هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر
٨٥٩ فقرة، ج ١٤ ص ٢٢
الصفحة ١٦ من ٢٢
- ج ١٤ ص ٢٦٠
رَوَينا عن مجاهدٍ وعطاء: مَنْ وضَع يدَه على الرُّكن اليماني ثم دعا استُجيب له (١) .
-
وعن الزُّبير (٢) : الرُّكنُ اليماني بابٌ من أبوابِ الجنة.
-
وفي التَّرغيب في استلامِه آثارٌ كثيرةٌ ذكَرها الخُزاعيُّ في كتاب "فضائل مكة" الكتاب الكبير.
-
وقد روَى عبدُ الله بنُ مسلم بن هُرْمز، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استلَم الركنَ اليماني قبَّله ووضَع خدَّه الأيمنَ عليه (٣) .
قال أبو عُمر: هذا لا يصحُّ، وإنما المعروفُ قبَّل يدَه، وإنما يُعرفُ تقبيلُ الحجرِ الأسودِ ووضعُ الوجهِ عليه، وقد جاء هذا الحديثُ كما ترى، وليس يُعرفُ بالمدينة العملُ به. فاللهُ أعلم.
-
حدَّثنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ نافع المكيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أحمدَ الخُزاعيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليٍّ (٤) ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ
ج ١٤ ص ٢٦١منصور، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن عُمرَ بنِ أبي سَلَمة، عن أبيه: أن عبدَ الرحمن بنَ عوف كان إذا أتى الرُّكنَ فوجَدهم يزدحِمون عليه استقبَله وكبَّر ودعا ثمّ طاف، فإذا وجَد خَلوةً استلَمه (١) .
-
أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ أبي مَسرَّة، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ محمدٍ الزُّهريُّ، قال: أخبرنا القاسمُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الرحمن الأنصاريُّ من وَلدِ أُحَيْحَةَ بنِ الجُلَاح، عن ابنِ (٢) أبي نَجِيح، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبيه: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال له: "يا أبا محمدٍ، كيف صنَعتَ حينَ طُفْتَ؟ " . قال: استلمتُ وتركتُ. قال: "أصبتَ" (٣) .
-
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا أبو العباسِ أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ جامع السُّكَّريُّ، قراءةً عليه من كتابِه سنةَ أربع وأربعين وثلاثِ مئةٍ وأنا أسمعُ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبد العزيز، قال: حدَّثنا أبو نُعيم الفضلُ بنُ دُكَين، قال: حدَّثنا سفيانُ الثوريُّ، عن هشام بنِ عُروة، عن عُروة،
ج ١٤ ص ٢٦٢عن عبدِ الرحمنِ بنِ عوف، قال: قال لي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "كيف صنَعتَ في استلامِك الحجَرَ؟ " . قال: استلمتُ وتركتُ. قال: "أصبتَ" (١) .
-
وعند هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - طافَ في حَجَّةِ الوداع حولَ الكعبةِ يستلمُ الرُّكنَ بمِحْجَن (٢) ؛ كراهيةَ أن يُصْرَفَ عنه الناسُ (٣) . وليس هذا عندَ مالك، عن هشام.
قال أبو عُمر: الاستلامُ للرِّجالِ دونَ النساءِ عن عائشةَ وعطاء (٤) وغيرهما، وعليه جماعةُ الفقهاء.
- ج ١٤ ص ٢٦٣
حديثٌ تاسعٌ وثلاثون لهشام
مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ صاحبَ هَدْي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسولَ الله، كيف أصنعُ بما عَطِبَ من الهَدْي؟ فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ بَدَنةٍ عَطِبَتْ مِن الهَدْي فانحَرْها، ثم ألْقِ قَلائدَها في دمِها، ثم خَلِّ بينَ الناسِ وبينَها يأكُلونها" .
-
هذا حديثٌ مرسلٌ في "الموطأ" (٢) ، وهو في غير "الموطأ" مسندٌ؛ لأنَّ جماعةً من الحفّاظِ روَوه عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن ناجيةَ الأسلميِّ صاحبِ بُدنِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. وغيرُ نكيرٍ أن يسمعَ منه عُروة.
-
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ حكم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ بنِ عبد الرحمن، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ الحُباب القاضي بالبصرةِ أبو خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثير، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ سعيد، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن ناجيةَ الأسلميِّ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعَث معه بهَدْي، قال: "إن عَطِبَ فانحَرْه، ثم اصبُغْ نعلَه في دمِه، ثم خَلِّ بينَه وبينَ الناس" (٣) .
- ج ١٤ ص ٢٦٤
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد الله (١) ، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا الطَّحَاويُّ، قال (٢) : حدَّثنا المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال: أخبرنا سفيانُ بنُ عيينة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن ناجيةَ صاحبِ بُدْنِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: يا رسولَ الله، كيف أصنعُ بما عطِب من الهَدْي؟ قال: "انحَرْه، ثم اغمِسْ قلائدَه في دمِه، ثم اضرِبْ بها صفحةَ عنقِه، ثم خَلِّ بينَه وبينَ الناس" .
-
أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٣) : حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا وُهَيْبُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن ناجيةَ صاحبِ هَدْي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه سأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كيف يصنَعُ بما عَطِب من الهَدْي، فأمَره أن ينحَرَ كلَّ بدنةٍ عَطِبت، ثم يُلقِيَ حَبْلَها في دمِها، ويخلِّيَ بينَها وبينَ الناسِ يأكُلونها. كذا وقَع عندَه: حبْلَها في دمِها. وإنما هو: نعلَها في دمِها.
-
وناجيةُ هذا هو ناجيةُ بنُ جُنْدُبٍ الأسلميُّ، وقد ذكَرناه ورفَعنا نسبَه في كتاب "الصحابة" (٤) .
- ج ١٤ ص ٢٦٥
وروَى ابنُ عباس هذا الحديثَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وزاد فيه: "ولا تأكُلْ منها أنت ولا أحدٌ من أهْلِ رُفقتِك" (١) . وسنذكرُه هاهنا إن شاء الله (٢) .
-
وفي هذا الحديثِ من الفقهِ أن الهديَ يُقَلَّدُ، وأن التقليدَ من شأنِه وسُنَّتِه، والتقليدُ أن يُعلَّقَ في (٣) عنقِ البَدَنةِ نعْلٌ علامة؛ ليُعرَفَ أنها هَدْيٌ. ورُوِيَ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قلَّد هديَه نَعْلَين (٤) ، وكذلك كان ابنُ عُمرَ يفعل (٥) ، وبه قال الشافعيُّ واستحسَنه (٦) . والنَّعْلُ عندي تجزئُ، وهو قولُ مالك، والزُّهريِّ، وجماعة العلماء؟ كلُّهم لا يختلِفون في تقليدِ الهَدْي، ويجزئُ عندَ جميعِهم نعلٌ واحدة.
-
والذي أجمَعوا عليه من تقليدِ الهدي الإبلُ والبَقَر، واختلَفوا في تقليدِ الغنم؛ فكان مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابُهم ينكِرون تقليدَ الغنم (٧) ، وأجاز تقليدَها الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور (٨) ؛ لقول عائشة: كنتُ أُقلِّدُ الغنمَ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (٩) . وهو قولُ عطاءٍ وجماعة (١٠) .
- ج ١٤ ص ٢٦٦
وقد مضَى في هذا الكتابِ في بابِ عبدِ الله بنِ أبي بكر القولُ في تقليدِ الهَدْي؛ هل يُوجبُ على صاحبِه أن يكونَ محرمًا لذلك أم لا؟ والصحيحُ في ذلك حديثُ عائشةَ على ما ذكَرناه هناك، ومن أحسنِ طُرُقه ما أخبرَنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا يزيدُ بنُ خالدٍ وقتيبةُ بنُ سعيد، أن الليثَ حدَّثهم، عن ابنِ شهاب، عن عُروةَ وعَمْرة بنتِ عبدِ الرحمن، أن عائشةَ قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُهدى من المدينة، فأفتِلُ قلائدَ هديه، ثم لا يجتنِبُ شيئًا مما يجتنبُه المحرم.
-
وأما قولُه: "كيف أصنعُ بما عطِبَ من الهَدْي؟ " ، فجاوَبه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بما ذكَر في حديثِ هشام هذا، فإن هذا محمَلُه عندَ العلماءِ على الهدي التطوُّع، وكذلك كان هدْيُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - تطوُّعًا، لأنه كان في حَجَّتِه مفرِدًا عند مالك وطائفة. واللهُ أعلم. وقد ذكَرنا الاختلافَ عنه في ذلك في باب ابنِ شهاب وغيره (٢) .
-
والهَدْيُ التطوعُ لا يجوزُ لأحدٍ ساقَه أكلُ شيءٍ منه إذا عَطِبَ قبلَ أن يبلُغَ مَحِلَّه؛ لئلا يكونَ ذلك ذريعةً إلى أكْلِ الهدي قبلَ مَحِلِّه من أجلِ أنه تطوُّعٌ، فينصرِفُ من الناسِ مَن لم تصحَّ نيتُه فيما أخرَجوه لله، ويعتَلُّون بأنه عَطِبَ.
-
ذكر أبو ثابت، وأسدٌ، وسُحْنونٌ، وابنُ أبي الغَمْر، عن ابنِ القاسم (٣) : قلت لابن القاسم: أرأيتَ هَدْيَ التطوُّع إذا عَطِبَ، كيف يَصنَعُ به صاحبُه في قولِ مالك؟
ج ١٤ ص ٢٦٧قال: قال مالك: يَرْمِي بقلائدِه في دَمِه إذا نحَره، ويُخلِّي بينَ الناسِ وبينَه، ولا يأمرُ أحدًا أن يأكُلَ منه فقيرًا ولا غنيًّا، فإن أكَل هو، أو أمَر أحدًا من الناسِ بأكلِه، أو حزَّ شيئًا من لحمِه، كان عليه البَدَل.
قال ابنُ القاسم (١) : وقال مالك: كلُّ هَدْي مَضْمون إذا عَطِب فليأكُلْ منه صاحبُه، ولْيُطعِمْ منه الأغنياءَ والفقراءَ ومَن أحبَّ، ولا يبعْ من لحمِه، ولا من جلدِه، ولا من قلائدِه شيئًا.
قال مالكٌ: ومن الهَدْي المَضْمونِ ما إن عَطِبَ قبلَ أن يبلُغَ مَحِلَّه جاز له أن يأكُلَ منه، وهو إن بلَغ مَحِلَّه لم يأكُلْ منه؟ وهو جزاءُ الصيد، وفديةُ الأذى، ونذْرُ المساكين، فهذا إن عَطِبَ قبلَ مَحِلِّهِ جاز له أن يأكُلَ منه؛ لأنَّ عليه بدَلَه، وإذا بلَغ مَحِلَّه أجزَأه عن الذي ساقَه، ولا يجزئُه إن أكَل منه.
قال إسماعيلُ بنُ إسحاق: لأنَّ الهدْيَ المضمونَ إذا عطِب قبلَ أن يبلُغَ مَحِلَّه كان عليه بَدَلُه، وبذلك جاز له أن يأكُلَ منه ويُطعِمَ، وإذا عطِب الهديُ التطوعُ قبلَ أن يبلُغَ مَحِلَّه لم يجُزْ له أن يأكلَ منه ولا يُطعم؛ لأنه لما لم يكنْ عليه بدلُه خيفَ أن يفعلَ ذلك بالهدي، ويُنحرَ من غيرِ أن يعطَبَ، فاحْتيط على الناس، وبذلك مضَى العملُ في هدي التطوُّع؛ إذا عطِب في الطريقِ نحَره صاحبُه وخلَّى بينَه وبينَ الناس (٢) .
-
وذكَر إسماعيل بنُ إسحاقَ حديثَ هشام هذا، عن أبيه، عن ناجية، وحديثَ ابنِ عباسٍ عن ذؤيبٍ الخُزاعيِّ.
قال أبو عُمر: أما حديثُ ناجيةَ فقد تقدَّم ذكرُه، وأما حديثُ ابنِ عباسٍ فاختُلِف فيه عنه؛ فطائفةٌ روَت عنه ما يدُلُّ على أن ناجيةَ الأسلميَّ حدَّثه، وطائفةٌ
ج ١٤ ص ٢٦٨روَت عنه أن ذؤيبًا الخُزاعيَّ حدَّثه. وذؤيبٌ هذا: هو والدُ قَبيصةَ بنِ ذؤيب، وربما بعَث رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أيضًا معه هديًا، فسأله كما سأله ناجيةُ. فاللهُ أعلم.
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد (١) ، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا الطحاويُّ، قال (٢) : حدَّثنا المُزنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال: أخبرنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم - يعني ابنَ عُلَيّة - قال: حدَّثنا أبو التَّيّاح، عن موسى بن سَلَمة، عن ابنِ عباس، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بعَث بثَمانِ عَشَرةَ بَدَنةً مع رجل، فأمَره فيها بأمرٍ، فانطلَق ثم رجَع إليه، فقال: أرأيتَ إن عَطِبَ منه شيءٌ؟ قال: "فانحَرْها، ثم اصبُغْ نعلَها في دمِها، ثم اجعَلْها على صفحتِها، ولا تأكُلْ منها أنت ولا أحدٌ من أهلِ رُفْقتِك" .
-
أخبرنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، قال: حدَّثنا أبو التَّيّاح، عن موسى بن سَلَمة، قال: خرجتُ أنا وسِنانُ بنُ سَلَمة ومعنا بدَنَتان، فأزحَفتا علينا (٣) بالطريق، فلمّا قدِمنا مكةَ أتَينا ابنَ عباسٍ فسألناه، فقال: على الخبير
ج ١٤ ص ٢٦٩سقَطتَ، بعَث رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فلانًا الأسلميَّ، وبعَث معه بثمانِ عَشَرةَ بدَنَةً، فقال: يا رسولَ الله، أرأيتَ إن أزحَف عليَّ منها شيءٌ بالطريق؟ قال: "تنحرُها وتصبُغُ نعْلَها - أو قال: تغمِسُ نعْلَها - في دمِها، فتضرِبُ بها على صفحتِها، ولا تأكُلْ منها أنتَ ولا أحدٌ من أهلِ رُفْقتِك" (١) .
-
وروَى شعبةُ وسعيدُ بنُ أبي عَرُوبة، عن قَتَادة، عن سنانِ بنِ سَلَمة، عن ابنِ عباس، أن ذؤيبًا الخُزاعيَّ حدَّثه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبعَثُ معه بالبُدْنِ ثم يقول: "إذا عَطِبَ شيءٌ منها فخشِيتَ عليه موتًا، فانحَرْهُ، ثم اغْمِسْ نعَلْه في دَمِه، ثم اضْرِبْ صفْحَته، ولا تَطعَمْ منها ولا أحدٌ من أهلِ رُفْقتِك" (٢) .
قال أبو عُمر: قوله: "ولا أحدٌ من أهلِ رُفْقتِك" . لا يوجدُ إلا في حديثِ ابنِ عباسٍ هذا بهذا الإسنادِ عن موسى بن سَلَمةَ وسنانِ بنِ سَلَمة، وليس ذلك في حديثِ هشام بن عُروة، عن أبيه، عن ناجية، وهذا عندَنا أصحُّ من حديثِ ابنِ عباسٍ عن ذؤيب، وعليه العملُ عندَ الفقهاء، ومن جهةِ النظرِ أهلُ رُفْقتِه وغيرُهم في ذلك سواءٌ، ويدخلُ في قولِه عليه السلام: "وخَلِّ بينَ الناسِ وبينَه يأكُلونه" . أهلُ رُفقتِه وغيرُهم.
-
وأمّا الضمانُ على مَن أكَل من هدْيِه التطوُّع وإن لم يكنْ موجودًا في الحديثِ المسند، فإن ذلك عن الصحابةِ والتابعين، وعليه جماعةُ فقهاءِ الأمصار.
- ج ١٤ ص ٢٧٠
ورُوِيَ عن عُمر، وعليٍّ، وابنِ مسعود: إن أكَل من الهَدْي التطوُّع غرِمَ (١) . وعن ابن عباس: إن أكَلْتَ أو أمَرتَ بأكلِه غرِمتَ (٢) . وعن ابنِ المسيِّبِ مثلُه سواء، من روايةِ مالك، عن ابن شهاب (٣) .
-
وروَى ابنُ أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن ابن المسيِّب، قال: مضَتِ السُّنّةُ إذا أُصيبَتِ البدَنةُ تطوُّعًا في الطريق أن يَنْحَرَها ويغْمِسَ قلائدَها في دمِها، ثم لا يأكلَ منها ولا يُطعمَ ولا يَقسمَ، فإن فعَل شيئًا من ذلك ضَمِنَ (٤) .
-
وعن ابنِ عُمرَ، وابنِ عباس، وعطاء، والنخعيِّ، في الهدي الواجبِ يعطَبُ، قالوا: كُلْ إن شئتَ إذا نحَرتَه، وعليك البدلُ (٥) .
-
وأما اختلافُ الفقهاءِ في هذه المسألة؛ فقال مالك (٦) : ما عطِبَ من الهدْيِ قبلَ أن يبلُغَ مَحِلَّه، فإن كان واجبًا أكَل منه إن شاء وأبدَلَه، وإن كان تطوُّعًا نحَره ثم صبَغ قلائدَه في دمِه، وخلَّى بينَ الناس وبينَه، ولم يأكُلْ ولم يُطعِمْ ولم يتصدَّقْ، فإن أكَلَ أو أطعَمَ أو تصدَّق ضمِنَ. وهو قولُ الشافعيِّ، والأوزاعيِّ، والثوريِّ (٧) ، إلا أنهم قالوا: يضمَنُ ما أكَل أو أطعَم أو تصدَّق، وليس عليه البدلُ
ج ١٤ ص ٢٧١إلا لما أتلَف، فإن أتلَفه كلَّه ضمِنه كلَّه. وكذلك قال أبو حنيفةَ أيضًا، إلا أنه قال: يتصدَّقُ بالهَدْي التَّطوُّع إذا عطِب أفضلُ من أن يترُكَه فتأكُلَه السباع. قال: ولو أطعَم منه غنيًّا ضمِن. وقال في الهَدْي الواجب: لا بأسَ أن يبيعَ لحمَه (١) . وهو قول عطاء؛ يستعينُ به في ثمنِ هَدْي (٢) . وهؤلاء يرَون بيعَه.
-
واختلَفوا فيما يُؤكلُ من الهَدْي إذا بلَغ مَحِلَّه؛ فقال مالك (٣) : يُؤكلُ من الهَدْي كلِّه إذا بلَغ مَحِلَّه إلا جزاءَ الصيد، ونُسُكَ الأذَى، وما نُذِر للمساكين.
وقال الشافعيُّ (٤) : لا يُؤكلُ من الهَدْي كلِّه شيءٌ إذا بلَغ مَحِلَّه إلا بالتَّطَوُّعِ وحدَه، فأما الهديُ الواجبُ فلا يأكلْ شيئًا منه.
وقال أبو حنيفة (٥) : يُؤكلُ من هدي المتعةِ والقِرانِ والتطوُّع، ولا يُؤكلُ مما سِواه.
وقال الثوريُّ (٦) : يُؤكلُ من هدي المتعةِ والإحصارِ والوصيةِ والتطوُّع.
- ج ١٤ ص ٢٧٢
حديثٌ مُوفي أربعينَ لهشام بنِ عُروة
مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أن مُخنَّثًا كان عندَ أمِّ سَلَمةَ زوج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال لعبدِ الله بنِ أبي أُميّة ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يسمَعُ: يا عبدَ الله، إن فتَح اللهُ عليكم الطائفَ غدًا، فإنّي أدُلُّك على ابنةِ غَيْلان؛ فإنها تُقبِلُ بأربع وتُدبرُ بثمان. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَدخُلَنَّ هؤلاء عليكم" .
-
هكذا روَى هذا الحديثَ جمهورُ الرواةِ عن مالكٍ مرسلًا (٢) .
-
ورواه سعيدُ بنُ أبي مريم، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن أمِّ سَلَمة (٣) . والصوابُ عن مالكٍ ما في "الموطأ" ولم يسمَعْه عُروةُ من أمِّ سَلَمة، وإنما رواه عن زينبَ ابنتِها عنها (٤) ؛ كذلك قال ابنُ عُيينةَ وأبو معاوية، عن هشام.
-
فأما حديثُ ابن أبي مريم، عن مالك، فحدَّثناه أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوب، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: أخبرنا مالكٌ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن أمِّ سَلَمة، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -
ج ١٤ ص ٢٧٣كان عندَها، وكان مخنَّثٌ عندَهم جالسًا، فقال المخنَّثُ لعبدِ الله بنِ أبي أميةَ أخي أمِّ سَلَمة: إن فتَح اللهُ عليكم الطائفَ غدًا، فأنا أدُلُّك على ابنةِ غَيْلان؛ فإنها تُقبِلُ بأربع وتُدْبِرُ بثمان. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَدْخُلُ هؤلاء عليكم" (١) .
-
وأما حديثُ ابنِ عُيينة، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢) : حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أبي سَلَمة، عن أمِّها أمِّ سَلَمة، قالت: دخَلَ عليَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وعندي مُخنَّثٌ، فسمِعه يقولُ لعبدِ الله بنِ أبي أمية: يا عبدَ الله، أرأيتَ إن فتَح اللهُ عليكم الطائفَ غدًا، فعليك بابنةِ غَيْلان؛ فإنها تُقبلُ بأربعٍ وتُدبرُ بثمان. قالت: فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَدْخُلَنَّ هؤلاء عليكم" . قال سفيان: قال ابنُ جُريج: اسمُه هِيْتٌ (٣) . يعني: المخنَّثَ.
-
وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ وإبراهيمُ بنُ شاكر، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ بنِ حبيبٍ الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ عبدِ الخالق، قال: حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أبي سَلَمة، عن أمِّ سَلَمة. فذكَر الحديثَ بتمامِه (٤) .
ج ١٤ ص ٢٧٤قال أبو عُمر: ذكَر عبدُ الملك بنُ حبيب (١) ، عن حبيبٍ كاتب مالك: قلتُ لمالك: إن سفيانَ زاد في حديثِ ابنةِ غيلانَ أن مُخنَّثًا يقالُ له: هيتٌ. وليس في كتابك هِيتٌ. فقال مالك: صدَق، وهو كذلك، وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - غرَّبه إلى الحِمَى، وهو موضعٌ من ذي الحُلَيفةِ ذاتِ الشمال من مسجدِها. قال حبيبٌ: وقلتُ لمالك: وقال سفيانُ في الحديث: إذا قعَدت تَبَنَّتْ، وإذا تكلَّمت تغنَّت. قال مالك: صدَق، كذلك هو في الحديث.
قال: وقلتُ لمالك: قال سفيانُ في تفسير: تُقبِلُ بأربع وتُدبِرُ بثمان، يعني مِظَلَّة (٢) الأعراب، مُقدَّمُها أربع، ومَدْبرُها ثمان. فقال مالك: لم يصنَعْ شيئًا، إنا هي عُكَنٌ أربعٌ إذا أقبلَت، وثمانٍ إذا أدبرَت، وذلك أن الظَّهرَ لا تنكسِرُ فيه العُكَنُ.
قال أبو عُمر: كلُّ ما ذكَره حبيبٌ كاتبُ مالك، عن سفيانَ بنِ عيينةَ أنه قال في الحديث، يعني حديثَ هشام بنِ عُروةَ هذا، فغيرُ معروفٍ فيه عندَ أحدٍ من رُواتِه عن هشام، لا ابنِ عيينةَ ولا غيرِه، ولم يَقُلْ سفيانُ في نسَقِ الحديثِ أن مخنَّثًا يُدْعَى هيتٌ، وإنما ذكَرَه عن ابن جُريج بعدَ تمام الحديث، على ما ذكَرناه عن الحُميديِّ عنه، وهو أثبتُ الناس في ابنِ عُيينة، وكذلك قولُه عن سفيانَ أنه كان يقول في الحديث؟ إذا قعَدت تبَنَّت، وإذا تكلَّمت تغنَّت. هذا ما لم يَقلْه سفيانُ ولا غيرُه فيما علِمتُ في حديثِ هشام بن عُروة، وهذا اللفظُ لا يُحفظُ
ج ١٤ ص ٢٧٥إلا من روايةِ الواقديِّ (١) ، والعجبُ أنه يحكيه عن سفيان. ويَحكي عن مالك أنه كذلك، فصارت روايةً عن مالك، ولم يَروِ ذلك عن مالك غيرُ حبيب، ولا ذكَره عن سفيان غيرُه أيضًا، واللّهُ أعلم. وحبيبٌ كاتبُ مالك متروكُ الحديث، ضعيفٌ عندَ جميعهم، لا يُكتبُ حديثُه، ولا يُلتفتُ إلى ما يجيء به.
-
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد بن يوسُف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أبو سعيد بنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الجبارِ العُطارديُّ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ بُكير، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن زينبَ ابنةِ أمِّ سَلَمة، عن أمِّ سَلَمة، قالت: كان عندي مُخنَّثٌ، فقال لعبدِ الله أخي: إن فتَح اللهُ عليكم الطائفَ غدًا، فإني أدُلُّك على ابنةِ غَيْلان؛ فإنها تُقبِلُ بأربع وتُدبرُ بثمان. فسمِع رسولُ الله قوله، فقال: "لا يَدْخُلَنَّ هؤلاء عليكم" (٢) .
قال: وحدَّثنا يونسُ بنُ بُكير، عن ابن إسحاق، قال: وقد كان مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مولًى لخالتِه فاختةَ ابنةِ عَمْرِو بنِ عائذٍ مخنَّث، يقال له: ماتِعٌ. يدخُلُ على نساءِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ويكونُ في بيتِه، ولا يرى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يَفْطِنُ لشيءٍ من أمرِ النساءِ مما يَفْطِنُ إليه الرِّجال، ولا يرى أن له في ذلك أرَبًا، فسمِعه وهو يقولُ لخالدِ بنِ الوليد: يا خالدُ، إن فتَح رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الطائف، فلا تَنْفلِتنَّ منك بادِيةُ ابنةُ غيلانَ بنِ سَلَمة، فإنها تُقبلُ بأربع وتُدبرُ بثمان. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حينَ سمِع هذا منه: "ألا أرَى هذا الخبيثَ يفطِنُ لِما أسمَعُ" . ثم قال لنسائه: "لا يدخُلُ عليكم" . فحُجب عن بيتِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (٣) .
- ج ١٤ ص ٢٧٦
وفي هذا الحديثِ من الفقه: إباحةُ دخولِ المُخنَّثين من الرِّجال على النِّساء وإن لم يكونوا منهنَّ بمَحْرَم، والمُخنَّثُ الذي لا بأسَ بدخولِه على النِّساء هو المعروفُ عندَنا اليوم بالمؤنَّث، وهو الذي لا أربَ له في النِّساء، ولا يهتدي إلى شيءٍ من أُمورهنَّ، فهذا هو المؤنَّث المخنَّثُ الذي لا بأسَ بدُخُولِه على النِّساء، فأما إذا فهمَ معاني النِّساءِ والرِّجال، كما فهمَ هذا المخنَّث هيتٌ المذكورُ في هذا الحديث، لم يجُزْ للنساءِ أن يدخُلَ عليهنَّ، ولا جاز له الدُّخولُ عليهنَّ بوجْهٍ من الوُجوه، لأنه حينئذٍ ليس من الذين قال الله عزَّ وجلَّ فيهم {غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} [النور: ٣١] . وليس المُخنَّثُ الذي تُعرفُ فيه الفاحشةُ خاصةً وتُنسبُ إليه، وإنما المُخنَّثُ شدَّةُ التأنيثِ في الخِلْقةِ حتى يُشبِهَ المرأةَ في اللِّين والكلام والنظَر والنَّغَمة، وفي العَقْل والفِعْل، وسواءٌ كانت فيه عاهةُ الفاحشةِ أو لم تكن. وأصلُ التخنُّث: التكسُّرُ واللِّين، فإذا كان كما وصَفْنا لك، ولم يكنْ له في النساء أرَبٌ، وكان ضعيفَ العقل لا يفطِنُ لأمورِ النِّساءِ أَبْلَهَ، فحينئذٍ يكونُ من غير أُولي الإرْبَةِ الذين أُبيحَ لهم الدُّخولُ على النساء، ألا ترى أن ذلك المُخنَّثَ لما فهمَ من أمورِ النساء قصّةَ بنتِ غَيلانَ، نهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ عن دُخولِه على النساء، ونفاهُ إلى الحِمَى فيما رُوِيَ.
-
واختلَف العلماءُ في معنى قوله عزَّ وجلَّ: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} . اختلافًا متقاربَ المعنى لمَن تدبَّر.