(٨) فصل فيما يؤثر عنه من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات

١٥٥ فقرة، ج ١ ص ٩٦

الصفحة ٢ من ٤

  1. {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} ، يعني: بالغُسْل؛ لأنَّ السُّنة دَلَّت عَلى أَنَّ طَهَارَةَ الحَائِضِ: الغُسْل، ودَلَّت على بَيَان مَا دَلَّ عليه كِتابُ اللهِ، مِن أَنْ لَا تُصَلِّي الحَائِض»، فذكر حديث عائشة - رضي الله عنها - (١) ، ثم قال: وأَمَر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَائِشَةَ - رضي الله عنها - «أَن لا تَطُوفِي بالبَيتِ حتى تَطْهُرِي» .

    ج ١ ص ١٠٨
  2. يَدُلُّ على أن لا تُصَلِّي حائِضًا؛ لأنها غَيرُ طَاهِرٍ، ما كان الحَيْضُ قَائِمًا. وكذلك قال الله - عز وجل -: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} » (٢) .

    قال الشافعي: «قال الله تبارك وتعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: ٢٣٨] الآيتين.

  3. فَلمَّا لم يُرخِّصِ اللهُ في أَن تُؤَخَّرَ الصَّلاةُ في الخَوْفِ، وأَرْخَصَ أنْ يُصَلِّيَها المُصَلِّي كما أَمْكَنَتْهُ رجالًا ورُكْبَانًا، وقال: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) } [النساء] ، وكان مَن عَقَل الصَّلَاة مِنَ البَالِغينَ، عاصِيًا بتركِهَا، إذا جَاء وَقْتُها وذَكَرَها، وكانت الحَائِضُ بِالغَةً عَاقِلَةً، ذَاكِرةً للصَّلاةِ، مُطِيقَةً لها، وكان حُكْمُ اللهِ: أَن لا يَقْرَبَها زَوْجُها حَائِضًا، ودَلَّ حُكْمُ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على: أَنَّه إذا حَرُمَ عَلى زَوْجِها أَن يَقْرَبها لِلحَيْض، حَرُمَ عَليها أَنْ تُصَلِّي= كان في هذا دَليلٌ على: أَنَّ فَرْضَ الصَّلاةِ في أَيَّامِ الحَيْض زَائِلٌ عَنْهَا، فَإِذَا زَالَ عنها -وهِي ذَاكِرةٌ عَاقِلَةٌ مُطِيقَةٌ- لم يَكُن عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّلاةِ.

  4. وكيفَ تَقْضِي ما لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلْيَها بِزَوالِ فَرضِه عَنها؟ ! وهَذا ما لم أعلم فيه مُخَالفًا» (١) .

    ج ١ ص ١٠٩
  5. (٣١) أخبرنا أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحَافِظُ - رحمه الله -، حدثنا ... أبو العَبَّاس محمدُ بنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ، أخبرنا الرَّبيعُ بنُ سُلَيْمَانَ، قال: قال الشافعيُّ: «ومِمَّا نَقَل بَعْضُ مَن سَمِعتُ منه مِن أَهْلِ العِلْم: أنَّ اللهَ - عز وجل - أنزل فَرضًا في الصَّلاةِ قَبْل فَرْضِ الصَّلوَاتِ الخَمْس فقال: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) } ... [المزمل] . ثم نَسَخَ هذا في السُّورَةِ مَعَهُ، فقال: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} [المزمل: ٢٠] قرأ إلى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} .

    قال الشَّافِعيُّ: ولَمَّا ذَكَر اللهُ - عز وجل - بَعد أَمْرهِ بقيامِ اللَّيل نِصْفَه إلا قليلًا، أو الزِّيادَة عليه فقال: {أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} فَخَفَّف، فقال: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: ٢٠] = كان بَيِّنًا في كِتابِ الله - عز وجل - نَسْخُ قِيامِ اللَّيلِ، ونِصْفِه، والنُّقْصَانِ مِنَ النِّصْف، والزيادَةِ عَليْه، بقوله - عز وجل -: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} ، ثم احتملَ قولُ اللهِ - عز وجل -: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} ، معنيين: أحدهما: أَنْ يَكُونَ فَرضًا ثَابتًا؛ لأنه أُرِيدَ (٢) به فَرضٌ غَيْرُه.

  6. والآخر: أن يَكُونَ فَرْضًا مَنْسوخًا، أُزِيلَ بِغَيْرِه، كما أُزِيلَ بِه غَيْرُه؛ وذلك لقول الله - عز وجل -: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: ٧٩] الآية.

    ج ١ ص ١١٠
  7. واحتمل قوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} أنْ يَتَهَجَّدَ بغير الذي فُرِضَ عَلَيْه، مِمَّا تَيَسَّر منه.

  8. فَكانَ الوَاجِبُ طَلَبَ الاسْتِدلالِ بِالسُّنة على أَحد المَعْنَييْن، فوجدنا سُنَّةَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - تَدُلُّ على أن لا وَاجِبَ مِن الصَّلاةِ، إلا الخَمْسُ، فَصِرنا إلى أَنَّ الواجبَ الخَمْسُ، وأَنَّ مَا سِواهَا -مِن وَاجِبٍ مِن صَلاةِ قَبْلَها- مَنْسُوخٌ بها؛ استدلالًا بقول الله - عز وجل -: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} فإنها ناسِخَةٌ لِقِيامِ الليل، ونِصْفِه، وثُلُثِه، وما تَيَسَّر، ولَسْنَا نُحِبُّ لأَحَدٍ تَرْكَ أَن يَتَهَجَّد بما يَسَّرَه الله عليه، مِن كِتَابه، مُصَلِّيًا به، وكَيفَما أَكثَرَ، فَهُو أَحَبُّ إلينا» (١) .

  9. ثم ذَكرَ حَديثَ طَلْحَةَ بنِ عُبَيد اللهِ (٢) ، وعُبَادَةَ بنِ الصَّامِت (٣) ، في

    ج ١ ص ١١١الصَّلواتِ الخَمْس.

  10. (٣٢) أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال لنا الشَّافِعِيُّ - رحمه الله -، فذكر معنى هذا بلفظ آخر.

    ثم قال: «ويقال: نُسِخَ ما وُصِفَ (١) في المُزَمِّل، بقول الله - عز وجل -: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: ٧٨] ، ودُلُوكُ الشَّمْس (٢) : زَوَالُها {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} : العَتَمَة، {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} : الصبح، {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: ٧٨ - ٧٩] ، فَأَعْلَمَه أَنَّ صَلاةَ الليل: نَافِلَةً، لا فَرِيضَة، وأنَّ الفَرائِضَ فيما ذكر، مِن لَيْلٍ أو نهار.

    قال الشَّافِعِيُّ: ويُقَال: في قول الله - عز وجل -: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} : المَغْرب، والعِشَاء {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} : الصُّبْح، {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا} : العَصْر، {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: ١٧ - ١٨] : الظُّهْر.

    قال الشَّافِعِيُّ: وما أشبه ما قيل (٣) من هذا، بما قيل ٣)، واللَّهُ أَعْلَم» (٤) .

  11. وبه قال: قال الشافعي: «أَحْكَمَ اللهُ - عز وجل - بِكِتَابِهِ (٥) أَنَّ ما فُرِضَ، مِن الصَّلوات: مَوْقُوتٌ والمَوقوتُ واللَّهُ أَعْلَمُ: الوَقْتُ الذي يُصَلَّى فيه، وعَدَدُها.

    ج ١ ص ١١٢فقال جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: ١٠٣] » (١) .

  12. وبهذا الإسناد، قال الشافعي: قال الله تبارك وتعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: ٤٣] . قال: يُقَال: نَزَلت قَبْل تَحْريم الخَمْر، وأَيُّمَا كان نُزُولُها، قَبل تَحريم الخَمْرِ أو بَعْدُ، فَمَن صَلَّى سَكْرَانًا (٢) لَم تَجُز صَلاتُه؛ لِنَهْي اللهِ - عز وجل - إيَّاه عن الصَّلاة، حتى يَعلمَ ما يَقُول وإِنْ مَعقُولًا: أَنَّ الصَّلاة: قَولٌ، وعملٌ، وإمْسَاك في مَواضِعَ مُخْتَلِفَة، ولا يُؤَدِّي هذا -كَمَا أُمِر به، إلا مَن عَقَلَه» (٣) .

  13. وبهذا الإسناد، قال: قال الشَّافِعِيُّ: «قال اللهُ تبارك وتعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} [المائدة: ٥٨] ، وقال: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: ٩] ، فَذَكَر اللهُ الأذَانَ للصَّلاة، وذَكَر يَومَ الجُمُعَة، فَكان بَيِّنًا واللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّه أرادَ المَكْتُوبَة بالآيَتَين مَعًا، وسَنَّ رَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الأَذَان للمَكْتُوبات» (٤) .

  14. (٣٣) أخبرنا أبو عَبدِ اللهِ الحَافِظُ، أخبرنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الرَّبيعُ، أخبرنا الشَّافِعِيُّ، حدثنا سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجَاهِدٍ، ... {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: ٤] قال: «لا أُذْكَرُ، إلا ذُكِرتَ أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وأشهدُ أَنَّ محمدًا رَسولُ الله» (١) .

    قال الشافعي: «يعني واللَّهُ أَعْلَم: ذِكْرَهُ عندَ الإيمانِ باللهِ، والأَذَان، ويُحْتَمل: ذِكْرَه عندَ تِلاوَة القُرآن، وعِندَ العَمَل بالطَّاعَة، والوُقُوف عَن المَعْصَية» (٢) .

    ج ١ ص ١١٣
  15. واحتج فى فضل التعجيل بالصلوات، بقول الله - عز وجل -: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: ٧٨] ودُلُوكُها: مَيْلُها.

  16. وبقوله: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) } [طه] ، وبقوله: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: ٢٣٨] ، والمحافظةُ على الشيء: تَعْجيله (٣) .

    وقال في موضع آخر: «ومَنْ قَدَّمَ الصَّلاةَ في أَوَّلِ وَقْتِهَا، كان أَوْلَى بالمُحَافَظة عليها، مِمَّن أَخَّرَها عن أَوَّلِ الوَقْتِ (٤) » (٥) .

    ج ١ ص ١١٤وقال في قوله: {وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: ٢٣٨] : «فذهبنا إلى أَنها الصبح» ، -ثم علق القول فيها، فقال: - «وكان أَقَلُّ ما في الصُّبح -إن لم تكن هي- أَن تَكُونَ مِمَّا أُمِرْنَا بالمُحَافَظة عَلَيه» (١) .

  17. وذكر- في رواية المُزَنِي، وحَرْمَلَةَ (٢) - حديثَ أبي يُونُس، مَوْلى عائشةَ - رضي الله عنها - أنها أَمْلَت عليه: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، والصَّلاةِ الوُسْطَى، وصَلَاةِ العَصْرِ} ، ثم قالت: «سَمعْتُها مِن رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -» (٣) .

    قال الشَّافِعِيُّ: «فَحَديثُ عَائِشَةَ يَدُلُّ على أَنَّ الصَّلَاةَ الوُسْطَى، لَيْسَت صَلَاة العَصْر» .

    قال: «واخْتَلَف بَعضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَرُويَ عن عَلِيٍّ، ورُوِي عن ابن عَبَّاسٍ، أنها: الصُّبح، وإلى هَذَا نَذْهَبُ، ورُوي عن زَيد بنِ ثَابتٍ: الظُّهر، وعن غيره: العَصْر» .

  18. ورُوي فيه حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

    قال الشَّيخُ: «الذي رواه الشَّافِعِيُّ في ذلك، عن عَلِيٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ؛

  19. فيما رَوَاه مَالِكٌ في المَوطَّإ (٤) عنهما، فيما بَلَغَه، ورَوَيْنَاه مَوْصُولًا، عن ابنِ

    ج ١ ص ١١٥عَبَّاسٍ (١) وابنِ عُمَر (٢) ، وهو قَولُ عَطَاءٍ، وطَاوُوس، ومُجَاهِد، وعِكْرِمَةَ».

  20. وَرَوْينا عن عَاصِمٍ، عن زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ، عن عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قال: «كُنَّا نَرى أنها صلاة الفجر، حتى سمعتُ رَسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يومَ الأَحْزَاب: يَقُول: «شَغَلُونَا عَن صَلاةِ الوُسْطَى، صَلاةِ العَصْر حتى غَابَت الشَّمْسُ، مَلأَ اللهُ قُبورَهُم وأجْوَافَهُم نَارًا» (٣) .

  21. وروايته في ذلك -عن النبي - صلى الله عليه وسلم - صحيحة، عن عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ (٤) ، وغَيرهِ عنه، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مَسْعُود (٥) ، وبه قال أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وأبو أَيُّوبَ، وأبو هُرَيرةَ (٦) ، وعبدُ اللهِ بن عَمرو، وفي إحدى الروايتين، عن ابن عُمر، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وعائشة - رضي الله عنهم -» (٧) .

  22. وقَرأتُ في كتاب حَرْمَلَةَ، عن الشَّافِعِيِّ في قول الله - عز وجل -: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: ٧٨] ، فَلم يَذكُر في هِذه الآيةِ مَشْهُودًا غَيْرَهُ، والصَّلواتُ مَشْهُودَات، فَأَشْبَه أَن يَكُونَ قَولُه: {مَشْهُودًا} بِأكْثَرَ مِمَّا تُشْهَد

    ج ١ ص ١١٦به الصَّلوات، أو أَفْضَل، أو مَشْهُودًا بنزول الملائكة» (١) .

  23. يُريدُ صَلاةَ الصُّبْح.

  24. (٣٤) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال الشَّافِعِيُّ - رحمه الله -: «فَرَضَ اللهُ تبارك وتعالى الصلواتِ، وأَبَانَ رَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَددَ كُلِّ واحِدَة مِنْهُنَّ، وَوَقْتَها، وما يُعْمَل فِيهِنِّ، وفي كُلِّ وَاحِدَةٍ منهن، وأَبانَ اللهُ - عز وجل - أَنَّ مِنْهُنَّ نَافِلَةً وفَرضًا، فقال لِنَبِيِّه - صلى الله عليه وسلم -: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: ٧٩] الآية. ثُم أَبَان ذَلِكَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فكان بَيِّنًا واللَّهُ أَعْلَمُ إِذْ (٢) كان مِن الصَّلاةِ نَافلةٌ وفرضٌ، وكان الفَرضُ منها مُؤقتًا؛ أَلَّا يُجزئُ عنه أن يصلي صلاة، إلا بأن يَنْوِيَهَا مُصَلِّيها» (٣) .

  25. وبهذا الإسناد، قال الشافعي: قال الله تبارك وتعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل: ٩٨] . قال الشافعي: وأحب أن يقول حين يفتتح القرآن (٤) : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأي كلام استعاذ به، أجزأه» (٥) .

    وقال -في الإملاء- بهذا الإسناد: «ثُم يَبتَدِئُ، فَيَتعَوَّذ، ويقول: أَعُوذُ بالسَّمِيع العَلِيم، أو يقول: أعوذُ باللهِ السَّمِيع العَلِيم، أو أَعوذُ بالله أن يَحْضُرُون؛ لقول الله - عز وجل - {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: ٩٨] .

    ج ١ ص ١١٧قال الشافعي في كتاب البُوَيْطِيِّ: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ (١) : {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) } [الحجر] . وهي: أُمُّ القُرآن، أَوَّلُها {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ».

  26. (٣٥) أخبرنا أبو زَكَريَّا ابنُ أَبي إِسْحَاقَ-في آخرين- قالوا: أخبرنا أبو العَبَّاس محمدُ بنُ يَعقُوبَ، أخبرنا الرَّبيعُ، أخبرنا الشَّافعِيُّ، أخبرنا ... عبدُ المَجِيد، عن ابن جُرَيْج، قال: أخبرني أبي، عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) } [الحجر] : «هِي أُمُّ القُرآن» . قال أبي: وقرأها عَليَّ سعيدُ بنُ جُبَير، حتى ختمها، ثم قال: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الآية السابعة. قال سَعيدٌ: وقرأها عَليَّ ابنُ عَبَّاس، كما قَرَأْتها عَليك، ثم قال {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الآية السابعة. قال ابن عباس: فَذَخَرَهَا لكم، فما أَخْرَجَها لِأَحَدٍ قَبْلَكُم» (٢) .

    قال الشافعيُّ-في رواية حَرْمَلَةَ عنه-: «وكان ابنُ عَبَّاسٍ يَفْعَلُه -يعني

    يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم- ويقول: انْتَزَع الشَّيطَانُ منهم خَيْرَ آيَةٍ في القرآن (٣) .

    وكان يقول: كان النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَعْرِفُ خَتْم السُّورَة، حتى تنزل: ... {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} » (٤) .

  27. (٣٦) أخبرنا أبو سعيد، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الرَّبيعُ، أخبرنا الشَّافعيُّ «قال الله تبارك وتعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) } [المزمل] .

    ج ١ ص ١١٨
  28. وأَقَلُّ التَّرتيل: تَرْكُ العَجَلَةِ في القُرآنِ عن الإِبَانَة، وكُلَّما زَاد عَلى أَقَلِّ الإبانة في القِراءة (١) ، كان أَحَبَّ إليَّ، ما لم يَبْلُغ أَن تَكون الزِّيادَةُ فيه تَمْطِيطًا» (٢) .

  29. قرأت في كتاب «المُخْتَصَر الكَبِير» فيما رواه أبو إبراهيم المُزَنِيُّ، عن الشافعي - رحمه الله - أنه قال: «أَنْزَل اللهُ - عز وجل - على رَسولِه - صلى الله عليه وسلم - فَرْضَ القِبْلَة بِمَكَّة، فكان يُصَلي في نَاحِية يَسْتَقبلُ منها البَيتَ، وبَيتَ المَقْدِس، فَلمَّا هَاجَر إلى المَدِينَة، اسْتَقْبَل بيتَ المَقْدِس، مُوَلِّيًا عن البَيتِ الحَرَام سِتَّة عَشَر شَهْرًا، وهو يُحِبُّ لو قَضَى اللهُ إليه باستقبالِ البَيتِ الحَرَام؛ لأَنَّ فيه مَقَامَ أَبيه إِبْرَاهِيمَ، وإِسْماعِيلَ، وهو المَثَابَةُ للنَّاسِ والأَمْن، وإليه الحَجُّ، وهو المَأْمُورُ بهِ أَن يُطَهَّر للطَّائِفينَ، والعَاكِفِينَ، والرُّكَّع السُّجُود، مع كَرَاهِية رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِمَا وَافَق اليَهُودَ، فقال لِجِبريلَ - عليه السلام -: «لَوَدِدْتُ أَنَّ رَبِّي صَرَفَنِي عَن قِبْلَة اليَهُود إلى غَيْرها، فَأنزلَ اللهُ - عز وجل -: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: ١١٥] يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: فَثَمَّ الوَجْه الذي وَجَّهَكُم الله إليه، فقال جبريلُ - عليه السلام - للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا مُحَمَّدُ، أَنا عَبْدٌ مَأمُورٌ مِثْلك، لا أملكُ شيئًا، فَسَلِ اللهَ، فسأل

    النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رَبَّه أن يُوَجِّهَهُ إلى البَيْتِ الحَرَام، وصَعَد جِبريلُ - عليه السلام - إلى السماء،

    ج ١ ص ١١٩فَجَعل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُدِيمُ طَرْفَه إلى السَّمَاء؛ رَجَاء أَنْ يَأْتِيَه جِبريلُ - عليه السلام - بما سأل، فَأنزَلَ اللهُ - عز وجل -: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} إلى قوله: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} [البقرة: ١٤٤ - ١٥٠] » (١) .

  30. «وفي قوله: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: ١٤٤] يُقال: يَجِدُونَ -فيما نَزَل عَلَيْهِم- أَنَّ النَّبيَّ الأُمِّيَّ مِن وَلَدِ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ - عليهما السلام -، يَخرُجُ مِن الحَرَم، وتَعُود قِبْلَتُه في صَلاتِه إلى مَخْرَجِه، يعني: الحرم» .

  31. وفي قوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} [البقرة: ١٥٠] قيل في ذلك واللَّهُ أَعْلَمُ: «لا تَستَقبِلوا المَسجدَ الحَرامَ مِن المدينة، إلا وأنتم مُسْتَدبِرُوا (٢) بيتِ المَقْدِس، وإِنْ جِئتُم مِن جِهة نَجْد اليَمَن، فكنتم تستقْبِلُونَ (٣) البيتَ الحَرَام، وبَيتَ المَقْدِس؛ استقبلتُم المَسجدَ الحَرام، لا أَنْ أَرَدْتُكُم (٤) بيتَ المَقْدِس-وإِنِ اسْتَقْبَلْتُمُوه باسْتِقبَالِ (٥) المَسجد الحَرام-لأنكم

    ج ١ ص ١٢٠كذلك تستقبلون ما دونه، ووراءه، لا إرادةَ أن يكونَ قِبْلَةً، ولَكِنَّه جِهَةَ قِبْلَةٍ».

  32. «وقيل: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} في استقبال قِبْلَةِ غَيْرِكُم» .

  33. «وقيل: في تَحويلِكُم عن قِبلَتِكُم التي كنتم عليها، إلى غيرها، وهذا أشبه ما قيل فيها واللَّهُ أَعْلَمُ؛ لقول الله - عز وجل -: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} إلى قوله تعالى: {مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) } [البقرة] ، فَأَعْلَم اللهُ نَبِيَّه - صلى الله عليه وسلم - أَنْ لا حُجَّةَ عَليهم في التَّحويل، يعني: لا يَتَكَلَّم في ذَلك أَحَدٌ بشيءٍ يُريدُ الحُجَّةَ إلَّا الذِين ظَلمُوا مِنهُم، لا أَنَّ لَهُم حُجَّة؛ لأنَّ عليهم أن يَنصَرِفُوا عن قِبْلَتِهم، إلى القبلة التي أُمِرُوا بها».

  34. «وفي قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} [البقرة: ١٤٣] يقول: إلا لِنَعلَم أَنْ قَد عَلِمتُم مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ، وعِلْمُ اللهِ كَان قَبْل اتِّبَاعِهم وبَعْدَه سَوَاء» .

  35. «وقد قال المسلمون: فكيف بما مَضَى مِن صَلَاتِنَا، ومَن مَضَى مِنَّا؟

  36. فَأعْلَمَهُم اللهُ - عز وجل -: أَنَّ صَلَاتَهُم إيْمَانٌ فقال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: ١٤٣] الآية».

  37. «ويقال: إِنَّ اليَهودَ قَالت: البِرُّ في اسْتقبال المَغْرِب، مَنْ كَان بِبَلْدَة بَيتِ المَقْدِس له مغرب، وقالت النصارى: البر في استقبال المَشْرق بِكُلِّ حَال، فَأنزلَ اللهُ - عز وجل - فيهم: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [البقرة: ١٧٧] يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: وأنتم مشركون؛ لأنَّ البِرَّ لا يُكْتَب لِمُشْركٍ، فلما حَوَّلَ اللهُ رَسولَه - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد الحرام صَلَّى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَكثرَ صَلاتِه، مِمَّا يَلِي الباب مِن وَجْه الكَعْبَة، وقَد صَلَّى مِن وَرائِها وصلى الناسُ، مُطِيفِينَ بالكَعْبَةِ،

    ج ١ ص ١٢١مُسْتَقْبِلِيها كُلِّها، مُسْتَدبِرينَ ما وَرَاءَها مِن المَسجد الحرام».

  38. «قال: وقوله - عز وجل -: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٤٤] ، فَشَطْرُه، وتِلْقَاؤُه، وَجِهَتُهُ: وَاحِد في كَلام العَرَب» .

  39. واستدل عَليه بِبعضِ ما في كتاب «الرسالة» (١) .

  40. (٣٧) أخبرنا أبو عَبدِ اللهِ الحَافِظُ، حدثنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الربيعُ، أخبرنا الشَّافعيُّ - رحمه الله -، قال: «قال الله تبارك وتعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: ١٥٠] . فَفَرضَ عليهم حَيثُ مَا كانُوا أَن يُوَلُّوا وُجُوهَهُم شَطْرَه.