هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر

٨٥٩ فقرة، ج ١٤ ص ٢٢

الصفحة ١٥ من ٢٢

  1. ورواه غُندَرٌ وغيرُه هكذا عن شعبةَ بإسنادِه مثلَه (٢) .

    ج ١٤ ص ٢٤٢
  2. وروَى أبو معاوية، عن الأعمش، عن سعدِ بنِ عُبيدة، عن البراء، مثلَه موقوفًا (٣) .

  3. وذكَر بَقيٌّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيل، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ يوسف، عن ابن جُريج: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : لا إله إلا الله، {وَفِي الْآخِرَةِ} : المسألةُ في القبر، أخبَرنيه ابنُ طاوس، عن أبيه.

  4. وروى الأعمش (١) ، ويونسُ بنُ خَبّاب (٢) ، عن المنهالِ بنِ عَمْرو، عن زاذان، عن البراءِ بنِ عازب، قال: خرَجْنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة. فذكَر الحديثَ الطويلَ بتمامه، وفيه في صفةِ المؤمن: "ثم يُعادُ روحُه إلى جسدِه، وإنه ليَسمَعُ خَفْقَ نعالِ أصحابه إذا ولَّوْا عنه، ويدخلُ عليه ملَكانِ فيقولان له: اجلس فيجْلِس، مَن ربُّك؟ فيقول: الله. فيقولان له: ما دينُك؟ فيقول: الإسلام. فيقولان له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجل؟ فيقول: وأيُّ رجل؟ فيقولان: محمدٌ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. فيقول: أشهدُ أنه رسولُ الله" . قال: "فيَنْتهِرانِه ويقولان له: وما يُدرِيك؟ فيقول: إنِّي قرأتُ كتابَ الله فصدَّقتُ به وآمنتُ" . قال: "فهي آخرُ فتنةٍ تُعرضُ على المؤمن، وذلك قولُ الله عزَّ وجلَّ: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} " .

    قال: "ويُنادي منادٍ من السماء: أن صدقَ عبدي، فأفرِشُوهُ من الجنّة، وألبسُوهُ من الجنة، وأرُوهُ مقعدَه من الجنّة. فيأتيه من طِيْبها" . وساقَ الحديثَ إلى صفةِ المنافقِ والمُرتاب، قال: "فيدخُلُ عليه ملَكان فيقولان له: اجلِسْ" . قال: "وإنه ليَسمَعُ خَفْقَ نعالِ أصحابِه إذا ولَّوا عنه" . قال: "فيجلِسُ فيقولان له: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومَن نبيُّك؟ " .

    ج ١٤ ص ٢٤٣
  5. ففي روايةِ يونسَ بنٍ خبّاب: "فيقول: ربِّي الله، ودينيَ الإسلام، ونبيِّي محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -. فيَنتهِرانِه انتهارًا شديدًا ويقولان: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومَن نبيُّك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان: لا دَريتَ ولا تَلَيت" .

    وقال الأعمشُ في حديثه: "فيقولان: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان: ما تقولُ في هذا الرَّجل؟ فيقول: وأيُّ رجُل؟ فيقولان: محمدٌ. فيقول: لا أدري. سمِعتُ الناسَ قالوا قولًا، فقلتُ كما يقولُ الناس" . قال: "فيُنادي مُنادٍ من السماء: أنْ كذبَ عبدي، فأفرشُوهُ من النار، وأروهُ مقعدَه من النار. ويُضيَّقُ عليه قبرُه حتى تختلفَ أضلاعُه" . وساقا الحديثَ إلى آخرِه.

    ج ١٤ ص ٢٤٤
  6. ورَوَيْنا عن محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ علقمة، عن أصحابه، وعن مَعْمر، عن عَمْرو بنِ دينار؛ وعن سعدِ بنِ إبراهيم، عن عطاءِ بنِ يسار، دخل حديثُ بعضِهم في بعض والمعنى واحد، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر: "كيف بك يا عمرُ إذا جاءك مُنكَرٌ ونَكِيرٌ إذا مِتَّ، وانطلَق بك قومُك فقاسُوا ثلاثة أذْرُع وشِبْرًا في ذراعٍ وشِبْر، ثم غسَّلوكَ وكفَّنوكَ وحنَّطوكَ ثم احتَملُوك فوضَعُوك فيه، ثم أهالُوا عليك التُّراب، فإذا انصرَفوا عنك، أتاك فَتّانا القبر، مُنكَرٌ ونَكيرٌ، أصواتُهما كالرّعْدِ القاصِف، وأبصارُهما كالبَرْق الخاطِف، يَجُرّان شُعورَهُما، معهما مِرْزَبة، لو اجتَمع عليها أهلُ الأرض لم يُقِلُّوها؟ " . فقال عمر: إن فَرِقْنا، فنحن أحقُّ أن نَفرَق، أنُبعثُ على ما نحنُ عليه؟ قال: "نعم إن شاء الله" . قال: إذن أكفيكَهما (١) .

  7. وذكَر سُنيد (١) ، عن إسماعيلَ بنِ عُلَيّة، عن عبادِ بنِ إسحاقَ، عن أبي سعيدٍ المَقبُريِّ، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ماتَ المُسْلمُ أو المؤمنُ أتاه مَلكان أزْرَقان أسودان، يقالُ لأحدهما: منكرٌ. والآخر: نكيرٌ. فيقولان: ما كنتَ تقولُ في هذا الرَّجُل؟ فيقول ما كان يقولُ في الدُّنيا؛ هو عبدُ الله ورسولُه جاء بالحقّ. فيقال له: قد كنتَ تقولُ هذا. ثم يُفتحُ له في قبرِه سبعينَ ذراعًا في سبعين، ويُنوَّرُ له عندَه نور، ويقال له: نَمْ صالحًا. فيقول: أرجعُ إلي أهلي فأُخبرُهم؟ فيقال له: نَمْ نومةَ العَرُوسِ الذي لا يوقظُه إلا أحبُّ الناسِ إليه، حتى يبعثَه اللهُ من مضجعِه ذلك. وإن كان منافقًا قال: سمِعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقلتُه. فيقال: قد كنتَ تَقولُ ذلك" . قال: "ثم تؤمرُ الأرضُ فتَلتئِمُ عليه حتَّى تختلفَ أضلاعُه، فلا يزالُ كذلك مُعذَّبًا حتى يبعثَه اللهُ" (٢) .

    ج ١٤ ص ٢٤٥
  8. والآثارُ في عذابِ القبرِ لا يَحوطُ بها كتاب، وإنما ذكَرنا منها هاهنا ما في

    ج ١٤ ص ٢٤٦معنى حديثِنا، وما رجَونا أن يكونَ تفسيرًا له، والآثارُ المرفوعةُ كلُّها في هذا المعنى تدُلُّ على أن الفتنة، واللهُ أعلمُ، مرةٌ واحدةٌ.

  9. وكان عبيدُ بنُ عُمير - فيما ذكَر ابنُ جُريج، عن الحارثِ بنِ أبي الحارث عنه - يقول: يُفتَنُ رجلان؛ مؤمنٌ ومنافقٌ، فأما المؤمنُ فيُفتَنُ سبعًا، وأما المنافقُ فيُفتَنُ أربعين صباحًا (١) .

    قال أبو عُمر: الآثارُ الثابتةُ في هذا الباب إنما تدُلُّ على أن الفتنةَ في القبر لا تكونُ إلا لمؤمنٍ أو منافق، ممّن كان في الدُّنيا منسوبًا إلى أهل القبلةِ ودينِ الإسلام، ممن حَقَنَ دمَهُ بظاهرِ الشهادة، وأما الكافرُ الجاحدُ المُبطِلُ، فليس ممّن يُسألُ عن ربِّه ودينِه ونبيِّه، وإنما يُسألُ عن هذا أهلُ الإسلام، واللهُ أعلم، فيثبِّتُ اللهُ الذين آمنوا، ويرتابُ المُبْطِلُون، ألا ترَى إلى قولهم في تأويلِ قول الله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} الآية.

  10. وأما ما جاء من الآثار في أن اليهودَ تعذَّبُ في قبورِها؛ ففي حديثِ أنس، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ مع بلالٍ على البقيع، فقال: "ألا تسمَعُ ما أسمَعُ يا بلالُ؟ " . قال: لا والله يا رسولَ الله ما أسمَعُ. قال: "أما تسمَعُ أهلَ القبورِ يعذَّبون، يعني قبورَ الجاهلية" (٢) .

  11. فهذا واللهُ أعلم عذابٌ غيرُ الفتنةِ والابتلاءِ الذي يَعرضُ للمؤمن، وإنما هذا عذابٌ واصبٌ للكفار إلى أن تقومَ الساعة، فيصيرون إلى النار، ألا ترَى إلى قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: ٤٥ - ٤٦] . وجائز أن يكونَ عذابُ القبر غيرَ فتنةِ القبر. وقد ثبَت عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يستعيذُ من فتنةِ القبر، وعذابِ القبر، وعذابِ النار، في حديثٍ واحدٍ، وذلك دليلٌ على أن عذابَ القبر غيرُ فتنة القبرِ واللهُ أعلم؛ لأنَّ الفتنةَ قد تكونُ فيها النجاةُ، وقد يُعذَّبُ الكافرُ في قبرِه على كُفرِه دونَ أن يُسألَ. واللهُ أعلم.

    ج ١٤ ص ٢٤٧
  12. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (١) : أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ المبارك، قال: حدَّثنا أبو أسامة، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا ما يدعُو بهؤلاء الكلمات: "اللهمَّ إني أعوذُ بك من فتنةِ النار وعذابِ النار، وفتنةِ القبر وعذابِ القبر، وشرِّ فتنةِ المسيح الدجال، ومن شرِّ فتنةِ الفقر، ومن شرِّ فتنةِ الغنى، اللهمَّ اغسِلْ خطايايَ بماءِ الثلج والبرَد، وأنقِ قلبي من الخطايا كما أنقيتَ الثوبَ الأبيضَ من الدَّنَس، وباعدْ بيني وبينَ خطايايَ كما باعدتَ بينَ المشرقِ والمغرب، اللهمَّ أني أعوذُ بك من الكسلِ والهَرم والمأْثم والمغرم" .

  13. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٢) : أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال (٣) : أخبرنا جريرٌ، عن هشام بنِ

    ج ١٤ ص ٢٤٨عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "اللهمَّ إني أعوذُ بك من عذابِ النارِ وفتنةِ النار، وفتنةِ القبر وعذابِ القبر، ومن شرِّ فتنةِ المسيح الدجال، ومن شرِّ فتنةِ الغنى، وشرِّ فتنةِ الفقر، اللهمَّ اغسِلْ خطايايَ" . وذكَر تمامَ الحديث، بمعنى ما تقدَّم سواء.

  14. فهذا الحديثُ يدلُّ على أن فتنةَ القبر غيرُ عذاب القبر؛ لأنَّ الواوَ تفصلُ بين ذلك، هذا ما توجبُه اللغة، وهو الظاهرُ في الخطاب، واللهُ أعلم.

  15. وقد تقدَّم عن عُبيد بن عُمير، أنه قال: إنما يفتَن رجُلان؛ مؤمنٌ ومنافقٌ. وهو معنى ما قلنا، وفي حديثِ زيدِ بنِ ثابت، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: "إن هذه الأمةَ تُبتلَى في قبورِها" . ومنهم مَن يَرْويه: "تُسألُ في قبورِها" . وهذا اللفظُ يحتملُ أن تكونَ هذه الأمةُ خُصَّت بذلك، وهو أمر لا يُقطعُ عليه، واللهُ أعلم.

  16. وحديثُ زيدِ بنِ ثابت هذا رواه عنه أبو سعيدٍ الخدريُّ. ذكَره سُنيدٌ (١) ، وأبو بكرِ بنُ أبي شيبة (٢) ، قالا: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عليّة، عن الجُريريِّ، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ ثابت، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن هذه الأمةَ تُبتلَى في قبورِها" . وقال ابنُ أبي شيبة: "تُسألُ في قبورِها، فلولا ألّا تدافَنوا، لدعوتُ اللهَ أن يُسمِعَكم من عذابِ القبرِ ما أسمَع" .

  17. وقد يجوزُ أن يتأوّلُ متأوِّلٌ في هذا الحديثِ وسياقَتِه على ما ذكَرَه ابنُ أبي شيبةَ فيه: أنّ فتنةَ القبر والسؤالَ فيه هو عذابُ القبر، ولكنْ ما ذكَرْنا أظهَرُ في المعنى، وأحكامُ الآخِرَةِ لا مَدخلَ فيها للقياسِ والاجتهاد، ولا للنَّظَر والاحتجاج، واللهُ يفعلُ ما يشاءُ لاشريكَ له.

  18. وقد ذكَرَ سُنيدٌ عن إسماعيلَ بنِ عُليّة عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنّ عذابَ القبر ثلاثةُ أثلاث: ثلثٌ منَ البوْل، وثُلثٌ من الغِيبَة، وثُلثٌ منَ النَّميمة، وهذا لا حُجَّةَ فيه، لأنّه ليس بمُسنَدٍ ولا متَّصل (١) ؛ ولا يُحتجُّ بمِثلِه، على أنه يحتمِلُ أن يكونَ عذابُ القبْرِ هاهنا للمُرتابِ بعدَ السُّؤال الذي هو الفتنةُ وسبَبُها - واللهُ أعلم -. ويحتمِلُ أن يكونَ قولُه: "عذاب القبر" بمعنى فتنةِ القبر، فإنها تَؤولُ إلى العذابِ وفيها عذابٌ، والله أعلمُ بحقيقةِ ذلك لا شريكَ له.

    ج ١٤ ص ٢٤٩
  19. هشام عن عَبّاد بن عبد الله بن الزُّبير حديثٌ سادسٌ وثلاثونَ لهشام بنِ عُروة

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن عبّادِ بنِ عبدِ الله بنِ الزُّبير، أن عائشةَ زوجَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أخبرَتْه، أنها سمِعَتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قبلَ أن يموتَ وهو مُستنِدٌ إلى صدرِها، وأصغَت إليه يقول: "اللهمَّ اغفِرْ لي وارحَمني، وألحِقْني بالرفيق الأعلى" .

    قال أبو عُمر: إذا كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وقد غُفر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر يدعُو بالرحمةِ والمغفرة، فغيرُه أوْلى ألّا يفتُرَ من الاستغفارِ وسؤالِ الرحمةِ من العزيزِ الغفّار، ألهَمنا الله لدُعائِه وسؤالِه، واللهُ لا يخيِّبُ مَن دَعاهُ، ولا يَحرِمُ سائلَه، ولقد أحسَن القائل، وهو عُبيدٌ (٢) :

    مَن يسألِ الناسَ يَحرِمُوه ... وسائلُ الله لا يَخيبُ

    وأما قولُه في هذا الحديث: "وألحِقْني بالرفيق" . فقيل: الرفيق: أعلى الجنّة. وقيل: الرفيق: الملائكةُ والأنبياءُ والصالحون، من قوله عزَّ وجلَّ: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: ٦٩] .

    قال أهلُ اللغة: {رَفِيقًا} هاهنا بمعنى رُفَقاء، كما يقال: صديقٌ. بمعنى أصدقاء، وعدوٌّ. بمعنى أعداء (٣) .

    ج ١٤ ص ٢٥٠
  20. حديثٌ سابعٌ وثلاثونَ لهشام وهو أوّلُ المَراسِل

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ عُمرَ بنَ الخطاب قال وهو يطوفُ بالبيتِ للرُّكْنِ الأسود: إنما أنتَ حَجَرٌ، ولولا أنّي رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قبَّلكَ ما قبَّلتُكَ. ثم قبَّلَه.

    ج ١٤ ص ٢٥١
  21. هذا الحديثُ مرسلٌ في "الموطأ" هكذا لم يُختلفْ فيه (٢) ، وهو يستنِدُ من وجوهٍ صحاحٍ ثابتة (٣) .

  22. ذكر ابنُ وَهْبٍ في "موطئه" ، قال: أخبرني يونسُ وعمرُو بنُ الحارث، عن ابنِ شهاب، عن سالم، عن أبيه، أنه حدَّثه قال، قبّل عمرُ الحجرَ، ثم قال: أمَا والله لقد علِمتُ أنك حجرٌ، ولولا أني رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقبِّلُك ما قبَّلتُك. قال عَمْرُو بنُ الحارث: وحدَّثني بمثلِها زيدُ بنُ أسلم، عن أبيه، عن عمر (٤) .

    قال أبو عُمر: زعَم أبو بكرٍ البزارُ أن هذا الحديثَ رواه عن عمرَ مسندًا أربعةَ عشرَ رجلًا.

    ج ١٤ ص ٢٥٢قال أبو عُمر: أفضلُها وأثبتُها - وإن كانت كلُّها ثابتة - حديثُ الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه.

  23. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا وجيهُ بنُ الحسن، قال: حدَّثنا بكّارُ بنُ قتيبة، قال: حدَّثنا مؤمَّلٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عاصم، عن عبدِ الله بنِ سرْجِسَ قال: رأيتُ عمرَ بنَ الخطاب يقبِّلُ الحجرَ ويقول: إني أعلمُ أنك حجرٌ لا تضُرُّ ولا تنفَعُ، ولكن رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقبِّلُك، فأنا أُقبِّلُك (١) .

  24. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٢) : حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينة. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، قالا: حدَّثنا عاصمٌ الأحول، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ سَرْجِسَ قال: رأيتُ الأُصَيْلِع عمرَ بنَ الخطاب رحمةُ الله عليه أتى الركنَ الأسودَ فقبَّله، ثم قال: والله إنِّي أعلمُ أنك حجرٌ لا تضُرُّ ولا تنفَعُ، ولولا أنِّي رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقبِّلُك ما قبَّلتُك.

  25. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا ابنُ كثير، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عابس بنِ ربيعة، عن عمرَ، أنه جاء إلى الحجَر فقبَّله، فقال: إنِّي لأعلمُ أنك حجرٌ لا تنفَعُ ولا تضُرُّ، ولولا أني رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقبِّلُك ما قبَّلتُك.

    ج ١٤ ص ٢٥٣
  26. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابق (٣) ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ الأعلى، عن سُويدِ بنِ غَفلة، قال: رأيتُ عمرَ بنَ الخطاب يُقبِّلُ الحجرَ ويقول: إنِّي لأعْلمُ أنّكَ حجَرٌ، ولكنّي رأيتُ أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - بك حَفِيًا (٤) .

    ج ١٤ ص ٢٥٤قال أبو عُمر: لا يَختلفون أنّ تقبيلَ الحجَرِ الأسودِ في الطوافِ من سُنَن الحجِّ لمَن قدَرَ على ذلك، ومَنْ لم يقدِرْ على تقْبيلِه، وضَع يدَهُ عليه ورفعَها إلى فيه، فإنْ لم يقْدِرْ على ذلك أيضًا للزِّحام كبَّرَ إذا قابلَه، فمَن لم يفعلْ فلا حرجَ عليه، ولا ينبغي لمَن قدرَ على ذلك أن يتْرُكَه تأسِّيًا برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بعدَهُ.

  27. أخبرنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ نافع المَكِّيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أحمدَ الخُزاعيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن عُمرَ بن أبي سَلَمة، عن أبيه، أنّ عبدَ الرحمن بنَ عوفٍ كان إذا أتى الرُّكْنَ فوجَدَهُم يزْدَحمونَ عليه، استَقبلَه وكبَّر ودَعا، ثم طاف، فإذا رأى خَلْوةً استَلمَه.

  28. حديثٌ ثامنٌ وثلاثونَ لهشام بنِ عُروة

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لعبدِ الرحمن بنِ عوف: "كيف صنعتَ يا أبا محمّدٍ في استلام الرُّكْن؟ " . فقال عبدُ الرحمن: استلمتُ وتركْتُ. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أصبْتَ" .

    قال أبو عُمر: كان ابنُ وَضّاح يقول في "موطأ يحيى" : إنما الحديث: "كيف صنَعتَ يا أبا محمّد في استلام الركنِ الأسود؟ " . وزعَم أن يحيى سقَط له من كتابه "الأسود" . وأمَر ابنُ وَضّاح بإلحاق "الأسود" في كتاب يحيى، ولم يروِ يحيى "الأسود" . ولكنه رواه ابنُ القاسم، وابنُ وَهْب، والقَعْنبيُّ (٢) ، وجماعة (٣) .

    ج ١٤ ص ٢٥٥
  29. وقد روَى أبو مُصعب (٤) وغيرُه (٥) كما روَى يحيى، لم يذكُروا "الأسود" .

  30. وكذلك رواه ابنُ عُيينةَ وغيرُه (٦) ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه. لم يذكُروا "الأسود" ، كما روى يحيى، وهو أمرٌ محتملٌ جائزٌ في الوجهين جميعًا.

  31. ورواه الثوريُّ، عن هشام، عن أبيه، فقال فيه: "كيف صنعتَ في استلامِك الحجرَ؟ " (١) . وسنذكرُ في آخر هذا الباب بعضَ ما حَضَرنا من أسانيدِ هذا الحديثِ إن شاء الله.

    ج ١٤ ص ٢٥٦
  32. وقد صنَع ابنُ وَضّاح مثلَ هذا أيضًا في "موطأ يحيى" (٢) في قول مالك: سمِعتُ بعضَ أهل العلم يَستحبُّ إذا رفَع الذي يطوفُ بالبيتِ يدَه عن الرُّكن اليماني أن يضعَها على فيه. فأمَر ابنُ وَضّاح بطرح "اليماني" من روايةِ يحيى، وهذا مما تسوَّر فيه على رواية يحيى، وهو صوابٌ من روايةِ يحيى ومن تابَعه في هذا الموضع، وكذلك روَى ابنُ وَهْب، وابنُ القاسم (٣) ، وابنُ بُكير (٤) ، وأبو المُصعب (٥) ، وجماعةٌ في هذا الموضع عن مالك، أنه سمِع بعضَ أهل العلم يَستحبُّ إذا رفَع الذي يطوفُ بالبيتِ يدَه عن الركنِ اليماني أن يضعَها على فيه. زاد ابنُ وَهْب: من غيرِ تَقْبيل (٦) . وقالوا كلُّهم: "الركن اليماني" . والعجبُ من ابنِ وَضّاح، وقد روى "موطأ ابن القاسم" وفيه "اليماني" ، كيف أنكَره؟!

  33. وقد روَى القَعْنبيُّ، عن مالك في ذلك، قال: سمِعتُ بعضَ أهلِ العلم يَستحبُّون إذا رفَع الذي يطوفُ بالبيت يدَه عن الركنِ الأسودِ أن يضعَها على فيه. هكذا قال القعنبيُّ: "الركنِ الأسود" . وأظنُّ ابنَ وَضّاح إنما أنكَر "اليماني" في روايةِ يحيى لأنه رأى روايةَ القعنبيِّ، أو مَن تابَع القعنبيَّ على قوله: "الأسود" ، فمن

    ج ١٤ ص ٢٥٧هناك أنكَر "اليماني" ، على أن ابنَ وَضّاح لم يروِ "موطأ القعنبيِّ" ، وروَى "موطأ ابن القاسم" ، و "موطأ ابن وَهْب" ، وفيهما جميعًا "اليماني" ، كما روَى يحيى، وهي بأيدي أهل بلدِنا في الشُّهرةِ كروايةِ يحيى، ولكنَّ الغلطَ لا يَسلمُ منه أحدٌ (١) .

  34. وأما إدخالُه في حديثِ عبدِ الرحمن بنِ عوف "الأسود" فكذلك رواه أكثرُ رواة "الموطأ" ، فابنُ وَضّاح في هذا معذورٌ، ولكنه لم يكنْ يَنْبغي له أن يزيدَ في روايةِ الرجل، ولا يردَّها إلى روايةِ غيرِه، ففي ذلك من الإحالةِ ما لا يَرضاه أهلُ الحديث.

  35. وهذا المعنى في الفقهِ كلُّه جائزٌ عندَ أهل العلم لا نكيرَ فيه، فجائزٌ عندَهم أن يستلمَ الركنَ اليمانيَ والركنَ الأسود، لا يختلفون في شيء من ذلك، وإنما الذي فرَّقوا بينَهما فيه التقبيلُ لا غيرُ، فرأَوْا تقبيلَ الركن الأسودِ والحجَر، ولم يرَوْا تقبيلَ اليماني، وأما استلامُهما جميعًا فأمرٌ مجتمعٌ عليه، وإنما اختلَفوا في استلام الركنين الآخرَين، وقد ذكَرنا اختلافَهم في ذلك في مواضعَ من كتابنا. والحمدُ للّه. وقد كان عُروةُ بنُ الزُّبير، وهو راويةُ هذا الحديث، يستلمُ الأركانَ كلَّها.

  36. ذكَر مالكٌ في "الموطأ" (٢) ، عن هشام بنِ عُروة: أن أباه كان إذا طافَ بالبيتِ يستلمُ الأركانَ كلَّها، قال: وكان لا يدَعُ الركنَ اليماني، إلا أن يُغلبَ عليه.

  37. وذكَر ابنُ وَهْبٍ في "موطأ مالك" عن مالك، قال: سمِعتُ بعضَ أهلِ العلم يَستحبُّ إذا رفَع الذي يطوفُ يدَه على الركن اليماني أن يضعَها على فيه من غيرِ

    ج ١٤ ص ٢٥٨تقبيل، ولا يُقبِّلُ إلا الركنَ الأسود، يُقَبَّلُ ويُسْتَلمُ (١) باليدِ وتوضعُ على الفم، ولا يقبِّلُ اليدَ فيهما جميعًا.

    قال أبو عُمر: فهذا كلُّه من قولِ مالك في "موطئه" ، من رواية ابنِ وَهْبٍ وغيرِه، يبيِّنُ ما قُلْنا، وبالله توفيقُنا.

  38. وفي استلام الركنين الأسودِ واليماني آثارٌ ثابتةٌ مسنَدةٌ، أحسنُها حديثُ ابنِ شهاب، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، قال: لم أرَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يمسَحُ من البيتِ إلا الركنَين اليمانيَيْن (٢) .

    قال: وأُخبِرَ ابنُ عمرَ بقول عائشة: أن الحِجْرَ من البيت. فقال: إن كانت عائشةُ سمِعت هذا من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، إني لأظُنُّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يترُكْ استلامَهما إلا أنهما ليسا على قواعدِ إبراهيمَ - صلى الله عليه وسلم -، ولا طافَ الناسُ من وراءِ الحِجْرِ إلا لذلك (٣) .

    قال أبو عُمر: قوله: "الرُّكْنينِ اليمانيَيْن" ، يريدُ: الرُّكْنَ الأسودَ واليماني، وقد ذكَرنا مراتبَهما والأحاديثَ فيهما، واختلافَ السلفِ في كيفيةِ استلامِهما، وأخبَرنا بأنّ الفقهاءَ على استلام الركنَين خاصةً على حديثِ ابن عُمرَ وعائشة، وبسَطنا ذلك كلَّه في حديثِ ابنِ شهاب وغيرِه من هذا الكتاب (٤) .

  39. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا يحيى، عن عبدِ العزيزِ بنِ أبي رَوّاد، عن نافع، عن ابنِ عُمر، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لا يدَعُ أن يستلمَ الركنَ اليمانيَ والحَجَرَ في كلِّ طَوْفة. قال: وكان عبدُ الله بنُ عمرَ يفعلُه.

    قال أبو عُمر: هذا أفضلُ ما رُويَ في هذا الباب وأولاهُ وأصحُّه، وقد رُوِيَ عن مجاهدٍ وطاووس، أنهما كانا يَستحبّان استلامَ الرُّكنَين الأسودِ واليماني في كلِّ وترٍ من الطواف (٢) ، رُوِيَ ذلك عنهما من طُرُق.

    ج ١٤ ص ٢٥٩
  40. وأماّ إنكارُ ابنِ وَضّاح لاستلام الركنِ اليماني فلا وجهَ له، اللهمَّ إلا أن يكونَ أنكَر اللفظةَ في حديثِ مالك، عن هشام، عن أبيه، في قصّةٍ عبدِ الرحمن بنِ عوف (٣) ، دونَ أن ينكرَ استلامَ الركن اليماني، فإن استلامَه لا خلافَ بينَ العلماءِ فيه.