مسألة: في الروايتين عن إمامنا إذا لم يعلم تاريخهما اجتهدنا في الأشبه بأصوله

١٠٨ فقرة، ج ٣ ص ٥٢٧

الصفحة ٢ من ٣

  1. في ترجيح المقلد أحد الأقوال لكثرة عدد قائليه من المفتين حالة الفتوى.

    ج ٣ ص ٥٣٨
  2. قال الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة الصحيح في هذه المسألة أن قول من قال: "لا يجوز تولية قاض حتى يكون من أهل الاجتهاد فإنه إنما عنى به هنا ما كانت الحالة عليه قبل استقرار ما استقر من هذه المذاهب التي أجمعت

    ج ٣ ص ٥٣٩الأئمة على أن كلا منها يجوز العمل به لأنه مستند إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو على سبيل معه فالقاضي في هذا الوقت وإن لم يكن قد متى في طلب الأحاديث وانقاء طرقها وعرف من لغة الناطق بالشريعة صلى الله عليه وسلم ما لا يعوزه معه معرفة ما يحتاج إليه فيه وغير ذلك من شروط الاجتهاد فإن ذلك مما قد فرغ له١ منه ودأب فيه سواه وانتهى الأمر من هؤلاء الأئمة المجتهدين إلى ما أراحوا به من بعدهم وانحصر الحق في أقاويلهم وتدونت العلوم وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق فإن عمل القاضي في أقضيته بما يأخذ عنهم أو عن الواحد منهم فإنه في معنى من كان باجتهاده إلى قول قاله وعلى ذلك فإنه إذا خرج من خلافهم متوخيا مواطن الاتفاق ما أمكنه كان آخذا بالحزم عاملا بالأولى وكذلك إذا قصد في مواطن الخلاف توخي٢ ما عليه الأكثر منهم والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد منهم فإنه قد أخذ ما محزم والأحوط والأولى مع جواز أن يعمل بقول الواحد إلا أنني أكره له أن يكون ذلك من حيث انه قد قرأ مذهب واحد منهم أو نشأ في بلدة لم يعرف فيها إلا مذهب إمام واحد منهم أو كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء خاصة يقصر نفسه على اتباع ذلك المذهب حتى إذا حضر عنده خصمان وكان ما تشاجرا فيه مما يفتى الفقهاء الثلاثة فيه بحكم واحد نحو التوكيل بغير رضا الخصم وكان الحاكم حنفيا وقد علم أن مالكا والشافعي وأحمد اتفقوا على جواز هذا التوكيل دون أبى حنيفة فعدل عما أجمع عليه هؤلاء الأئمة الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة لمجرد أنه قاله فقيه هو في الجملة من فقهاء الاتباع له من غير أن يثبت عنده بالدليل ولا أداه اجتهاده إلى أن قول أبى حنيفة أولى مما اتفق عليه الجماعة فإني أخاف على مثل هذا أن يكون ممن اتبع هواه وأنه لا يكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وكذلك إن كان على مذهب مالك فقضى بتطهير الكلب

    ج ٣ ص ٥٤٠وكذلك إن كان على مذهب الشافعي فقضى في متروك التسمية [عمدا١] بالحل خلافا للثلاثة وكذلك إن كان على مذهب أحمد فقال أحد الخصمين كان له على مال وقضيته يقضى عليه بالبراءة من إقراره مع علمه بخلاف الفقهاء الثلاثة فإن هذا وأمثاله إذا توخي فيه اتباع الأكثرين [فأمره عندي٢] أقرب إلى الخلاص وأرجح في العمل وبمقتضى هذا فإن ولايات الحكام في وقتنا هذا ولايات صحيحة وإنهم قد سدوا من ثغر الإسلام ما سده فرض كفاية ومتى أهملنا هذا القول ولم نذكره ومشينا على طريق التغافل التي يمشى فيها من يمشى من الفقهاء الذين يذكر كل منهم في كتاب ان صنفه أو كلام ان قاله أنه لا يصح أن يكون أحد قاضيا حتى يكون من أهل الاجتهاد ثم يذكر في شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة في الحكام فإن هذا كالإحالة وكالتناقض وكأنه تعطيل للأحكام وسد لباب الحكم وإلا ينفذ لأحد حق ولا يكاتب به ولا تقام بينة ولا يثبت لأحد ملك إلى غير ذلك من القواعد الشرعية فكان هذا الأصل غير صحيح وبان أن الحكام اليوم حكوماتهم صحيحة نافذة وولاياتهم جائزة شرعا فقد تضمن هذا الكلام أن تولية المقلد تجوز إذا تعذر تولية المجتهد وأنه انعقد الإجماع على تقليد كل واحد من هذه المذاهب الأربعة وإن إجماع الفقهاء حجة لا يخرج الحق عنهم وأنه ينبغي الاحتراز من الاختلاف فإن لم يكن فإتباع الأكثر أولى ويكره تقليد الواحد المخالف للأكثر لأجل تقدم ونحوه.

  3. وقال أيضا في أول شرح الحديث كل من هذه المذاهب إذا أخذ به آخذ ساغ له ذلك فإن خرج من الخلاف فأخذ بالاحوط كتحرية مسح جميع رأسه وأخذ فيما لا يمكنه الخروج من الخلاف فيه كمسألة البسملة بقول الأكثر كان

    ج ٣ ص ٥٤١هو الأولى قال وعلى هذا أرى ما استمر من الخلفاء الراشدين يعنى خلفاء بغداد من ترك الجهر في الجوامع لأن الخطباء قد يكون فيهم من يعتقد مذهب الشافعي إلا أنهم استمروا على ذلك لما ذكرته قال وهذا هو المانع لي من الجهر لأكون مع الأكثر فأما المجتهد فإنه إذا ثبت عنده حق بمقتضى ما أداه اجتهاده إليه في مسألة فإن فرضه ما أدى إليه اجتهاده على أن المجتهد اليوم لا يتصور اجتهاده في هذه المسائل التي قد تحررت في المذاهب لأن المتقدمين قد فرغوا من ذلك فأما هذا الجدل الذي يقع بين أهل المذاهب فإنه أوفق ما يحمل الأمر فيه يأن يخرج مخرج الإعادة والتدريس فيكون الفقيه به معيدا محفوظه ودارسا ما يعلمه فأما اجتماع الجمع منهم متجادلين في مسألة مع أن كل واحد منهم لا يطمع في أن يرجع خصمه إليه إن ظهرت حجته ولا هو يرجع إلى خصمه إن ظهرت حجته عليه ولا فيه عندهم فائدة ترجع إلى مؤانسة ولا إلى استجلاب مودة ولا إلى توطئة القلوب لوعى الحق بل هو على الضد من ذلك فإنه مما قد تكلم فيه العلماء وأظهروا من عذره١ ما أظهروا كابن بطة وابن حامد في جزءه ولا يتمارى في أنه محدث متجدد فأما تعيين المدارس بأسماء فقهاء معينين فإنه لا أرى به بأسا حيث ان اشتغال الفقهاء بمذهب واحد من غير أن يختلط بهم فقيه في مذهب آخر يثير الخلاف معهم ويوقع النزاع فإنه حكى لي الشيخ محمد بن يحيى عن القاضي أبى يعلى أنه قصده فقيه ليقرأ عليه مذهب أحمد فسأله عن بلده فأخبره فقال له إن أهل بلدك كلهم يقرأون مذهب الشافعي فلماذا عدلت أنت عنه إلى مذهبنا فقال له إنما عدلت عن المذهب رغبة فيك أنت فقال ان هذا لا يصلح فانك إذا كنت في بلدك على مذهب أحمد وباقي أهل البلد على مذهب الشافعي لم تجد أحدا يعبد معك٢ ولا يدارسك وكنت خليقا أن تثير خصومة وتوقع نزاعا بل كونك

    ج ٣ ص ٥٤٢على مذهب الشافعي حيث أهل بلدك على مذهبه أولى ودله على الشيخ أبى إسحاق وذهب به إليه فقال سمعا وطاعة أقدمه على الفقهاء وألتفت إليه وكان هذا من علمهما معا وكون كل واحد منهما يريد الآخرة وعلى هذا فلا ينبغي أن يضيق في الاشتراط على المسلمين في شروط المدارس فإن المسلمين إخوة وهى مساكن تبنى لله فينبغي أن يكون في اشتراطها ما يتسع لعباد الله فإنني امتنعت من دخول مدرسة شرط فيها شروط لم أجدها عندي ولعلى منعت بذلك أن أسأل عن مسألة أحتاج إليها أو أفيد أو أستفيد.

  4. [شيخنا] فصل:
  5. قال أبو الخطاب أجمع الناس على أن المجتهد إذا حكم في حادثة بحكم ثم جاءته مثلها أنه لا يقنع بذلك الاجتهاد بل يجتهد ثانيا وما عليه دليل قطعي لا يحتاج إلى ذلك كمن عرف التوحيد والنبوة قال وفيه نظر.

  6. وقال أيضا إذا سئل المفتى عن مسألة فإن كان قد تقدم له فيها اجتهاد وقول وهو ذاكر لطريق الاجتهاد والحكم جاز له أن يفتى بذلك وإلا١ فلا فإن ذكر الحكم دون طريق الاجتهاد لزمه أن يذكر طريق الاجتهاد ويعيد النظر في ذلك فإن أداه اجتهاده إلى ذلك الحكم أفتى به وإن أداه إلى غيره أفتى به أيضا.

  7. وكذلك ذكر ابن عقيل.

  8. وذكر أبو عمرو بن الصلاح أنه إذا وقعت الحادثة مرة ثانية فإن كان ذكر الفتيا الأولى ومستندها إلى أصل الشرع إن كان مستقلا أو بالنسبة إلى مذهبه إن كان منتسبا إلى مذهب ذي مذهب أفتى بذلك وإن تذكرها دون

    ج ٣ ص ٥٤٣مستندها ولم يظهر ما يوجب رجوعه عنها فقد قيل له أن يفتى بذلك والأصح أنه لا يفتى حتى يجدد النظر ومن لم تكن فتياه حكاية عن غيره لم يكن له بد من استصحاب الدليل فيها.

  9. [شيخنا] فصل:
  10. إذا حدثت مسألة ليس فيها قول لأحد العلماء جاز الاجتهاد فيها والحكم والفتوى لمن هو أهل لذلك للحاجة قال وقد أومأ أحمد إلى المنع منه كقوله للميموني إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام وقيل يجوز ذلك في الفروع دون الأصول وهو أولى فإن سأل عامي عن مسألة لم تقع جاز إجابته وقيل يستحب ان قصد معرفة الحكم لاحتمال أن يقع له أو لغيره أو لتفقه فيه وقيل كما سبق يكره ذلك مطلقا.

  11. [شيخنا] فصل:
  12. قال أبو الخطاب وإن أفتى باجتهاده ثم تغير اجتهاده فإن كان المستفتى قد عمل بما أفتاه لم يلزم المفتى أن يعرفه بتغير اجتهاده ولم يلزم المستفتى نقض ما عمله وإن كان لم يعمل بها لزمه ذلك ان أمكنه لأن العامي يعمل بذلك الحكم لأنه قول ذلك المفتى ومعلوم أنه ليس هو قوله في ذلك الحال فإن لم يفعل ومات المفتى فهل يجوز للمستفتى العمل بما أفتاه فيه احتمالان أحدهما لا يجوز لأنه لا يدرى أنه لو كان حيا كان قائلا بذلك الحكم وطريقة الاجتهاد فيه أم لا.

  13. قلت على هذا فلو كان حيا لم يجز أن يعمل بالفتيا ثانيا حتى يستفتيه مرة ثانية وهذا بعيد وهو قول القاضي كما تقدم ويحتمل أن يجوز لأن الظاهر أنه قوله حتى مات وموته قد أزال عنه التكليف والذي ذكره أبو عمرو بن الصلاح عن مذهبه أن المفتى إذا رجع قبل العمل بها لم يجز العمل بها للمستفتى وكذلك لو نكح بفتواه أو أستمر على نكاحه ثم رجع لزمه مفارقتها كما لو تغير اجتهاد من

    ج ٣ ص ٥٤٤قلده في القبلة في أثناء صلاته وإن رجع بعد عمل المستفتى فإن كان مخالفا [لقاطع] ١ لزم المستفتى نقض عمله ذلك وإن كان في محل الاجتهاد لم يلزمه نقضه.

  14. قال أبو عمرو من عنده وإذا كان إنما يفتى بمذهب إمام معين فرجوعه لمخالفة نص إمامه قطعا يوجب نقضه وإن كان في محل الاجتهاد لأن نص المذهب في حقه كنص الشارع في حق المجتهد وإذا لم يعلم المستفتى برجوعه فحاله على ما كان ويلزم المفتى إعلامه برجوعه قبل العمل وبعده حيث يجب النقض.

  15. [شيخنا] فصل: في كيفية الفتوى

    إذا سئل المجتهد عن الحكم لم يجز له أن يفتى بمذهب غيره لأنه إنما سئل عما عنده فإن سئل عن مذهب غيره جاز له أن يحكيه لأن العامي يجوز له حكاية قول غيره ولا يجوز له أن يفتى بما يجده في كتب الفقهاء لا بما يفتيه به فقيه هذا قول أبى الخطاب.

  16. وقال الحليمي والروياني لا يجوز للمقلد أن يفتى بما هو مقلد فيه وذكر أبو محمد الجويني عن القفال والمروذى أنه يجوز لمن حفظ مذهب صاحب مذهب ونصوصه أن يفتى به وإن لم يكن عارفا بغوامضه وحقائقه.

  17. وقال أبو محمد لا يجوز أن يفتى بمذهب غيره إذا لم يكن متبحرا فيه عالما بغوامضه وحقائقه كما لا يجوز للعامي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتى بها وإذا كان متبحرا فيه جاز أن يفتى به.

  18. قال أبو عمرو وقول من قال لا يجوز معناه أنه لا يذكره في صورة ما يقوله من عند نفسه بل يضيفه إلى إمامه الذي يحكيه عنه قال فعلى هذا من عددناه

    ج ٣ ص ٥٤٥في المفتين من المقلدين ليسوا في الحقيقة من المفتين ولكنهم قاموا مقامهم فعدوا معهم وسبيلهم أن يقولوا مثلا مذهب فلان كذا ومقتضى مذهبه كذا ومنهم من ترك إضافة ذلك إلى إمامه اكتفاء بدلالة الحال.

  19. وذكر الماوردي في الحاوي في العامي إذا عرف حكم حادثة بنى على دليلها ثلاثة أوجه أحدها أنه يجوز أن يفتى به ويجوز تقليده فيه والثاني يجوز ذلك إن كان دليلها من الكتاب أو السنة والثالث وهو الأصح أنه لا يجوز ذلك مطلقا.

  20. [شيخنا] فصل:
  21. وذكر ابن عقيل أن العامي لا يجوز له التقليد إلا المجتهد وكذلك التزم أنه لا بد في كل عصر من مجتهد يجوز للعامي تقليده ويجوز أن يولى القضاء وهذا يقتضى أن المفتى لا يجوز أن يفتى بالنقل عن غيره من المجتهدين المتقدمين وابن عقيل إنما عنى بذلك الاجتهاد المطلق.

  22. فصل:
  23. وليس له أن يفتى في كل حال يغير خلقه ويشغل قلبه بحيث يمنعه من التثبت كالغضب أو الجوع أو العطش أو الحزن أو الفرح الغالب أو النعاس أو الملال أو المرض أو الحر المزعج أو البرد المؤلم أو مدافعة الأخبثين وهو أعلم بنفسه فإن أفتى في شيء من هذه الأحوال وهو يعلم ويرى أن ذلك لم يمنعه من إدراك الصواب صحت فتياه وإن خاطر بها.

  24. قال يعنى ابن صلاح والأولى بالتصدي للفتوى أن يتبرع بها ويجوز له أن يرتزق على ذلك من بيت المال إلا إذا تعين عليه وله كفايته فظاهر المذهب أنه لا يجوز وإذا كان له رزق فلا يجوز له أخذ الأجرة أصلا وإن لم يكن له رزق فليس له أخذ أجرة من أعيان من يفتيه كالحاكم على الأصح واحتال

    ج ٣ ص ٥٤٦أبو حاتم القزويني فقال لو قال له إنما يلزمني أن أفتيك قولا وأما بذل الخط فلا فإن أستأجره على أن يكتب له كان ذلك جائزا.

  25. وذكر أبو القاسم الصيمرى أنه لو اجتمع أهل البلد على أن جعلوا له رزقا من أموالهم لتفرغ لفتاويهم جاز ذلك.

  26. وأما الهدية فأطلق أبو المظفر السمعاني جواز قبولها بخلاف الحاكم قال أبو عمرو وينبغي أن يقال إنه يحرم عليه قبولها إذا كانت رشوة على أن يفتيه بما يريد.

  27. وذكر أبو عمرو بن الصلاح أن المفتى ينقسم قسمين مستقل وغيره.

  28. فالمستقل المجتهد المطلق وهو القائم بمعرفة أدلة الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما التحق بها على التفصيل وهى مفصلة في كتب الفقه العالم بما يشترط في الأدلة ووجوه دلاتها وكيفية اقتباس الحكم منها وذلك في أصول الفقه الذي يعرف من علم القرآن والحديث وعلم الناسخ والمنسوخ والنحو واللغة واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن به من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها ذا دربه وارتياض في استعمال ذلك عالما بالفقه ضابطا لأمهات مسائلة وتفاريعه المفروغ من تمهيدها فهذا هو المفتى المطلق المستقل الذي يتأدى به فرض الكفاية ولا يكون إلا مجتهدا مستقلا وهو الذي يستقل بادراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية من غير تقليد ولا تقييد.

  29. قال وما ذكرنا من كونه حافظا لمسائل الفقه لم يعد من شروطه في كثير من الكتب المشهورة بناء على أن الفقه من ثمراته فلا يكون شرطا واشتراطه أبو إسحاق الاسفرائيني وصاحبه أبو منصور البغدادي وغيرها.

  30. قال واشتراط ذلك في المفتى المذكور١ هو الصحيح وإن لم يكن كذلك في صفة المجتهد المستقل على تجرده.

  31. قال وهل يشترط فيه أن يعرف من الحساب ما تصح به المسائل الحسابية الفقهية حكى أبو إسحاق وأبو منصور فيه خلافا للأصحاب والأصح اشتراطه وهذا إنما يشترط في المفتي في جميع أبواب الشرع.

    ج ٣ ص ٥٤٧
  32. القسم الثاني المفتى الذي ليس بمستقل ومنذ دهر طوى بساط المفتى المستقل والمجتهد المطلق وأفضى أمر الفتوى إلى الفقهاء المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة وللمفتى المنتسب أحوال أربع.

  33. أحدها أن لا يكون مقلدا لإمامه لا في المذهب ولا في دليله وإنما انتسب إليه لسلوك طريقه في الاجتهاد وذكر عن أبى إسحاق الاسفرائيني أنه حكى عن أصحاب مالك وأحمد وداود وأكثر أصحاب أبى حنيفة أنهم صاروا إلى مذهب أئمتهم تقليدا لهم ثم قال والصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي لا على جهة التقليد له لكن لأنهم وجدوا طريقة في الاجتهاد والفتاوى أسد الطرق.

  34. قال أبو عمرو ودعوى انتفاء التقليد عنهم مطلقا من كل وجه لا تستقيم إلا أن يكونوا قد أحاطوا بعلوم الاجتهاد المطلق وذلك لا يلائم المعلوم من أحوالهم أو أحوال أكثرهم وذكر بعض الأصوليين من أصحابنا أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل وحكي اختلافا بين الحنفية والشافعية في أبى يوسف ومحمد والمزني وابن سريج هل كانوا مستقلين أم لا قال ولا يستنكر دعوى ذلك فيهم في فن من الفقه بناء على جواز تجزؤ منصب الاجتهاد ويبعد جريان الخلاف في حق هؤلاء المتبحرين الذين عم نظرهم الأبواب كلها وفتوى المنتسبين في هذه الحال في حكم فتوى المجتهد المستقل المطلق يعمل بها ويعتد بها في الإجماع والخلاف.

  35. الحالة الثانية أن يكون مجتهدا مقيدا في مذهب إمامه يستقل بتقرير مذهبه بالدليل غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده ولا بد أن يكون عالما

    ج ٣ ص ٥٤٨بأصول الفقه لكنه قد أخل ببعض الادوات كالحديث واللغة فإن استدل بدليل إمامه لا يبحث عن معارض له ولا يستوفي النظر في شروطه وقد اتخذ نصوص إمامه أصولا يستنبط منها كما يفعل المستقل بنصوص الشارع والعامل بفتيا هذا مقلد لإمامه.

  36. قال والذي رأيت من كلام الأئمة يشعر بأن فرض الكفاية لا يتأدى بمثل هذا قال وأقول يتأدى به فرض الكفاية في الفتوى ولا يتأدى به في إحياء العلوم التي منها استمداد الفتوى لأنه قائم مقام المطلق والتفريغ على جواز تقليد الميت وهو الصحيح وقد يوجد منه الاستقلال في مسألة خاصة أو باب خاص ويجوز له أن يفتى فيما لم يجده من أحكام الوقائع منصوصا لإمامه بما يخرجه على مذهبه هذا هو الصحيح الذي عليه العمل واليه مفزع المفتين من مدد مديدة وهو في مذهب إمامه بمنزلة المجتهد في الشريعة وهو أقدر والمستفتى فيما يفتيه من تخريجه مقلد لإمامه لا له قطع به أبو المع إلى قال وأنا أقول ينبغي أن يخرج هذا على خلاف حكاه أبو إسحاق الشيرازي [في أن ما يخرجه أصحاب الشافعي على مذهبه هل يجوز أن ينسب إليه أم لا والذي اختاره أبو إسحاق أنه] ١ لا ينسب إليه قال وتخريجه تارة من نص معين وتارة تخريجه على وفق أصوله بأن يجد دليلا من جنس ما يحتج به إمامه.

  37. والأولى إذا وجد نص بخلافه يسمى ما خرجه قولا مخرجا وإن وقع الثاني في مسألة قد قال فيها بعض الأصحاب غير ذلك يسمى وجها.

  38. وشرط التخريج أن لا يجد بين المسألتين فارقا وإن لم يعلم العلة الجامعة كالأمة مع العبد في السراية ومهما أمكنه الفرق بين المسألتين لم يجز له على الأصح

    ج ٣ ص ٥٤٩التخريج ولزمه تقرير النصين على ظاهرهما وكثيرا ما يختلفون في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق.

  39. الحال الثالثة أن يكون حافظا للمذهب عارفا بأدلته لكنه قصر عن درجة المجتهدين في المذهب لقصور في حفظه أو تصرفه أو معرفته بأصول الفقه وهى مرتبة المصنفين إلى أواخر المائة الخامسة قصروا عن الأولين في تمهيد المذهب وأما في الفتوى فبسطوا بسط أولئك وقاسوا على المنقول والمسطور غير مقتصرين على القياس الجلي وإلغاء الفارق.

  40. الحالة الرابعة أن يحفظ المذهب ويفهمه في واضحات المسائل ومشكلاتها غير أنه مقصر في تقرير أدلته فهذا يعتمد نقله وفتواه في نصوص الإمام وتفريعات أصحابه المجتهدين في مذهبه وما لم يجده منقولا فإن وجد في المنقول ما يعلم أنه مثله من غير فصل يمكن كالأمة بالنسبة إلى العبد في سراية العتق أو علم اندراجه تحت ضابط منقول ممهد في المذهب جاز له إلحاقه به والفتوى به وإلا فلا قال ويندر عدم ذلك كما قال أبو المع إلى يبعد أن تقع واقعة لم ينص على حكمها في المذهب ولا هي في معنى شيء من المنصوص عليه فيه من غير فرق ولا هي مندرجة تحت شيء من ضوابطه ولا بد في هذا أن يكون فقيه النفس يصور المسائل على وجهها وينقل أحكامها بعد استتمام تصويرها جليها وخفيها.