أبو الزناد عبد الله بن ذكوان
١٬٣٧٧ فقرة، ج ١١ ص ٢٨٧
الصفحة ٢٩ من ٣٥
- ج ١١ ص ٦١٤
وكذلك رواهُ ورقاءُ في نُسختِهِ عن أبي الزِّنادِ.
-
وكذلك رواهُ ابنُ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُف، قال: أخبَرنا عُبيدُ الله بن محمدِ بن أبي غالِبٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن محمدِ (٦) بن بدرٍ، قال: أخبرنا رِزقُ الله بن موسى (٧) ،
ج ١١ ص ٦١٥قال: حدَّثنا ورقاءُ بن عُمرَ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "في الجُمُعةِ ساعةٌ لا يُوافِقُها عبدٌ مُسلِمٌ، وهُو قائمٌ يُصلِّي، يَسْألُ اللهَ شيئًا، إلّا أعطاهُ إيّاهُ" . قال: وأشارَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بيدِهِ، وقبضَ أصابِعَهُ، كأنَّهُ يُقلِّلُها (١) .
-
وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٢) : أخبَرنا عَمرُو بن زُرارةَ. وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جرِيرٍ، قال: حدَّثني يعقُوبُ بن إبراهيمَ، قالا: أخبَرنا إسماعيلُ، عن أيُّوب، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ في الجُمُعةِ ساعَةً لا يُوافِقُها مُسلِمٌ قائمٌ يُصلِّي، يَسْألُ اللهَ شيئًا، إلّا أعطاهُ إيّاهُ" . قُلنا: ما يُقلِّلُها؟ قال: يُزهِّدُها. وغيرُهُ يقولُ: يُصغِّرُها. كأنَّهُ يُشِيرُ إلى ضِيقِ وقتها.
- ج ١١ ص ٦١٦
وقد رَوى ابنُ جُريج، عن عطاءٍ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: في الجُمُعةِ ساعةٌ لا يَسْألُ اللهَ فيها المُسلِمُ شيئًا، وهُو يُصلِّي إلّا أعطاهُ.
قال: ويقولُ أبو هريرةَ بيدِهِ يُقلِّلُها (١) . هكذا موقُوفًا (٢) .
-
في هذا الحديثِ دليلٌ على فَضْلِ يوم الجُمُعةِ، ودليلٌ على أنَّ بعضَهُ أفضلُ من بعضٍ؛ لأنَّ تلك السّاعةَ أفضلُ من غيرِها، وإذا جاز أن يكون يومٌ أفضَلَ من يوم، جازَ أن تكون ساعَةٌ أفضَلَ من ساعةٍ، والفضائلُ لا تُدركُ بقِياسٍ، وإنَّما فيها التَّسلِيمُ والتَّعلُّمُ والشُّكرُ.
-
وأمّا قولُهُ - صلى الله عليه وسلم - فيهِ: "وهُو قائمٌ يُصلِّي" ، فإنَّهُ يحتمِلُ القِيام المعرُوف، ويحتمِلُ أن يكون القِيامُ هاهُنا، المُواظبةَ (٣) على الشَّيءِ، لا الوُقُوف، من قولِهِ عزَّ وجلَّ: {مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آل عمران: ٧٥] أي: مُواظِبًا بالاختِلافِ والاقتِضاءِ.
-
وإلى هذا التَّأوِيلِ يذهبُ من قال: إنَّ السّاعةَ بعدَ العَصْرِ، لأنَّهُ ليس بوقتِ صلاةٍ، ولكِنَّهُ وقتُ مُواظبةٍ في انتِظارِها، ومن هذا قولُ الأعْشَى (٤) :
يقُومُ على الوَغْمِ (٥) في (٦) قومِهِ ... ويعفُو إذا شاءَ أو يَنْتقِمْ
ج ١١ ص ٦١٧لم يُرِد بقولِهِ هاهُنا: يقومُ (١) : الوُقُوفَ من غيرِ مَشْي (٢) ، ولكِنَّهُ أرادَ: المُطالبةَ بالذَّحْلِ (٣) ، حتَّى يُدرِكهُ بالمُواظبةِ عليه (٤) .
-
وأمّا السَّاعةُ المذكُورةُ في يوم الجُمُعةِ، فاختُلِفَ فيها، فقال قومٌ: قد رُفِعت. وهذا عِندَنا غيرُ صحِيح.
-
حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمد، قال: أخبرنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جرِيرٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن محمدٍ الورّاقُ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبَرني داودُ بن أبي عاصِم، عن عبدِ الله بن أُنيسٍ، عن (٥) مولى مُعاويةَ قال: قُلتُ لأبي هريرةَ: زَعَمُوا أنَّ السّاعةَ التي في يوم الجُمُعةَ، التي لا يدعُو فيها مُسلِمٌ إلّا استُجِيبَ لهُ، قد رُفِعت. قال: كذَبَ من قال ذلك. قُلتُ: فهي في كلِّ جُمُعةٍ أسْتَقبِلُها؟ قال: نعم (٦) . هكذا قال عبدُ الله بن أُنيسٍ (٧) .
وذكر سُنيدٌ، عن حجّاج، عن ابنِ جُريج، قال: أخبرني داودُ بن أبي عاصِم، عن عبدِ الله بن يُحَنَّسَ (٨) مولى مُعاويةَ، قال: قُلتُ لأبي هريرةَ: زَعمُوا أنَّ السّاعةَ ... فذكر مِثلَهُ سواءً.
ج ١١ ص ٦١٨قال أبو عُمر: على هذا القولِ جماعةُ العُلماءِ، إلّا أنَّها اختلفت فيها الآثارُ، وعُلماءُ الأمصارِ.
-
فذهَبَ عبدُ الله بن سلام إلى أنَّها بعد العصرِ، إلى غُرُوبِ الشَّمسِ. وتابعهُ على ذلك قومٌ.
-
ومن حُجَّةِ من ذهب إلى ذلك:
ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عَمرُو بن الحارِثِ، أنَّ الجُلاحَ مولى عبدِ العزيزِ بن مَرْوان حدَّثهُ، أنَّ أبا سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ حدَّثهُ، عن جابرِ بن عبدِ الله، عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ قال: "يومُ الجُمُعةِ ثِنتا عَشَرة، يُرِيدُ: ثِنتا عشرَةَ ساعةً، فيها ساعَةٌ لا يُوجدُ مُسلِمٌ يَسْألُ (٢) اللهَ فيها شيئًا، إلّا أتاهُ، فالْتَمِسُوها آخِر ساعَةٍ بعدَ العصرِ" .
قال أبو عُمر: يُقالُ: إنَّ قولَهُ في هذا الحديثِ: "فالْتَمِسُوها آخِر ساعةٍ بعد العَصْرِ" . من قولِ أبي سلمةَ، وأبو سلمةَ هُو الذي رَوى حديثَ أبي هريرةَ، وقِصَّتهُ مع كعبٍ وعبدِ الله بن سلام في السّاعَةِ التي في يوم الجُمُعةِ، وسيأتي حديثُهُ ذلك، في بابِ يزِيد بن الهادِ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله.
وقال آخرُونَ: السّاعةُ المذكُورةُ في يوم الجُمُعةِ، هي ساعةُ الصَّلاةِ، وحِينُها من الإقامَةِ إلى السَّلام.
- ج ١١ ص ٦١٩
واحتجُّوا بما حدَّثناهُ سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (١) : حدَّثنا خالدُ بن مخلدٍ. وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جرِيرٍ، قال: حدَّثنا زِيادُ بن أيُّوب، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ، قالا: حدَّثنا كثِيرُ بنُ عبدِ الله، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، قال: سمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "إنَّ في الجُمُعةِ ساعَةً من النَّهارِ، لا يسألُ العبدُ فيها شيئًا، إلّا أُعطِي سُؤلَهُ" . قيل: أيُّ ساعةٍ هي؟ قال: "حِينَ تُقامُ الصَّلاةُ، إلى الانصِرافِ مِنها" .
قال أبو عُمر: كثِيرُ بن عبدِ الله هذا، هُو كثِيرُ بن عبدِ الله بن عَمرِو بن عوفٍ المُزنِيُّ، ضعِيفٌ، منسُوبٌ إلى الكذِبِ (٢) ، لا يُحتجُّ به، ولا بمِثلِهِ.
وقال آخرُونَ: السّاعةُ المذكُورةُ في يوم الجُمُعةِ، من حِين يَفْتتِحُ الإمامُ الخُطبةَ، إلى فراغ الصَّلاةِ.
-
أخبَرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ ويعِيشُ بن سعِيدٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن غالِبٍ التَّمتامُ، قال: حدَّثنا موسى بن مسعُودٍ النَّهدِيُّ
ج ١١ ص ٦٢٠أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا أبو ذرٍّ محمدُ بن عُثيم (١) ، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن ابنِ عُمر، أنَّ (٢) النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ في الجُمُعةِ لساعَةً، لا يَسْألُ العبدُ فيها ربَّهُ شيئًا، إلّا أعطاهُ إيّاهُ" . قيل: يا رسُولَ الله، أيُّ ساعةٍ هي؟ قال: "من حِين يقُومُ الإمامُ في خُطبتِهِ، إلى أن يفرُغَ من خُطبتِهِ" (٣) .
-
هكذا في الحديثِ: "إلى أن يفرُغَ من خُطبتِهِ" (٤) . والمحفُوظُ: "إلى أن يفرُغَ من صلاتِهِ" .
-
أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا (٦) أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني مَخْرمةُ بن بُكيرٍ، عن أبيهِ، عن أبي بُرْدةَ بن أبي موسى الأشْعرِيِّ، قال: قال لي عبدُ الله بن عُمر: أسَمِعتَ (٧) أباكَ يُحدِّثُ عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في شأنِ ساعَةِ الجُمُعةِ؟ قال: قُلتُ: نعم، سَمِعتُهُ يقولُ: سمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "هِي ما بين أن يجلِس الإمامُ، إلى أن تُقْضَى الصَّلاةُ" .
-
وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جرِيرٍ،
ج ١١ ص ٦٢١قال: حدَّثنا عُبيدُ بن محمدٍ الورّاقُ، قال: حدَّثنا روحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا عوفٌ، عن مُعاويةَ بن قُرَّةَ، عن أبي بُرْدَةَ بن أبي موسى، أَنَّهُ قال لعبدِ الله بن عُمر: هي السّاعةُ التي يخرُجُ فيها الإمامُ، إلى أن تُقضى الصَّلاةُ. فقال ابنُ عُمر: أصابَ اللهُ بكَ (١) .
قال: وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جرِيرٌ، عن مُغِيرةَ، عن واصِلِ بن حيّان (٢) ، عن أبي بُرْدةَ، قال: قُلتُ لأبي: إنِّي لأعلمُ أيَّ ساعةٍ هي. فقال: وما يُدرِيكَ؟ فقُلتُ: هي السّاعةُ التي يخرُجُ فيها الإمامُ، وهي أفضَلُ السّاعاتِ، فقال: بارَكَ اللهُ عليكَ (٣) .
قال: وحدَّثني يعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا جرِيرٌ، عن إسماعيلَ بن سالم (٤) ، عن الشَّعبِيِّ، أَنَّهُ كان يقولُ في السّاعةِ التي تُرجَى في يوم الجُمُعةِ: هي ما بين خُرُوج الإمام، إلى انقِضاءِ الصَّلاةِ. قال: وحدَّثنا يعقُوبُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عُليَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ عونٍ، عن محمدٍ، قال: هي السّاعةُ التي كان يُصلِّي فيها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -.
قال: وحدَّثنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن إدرِيس، قال: حدَّثنا حُصين، عن الشَّعبِيِّ، عن عوفِ بن حَصيرة (٥) ، قال: السّاعةُ التي تُرجَى في الجُمُعةِ، من حِين تُقامُ الصَّلاةُ، إلى انصِرافِ الإمام (٦) .
ج ١١ ص ٦٢٢قال: وحدَّثنا ابنُ بشّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي إسحاق، عن أبي بُردةَ، قال: السّاعةُ التي في (١) الجُمُعةِ عِندَ نُزُولِ الإمام على المِنبرِ (٢) .
قال أبو عُمر: يَشْهدُ لهذه الأقاوِيلِ ما جاءَ في الحديثِ الثّابِتِ، قولِهِ: "وأشارَ بيدِهِ يُقلِّلُها ويُصغِّرُها (٣) " (٤) .
-
ويحتجُّ أيضًا من ذهَبَ إلى ذلك، بحديثِ أبي الجلدِ، عن عليِّ بن أبي طالِبٍ رضي الله عنه، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أَنَّهُ قال: "إذا زالتِ الشَّمسُ، وفاءَتِ الأفياءُ، وراحتِ الأرواحُ، فاطلُبُوا إلى الله حوائجَكُم، فإنَّها ساعةُ الأوّابِينَ، ثُمَّ تلا: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} (٥) [الإسراء: ٢٥] .
-
وروى موسى بن مُعاويةَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ المُقرِئ، عن حيوةَ بن شُريح، عن بكرِ بن عَمرٍو، عن الحارِثِ بن يزِيد الحضرمِيِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حُجيرةَ، عن أبي ذرٍّ الغِفارِيِّ: أنَّ امرأتهُ سألتهُ عن السّاعةِ التي يُسْتجابُ فيها يوم الجُمُعةِ للعَبدِ المُؤمِنِ، فقال: إنَّها بعدَ زيغِ الشَّمسِ بيسِيرٍ إلى ذِراع، فإن سألتِني بعدَها فأنتِ طالِقٌ (٦) .
- ج ١١ ص ٦٢٣
وذكر سُنيدٌ، عن وكِيع، عن محمدِ بن قيسٍ، قال: تذاكرنا عِندَ الشَّعبِيِّ السّاعةَ التي تُرجى في الجُمُعةِ، قال: هي ما بين أن يحرُمَ البيعُ، إلى أن يحِلَّ (١) .
قال: وحدَّثنا مُعتمِرٌ، قال: قُلتُ لابنِ عونٍ: ما كان رأيُ ابنِ سِيرِين في السّاعةِ التي تُرجى في يوم الجُمُعةِ؟ قال: قُلتُ لابنِ سِيرِين: أيُّ ساعةٍ هي عِندكَ؟ قال: أكثرُ ظنِّي أنَّها السّاعةُ التي كان يُصلِّي فيها رسُولُ الله، - صلى الله عليه وسلم - (٢) .
وقال آخرُونَ: هي من (٣) صلاةِ العصرِ، إلى غُرُوبِ الشَّمسِ.
-
حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جرِيرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا هارونُ، عن عَنْبسةَ، عن سالم، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عن ابنِ عبّاسٍ قال: السّاعةُ التي تُذكرُ يوم الجُمُعةِ، ما بين صلاةِ العصر، إلى غُرُوبِ الشَّمسِ. وكان سعِيدٌ إذا صلَّى العصر، لم (٤) يُكلِّم أحدًا (٥) إلى غُرُوبِ الشَّمسِ.
قال أبو عُمر: أمّا من قال: إنَّها بعد العمرِ. ومن قال: إنَّها آخِرُ ساعةٍ من يوم الجُمُعةِ. فقد ذكرنا القائلِينَ بذلك، في باب يزِيد بن الهادِ، في قِصَّةِ عبدِ الله بن سلام مع أبي هريرةَ، وكعبٍ، واللهُ عزَّ وجلَّ أعلمُ بالسّاعةِ أيُّ السّاعاتِ هي (٦) ؛ لأنَّ أخبارَ الآحادِ لا يُقطَعُ على مُعَيّنها، والذي ينبغِي لكلِّ مُسلِمٌ الاجتِهادُ في
ج ١١ ص ٦٢٤الدُّعاءِ للدِّينِ والدُّنيا في الوَقْتينِ المذكُورينِ، رجاءَ الإجابَةِ، فإنَّهُ لا يخِيبُ إن شاءَ الله، ولقد أحسنَ عَبِيدُ بن الأبرصِ، حيثُ قال (١) :
من يسألِ النّاسَ يحرِمُوهُ ... وسائلُ الله لا يخِيبُ
وقدِ احتجَّ بعضُ من خالفَ مذهبَ عبدِ الله بن سَلَام في هذا البابِ، بقولِهِ - صلى الله عليه وسلم - في الأحادِيثِ المذكُور في هذا البابِ: "وهُو قائمٌ يُصلِّي" قالوا: فقولُهُ: "قائمٌ يُصلِّي (٢) " يدفعُ قولَ مَن قال: إنَّها آخِرُ ساعةٍ من النَّهارِ بعدَ العصِر؛ لأنَّها ليَسْت ساعةً يجُوزُ للعبدِ المُسلِم فيها أن يقُومَ فيُصلِّي.
-
وقد ينفصِلُ من هذا الإدخالِ بوَجْهينِ:
أحدُهُما: أنَّ أبا هريرةَ سلَّم لابنِ سَلام تأوِيلَهُ، ولم يَعْترِضْ عليه بقولِهِ: "قائمٌ" ، فإن كان صحِيحًا، فمعناهُ على ما قال بعضُ أهلِ اللُّغةِ: إنَّ "قائمًا" قد يكونُ بمعنى "مُقِيم" . قالوا: ومن ذلك قولُ الله عزَّ وجلَّ: {مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آل: عمران: ٧٥] يعني: مُقِيمًا.
-
والوجهُ الآخرُ: أنَّهُ لو كانَ عِندهُ صحِيحًا في اللَّفظِ والمعنى، لعارَض (٣) به ابنَ سلام، واللهُ أعلمُ.
-
وستأتي قِصَّةُ ابنِ سلام معَ أبي هريرةَ، في بابِ يزِيدَ بن الهادِ، من هذا الكِتابِ إن شاءَ الله.
- ج ١١ ص ٦٢٥
حديثٌ خامسُ أربعينَ لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "طعامُ الاثنينِ كافِي الثَّلاثةِ، وطعامُ الثَّلاثةِ كافِي الأربعةِ" .
قال أبو عُمر: هكذا جاءَ هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" وغيرِهِ من حديثِ أبي الزِّنادِ بهذا الإسنادِ، وقد روى أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ ما هُو أعمُّ من هذا.
-
حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا روحٌ، قال: حدَّثنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبَرنا أبو الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ جابرَ بنَ عبدِ الله يقولُ: سَمِعتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "طعامُ الواحِدِ يَكْفِي الاثنينِ، وطعامُ الاثنينِ يَكْفِي الأربعةَ، وطعامُ الأرْبَعةِ يَكْفِي الثَّمانيةَ" (٢) .
-
فأمّا الكِفايةُ والاكتِفاءُ، فليسَ بالشِّبَع والاستِغناءِ، ألا تَرَى إلى قولِ أبي حازِم رحِمهُ الله: إذا كان لا يُغنِيك ما (٣) يكفِيكَ، فليسَ في الدُّنيا شيءٌ يُغنِيكَ (٤) .
-
ومن هذا الحديثِ، واللهُ أعلمُ، أخذَ عُمرُ بن الخطّاب فِعلَهُ عامَ الرَّمادةِ، حِينَ كان يُدخِلُ على أهلِ كلِّ بيتٍ مِثلَهُم، ويقولُ: لن يهلِكَ امرُؤٌ عن نِصفِ قُوتِهِ (٥) .
- ج ١١ ص ٦٢٦
حديثٌ سادسُ أربعينَ لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَزالُ أحدُكُم في صلاةٍ، ما كانتِ الصَّلاةُ تحبِسُهُ، لا يَمْنعُهُ أن ينقلِبَ إلى أهلِهِ إلّا الصَّلاةُ" .
-
هذا حديثٌ صحِيحٌ لا مطعَنَ لأحدٍ فيه من جِهةِ الإسنادِ، وقد رُوِي عن أبي هريرةَ من وُجُوهٍ.
-
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ فضلَ مُنتظِرِ الصَّلاةِ، كفضلِ المُصلِّي؛ لأنَّهُ مَعلُومٌ أنَّ قولَهُ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يزالُ أحدُكُم في صلاةٍ، ما كانتِ الصلاةُ تحبِسُهُ" لم يُرِد به أن مُنتظِرَ (٢) الصَّلاة قائمٌ، ولا أنَّهُ راكِعٌ وساجِدٌ، وإنَّما أرادَ أنَّ فضلَ (٣) انتِظارِ الصلاةِ بالقَصْدِ إلى ذلك، وبالنِّيَّةِ فيه، كفضلِ الصَّلاةِ، وأنَّ مُنتظِرها كالمُصلِّي في الفَضْلِ، وللّه أن يتفضَّلَ بما شاءَ، على من يشاءُ، فيما شاءَ من الأعمالِ، لا مُعقِّبَ لحُكمِهِ، ولا رادَّ لفضلِهِ.
-
ومن الوَجْهِ الذي عرفنا فضلَ الصلاةِ مِنهُ، عرفنا فضلَ انتِظارِها، وقد علِمَ النّاسُ أنَّ المُصلِّيَ في تِلاوتهِ وقِيامِهِ ورُكُوعِهِ، أتعبُ من المُنتظِرِ للصَّلاةِ، ذاكِرًا كان أو ساكِتًا، ولكِنَّ الفضائلَ لا تُدرَكُ بنَظَرٍ، ولا مدخلَ فيها لقِياسٍ، ولو أُخِذت قِياسًا، لكان من نوى السَّيِّئَةَ، كمن نوى الحسنةَ، ولكِنَّ اللهَ مُنعِمٌ كرِيم مُتفضِّلٌ رحِيمٌ، يكتُبُ الحسنةَ بالنِّيَّةِ وإن لم تُعمل، فإن عُمِلت ضُعِّفت عشرًا إلى سبع مِئةٍ، واللهُ يُضاعِفُ لمن يشاءُ، ولا يُؤاخِذُ عِبادهُ المُسلِمِينَ بما وَسْوَسَتْ به صُدُورُهُم، ونوَوْا من الشَّرِّ، ما لم يعملُوهُ.
- ج ١١ ص ٦٢٧
وهذا كلُّهُ لا مدخلَ فيه للقِياسِ، ألا ترَى إلى ما مَضَى ذِكرُهُ، في بابِ محمدِ بن المُنكدِرِ من هذا الكِتابِ، في الذي كان لهُ صلاةٌ من اللَّيلِ، فغَلَبتهُ عينُهُ، أنَّهُ يُكتَبُ لهُ أجرُ صلاتِهِ. وأنَّ من نَوَى الجِهادَ وأرادهُ، ثُمَّ حَبَسهُ عن ذلك عُذرٌ، أنَّهُ يُكتبُ لهُ أجرُ المُجاهِدِ في مَشْيِهِ وسعيِهِ ونَصَبِهِ؟
-
ومعلُوم أنَّ مشقَّةَ المُسافِرِ وما يَلْقاهُ من ألم السَّفرِ، لا يجِدُهُ المُتخلِّفُ المحبُوسُ بالعُذرِ.
-
وكذلك المرِيضُ يُكتبُ لهُ في مَرضِهِ ما كان يُواظِبُ عليه من أعمالِ البِرِّ.
-
وهذا كلُّهُ موجُودٌ في الآثارِ الصِّحاح عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قد مضى أكثرُها في هذا الكِتابِ، فغيرُ نكِيرٍ أن يُعْطَى مُنتظِرُ الصَّلاةِ فضلَ المُصلِّي وثوابَ عملِهِ، لحبسِهِ نفسَهُ عن التَّصرُّفِ في حاجاتِهِ، انتِظارًا منهُ لصلاتِهِ، كما يحبِسُ المُعتكِفُ نفسَهُ عن تَصرُّفِهِ، ويَلْزمُ موضِعَ اعتِكافِهِ، حِينًا في صلاةٍ، وحِينًا في غيرِ صلاةٍ، وهُو في ذلك كلِّهِ مُعتكِفٌ، وكذلك المُرابِطُ المُنتظِرُ لصَيْحةِ العدُوِّ في مَوْضِع الخوفِ، لهُ فضلُ المُقاتِلِ في سبِيلِ الله، الشّاهِرِ سيفَهُ في ذلك لانتظارِ العدُوِّ، وإرصادِهِ لهُ، وارتقابِهِ إيّاهُ.
-
وقد سمَّى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - انتِظارَ الصَّلاةِ بعد الصَّلاةِ رِباطًا. وسيأتي ذلك في بابِ أبي العلاءِ (١) ، إن شاءَ الله.
-
وقد روينا عن أبي الدَّرداءِ، أنَّهُ قال: من قِلَّةِ فِقهِ الرَّجُلِ، أن يكون في المسجدِ مُنتظِرًا للصَّلاةِ، وهُو يحسبُ أنْ ليسَ في صلاةٍ.
-
وذكر ابنُ وضّاح، عن محمدِ بن أبي السَّرِيِّ العسقلانِيِّ، قال: رأيتُهُ يأتي
ج ١١ ص ٦٢٨المسجدَ فيُحيِّيهِ بركعتينِ، ثُمَّ يجلِسُ ويقولُ: ما أُبالِي صلَّيتُ، أو قعدتُ مُنتظِرًا للصَّلاةِ.
-
وهذا، واللهُ أعلمُ، إذا كان المُنتظِرُ للصَّلاةِ، لا يحبِسُهُ في المسجدِ إلّا انتِظارُها، ولا يخلِطُ بنِيَّتِهِ سِواها، ويحتاجُ مع ذلك أن لا يَلْغُوَ ولا يلهُوَ، فحِينئذٍ يُرجَى لهٌ بما ذكَرْنا.