكَر تَأْوِيلَه، وذَكَر السُّنَّةَ التي دَلَّت عَلى وُجُوبه في الاخْتِيَار، والنظافة، ويعني (٥) : تَغَيُّر الرِّيح عندَ اجتِمَاع النَّاس، وهو مَذكُورٌ في

    ج ١ ص ١٠٧«كتاب المعرفة» (١) .

  38. (٣٠) وفيما أنبأني أبو عبد الله -إجازةً-، عن أبي العباس (٢) ، عن الرَّبيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «قال الله تبارك وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: ٢٢٢] الآية. فَأبَانَ أنها حَائِضٌ غير طَاهِر، وأَمَرنا أن لا نَقْرَبَ حَائِضًا حتى تَطْهُر، ولا إذا طَهُرَت حتى تَطَهَّر بِالمَاءِ، وتَكون مِمَّن تَحِلُّ لها الصَّلَاة» (٣) .

  39. وفي قوله - عز وجل -: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: ٢٢٢] ، قال الشافعي: «قال بَعضُ أهلِ العِلْم بالقُرآن: فَأتُوهُنَّ مِن حَيثُ أَمرَكُم اللهُ أَنْ تَعْتَزِلُوهُنَّ، يعني في مَواضِعَ الحَيْضِ، وكانت الآيةُ مُحْتَمِلَةٌ لما قال.

  40. ومحتملةٌ: أَنَّ اعْتِزَالَهُنَّ: اعتزالُ جَمِيع أَبْدَانِهِنَّ، ودَلَّت سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على اعْتِزَال ما تَحْتَ الإِزَار مِنها، وإباحة ما فَوْقَها» (٤) .

    قال الشافعي: «وكان مُبِينًا في قول الله - عز وجل -: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: ٢٢٢] ، أَنَّهُنَّ حُيَّض في غَير حَالِ طَهَارَةِ، وقَضَى اللهُ عَلى الجُنُب، أنْ لا يَقْرَبَ الصَّلاةَ حتى يَغْتَسِل، فكان بَيِّنًا أن لا مُدَّةَ لِطَهَارَة الجُنُب إلا الغُسْل، ولا مُدَّةَ لِطَهَارَة الحَائِض إلا ذَهَاب الحَيْض، ثم الغُسْل؛ لقول الله - عز وجل -: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} ، وذلك: انْقِضَاءُ الحَيْضُ.