مسألة: ليس من شرط الأصل أن يكون منصوصا على علته في المؤثر والملائم ولا مجمعا على تعليله
١٤ فقرة، ج ٢ ص ٤٠١
- ج ٢ ص ٤٠١
وقال بشر بن غياث١ إذا يكن منصوصا على علته ولا مجمعا٢ على تعليله لم يجز القياس عليه حكاه القاضي وابن برهان وهذا هو بشر المريس قال القاضي في المقدمة التي ذكرها في آخر المجرد والعلة المستنبطة لا بد من دليل بدل على صحتها وذلك الدليل هو كونها مؤثرة في الحكم وسلامتها على الأصول من نقص٣ أو معارضة.
-
قلت ذكر الخلاف أولا في العلة المستنبطة ثم في أثناء الكلام جعل الخلاف فيما علمت بالاستدلال ومورد الخلاف القطعية والمستدل عليها بلفظ الشارع وايمائه لا تكون قطعية فتكون الاقوال ثلاثة حدها لا بد من العلة المنصوصة أو المجمع عليها والثاني لا بد أن يدل عليها دليل شرعى وهو ظاهر ما قاله ابن حامد والثالث يعلم بالعقل تارة وبالشرع أخرى كما اختاره
ج ٢ ص ٤٠٢القاضي وعلى رواية [أنه] لا يستدل على العلة بالدوران ولا بالمناسبة وإن كانت مؤثرة فإن غاية ذلك أن هذا الوصف قد علمنا أن الشرع علق الحكم به في ذلك الموضع فمن أين نعلم أن هذا الحكم أيضا علقه به هذا محض تمثيل فكأنه اثبات لصحة هذا القياس بمجرد القياس والشيء لا يثبت بنفسه فقد صار لاصحابنا في المناسب المؤثر والغريب ثلاثة أقوال وإذا كان هذا في أقيسة المعاني والتعليل ففى أقيسة الأشباه١ والتمثيل أولى ونصه رضى الله عنه أنه لا يقاس الشىء على الشىء إلا إذا كان مثله في جميع أحواله يوافق في قياس التمثيل هذه الرواية في قياس التعليل وأما ما ذكر عن الصحابة فقصة أبي بكر هى من باب الأولى كما دل عليه لفظهم وأما الحرام فلم يختلفوا في علة شىء من الأصول فإن اليمين٢ والطلاق اللذين ألحقوا الحرام بهما حكمهما وعلتهما معروفة بالنص لكن هذا الفرع هل معناه معنى الطلاق أو معنى اليمين فالخلاف كان بينهم في ثبوت الوصف في الفرع الذي هو أحد مقدمتي القياس وهو من باب تحقيق مناط لا من تخريجه وثبوت الوصف في الفرع يعلم بالاستنباط بلا خلاف كما يعلم ثبوت المناط في أعيان الأفعال بالاستنباط بلا خلاف كما قد يختلف في بعض الالفاظ هل هو تصريح أو كناية وكما يختلف في وقوع الطلاق بالفراق والسراح والذي قاله القاضي له وجه كأن منشأ الخلاف استنباط العلة من الأصول المنصوصة أو تحقيقها في الفروع ولو فرض أنهم اختلفوا في علة الطلاق واليمين لكن إنما استفادوا العلة من ايماء القرآن مثل قوله: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} أما مجرد الاستنباط من غير اللفظ ففيه نظر وقد قدمت أن ابن حامد لا يخالف في الاستنباط السمعي كفحوى الخطاب وايمائه واشارته ولحنه وإنما يخالف في أنا بالعقل نعرف علة الحكم.
- [شيخنا] فصل:
-
ثم قال بعد هذا مسألة في العلة المستنبطة كعلة الربا ونحوها الشىء الدال على صحتها يخرج علىوجهين أحدهما أن يوجد الحكم بوجودها ويزول بزوالها وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية أحمد بن الحسين بن حسان فقال القياس أن يقاس الشىء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله وأقبل به وأدبر فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فهذا خطأ قال أبو بكر يعنى في كل أحواله في نفس الحكم لا في عينه لأنه لا بد من المخالفة بينهما والوجه الثاني يفتقر إلى شيئين دلالة عليها ودلالة على صحتها وهو أن يكون الوصف مؤثرا في الحكم المعلل فاذا عرف افتقر إلى سلامته على الأصول وهو أن يسلم من نقض ومعارضة [١فإن عارضها قياس مثلها أو أقوى منها وقفت ولم تكن علة وجه الأول أن العلل يستمر١] هذا الأصل فيها بدلالة المعنى الموجب لكون المحل أسود وجود السواد فالشرعية أولى أن يجوز هذا فيها وقد اتفقت الأمة على أن زنى المحصن هو المعنى الموجب للرجم لما كان الرجم يجب بوجوده ويعدم بعدمه قال ووجه الثاني في أن وجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها لا يدل على صحتها أننا قدجعلنا علة تحريم الخمر وجود الشدة فيه لوجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها فصارت هذه العلة [هى العلة] الموجبة لتكفير المستحل للخمر وإن كانت الشدة توجد في النبيذ ولا يوجد تكفير مستحله والدلالة على٢ أن صحتها تأثير الوصف وسلامتها هو أننا وجدنا أن التي لها أوصاف مكيل ومطعوم ومقتات ومزروع وموزون وله مثل وأجمعنا أن العلة هوالوصف المؤثر في الحكم [دون غيره] .
- [شيخنا] فصل:
-
ذكر القاضي في كتاب الروايتين والوجهين اختلافا في المذهب في صحة العلة المستنبطة فقال إذا ثبت معنى الحكم مقطوعا عليه بنص كتاب أوسنة أو إجماع رد غيره إليه إذا كان معناه فيه وهذا لا اشكال فيه فأما إن كان معنى الأصل عرف بالاستنباط مثل علة الربا [في الزائدة] بكيل أو مطعوم فهل يجب رد غيره إليه أم لا فقال شيخنا أبو عبد الله لا يجب رد غيره إليه فعلى قوله يكون القول ببعض القياس دون بعض وقد أومأ أحمد إليه في رواية مهنا وقد سأله هل نقيس بالرأى فقال لا هو أن يسمع الرجل الحديث فيقيس عليه قال معنى قوله لا يقيس بالرأى يعنى ما ثبت أصله بالرأى لا نقيس عليه.
-
قلت فكأن القاضي يقول إن اثبات علة الحكم في الأصل هو مثل اثبات نفس الحكم في الأصل بالرأى وهذا قريب وأحمد أراد أنه لا بد في القياس من أصل يرد الحكم عليه يرد بذلك مخالفة ما عليه أهل الرأى من الاستحسان الذي أنكره عليهم وهو وضع المسائل بالرأى والمناسبة المجردة ثم التفريع عليها ومثل هذا قوله إنما القياس أن يقيس على أصل أما أن تجىء إلى الأصل فتهدمه ثم تقول قياس فعلى أى شىء قست وتجد كثيرا من الكوفيين فرعوا١ على أصول موضوعة بعلل ومناسبات تشبه الاستحسان العقلي٢ والمصالح المرسلة وقد يؤخذ من كلامه هذا انكار الاستحسان الحنفي٣ والاستصلاح المالكي وكلامه هذا موافق لكلام الشافعي ويؤخذ من كلامه هذا أنه لا يقاس على أصل ثبت بالقياس كلما اختاره طائفة من الأصحاب وقوله لا يقاس بالرأى قد يؤخذ منه نفى الرأى في حكم الأصل ونفى الرأى في علة الحكم فإن استنباط العلة قياس بالرأى وقوله
ج ٢ ص ٤٠٥أن تسمع الحديث فنقيس عليه اما بتعليل دل كلام الشارع عليه واما تمسك١ بعدم الفارق قال القاضي وعندى أنه يجب رد غيره إليه وقد أومأ إليه في رواية ابن القاسم فقال لا يجوز الحديد والرصاص متفاضلا قياس علىالذهب والفضة قال فقد قاس الحديد والرصاص على الذهب والفضة والعلة في الأصل غير مقطوع عليها لأن العلة عند بعضهم كونها قيم المتلفات وعند ابن عباس٢ معنى آخر.
-
قال وجه الأول٣ أنه إذا كان معنى الأصل عرف بالاستدلال وغالب الظن فاذا رددنا غيره إليه عرفناه بالاستدلال وغالب الظن من غير أصل مقطوع على معناه وهذا لا يجوز وتحريره أن المعنى المستنبط غير مقعطوع على صحته فلم يجز القياس عليه ووجه الثانية أن الله أمرنا بالاعتبار ولم يفصل بل هذا أولى فإن هذا اعتبار حكمه٤ والذي قالوه اعتبار الفرع فقط فكان بالأمر أخص وإجماع الصحابة أن عمر وعليا قالا لأبي بكر رضيك رسول الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا وهذا قياس على معنى استنبطاه وكذلك قالوا لعمر إنما أنت مؤدب فلا شىء عليك وكذلك اختلافهم في الحرام حيث قال بعضهم يمين يكفر وبعضهم ظهار وبعضهم طلقة واحدة وبعضهم ثلاث فلك فريق إنما راعى معنى استنبطه فرد إليه في هذه الحادثة وكذلك اختلفوا في الخرقاء على خمسة مذاهب على هذا المعنى ولأن الاستدلال إلى القبلة فرض والناس فيه على ضربين من كان قريبا منها بالمعاينة ومن كان بعيدا بالاجتهاد بالدلائل٥ وكلها علامات مستنبطة كذلك الشرع٦ يؤخذ نطقا وهو ما ثبت بنص كتاب أو خبر متواتر ويؤخذ استدلالا وغلبة الظن وهو ما ثبت بأخبار الآحاد وكذلك هاهنا إذ صح
ج ٢ ص ٤٠٦رد الفرع إلى الأصل عرف معناه قطعا صح رده إليه وإن كان معناه عرف استدلالا دون غيره وإن كنا مختلف١ في التأثير فاذا كان الوصف المؤثر معتبرا فلا بد من اعتباره بالأصول فإن سلم من نقض أو معارضة دل على صحتها وإن وقف في أحدهما ثبت أنه ليس بعلة حقيقة الأمر ما ذكره المراغي٢ وقبله الغزالي وقبلهما أبو زيد وهو أن الدوران هل هو دليل على العلية فيه وجهان أحدهما ليس بحجة وسمونه الطرد كما يسمى الحنفية المطرد المحض الدوران وقد جعله ليس بحجة في أحد الوجهين والثاني هو قول أبي الخطاب وابن عقيل أنه حجة وأما التأثير ببعض له مناسبة ثبت تأثيرة في غير تلك الصورة ولم يتعرض القاضي للمناسبة.
-
قلت هذا الكلام يعود إلى الطرد السالم عن المعارضة وهذا هو القياس الذي كثيرا ما يستعمله القاضي وأهل زمانه من العراقيين وقبله وبعده ويسميه أبو زيد الطرد وذويه٣ الطرديين لكن ما أراد به والله أعلم الطرد المحض الذي يعلم انتفاء٤ علة الأصل معه وإنما أراد به الطرد الشبهي٥ وهو ما يجوز أن يكون متضمنا للعلة لكن اشتراط سلامته عن المعارض يحتمل شيئن أحدهما تعرض المستدل لذلك وهو السبر والتقسيم وهو أن يقال هذا الوصف قد اقترن به الحكم طردا٦ وليس هنا ما يصلح للتعليل غيره والثاني أن لا يتعرض له لكن المعترض ينقض ويعارض وفى الحقيقة فهو سواء في حق المناظر٧ وإنما يختلف في ترتيب المناظرة وهو يعود إلى الجمع والفرق بما بين الأصل والفرع من الصفات وقوله دلالة عليها يريد به التأثير [٨الذي هو وجود الوصف حيث وجد الحكم فإن عدم التأثير٨] عندهم وجود الحكم بلا وصف ولا علة أخرى
ج ٢ ص ٤٠٧كأنه استغنى عنه وقوله دلالة صحتها يريد به السلامة عن النقض والفرق وجعل الأول دليلا عليها لأن العلة المؤثرة في الحكم لا بد أن تكون معه حيث ما كان فهذا أولى ما يعرف به.
-
ثم قال القاضي [وأبو الطيب١] فأما إذا نازعه الخصم في وصف علته وامتنع من تسليمه ففسره بما يوافقه ويسلمه له وكان اللفظ محتملا لما فسره به قبل منه كما لو قال الحج لا يسقط بالموت لأنه فعل تدخله النيابة [وقد استقر عليه حال الحياة فلا يسقط بالموت كالدين فقيل له لا يثبت لأنه تدخله النيابة] ٢ لأنه يقع عن الحاج عندنا فقال أردت به أنه يأمره بفعله ويقصد المأمور فعله للآمر.
-
قلت فقد فرقوا بين نقض العلة٣ الذي هو معارضة وبين المنع والذي ذكره أبو محمد في جدله أن له أن يفسر كلامه في جواب النقض بما يوافق الظاهر وبما٤ يخالفه وإن كان النقض لمقدمة قياس الاستدلال الكلي٥.
- [شيخنا] فصل:
-
تلخيص هذا الباب أن الفرع إذا قيس٦ على أصل فاما أن يعلم تأثير ذلك الوصف في الحكم الذي في الأصل بنص كتاب أو سنة٧ أو إجماع أو غير ذلك أما الأول فلا خلاف فيه عند القياسيين وإنما الخلاف هل دليل لغوى مفهوم من اللفظ أو موقوف على دليل القياس؟
- ج ٢ ص ٤٠٨
وإن علم تأثير الوصف في الحكم الأصل بالاستنباط وكان الوصف مناسبا فاما أن يعلم تأثيره في غير الأصل بنص أو إجماع أو لا يعلم له تأثير في غير الأصل فالاول هو المناسب المؤثر والملائم والثاني هو الغريب ولاصحابنا في هذا الباب ثلاثة أقوال أحدها القول بالجميع كما قرره أبو محمد المقدسي وأبو محمد البغدادي والثاني١ نفى القول بالغريب كما ذكره أبو الخطاب في موضع الثالث عدم بالجميع كما قاله ابن حامد وعلى هذا يتبين لك أن أبا محمد والغزالي قبله يدخلان في قسم المستنبط المناسب المؤثر والمنصوص المناسب المؤثر وهو غلط فإن الأول فيه قياسان وهذا فيه قياس واحد وحقيقة الأمر أن المثبت بالقياس إن كان هو الحكم فقط فهو المنصوص وإن كان الحكم وعلة الأصل٢ فهو المؤثر وأما الغريب فاثبات بمجرد المناسبة غير المؤثرة وحقيقة الأمر في المؤثر أنه قياس لهذا الوصف على ذلك الوصف في علته فهو اثبات للعلة بالقياس وعلى هذا فلا يشترط في المؤثر أن يكون مناسبا وأبو محمد جعله من قسم المناسب ونظير هذا تعليق الحكم بالوصف المشتق هل يشترط فيه المناسبة على وجهين وكلام القاضي والعراقيين يقتضي أنهم لا يحتجون بالمناسب الغريب٣ ويحتجون بالمؤثر مناسبا كان أو غير مناسب ولهم في الدوران خلاف وجميع أدلتهم٤ تقتضي هذا فصار المؤثر المناسب لم يخالف فيه إلا ابن حامد وأما الموثر غير المناسب أو المناسب غير المؤثر ففيهما ثلاثة أوجه وقال ابن عقيل الذي لا شبه له هو الذي يقول الفقهاء لا تأثير له ويقول الخراسانيون الإخالة له فجعل المؤثر هو المحل.